An-NasafiAt‑Tawbah · 9:25–46

An-Nasafi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:25–46

9:25Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ كَوَقْعَةِ بَدْرٍ، وقُرَيْظَةَ، والنَضِيرِ، والحُدَيْبِيَةِ، وخَيْبَرَ، وفَتْحِ مَكَّةَ، وقِيلَ: إنَّ المَواطِنَ الَّتِي نَصَرَ اللهُ فِيها النَبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ثَمانُونَ مَوْطِنًا، ومَواطِنُ الحَرْبِ: مَقاماتُها، ومَواقِفُها.

﴿وَيَوْمَ﴾ أيْ: "وَ" اذْكُرُوا " يَوْم حُنَيْنٍ " "حُنَيْنٍ" وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطائِفِ، كانَتْ فِيهِ الواقِعَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وبَيْنَ هَوازِنَ وثَقِيفٍ، وهم أرْبَعَةُ آلافٍ، فَلَمّا التَقَوْا قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، فَساءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ﴿إذْ﴾ بَدَلٌ مِن "يَوْمَ" ﴿أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ فَأدْرَكَتِ المُسْلِمِينَ كَلِمَةُ الإعْجابِ بِالكَثْرَةِ، وزَلَّ عَنْهم أنَّ اللهَ هو الناصِرُ لا كَثْرَةُ الجُنُودِ، فانْهَزَمُوا حَتّى بَلَغَ فَلُّهم مَكَّةَ، وبَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وحْدَهُ، وهو ثابِتٌ في مَرْكَزِهِ، لَيْسَ مَعَهُ إلّا عَمُّهُ العَبّاسُ آخِذًا بِلِجامِ دابَّتِهِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ ابْنُ عَمِّهِ آخِذًا بِرِكابِهِ، «فَقالَ لِلْعَبّاسِ: "صِحْ بِالناسِ" -وَكانَ صَيِّتًا- فَنادى: يا أصْحابَ الشَجَرَةِ، فاجْتَمَعُوا وهم يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الثِيابُ البِيضُ عَلى خُيُولٍ بُلْقٍ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَفًّا مِن تُرابٍ فَرَماهم بِهِ، ثُمَّ قالَ: "انْهَزَمُوا ورَبِّ الكَعْبَةِ". فانْهَزَمُوا، وكانَ مِن دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَئِذٍ: "اللهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وإلَيْكَ المُشْتَكى، وأنْتَ المُسْتَعانُ". » وهَذا دُعاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَوْمَ انْفِلاقِ البَحْرِ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والباءُ بِمَعْنى مَعَ، أيْ: مَعَ رُحْبِها، وحَقِيقَتُهُ مُلْتَبِسَةٌ بِرُحْبِها، عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِكَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِثِيابِ السَفَرِ، أيْ: مُلْتَبِسًا بِها، والمَعْنى: لَمْ تَجِدُوا مَوْضِعًا لِفِرارِكم عَنْ أعْدائِكُمْ، فَكَأنَّها ضاقَتْ عَلَيْكم ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ثُمَّ انْهَزَمْتُمْ.

(p-٦٧٣)

9:26Page 190

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾ رَحْمَتَهُ الَّتِي سَكَنُوا بِها، وأمِنُوا ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، وكانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ، أوْ خَمْسَةَ آلافٍ، أوْ سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وسَبْيِ النِساءِ، والذَرارِيِّ.

﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾

9:27Page 191

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم ﴿واللهُ غَفُورٌ﴾ بِسِتْرِ كُفْرِ العَدُوِّ بِالإسْلامِ ﴿رَحِيمٌ﴾ بِنْصِرِ الوَلِيِّ بَعْدَ الِانْهِزامِ.

9:28Page 191

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أيْ: ذَوُو نَجَسٍ، وهو مَصْدَرٌ يُقالُ: نَجُسَ نَجَسًا، وقَذِرَ قَذَرًا، لِأنَّ مَعَهُمُ الشِرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَجَسِ، ولِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ، ولا يَغْتَسِلُونَ، ولا يَجْتَنِبُونَ النَجاساتِ، فَهي مُلابِسَةٌ لَهُمْ، أوْ جُعِلُوا كَأنَّهُمُ النَجاسَةُ بِعَيْنِها، مُبالَغَةً في وصْفِهِمْ بِها ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ فَلا يَحُجُّوا، ولا يَعْتَمِرُوا، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ وهو عامُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلى المَوْسِمِ. [وَيَكُونُ المُرادُ مِن نَهْيِ القُرْبانِ: النَهْيَ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ]. وهو مَذْهَبُنا ولا يُمْنَعُونَ مِن دُخُولِ الحَرَمِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: يُمْنَعُونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً، وعِنْدَ مالِكٍ: يُمْنَعُونَ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ، وقِيلَ: نَهْيُ المُشْرِكِينَ أنْ يَقْرَبُوهُ راجِعٌ إلى نَهْيِ المُسْلِمِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنهُ ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ: فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِ المُشْرِكِينَ عَنِ الحَجِّ، وما كانَ لَكم في قُدُومِهِمْ عَلَيْكم مِنَ الإرْفاقِ، والمَكاسِبِ.

﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ، أوِ المَطَرِ والنَباتِ، أوْ مِن مَتاجِرِ حَجِيجِ (p-٦٧٤)الإسْلامِ ﴿إنْ شاءَ﴾ هو تَعْلِيمٌ لِتَعْلِيقِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى لِتَنْقَطِعَ الآمالُ إلَيْهِ ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِكُمْ،

﴿حَكِيمٌ﴾ في تَحْقِيقِ آمالِكُمْ، أوْ "عَلِيمٌ" بِمَصالِحِ العِبادِ، "حَكِيمٌ" فِيما حَكَمَ، وأرادَ.

9:29Page 191

قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩

Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.

وَنَزَلَ في أهْلِ الكِتابِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ لِأنَّ اليَهُودَ مُثَنِّيَةٌ والنَصارى مُثَلِّثَةٌ ﴿وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ لِأنَّهم فِيهِ عَلى خِلافِ ما يَجِبُ، حَيْثُ يَزْعُمُونَ: أنْ لا أكْلَ في الجَنَّةِ ولا شُرْبَ ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾ لِأنَّهم لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ في الكِتابِ والسُنَّةِ، أوْ لا يَعْمَلُونَ بِما في التَوْراةِ والإنْجِيلِ،

﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ ولا يَعْتَقِدُونَ دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو الحَقُّ، يُقالُ: فُلانٌ يَدِينُ بِكَذا: إذا اتَّخَذَهُ دِينَهُ، ومُعْتَقَدَهُ.

﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِـ "الَّذِينَ" قَبْلَهُ، وأمّا المَجُوسُ فَمُلْحَقُونَ بِأهْلِ الكِتابِ في قَبُولِ الجِزْيَةِ، وكَذا: التُرْكُ، والهُنُودُ، وغَيْرُهُما، بِخِلافِ مُشْرِكِي العَرَبِ، لِما رَوى الزُهْرِيُّ: «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ صالَحَ عَبَدَةَ الأوْثانِ عَلى الجِزْيَةِ إلّا مَن كانَ مِنَ العَرَبِ. »﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ إلى أنْ يَقْبَلُوها، وسُمِّيَتْ جِزْيَةً، لِأنَّها مِمّا يَجِبُ عَلى أهْلِها أنْ يَجْزُوهُ، أيْ: يَقْضُوهُ، أوْ هي جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ عَلى التَمْهِيلِ في تَذْلِيلٍ ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أيْ: عَنْ يَدٍ مُواتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ، لِأنَّ مَن أبى وامْتَنَعَ لَمْ يُعْطِ يَدَهُ بِخِلافِ المُنْقادِ. ولِذا قالُوا: أعْطى بِيَدِهِ: إذا انْقادَ، وقالُوا: نَزَعَ يَدَهُ عَنِ الطاعَةِ، أوْ حَتّى يُعْطُوها عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ، لا مَبْعُوثًا عَلى يَدِ أحَدٍ، ولَكِنْ عَنْ يَدِ المُعْطِي إلى يَدِ الآخِذِ ﴿وَهم صاغِرُونَ﴾ أيْ: تُؤْخَذُ مِنهم عَلى الصَغارِ، والذُلِّ، وهو أنْ يَأْتِيَ بِها بِنَفْسِهِ ماشِيًا غَيْرَ راكِبٍ، ويُسَلِّمُها وهو قائِمٌ والمُتَسَلِّمُ جالِسٌ، وأنْ يُتَلْتَلَ تَلْتَلَةً، ويُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِهِ، ويُقالَ لَهُ: أدِّ الجِزْيَةَ يا ذِمِّيُّ، وإنْ (p-٦٧٥)كانَ يُؤَدِّيها، ويُزَخُّ في قَفاهُ، وتَسْقُطُ بِالإسْلامِ.

9:30Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ﴾ كُلُّهُمْ، أوْ بَعْضُهم ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ وعُزَيْرٌ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، ولِعُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ امْتَنَعَ صَرْفُهُ، ومَن نَوَّنَ -وَهُمْ: عاصِمٌ، وعَلِيٌّ- فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا ﴿وَقالَتِ النَصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ أيْ: قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، ولا يَسْتَنِدُ إلى بَيانٍ، فَما هو إلّا لَفْظٌ يَفُوهُونَ بِهِ، فارِغٌ عَنْ مَعْنًى تَحْتَهُ، كالألْفاظِ المُهْمَلَةِ ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ لابُدَّ فِيهِ مَن حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: يُضاهِي قَوْلُهم قَوْلَهم. ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ، وأُقِيمَ الضَمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا، يَعْنِي: أنَّ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى يُضاهِي قَوْلُهم قَوْلَ قُدَمائِهِمْ، يَعْنِي: أنَّهُ كُفْرٌ قَدِيمٌ فِيهِمْ غَيْرُ مُسْتَحْدَثٍ، أوِ الضَمِيرُ لِلنَّصارى، أيْ: يُضاهِي قَوْلُهُمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ قَوْلَ اليَهُودِ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ لِأنَّهم أقْدَمُ مِنهم. (يُضاهِئُونَ) عاصِمٌ، وأصْلُ المُضاهاةِ: المُشابَهَةُ، والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزِ، واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمِ: امْرَأةٌ ضَهْياءُ، وهي الَّتِي أشْبَهَتِ الرِجالَ بِأنَّها لا تَحِيضُ، كَذا قالَهُ الزَجّاجُ: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ أيْ: هم أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ لَهم هَذا،

﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ قِيامِ البُرْهانِ.

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

﴿اتَّخَذُوا﴾ أيْ: أهْلُ الكِتابَيْنِ ﴿أحْبارَهُمْ﴾ عُلَماءَهم ﴿وَرُهْبانَهُمْ﴾ نُسّاكَهم ﴿أرْبابًا﴾ آلِهَةً ﴿مِن دُونِ اللهِ﴾ حَيْثُ أطاعُوهم في (p-٦٧٦)تَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللهُ، وتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللهُ، كَما يُطاعُ الأرْبابُ في أوامِرِهِمْ، ونَواهِيهِمْ.

﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أحْبارِهِمْ" أيِ: اتَّخَذُوهُ رَبًّا، حَيْثُ جَعَلُوهُ ابْنَ اللهِ ﴿وَما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ يَجُوزُ الوَقْفُ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما بَعْدَهُ يَصْلُحُ ابْتِداءً، ويَصْلُحُ وصْفًا لِـ "واحِدٍ" ﴿لا إلَهَ إلا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنِ الإشْراكِ.

9:32Page 192

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ مَثَّلَ حالَهم في طَلَبِهِمْ أنْ يُبْطِلُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالتَكْذِيبِ، بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظِيمٍ مُنْبَثٍّ في الآفاقِ، يُرِيدُ اللهُ أنْ يَزِيدَهُ، ويُبَلِّغَهُ الغايَةَ القُصْوى مِنَ الإشْراقِ، لِيُطْفِئَهُ بِنَفْخِهِ، أجْرى ﴿وَيَأْبى اللهُ﴾ مَجْرى: لا يُرِيدُ اللهُ، ولِذا وقَعَ في مُقابَلَةِ "يُرِيدُونَ" وإلّا فَلا يُقالُ: كَرِهْتُ، أوْ أبْغَضْتُ إلّا زَيْدًا.

9:33Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالهُدى﴾ بِالقُرْآنِ ﴿وَدِينِ الحَقِّ﴾ الإسْلامِ،

﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ لِيُعْلِيَهُ ﴿عَلى الدِينِ كُلِّهِ﴾ عَلى أهْلِ الأدْيانِ كُلِّهِمْ، أوْ لِيَظْهَرَ دِينُ الحَقِّ عَلى كُلِّ دِينٍ ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾

9:34Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ الناسِ﴾ اسْتَعارَ الأكْلَ لِلْأخْذِ ﴿بِالباطِلِ﴾ أيْ: بِالرِشا في الأحْكامِ،

﴿وَيَصُدُّونَ﴾ سَفِلَتَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ دِينِهِ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَهَبَ والفِضَّةَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الكَثِيرِ مِنَ الأحْبارِ والرُهْبانِ، لِلدَّلالَةِ عَلى (p-٦٧٧)اجْتِماعِ خَصْلَتَيْنِ ذَمِيمَتَيْنِ فِيهِمْ: أخْذِ الرِشا، وكَنْزِ الأمْوالِ، والضَنِّ بِها عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: المُسْلِمُونَ الكانِزُونَ غَيْرُ المُنْفِقِينَ، ويَقْرِنُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ تَغْلِيظًا. وعَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وإنْ كانَ باطِنًا، وما بَلَغَ أنْ يُزَكّى فَلَمْ يُزَكَّ فَهو كَنْزٌ وإنْ كانَ ظاهِرًا". » ولَقَدْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهم كَعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وطَلْحَةَ يَقْتَنُونَ الأمْوالَ، ويَتَصَرَّفُونَ فِيها، وما عابَهم أحَدٌ مِمَّنْ أعْرَضَ عَنِ القِنْيَةِ، لِأنَّ الإعْراضَ اخْتِيارٌ لِلْأفْضَلِ، والِاقْتِناءَ مُباحٌ لا يُذَمُّ صاحِبُهُ ﴿وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللهِ﴾ الضَمِيرُ راجِعٌ إلى المَعْنى، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما دَنانِيرُ ودَراهِمُ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحُجُراتُ: ٩] أوْ أُرِيدَ بِهِ الكُنُوزُ والأمْوالُ، أوْ مَعْناهُ: ولا يُنْفِقُونَها والذَهَبَ. كَما أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ:

؎ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ

أيْ: وقَيّارٌ كَذَلِكَ، وخُصّا بِالذِكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأمْوالِ، لِأنَّهُما قانُونُ التَمَوُّلِ، وأثْمانُ الأشْياءِ، وذِكْرُ كَنْزِهِما دَلِيلٌ عَلى ما سِواهُما ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾

9:35Page 192

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أنَّ النارَ تُحْمى عَلَيْها، أيْ: تُوقَدُ، وإنَّما ذَكَّرَ الفِعْلَ، لِأنَّهُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، أصْلُهُ: يَوْمَ تَحْمى النارُ عَلَيْها، فَلَمّا حُذِفَتِ النارُ قِيلَ: "يُحْمى" لِانْتِقالِ الإسْنادِ عَنِ النارِ إلى "عَلَيْها" كَما تَقُولُ: رُفِعَتِ القِصَّةُ إلى الأمِيرِ، فَإنْ لَمْ تَذْكُرِ القِصَّةَ قُلْتَ: رُفِعَ إلى الأمِيرِ.

﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ وخُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ، لِأنَّهم كانُوا إذا أبْصَرُوا الفَقِيرَ عَبَسُوا، وإذا ضَمَّهم وإيّاهُ مَجْلِسٌ ازْوَرُّوا عَنْهُ، (p-٦٧٨)وَتَوَلَّوْا بِأرْكانِهِمْ، ووَلَّوْهُ ظُهُورَهُمْ، أوْ مَعْناهُ: يَكُونُ عَلى الجِهاتِ الأرْبَعِ: مَقادِيمِهِمْ، ومَآخِيرِهِمْ، وجَنُوبِهِمْ.

﴿هَذا ما كَنَـزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ يُقالُ لَهُمْ: هَذا ما كَنَزْتُمُوهُ لِتَنْتَفِعَ بِهِ نُفُوسُكُمْ، وما عَلِمْتُمْ أنَّكم كَنَزْتُمُوهُ لِتَسْتَضِرَّ بِهِ أنْفُسُكُمْ، وهو تَوْبِيخٌ.

﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أيْ: وبالَ المالِ الَّذِي كُنْتُمْ تَكْنِزُونَهُ، أوْ وبالَ كَوْنِكم كانِزِينَ.

9:36Page 192

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦

Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].

﴿إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، والمُرادُ: بَيانُ أنَّ أحْكامَ الشَرْعِ تُبْتَنى عَلى الشُهُورِ القَمَرِيَّةِ المَحْسُوبَةِ بِالأهِلَّةِ دُونَ الشَمْسِيَّةِ ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ فِيما أثْبَتَهُ، وأوْجَبَهُ مِن حِكْمَتِهِ، أوْ في اللَوْحِ.

﴿يَوْمَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ: ذُو القَعْدَةِ لِلْقُعُودِ عَنِ القِتالِ، وذُو الحِجَّةِ لِلْحَجِّ، والمُحَرَّمُ لِتَحْرِيمِ القِتالِ فِيهِ، وواحِدٌ فَرْدٌ، وهو رَجَبٌ لِتَرْجِيبِ العَرَبِ إيّاهُ، أيْ: لِتَعْظِيمِهِ.

﴿ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: الدِينُ المُسْتَقِيمُ، لا ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، يَعْنِي: أنَّ تَحْرِيمَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ هو الدِينُ المُسْتَقِيمُ، ودِينُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ، وكانَتِ العَرَبُ تَمَسَّكَتْ بِهِ، فَكانُوا يُعَظِّمُونَها، ويُحَرِّمُونَ القِتالَ فِيها، حَتّى أحْدَثَتِ النَسِيءَ، فَغَيَّرُوا ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ في الحُرُمِ، أوْ في الِاثْنَيْ عَشَرَ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ بِارْتِكابِ المَعاصِي ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ،

﴿كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ جَمِيعًا ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: ناصِرٌ لَهُمْ، حَثَّهم عَلى التَقْوى بِضَمانِ النُصْرَةِ لِأهْلِها.

9:37Page 193

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

﴿إنَّما النَسِيءُ﴾ بِالهَمْزَةِ مَصْدَرٌ نَسَأهُ: إذا أخَّرَهُ، وهو تَأْخِيرُ حُرْمَةِ الشَهْرِ إلى شَهْرٍ آخَرَ، وذَلِكَ: أنَّهم كانُوا أصْحابُ حُرُوبٍ وغاراتٍ، فَإذا جاءَ الشَهْرُ الحَرامُ، وهم مُحارِبُونَ، شَقَّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ المُحارَبَةِ، فَيُحِلُّونَهُ، ويُحَرِّمُونَ (p-٦٧٩)مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ، حَتّى رَفَضُوا تَخْصِيصَ الأشْهُرِ الحُرُمِ بِالتَحْرِيمِ، فَكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن بَيْنِ شُهُورِ العامِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ أيْ: هَذا الفِعْلُ مِنهم زِيادَةٌ في كُفْرِهِمْ (يُضَلُّ) كُوفِيٌّ، غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ﴿بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِالنَسِيءِ، والضَمِيرُ في ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ لِلنَّسِيءِ، أيْ: إذا أحَلُّوا شَهْرًا مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ عامًا رَجَعُوا فَحَرَّمُوهُ في العامِ القابِلِ،

﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ لِيُوافِقُوا العِدَّةَ الَّتِي هي الأرْبَعَةُ، ولا يُخالِفُوها، وقَدْ خالَفُوا التَخْصِيصَ الَّذِي هو أحَدُ الواجِبَيْنِ، واللامُ تَتَعَلَّقُ بِـ ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ أوْ بِـ " يَحْرِمُونَهُ " فَحَسْبُ، وهو الظاهِرُ ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ أيْ: "فَيُحِلُّوا" بِمُواطَأةِ العِدَّةِ وحْدَها مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿ما حَرَّمَ اللهُ﴾ مِنَ القِتالِ، أوْ مِن تَرْكِ الِاخْتِصاصِ لِلْأشْهُرِ بِعَيْنِها ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ زَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ذَلِكَ، فَحَسِبُوا أعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ حَسَنَةً ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ حالُ اخْتِيارِهِمُ الثَباتُ عَلى الباطِلِ.

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا﴾ اخْرُجُوا ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ﴾ تَثاقَلْتُمْ، وهو أصْلُهُ، إلّا أنَّ التاءَ أُدْغِمَتْ في التاءِ فَصارَتْ ثاءً ساكِنَةً، فَدَخَلَتْ ألِفُ الوَصْلِ لِئَلّا يُبْتَدَأ بِالساكِنِ، أيْ: تَباطَأْتُمْ ﴿إلى الأرْضِ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ فَعُدِّيَ بِإلى، أيْ: مِلْتُمْ إلى الدُنْيا وشَهَواتِها، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَفَرِ ومَتاعِبَهُ، أوْ مِلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم ودِيارِكُمْ، وكانَ ذَلِكَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، اسْتُنْفِرُوا في وقْتِ عُسْرَةٍ، وقَحْطٍ، وقَيْظٍ مَعَ بُعْدِ الشُقَّةِ، وكَثْرَةِ العَدُوِّ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وقِيلَ: ما خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في غَزْوَةٍ إلّا ورّى عَنْها بِغَيْرِها، إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَسْتَعِدَّ الناسُ تَمامَ العُدَّةِ ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ (p-٦٨٠)الدُنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ بَدَلَ الآخِرَةِ ﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا في الآخِرَةِ﴾ في جَنْبِ الآخِرَةِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

﴿إلا تَنْفِرُوا﴾ إلى الحَرْبِ ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ سُخْطٌ عَظِيمٌ عَلى المُتَثاقِلِينَ، حَيْثُ أوْعَدَهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مُطْلَقٍ يَتَناوَلُ عَذابَ الدارَيْنِ، وأنَّهُ يُهْلِكُهُمْ، ويَسْتَبْدِلُ بِهِمْ قَوْمًا آخَرِينَ خَيْرًا مِنهُمْ، وأطْوَعَ، وأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهم في نُصْرَةِ دِينِهِ، لا يَقْدَحُ تَثاقُلُهم فِيها شَيْئًا. وقِيلَ: الضَمِيرُ فِي: ﴿وَلا تَضُرُّوهُ﴾ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، لِأنَّ اللهَ وعَدَهُ أنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الناسِ، وأنْ يَنْصُرَهُ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ التَبْدِيلِ، والتَعْذِيبِ، وغَيْرِهِما ﴿قَدِيرٌ﴾

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ فَسَيَنْصُرُهُ مَن نَصَرَهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ. فَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ عَلى أنَّهُ يَنْصُرُهُ في المُسْتَقْبَلِ، كَما نَصَرَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

﴿إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أسْنَدَ الإخْراجَ إلى الكُفّارِ، لِأنَّهم حِينَ هَمُّوا بِإخْراجِهِ أذِنَ اللهُ لَهُ في الخُرُوجِ، فَكَأنَّهم أخْرَجُوهُ ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أحَدَ اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائِدَةُ: ٧٣]. وهُما: رَسُولُ اللهِ، وأبُو بَكْرٍ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ ﴿إذْ هُما﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ ﴿فِي الغارِ﴾ هو نَقْبٌ في أعْلى ثَوْرٍ، وهو جَبَلٌ في يُمْنى مَكَّةَ عَلى مَسِيرَةِ ساعَةٍ، مَكَثا فِيهِ ثَلاثًا ﴿إذْ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ ﴿لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾ بِالنُصْرَةِ، والحِفْظِ. قِيلَ: «طَلَعَ المُشْرِكُونَ فَوْقَ الغارِ، فَأشْفَقَ أبُو بَكْرٍ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: إنْ تُصَبِ اليَوْمَ ذَهَبَ دِينُ اللهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُما". » (p-٦٨١)وَقِيلَ: لَمّا دَخَلَ الغارَ بَعَثَ اللهُ حَمامَتَيْنِ، فَباضَتا في أسْفَلِهِ، والعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ. «وَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اللهُمَّ أعْمِ أبْصارَهُمْ" فَجَعَلُوا يَتَرَدَّدُونَ حَوْلَ الغارِ، ولا يَفْطِنُونَ، قَدْ أخَذَ اللهُ بِأبْصارِهِمْ عَنْهُ. » وقالُوا: مَن أنْكَرَ صُحْبَةَ أبِي بَكْرٍ فَقَدْ كَفَرَ لِإنْكارِهِ كَلامَ اللهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِسائِرِ الصَحابَةِ ﴿فَأنْـزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾ ما ألْقى في قَلْبِهِ مِنَ الأمَنَةِ الَّتِي سَكَنَ عِنْدَها، وعَلِمَ: أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِ ﴿عَلَيْهِ﴾ عَلى النَبِيِّ ﷺ، أوْ عَلى أبِي بَكْرٍ، لِأنَّهُ كانَ يَخافُ، وكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ ساكِنَ القَلْبِ ﴿وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ هُمُ المَلائِكَةُ صَرَفُوا وجُوهَ الكُفّارِ وأبْصارَهم عَنْ أنْ يَرَوْهُ، أوْ أيَّدَهُ بِالمَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، والأحْزابِ، وحُنَيْنٍ.

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: دَعَوْتَهم إلى الكُفْرِ.

﴿السُفْلى وكَلِمَةُ اللهِ﴾ دَعْوَتَهُ إلى الإسْلامِ ﴿هِيَ﴾ فَصْلٌ ﴿العُلْيا﴾ (وَكَلِمَةَ اللهِ) بِالنَصْبِ: يَعْقُوبُ، بِالعَطْفِ، والرَفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، إذْ هي كانَتْ، ولَمْ تَزَلْ عالِيَةً ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ يُعِزُّ بِنَصْرِهِ أهْلَ كَلِمَتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُذِلُّ أهْلَ الشِرْكِ بِحِكْمَتِهِ.

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ في النُفُورِ لِنَشاطِكم لَهُ ﴿وَثِقالا﴾ عَنْهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلَيْكُمْ، أوْ خِفافًا لِقِلَّةِ عِيالِكُمْ، وثِقالًا لِكَثْرَتِها، أوْ خِفافًا مِنَ السِلاحِ، وثِقالًا مِنهُ، أوْ رُكْبانًا ومُشاةً، أوْ شَبابًا وشُيُوخًا، أوْ مَهازِيلَ وسِمانًا، أوْ صِحاحًا ومِراضًا.

﴿وَجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ إيجابٌ لِلْجِهادِ بِهِما إنْ أمْكَنَ، أوْ بِأحَدِهِما عَلى حَسَبِ الحالِ، والحاجَةِ ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ﴾ الجِهادِ ﴿خَيْرٌ (p-٦٨٢)لَكُمْ﴾ مِن تَرْكِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كَوْنَ ذَلِكَ خَيْرًا فَبادِرُوا إلَيْهِ.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

وَنَزَلَ في المُتَخَلِّفِينَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا﴾ هو ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُنْيا، يُقالُ: الدُنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ، أيْ: لَوْ كانَ ما دَعَوْا إلَيْهِ مَغْنَمًا ﴿قَرِيبًا﴾ سَهْلَ المَأْخَذِ ﴿وَسَفَرًا قاصِدًا﴾ وسَطًا مُقارِبًا، والقاصِدُ والقَصْدُ: المُعْتَدِلُ،

﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ لَوافَقُوكَ في الخُرُوجِ ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُقَّةُ﴾ المَسافَةُ الشاطَّةُ الشاقَّةُ ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ مِن دَلائِلِ النُبُوَّةِ، لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما سَيَكُونُ بَعْدَ القُفُولِ، فَقالُوا كَما أخْبَرَ. و"بِاللهِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَيَحْلِفُونَ"، أوْ هو مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ، والقَوْلُ مُرادٌ في الوَجْهَيْنِ، أيْ: "سَيَحْلِفُونَ" يَعْنِي: المُتَخَلِّفِينَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ مُعْتَذِرِينَ يَقُولُونَ: ﴿بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ أوْ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ يَقُولُونَ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لَخَرَجْنا﴾ سَدَّ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ، و"لَوْ" جَمِيعًا، ومَعْنى الِاسْتِطاعَةِ، اسْتِطاعَةُ العُدَّةِ: أوِ اسْتِطاعَةُ الأبْدانِ: كَأنَّهم تَمارَضُوا.

﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: مُهْلَكِينَ. والمَعْنى: أنَّهم يُهْلِكُونَها بِالحِلْفِ الكاذِبِ، أوْ حالٌ مِن "لَخَرَجْنا" أيْ: لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، وإنْ أهْلَكْنا أنْفُسَنا، وألْقَيْناها في التَهْلُكَةِ بِما نَحْمِلُها عَلى المَسِيرِ في تِلْكَ الشُقَّةِ ﴿واللهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَقُولُونَ.

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

﴿عَفا اللهُ عَنْكَ﴾ كِنايَةٌ مِنَ الزَلَّةِ، لِأنَّ العَفْوَ رادِفٌ لَها، وهو مِن لُطْفِ العِتابِ، بِتَصْدِيرِ العَفْوِ في الخِطابِ، وفِيهِ دَلالَةُ فَضْلِهِ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، حَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِالعَفْوِ، ومَعْناهُ: ما لَكَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ حِينَ اسْتَأْذَنُوكَ، واعْتَلُّوا لَكَ بِعِلَلِهِمْ، وهَلّا اسْتَأْنَيْتَ بِالإذْنِ؟! ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ يَتَبَيَّنُ لَكَ الصادِقُ في العُذْرِ مِنَ الكاذِبِ فِيهِ. (p-٦٨٣)وَقِيلَ: شَيْئانِ فَعَلَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ، ولَمْ يُؤْمَرْ بِهِما: إذْنُهُ لِلْمُنافِقِينَ، وأخْذُهُ الفِدْيَةَ مِنَ الأُسارى، فَعاتَبَهُ اللهُ. وفِيهِ دَلِيلُ جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهادِ، وإنَّما عُوتِبَ مَعَ أنَّ لَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِهِ الأفْضَلَ، وهم يُعاتَبُونَ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ.

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ لَيْسَ مِن عادَةِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في أنْ يُجاهِدُوا ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ عِدَةٌ لَهم بِأجْزَلِ الثَوابِ.

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ. وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا.

﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ شَكُّوا في دِينِهِمْ، واضْطَرَبُوا في عَقِيدَتِهِمْ ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ، لِأنَّ التَرَدُّدَ دَيْدَنُ المُتَحَيِّرِ، كَما أنَّ الثَباتَ دَيْدَنُ المُتَبَصِّرِ.

9:46Page 194

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ﴾ لِلْخُرُوجِ، أوْ لِلْجِهادِ،

﴿عُدَّةً﴾ أُهْبَةً، لِأنَّهم كانُوا مَياسِيرَ، ولَمّا كانَ ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ مُعْطِيًا مَعْنى نَفْيِ خُرُوجِهِمْ واسْتِعْدادِهِمْ لِلْغَزْوِ قِيلَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ. كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا، ولَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ لِكَراهَةِ انْبِعاثِهِمْ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ فَكَسَّلَهُمْ، وضَعَّفَ رَغْبَتَهم في الِانْبِعاثِ، والتَثْبِيطُ: التَوْقِيفُ عَنِ الأمْرِ بِالتَزْهِيدِ فِيهِ ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالَهُ الرَسُولُ ﷺ غَضَبًا عَلَيْهِمْ، أوْ قالَهُ الشَيْطانُ بِالوَسْوَسَةِ ﴿مَعَ القاعِدِينَ﴾ هو ذَمٌّ لَهُمْ، وإلْحاقٌ بِالنِساءِ، والصِبْيانِ، والزَمْنى، الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ في البُيُوتِ.

(p-٦٨٤)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском