An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
القلم
Al-Qalam
The Pen · Meccan · 52 ayahs
(p-٥١٨)سُورَةُ "اَلْقَلَمِ"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
﴿ن﴾، اَلظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هَذا الحَرْفُ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ، وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ: "إنَّهُ الدَواةُ"، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما -: "إنَّهُ الحُوتُ الَّذِي عَلَيْهِ الأرْضُ، واسْمُهُ يَهْمُوتُ"، فَمُشْكِلٌ، لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، سَواءٌ كانَ اسْمَ جِنْسٍ، أوِ اسْمَ عَلَمٍ، فالسُكُونُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن حُرُوفِ التَهَجِّي،
﴿والقَلَمِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ بِهِ اللَوْحُ، أوْ "قَلَمِ المَلائِكَةِ"، أوِ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ الناسُ، أقْسَمَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، والفَوائِدِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ،
﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أيْ: ما يُسَطِّرُهُ الحَفَظَةُ، أوْ ما يُكْتَبُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ مَن كَتَبَ، و"ما"، مَوْصُولَةٌ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وجَوابُ القَسَمِ:
68:2Page 564
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.
﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإنْعامِهِ عَلَيْكَ بِالنُبُوَّةِ، وغَيْرِها، فَـ "أنْتَ"، اِسْمُ "ما"، وخَبَرُها: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾، و"بِنِعْمَةِ رَبِّكَ"، اِعْتِراضٌ بَيْنَ الِاسْمِ والخَبَرِ، والباءُ في "بِنِعْمَةِ رَبِّكَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ومَحَلُّهُ النَصْبُ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها "بِمَجْنُونٍ"، وتَقْدِيرُهُ "ما أنْتَ بِمَجْنُونٍ مُنْعَمًا عَلَيْكَ بِذَلِكَ"، ولَمْ تَمْنَعِ الباءُ أنْ يَعْمَلَ "مَجْنُونٍ"، فِيما قَبْلَهُ، لِأنَّها زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَفْيِ، وهو جَوابُ قَوْلِهِمْ: (p-٥١٩)﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]
﴿وَإنَّ لَكَ﴾، عَلى احْتِمالِ ذَلِكَ، والصَبْرِ عَلَيْهِ،
﴿لأجْرًا﴾، لَثَوابًا،
﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، غَيْرَ مَقْطُوعٍ، أوْ غَيْرَ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ بِهِ.
﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قِيلَ: هو ما أمَرَهُ اللهُ (تَعالى) بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْها -: "كانَ خُلُقُهُ القُرْآنُ"، أيْ: ما فِيهِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وإنَّما اسْتَعْظَمَ خُلُقَهُ لِأنَّهُ جادَ بِالكَوْنَيْنِ وتَوَكَّلَ عَلى خالِقِهِما.
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ أيْ: عَنْ قَرِيبٍ تَرى ويَرَوْنَ، هَذا وعْدٌ لَهُ، ووَعِيدٌ لَهم.
﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾، اَلْمَجْنُونُ، لِأنَّ "فُتِنَ"، أيْ: مُحِنَ بِالجُنُونِ، والباءُ مَزِيدَةٌ، أوْ "اَلْمَفْتُونُ"، مَصْدَرٌ، كَـ "اَلْمَعْقُولُ"، أيْ: بِأيِّكُمُ الجُنُونُ، وقالَ الزَجّاجُ: اَلْباءُ بِمَعْنى "فِي"، تَقُولُ: "كُنْتُ بِبَلَدِ كَذا"، أيْ: "فِي بَلَدِ كَذا"، وتَقْدِيرُهُ: "فِي أيِّكُمُ المَفْتُونُ"، أيْ: "فِي أيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ المَجْنُونُ"، فَرِيقِ الإسْلامِ، أوْ فَرِيقِ الكُفْرِ.
68:7Page 564
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِالمَجانِينِ، عَلى الحَقِيقَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ،
﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ: هو أعْلَمُ بِالعُقَلاءِ، وهُمُ المُهْتَدُونَ.
﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾، تَهْيِيجٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مُعاصاتِهِمْ، وقَدْ أرادُوا أنْ يَعْبُدَ اللهَ مُدَّةً، وآلِهَتَهم مُدَّةً، ويَكُفُّوا عَنْهُ غَوائِلَهم.
68:9Page 564
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾، لَوْ تَلِينُ لَهُمْ،
﴿فَيُدْهِنُونَ﴾، فَيَلِينُونَ لَكَ، ولَمْ يُنْصَبْ بِإضْمارِ "أنْ"، وهو جَوابُ التَمَنِّي، لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ إلى طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنْ جُعِلَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "فَهم يُدْهِنُونَ"، أيْ: "فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ، لِطَمَعِهِمْ في إدْهانِكَ".
68:10Page 564
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠
And do not obey every worthless habitual swearer
(p-٥٢٠)﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾، كَثِيرِ الحَلِفِ، في الحَقِّ، والباطِلِ، وكَفى بِهِ مَزْجَرَةً لِمَنِ اعْتادَ الحَلِفَ،
﴿مَهِينٍ﴾، حَقِيرٍ في الرَأْيِ، والتَمْيِيزِ، مِن "اَلْمَهانَةُ"، وهي القِلَّةُ، والحَقارَةُ، أوْ كَذّابٍ، لِأنَّهُ حَقِيرٌ عِنْدَ الناسِ.
﴿هَمّازٍ﴾، عَيّابٍ، طَعّانٍ، مُغْتابٍ،
﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، نَقّالٍ لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، عَلى وجْهِ السَعايَةِ والإفْسادِ بَيْنَهُمْ، و"اَلنَّمِيمُ"، و"اَلنَّمِيمَةُ": اَلسَّعايَةُ.
68:12Page 564
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
A preventer of good, transgressing and sinful,
﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾، بِخِيلٍ، و"اَلْخَيْرُ": اَلْمالُ، أوْ مَنّاعٍ أهْلَهُ مِنَ الخَيْرِ، وهو الإسْلامُ، والمُرادُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، عِنْدَ الجُمْهُورِ، وكانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ العَشَرَةِ: مَن أسْلَمَ مِنكم مَنَعْتُهُ رِفْدِي،
﴿مُعْتَدٍ﴾، مُجاوِزٍ في الظُلْمِ حَدَّهُ،
﴿أثِيمٍ﴾، كَثِيرِ الآثامِ.
﴿عُتُلٍّ﴾، غَلِيظٍ جافٍ،
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾، بَعْدَ ما عُدَّ لَهُ مِنَ المَثالِبِ،
﴿زَنِيمٍ﴾، دَعِيٍّ، وكانَ الوَلِيدُ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ، لَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً مِن مَوْلِدِهِ، وقِيلَ: بَغَتْ أُمُّهُ، ولَمْ يُعْرَفْ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والنُطْفَةُ إذا خَبُثَتْ، خَبُثَ الناشِئُ مِنها، رُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ عَلى أُمِّهِ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا وصَفَنِي بِعَشْرِ صِفاتٍ، وجَدْتُ تِسْعًا فِيَّ، فَأمّا الزَنِيمُ فَلا عِلْمَ لِي بِهِ، فَإنْ أخْبَرَتِنِي بِحَقِيقَتِهِ، وإلّا ضَرَبْتُ عُنُقَكِ، فَقالَتْ: إنَّ أباكَ عِنِّينٌ، وخِفْتُ أنْ يَمُوتَ فَيَصِلَ مالُهُ إلى غَيْرِ ولَدِهِ، فَدَعَوْتُ راعِيًا إلى نَفْسِي، فَأنْتَ مِن ذَلِكَ الراعِي.
﴿أنْ كانَ ذا مالٍ﴾، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "وَلا تُطِعْ"، أيْ: ولا تُطِعْهُ مَعَ هَذِهِ المَثالِبِ، لِـ "أنْ كانَ ذا مالٍ"، أيْ: لِيَسارِهِ، وحَظِّهِ مِنَ الدُنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ، أيْ: لِـ "أنْ كانَ ذا مالٍ ﴿وَبَنِينَ﴾، كَذَّبَ بِآياتِنا"، يَدُلُّ عَلَيْهِ:
68:15Page 564
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أيْ: اَلْقُرْآنُ،
﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "قالَ"، لِأنَّ ما بَعْدَ الشَرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، "أأنْ"، " حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ"، أيْ: "ألِأنْ كانَ ذا مالِ كَذَبَ"، "آنْ"، "شامِيٌّ ويَزِيدُ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ "، قالُوا: لَمّا عابَ الوَلِيدُ النَبِيَّ ﷺ كاذِبًا بِاسْمٍ واحِدٍ، وهو "اَلْمَجْنُونُ"، (p-٥٢١)سَمّاهُ اللهُ (تَعالى) بِعَشَرَةِ أسْماءَ، صادِقًا، فَإنْ كانَ مِن عَدْلِهِ أنْ يَجْزِيَ المُسِيءَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَشَرَةٍ، كانَ مِن فَضْلِهِ أنَّ مَن صَلّى عَلَيْهِ واحِدَةً، ﷺ بِها عَشْرًا.
﴿سَنَسِمُهُ﴾، سَنَكْوِيهِ،
﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾، عَلى أنْفِهِ، مَهانَةً لَهُ، وعَلَمًا يُعْرَفُ بِهِ، وتَخْصِيصُ الأنْفِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الوَسْمَ عَلَيْهِ أبْشَعُ، وقِيلَ: خُطِمَ بِالسَيْفِ يَوْمَ " بَدْرٍ "، فَبَقِيَتْ سِمَةً عَلى خُرْطُومِهِ.
68:17Page 565
إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧
Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning
﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾، اِمْتَحَنّا أهْلَ مَكَّةَ بِالقَحْطِ، والجُوعِ، حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والرِمَمَ، بِدُعاءِ النَبِيِّ ﷺ، حَيْثُ قالَ: " «اَللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ، واجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ" »،
﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾، هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الصَلاةِ، كانَتْ لِأبِيهِمْ هَذِهِ الجَنَّةُ بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها: ذَرْوانَ، وكانَتْ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن صَنْعاءَ، وكانَ يَأْخُذُ مِنها قُوتَ سَنَةٍ، ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي عَلى الفُقَراءِ، فَلَمّا ماتَ قالَ بَنُوهُ: إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ، ونَحْنُ أُولُو عِيالٍ، فَحَلَفُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، في السَدَفِ، خُفْيَةً مِنَ المَساكِينِ، ولَمْ يَسْتَثْنُوا في يَمِينِهِمْ، فَأحْرَقَ اللهُ جَنَّتَهُمْ، وقالَ الحَسَنُ: كانُوا كُفّارًا، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ،
﴿إذْ أقْسَمُوا﴾، حَلَفُوا،
﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾، لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَها،
﴿مُصْبِحِينَ﴾، داخِلِينَ في الصُبْحِ، قَبْلَ انْتِشارِ الفُقَراءِ، حالٌ مِن فاعِلِ "لَيَصْرِمُنَّها".
﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾، ولا يَقُولُونَ: "إنْ شاءَ اللهُ"، وسُمِّيَ "اِسْتِثْناءً"، وإنْ كانَ شَرْطًا صُورَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي مُؤَدّى الِاسْتِثْناءِ، مِن حَيْثُ إنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: "لَأخْرُجَنَّ إنْ شاءَ اللهُ"، و"لا أخْرُجُ إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، واحِدٌ.
68:19Page 565
فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩
So there came upon it [i.e., the garden] an affliction from your Lord while they were asleep.
﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، نَزَلَ عَلَيْها بَلاءٌ، قِيلَ: أنْزَلَ اللهُ (تَعالى) عَلَيْها نارًا، فَأحْرَقَتْها،
﴿وَهم نائِمُونَ﴾ أيْ: في حالِ نَوْمِهِمْ.
﴿فَأصْبَحَتْ﴾، فَصارَتِ الجَنَّةُ،
﴿كالصَرِيمِ﴾، كاللَيْلِ المُظْلِمِ، أيْ: اِحْتَرَقَتْ، فاسْوَدَّتْ، أوْ كالصُبْحِ، أيْ: (p-٥٢٢)صارَتْ أرْضًا بَيْضاءَ بِلا شَجَرٍ، وقِيلَ: كالمَصْرُومَةِ، أيْ: كَأنَّها صُرِمَتْ لِهَلاكِ ثَمَرِها.
﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾، نادى بَعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ الصَباحِ.
68:22Page 565
أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢
[Saying], "Go early to your crop if you would cut the fruit."
﴿أنِ اغْدُوا﴾، باكِرُوا،
﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾، ولَمْ يَقُلْ: "إلى حَرْثِكُمْ"، لِأنَّ الغُدُوَّ إلَيْهِ لِيَصْرِمُوهُ كانَ غُدُوًّا عَلَيْهِ، أوْ ضَمَّنَ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ، أيْ: فَأقْبِلُوا عَلى حَرْثِكم باكِرِينَ،
﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾، مُرِيدِينَ صِرامَهُ.
﴿فانْطَلَقُوا﴾، ذَهَبُوا،
﴿وَهم يَتَخافَتُونَ﴾، يَتَسارُّونَ فِيما بَيْنَهُمْ، لِئَلّا يَسْمَعَ المَساكِينُ.
68:24Page 565
أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤
[Saying], "There will surely not enter it today upon you [any] poor person."
﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها﴾ أيْ: اَلْجَنَّةَ، و"أنْ"، مُفَسِّرَةٌ، وقُرِئَ بِطَرْحِها، بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ: يَتَخافَتُونَ، يَقُولُونَ: لا يَدْخُلَنَّها،
﴿اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾، والنَهْيُ عَنْ دُخُولِ المَساكِينِ نَهْيٌ عَنِ التَمْكِينِ، أيْ: لا تُمَكِّنُوهُ مِنَ الدُخُولِ.
68:25Page 565
وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥
And they went early in determination, [assuming themselves] able.1
﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾، عَلى جِدٍّ في المَنعِ،
﴿قادِرِينَ﴾، عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى المَنعِ، كَذا عَنْ نَفْطَوِيهِ، أوْ "اَلْحَرْدُ": اَلْقَصْدُ والسُرْعَةُ، أيْ: وغَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ، قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها، وزَيِّ مَنفَعَتِها عَنِ المَساكِينِ، أوْ هو عَلَمٌ لِلْجَنَّةِ، أيْ: غَدَوْا عَلى تِلْكَ الجَنَّةِ قادِرِينَ عَلى صِرامِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ.
68:26Page 565
فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦
But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;
﴿فَلَمّا رَأوْها﴾ أيْ: جَنَّتَهُمْ، مُحْتَرِقَةً،
﴿قالُوا﴾، في بَدِيهَةِ وُصُولِهِمْ،
﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ: ضَلَلْنا جَنَّتَنا، وما هي بِها، لِما رَأوْا مِن هَلاكِها، فَلَمّا تَأمَّلُوا، وعَرَفُوا أنَّها هِيَ، قالُوا:
﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، حُرِمْنا خَيْرَها، لِجِنايَتِنا عَلى أنْفُسِنا.
68:28Page 565
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨
The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾، أعْدَلُهُمْ، وخَيْرُهُمْ،
﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾، هَلّا تَسْتَثْنُونَ، إذْ الِاسْتِثْناءُ التَسْبِيحُ، لِالتِقائِهِما في مَعْنى التَعْظِيمِ لِلَّهِ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ تَفْوِيضٌ إلَيْهِ، والتَسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لَهُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ التَفْوِيضِ والتَنْزِيهِ تَعْظِيمٌ، أوْ: لَوْلا تَذْكُرُونَ اللهَ، وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، كانَ أوْسَطُهم قالَ لَهم - حِينَ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ -: اُذْكُرُوا اللهَ وانْتِقامَهُ مِنَ المُجْرِمِينَ، وتُوبُوا عَنْ هَذِهِ العَزِيمَةِ (p-٥٢٣)الخَبِيثَةِ، فَعَصَوْهُ، فَعَيَّرَهُمْ، ولِهَذا.
68:29Page 565
قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩
They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾، فَتَكَلَّمُوا بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَكَلُّمِ بِهِ أوَّلًا، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُلْمِ في مَنعِ المَعْرُوفِ، وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ، ونَزَّهُوهُ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا.
68:30Page 565
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾، يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِما فَعَلُوا مِنَ الهَرَبِ مِنَ المَساكِينِ، ويُحِيلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ اللائِمَةَ عَلى الآخَرِ، ثُمَّ اعْتَرَفُوا جَمِيعًا بِأنَّهم تَجاوَزُوا الحَدَّ، بِقَوْلِهِ:
68:31Page 565
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾، بِمَنعِ حَقِّ الفُقَراءِ، وتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ.
68:32Page 565
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا﴾، وبِالتَشْدِيدِ "مَدَنِيٌّ وأبُو عَمْرٍو "،
﴿خَيْرًا مِنها﴾، مِن هَذِهِ الجَنَّةِ،
﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾، طالِبُونَ مِنهُ الخَيْرَ، راجِعُونَ لِعَفْوِهِ، عَنْ مُجاهِدٍ: "تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها"، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا فَأبْدَلَهم بِها جَنَّةً تُسَمّى (اَلْحَيَوانُ)، فِيها عِنَبٌ، يَحْمِلُ البَغْلُ مِنهُ عُنْقُودًا".
68:33Page 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي ذَكَرْنا عَذابُ الدُنْيا، لِمَن سَلَكَ سَبِيلَهُمْ،
﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾، أعْظَمُ مِنهُ،
﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، لَما فَعَلُوا ما يُفْضِي إلى هَذا العَذابِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما عِنْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ:
68:34Page 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾، عَنِ الشِرْكِ،
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ،
﴿جَنّاتِ النَعِيمِ﴾، جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا التَنَعُّمُ الخالِصُ، بِخِلافِ جَنّاتِ الدُنْيا.
68:35Page 565
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾، اِسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلى قَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ نُعْطى في الآخِرَةِ خَيْرًا مِمّا يُعْطى هُوَ، ومَن مَعَهُ، كَما في الدُنْيا، فَقِيلَ لَهُمْ: "أنَحِيفُ في الحُكْمِ فَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ؟!"، ثُمَّ قِيلَ لَهم - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ -:
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، هَذا الحُكْمَ الأعْوَجَ، وهو (p-٥٢٤)التَسْوِيَةُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي، كَأنَّ أمْرَ الجَزاءِ مُفَوَّضٌ إلَيْكم حَتّى تَحْكُمُوا فِيهِ بِما شِئْتُمْ.
﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾، مِنَ السَماءِ،
﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾، تَقْرَؤُونَ في ذَلِكَ الكِتابِ.
﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ: أنَّ ما تَخْتارُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ لَكُمْ، والأصْلُ "تَدْرُسُونَ أنَّ لَكم ما تَخَيَّرُونَ"، بِفَتْحِ "أنَّ"، لِأنَّهُ مَدْرُوسٌ، لِوُقُوعِ الدَرْسِ عَلَيْهِ، إنَّما كُسِرَتْ لِمَجِيءِ اللامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ، كَما هُوَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ﴾ [الصافات: ٧٩]، و"تَخَيَّرَ الشَيْءَ"، و"اِخْتارَهُ": أخَذَ خَيْرَهُ.
68:39Page 565
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾، عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالأيْمانِ،
﴿بالِغَةٌ﴾، نَعْتُ "أيْمانٌ"، ويَتَعَلَّقُ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، بِـ "بالِغَةٌ"، أيْ أنَّها تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ، وتَنْتَهِي إلَيْهِ، وافِرَةً، لَمْ تَبْطُلْ مِنها يَمِينٌ، إلى أنْ يَحْصُلَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ مِنَ التَحْكِيمِ، أوْ بِالمُقَدَّرِ في الظَرْفِ، أيْ: "هِيَ ثابِتَةٌ لَكم عَلَيْنا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا تَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها إلّا يَوْمَئِذٍ، إذا حَكَّمْناكُمْ، وأعْطَيْناكم ما تَحْكُمُونَ"،
﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾، بِهِ لِأنْفُسِكُمْ، وهو جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى "أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا": "أمْ أقْسَمْنا لَكم بِأيْمانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَناهِيَةٍ في التَوْكِيدِ؟!".
68:40Page 565
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
﴿سَلْهُمْ﴾ أيْ: اَلْمُشْرِكِينَ،
﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾، اَلْحُكْمِ،
﴿زَعِيمٌ﴾، كَفِيلٌ بِأنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ.
68:41Page 565
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١
Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ أيْ: ناسٌ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ، ويَذْهَبُونَ مَذْهَبَهم فِيهِ،
﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾، في دَعْواهُمْ، يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يُسَلِّمُ لَهم هَذا، ولا يُساعِدُهم عَلَيْهِ، كَما أنَّهُ لا كِتابَ لَهم يَنْطِقُ بِهِ، ولا عَهْدَ لَهم بِهِ عِنْدَ اللهِ، ولا زَعِيمَ لَهم يَضْمَنُ لَهم مِنَ اللهِ بِهَذا.
68:42Page 565
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، ناصِبُ الظَرْفِ "فَلْيَأْتُوا"، أوْ "اُذْكُرْ"، مُضْمَرًا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الكَشْفَ عَنِ الساقِ عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةٍ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ، فَمَعْنى "يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ": يَوْمَ يَشْتَدُّ الأمْرُ، ويَصْعُبُ، ولا كَشْفَ ثَمَّةَ، (p-٥٢٥)وَلا ساقَ، ولَكِنْ كَنّى بِهِ عَنِ الشِدَّةِ، لِأنَّهم إذا ابْتُلُوا بِشِدَّةٍ كَشَفُوا عَنِ الساقِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلْأقْطَعِ الشَحِيحِ: "يَدُهُ مَغْلُولَةٌ"، ولا يَدَ ثَمَّةَ، ولا غَلَّ، وإنَّما هو كِنايَةٌ عَنِ البُخْلِ، وأمّا مَن شَبَّهَ فَلِضِيقِ عَطَنِهِ، وقِلَّةِ نَظَرِهِ في عِلْمِ البَيانِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمَ المُشَبِّهَةُ لَكانَ مِن حَقِّ الساقِ أنْ يُعَرَّفَ، لِأنَّها ساقٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُ،
﴿وَيُدْعَوْنَ﴾ أيْ: اَلْكُفّارُ، ثَمَّةَ،
﴿إلى السُجُودِ﴾، لا تَكْلِيفًا، ولَكِنْ تَوْبِيخًا، عَلى تَرْكِهِمُ السُجُودَ في الدُنْيا،
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ذَلِكَ، لِأنَّ ظُهُورَهم تَصِيرُ كَصَياصِيِّ البَقَرِ، لا تَنْثَنِي عِنْدَ الخَفْضِ، والرَفْعِ.
68:43Page 566
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
﴿خاشِعَةً﴾، ذَلِيلَةً، حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُدْعَوْنَ"،
﴿أبْصارُهُمْ﴾ أيْ: يُدْعَوْنَ في حالِ خُشُوعِ أبْصارِهِمْ،
﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾، يَغْشاهم صَغارٌ،
﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ﴾، عَلى ألْسُنِ الرُسُلِ،
﴿إلى السُجُودِ﴾، في الدُنْيا،
﴿وَهم سالِمُونَ﴾ أيْ: وهم أصِحّاءُ، فَلا يَسْجُدُونَ، فَلِذَلِكَ مُنِعُوا عَنِ السُجُودِ ثَمَّةَ.
68:44Page 566
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
﴿فَذَرْنِي﴾، يُقالُ: "ذَرْنِي وإيّاهُ"، أيْ: "كِلْهُ إلَيَّ، فَإنِّي أكْفِيكَهُ"،
﴿وَمَن يُكَذِّبُ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى المَفْعُولِ، أوْ مَفْعُولٌ مَعَهُ،
﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾، بِالقُرْآنِ، والمُرادُ كِلْ أمْرَهُ إلَيَّ، وخَلِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَإنِّي عالِمٌ بِما يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ بِهِ، مُطِيقٌ لَهُ، فَلا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِشَأْنِهِ، وتَوَكَّلْ عَلَيَّ في الِانْتِقامِ مِنهُ، تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُكَذِّبِينَ،
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، سَنُدْنِيهِمْ مِنَ العَذابِ، دَرَجَةً دَرَجَةً، يُقالُ: "اِسْتَدْرَجَهُ إلى كَذا"، أيْ: اِسْتَنْزَلَهُ إلَيْهِ دَرَجَةً دَرَجَةً"، حَتّى يُوَرِّطَهُ فِيهِ، واسْتِدْراجُ اللهِ (تَعالى) العُصاةَ أنْ يَرْزُقَهُمُ الصِحَّةَ، والنِعْمَةَ، فَيَجْعَلُونَ رِزْقَ اللهِ ذَرِيعَةً إلى ازْدِيادِ المَعاصِي،
﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ، قِيلَ: كُلَّما جَدَّدُوا مَعْصِيَةً جَدَّدْنا لَهم نِعْمَةً، وأنْسَيْناهم شُكْرَها، قالَ ﷺ: " «إذا رَأيْتَ اللهَ (تَعالى) يُنْعِمُ عَلى عَبْدٍ وهو مُقِيمٌ عَلى مَعْصِيَتِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَدْرَجٌ"، وتَلا الآيَةَ ».
68:45Page 566
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
(p-٥٢٦)﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾، وأُمْهِلُهُمْ،
﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، قَوِيٌّ شَدِيدٌ، فَسَمّى إحْسانَهُ وتَمْكِينَهُ "كَيْدًا"، كَما سَمّاهُ "اِسْتِدْراجًا"، لِكَوْنِهِ في صُورَةِ الكَيْدِ، حَيْثُ كانَ سَبَبًا لِلْهَلاكِ، والأصْلُ أنَّ مَعْنى "اَلْكَيْدُ"، و"اَلْمَكْرُ"، و"اَلِاسْتِدْراجُ"، هو الأخْذُ مِن جِهَةِ الأمْنِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى اللهُ "كائِدًا"، و"ماكِرًا"، و"مُسْتَدْرِجًا".
68:46Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾، عَلى تَبْلِيغِ الرِسالَةِ،
﴿أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾، غَرامَةٍ،
﴿مُثْقَلُونَ﴾، فَلا يُؤْمِنُونَ، اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَفْيِ، أيْ: لَسْتَ تَطْلُبُ أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ، فَيَثْقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَيَمْتَنِعُوا لِذَلِكَ.
68:47Page 566
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيْ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ، عِنْدَ الجُمْهُورِ،
﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾، مِنهُ ما يَحْكُمُونَ بِهِ.
68:48Page 566
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ ٤٨
Then be patient for the decision of your Lord, [O Muḥammad], and be not like the companion of the fish [i.e., Jonah] when he called out while he was distressed.
﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، وهو إمْهالُهُمْ، وتَأْخِيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُمْ، وإنْ أُمْهِلُوا، لَمْ يُهْمَلُوا،
﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾، كَيُونُسَ - عَلَيْهِ السَلامُ -، في العَجَلَةِ، والغَضَبِ عَلى القَوْمِ، حَتّى لا تُبْتَلى بِبَلائِهِ، والوَقْفُ عَلى "اَلْحُوتِ"، لِأنَّ "إذْ"، لَيْسَ بِظَرْفٍ لِما تَقَدَّمَهُ، إذِ النِداءُ طاعَةٌ، فَلا يُنْهى عَنْهُ، بَلْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: "اُذْكُرْ".
﴿إذْ نادى﴾، دَعا رَبَّهُ، في بَطْنِ الحُوتِ، بِـ "لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إني كُنْتُ مِنَ الظالِمِينَ"،
﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، مَمْلُوءٌ غَيْظًا، مِن "كَظَمَ السِقاءَ"، إذا مَلَأهُ.
68:49Page 566
لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ ٤٩
If not that a favor [i.e., mercy] from his Lord overtook him, he would have been thrown onto the naked shore while he was censured.1
﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾، رَحْمَةٌ،
﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: لَوْلا أنَّ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِإجابَةِ دُعائِهِ، وقَبُولِ عُذْرِهِ،
﴿لَنُبِذَ﴾، مِن بَطْنِ الحُوتِ،
﴿بِالعَراءِ﴾، بِالفَضاءِ،
﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، مُعاتَبٌ بِزَلَّتِهِ، لَكِنَّهُ رُحِمَ، فَنُبِذَ غَيْرَ مَذْمُومٍ.
68:50Page 566
فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٥٠
And his Lord chose him and made him of the righteous.
﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ﴾، اِصْطَفاهُ، لِدُعائِهِ، وعُذْرِهِ،
﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالِحِينَ﴾، مِنَ المُسْتَكْمِلِينَ لِصِفاتِ الصَلاحِ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ زَلَّةٌ، وقِيلَ: مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: مِنَ المُرْسَلِينَ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ، لِأنَّهُ كانَ مُرْسَلًا، ونَبِيًّا قَبْلَهُ، (p-٥٢٧)لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩] ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]، اَلْآياتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences