An-Nasafi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:74–101
9:74Page 199
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤
They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.
«أقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ شَهْرَيْنِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ويَعِيبُ المُنافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ، فَيَسْمَعُ مَن مَعَهُ مِنهُمْ، مِنهُمُ: الجُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ، فَقالَ: واللهِ، لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدًا حَقًّا لِإخْوانُنا الَّذِينَ خَلَّفْناهُمْ، وهم ساداتُنا، فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ. فَقالَ عامِرُ بْنُ قَيْسٍ الأنْصارِيُّ لِلْجُلاسِ: أجَلْ، واللهِ إنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، وأنْتَ شَرٌّ مِنَ الحِمارِ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فاسْتُحْضِرَ، فَحَلَفَ بِاللهِ ما قالَ، فَرَفَعَ عامِرٌ يَدَهُ فَقالَ: اللهُمَّ أنْزِلْ عَلى عَبْدِكَ ونَبِيِّكَ تَصْدِيقَ (p-٦٩٥)الصادِقِ، وتَكْذِيبَ الكاذِبِ، فَنَزَلَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ يَعْنِي: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، أوْ هي اسْتِهْزاؤُهُمْ، فَقالَ الجُلاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، واللهِ لَقَدْ قُلْتُهُ، وصَدَقَ عامِرٌ، فَتابَ الجُلاسُ، وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ. »﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ وأظْهَرُوا كُفْرَهم بَعْدَ إظْهارِهِمُ الإسْلامَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ والإسْلامَ واحِدٌ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ مِن قَتْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ قَتْلِ عامِرٍ لِرَدِّهِ عَلى الجُلاسِ، وقِيلَ: أرادُوا أنْ يُتَوِّجُوا ابْنَ أُبَيٍّ وإنْ لَمْ يَرْضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﴿وَما نَقَمُوا﴾ وما أنْكَرُوا، وما عابُوا ﴿إلا أنْ أغْناهُمُ اللهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ لا يَرْكَبُونَ الخَيْلَ، ولا يَحُوزُونَ الغَنِيمَةَ، فَأُثْرُوا بِالغَنائِمِ، وقُتِلَ لِلْجُلاسِ مَوْلًى، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فاسْتَغْنى ﴿فَإنْ يَتُوبُوا﴾ عَنِ النِفاقِ ﴿يَكُ﴾ الثَوابُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وهي الآيَةُ الَّتِي تابَ عِنْدَها الجُلاسُ ﴿وَإنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يُصِرُّوا عَلى النِفاقِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُنْيا والآخِرَةِ﴾ بِالقَتْلِ، والنارِ ﴿وَما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ.
9:75Page 199
۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."
﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللهَ﴾ رُوِيَ «أنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حاطِبٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ، خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ". فَراجَعَهُ، وقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَئِنْ رَزَقَنِي مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَدَعا لَهُ، فاتَّخَذَ غَنَمًا، فَنَمَتْ كَما يَنْمِي الدُودُ حَتّى ضاقَتْ بِها المَدِينَةُ، فَنَزَلَ وادِيًا، وانْقَطَعَ عَنِ الجُمْعَةِ والجَماعَةِ. فَسَألَ عَنْهُ (p-٦٩٦)رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقِيلَ: كَثُرَ مالُهُ حَتّى لا يَسَعَهُ وادٍ، فَقالَ: "يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ" فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُصْدِقِينَ لِأخْذِ الصَدَقاتِ، فاسْتَقْبَلَهُما الناسُ بِصَدَقاتِهِمْ، ومَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَدَقَةَ، فَقالَ: ما هَذِهِ إلّا جِزْيَةٌ، وقالَ: ارْجِعا حَتّى أرى رَأْيِي، فَلَمّا رَجَعا قالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُكَلِّماهُ: "يا ويْحَ ثَعْلَبَةَ" مَرَّتَيْنِ، فَنَزَلَتْ. فَجاءَ ثَعْلَبَةُ بِالصَدَقَةِ، فَقالَ: "إنَّ اللهَ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ" فَجَعَلَ التُرابَ عَلى رَأْسِهِ، فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجاءَ بِها إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْها، وجاءَ بِها إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في خِلافَتِهِ فَلَمْ يَقْبَلْها، وهَلَكَ في زَمانِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ »﴿لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ أيِ: المالَ ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ لِنُخْرِجَنَّ الصَدَقَةَ، والأصْلَ: لَنَتَصَدَّقَنَّ، ولَكِنَّ التاءَ أُدْغِمَتْ في الصادِ لِقُرْبِها مِنها ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالِحِينَ﴾ بِإخْراجِ الصَدَقَةِ.
9:76Page 199
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦
But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.
﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ﴾ أعْطاهُمُ اللهُ المالَ، ونالُوا مُناهم ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ مَنَعُوا حَقَّ اللهِ، ولَمْ يَفُوا بِالعَهْدِ.
﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ طاعَةِ اللهِ ﴿وَهم مُعْرِضُونَ﴾ مُصِرُّونَ عَلى الإعْراضِ.
9:77Page 199
فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧
So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.
﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾ فَأوْرَثَهُمُ البُخْلُ نِفاقًا مُتَمَكِّنًا في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ سَبَبًا فِيهِ ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ: جَزاءَ فِعْلِهِمْ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿بِما أخْلَفُوا اللهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ ما وعَدُوا اللهَ مِنَ التَصَدُّقِ، والصَلاحِ، وكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ. ومِنهُ: جُعِلَ خُلْفُ الوَعْدِ ثُلُثَ النِفاقِ.
9:78Page 199
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨
Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ ﴿أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أسَرُّوهُ مِنَ النِفاقِ بِالعَزْمِ عَلى إخْلافِ ما وعَدُوهُ ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ وما يَتَناجَوْنَ بِهِ فِيما بَيْنَهم (p-٦٩٧)مِنَ المَطاعِنِ في الدِينِ، وتَسْمِيَةِ الصَدَقَةِ جِزْيَةً، وتَدْبِيرِ مَنعِها.
﴿وَأنَّ اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
9:79Page 199
ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩
Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.
﴿الَّذِينَ﴾ مَحَلُّهُ النَصْبُ، أوِ الرَفْعُ عَلى الذَمِّ، أوِ الجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ ﴿يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ يَعِيبُونَ المُطَّوِّعِينَ المُتَبَرِّعِينَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَدَقاتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَلْمِزُونَ، رُوِيَ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَثَّ عَلى الصَدَقَةِ، فَجاءَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وقالَ: كانَ لِي ثَمانِيَةُ آلافٍ، فَأقْرَضْتُ رَبِّي أرْبَعَةً، وأمْسَكْتُ أرْبَعَةً لِعِيالِي. فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "بارَكَ اللهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ، وفِيما أمْسَكْتَ" فَبارَكَ اللهُ لَهُ حَتّى صُولِحَتْ تُماضُرُ امْرَأتُهُ عَنْ رُبْعِ الثُمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفًا، وتَصَدَّقَ عاصِمٌ بِمِائَةِ وسْقٍ مَن تَمْرٍ »﴿والَّذِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿المُطَّوِّعِينَ﴾ ﴿لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ طاقَتَهم. وعَنْ نافِعٍ: "جَهْدَهُمْ" وهُما واحِدٌ. وقِيلَ: الجُهْدُ: الطاقَةُ، والجَهْدُ: المَشَقَّةُ. وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ فَقالَ، بِتُّ لَيْلَتِي أجُرُّ بِالجَرِيرِ عَلى صاعَيْنِ، فَتَرَكْتُ صاعًا لِعِيالِي، وجِئْتُ بِصاعٍ، فَلَمَزَهُمُ المُنافِقُونَ، وقالُوا: ما أعْطى عَبْدُ الرَحْمَنِ وعاصِمٌ إلّا رِياءً، وأمّا صاعُ أبِي عَقِيلٍ، فاللهُ غَنِيٌّ عَنْهُ ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ فَيَهْزَءُونَ ﴿سَخِرَ اللهُ مِنهُمْ﴾ جازاهم عَلى سُخْرِيَتِهِمْ، وهو خَبَرٌ غَيْرُ دُعاءٍ ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ.
9:80Page 200
ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠
Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
وَلَمّا سَألَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أُبَيٍّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ في مَرَضِهِ، نَزَلَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وقَدْ مَرَّ أنَّ هَذا الأمْرَ في مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمُ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ، أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ والسَبْعُونَ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِهِمْ (p-٦٩٨)لِلتَّكْثِيرِ، ولَيْسَ عَلى التَحْدِيدِ والغايَةِ، إذْ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهم مُدَّةَ حَيّاتِهِ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، لِأنَّهم كُفّارٌ، واللهُ لا يَغْفِرُ لِمَن كَفَرَ بِهِ. والمَعْنى: وإنْ بالَغْتَ في الِاسْتِغْفارِ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ، وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ بِذِكْرِ السَبْعِينَ، وكُلُّها تَدَلُّ عَلى الكَثْرَةِ، لا عَلى التَحْدِيدِ والغايَةِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ السَبْعِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْدادِ: أنَّ العَدَدَ قَلِيلٌ وكَثِيرٌ، فالقَلِيلُ ما دُونَ الثَلاثِ، والكَثِيرُ الثَلاثُ فَما فَوْقَها، وأدْنى الكَثِيرِ الثَلاثُ، ولَيْسَ لِأقْصاهُ غايَةٌ، والعَدَدُ أيْضًا نَوْعانِ: شَفْعٌ ووَتْرٌ، وأوَّلُ الأشْفاعِ اثْنانِ، وأوَّلُ الأوْتارِ ثَلاثَةٌ، والواحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ، والسَبْعَةُ أوَّلُ الجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ النَوْعَيْنِ، لِأنَّ فِيها أوْتارًا ثَلاثَةً وأشْفاعًا ثَلاثَةً، والعَشَرَةُ كَمالُ الحِسابِ، لِأنَّ ما جاوَزَ العَشْرَةَ فَهو إضافَةُ الآحادِ إلى العَشْرَةِ، كَقَوْلِكَ: اثْنا عَشَرَ، وثَلاثَةَ عَشَرَ إلى عِشْرِينَ، والعِشْرُونَ تَكْرِيرُ العَشْرَةِ مَرَّتَيْنِ، والثَلاثُونَ تَكْرِيرُها ثَلاثَةَ مَرّاتٍ، وكَذَلِكَ إلى مِائَةٍ، فالسَبْعُونَ يَجْمَعُ الكَثْرَةَ والنَوْعَ والكَثْرَةَ مِنهُ، وكَمالُ الحِسابِ والكَثْرَةِ مِنهُ، فَصارَ السَبْعُونَ أدْنى الكَثِيرِ مِنَ العَدَدِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولا غايَةَ لِأقْصاهُ، فَجازَ أنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ السَبْعِينَ لِهَذا المَعْنى، واللهُ أعْلَمُ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اليَأْسِ مِنَ المَغْفِرَةِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ ولا غُفْرانَ لِلْكافِرِينَ ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الإيمانِ ما دامُوا مُخْتارِينَ لِلْكُفْرِ، والطُغْيانِ.
9:81Page 200
فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١
Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.
﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ المُنافِقُونَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأذِنَ لَهُمْ، وخَلَّفَهم بِالمَدِينَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أوِ الَّذِينَ خَلَّفَهم كَسَلُهُمْ، ونِفاقُهُمْ، والشَيْطانُ.
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بِقُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ ﴿خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ مُخالَفَةً لَهُ، وهو مَفْعُولٌ لَهُ،أوْ حالٌ، أيْ: قَعَدُوا لِمُخالَفَتِهِ، أوْ مُخالِفِينَ لَهُ.
﴿وَكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلُوا ما فَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مِن بَذْلِ أمْوالِهِمْ، وأرْواحِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ. وكَيْفَ لا يَكْرَهُونَهُ وما فِيهِمْ ما في المُؤْمِنِينَ مِن باعِثِ الإيمانِ، وداعِي الإيقانِ ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ قالُوا (p-٦٩٩)لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيطًا ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ اسْتِجْهالٌ لَهُمْ، لِأنَّ مَن تَصَوَّنَ مِن مَشَقَّةِ ساعَةٍ فَوَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَصَوُّنِ في مَشَقَّةِ الأبَدِ كانَ أجْهَلَ مِن كُلِّ جاهِلٍ.
9:82Page 200
فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢
So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ أيْ: فَيَضْحَكُونَ قَلِيلًا عَلى فَرَحِهِمْ بِتَخَلُّفِهِمْ في الدُنْيا، ويَبْكُونَ كَثِيرًا جَزاءً في العُقْبى، إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ عَلى لَفْظِ الأمْرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ حَتْمٌ واجِبٌ لا يَكُونُ غَيْرُهُ. يُرْوى أنَّ أهْلَ النِفاقِ يَبْكُونَ في النارِ عُمْرَ الدُنْيا لا يَرْقَأُ لَهم دَمْعٌ ولا يَكْتَحِلُونَ بِنَوْمٍ،
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ النِفاقِ.
9:83Page 200
فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣
If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."
﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللهُ﴾ أيْ: رَدَّكَ مِن تَبُوكَ، وإنَّما قالَ: ﴿إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن تابَ مِنَ النِفاقِ، ومِنهم مَن هَلَكَ.
﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ إلى غَزْوَةٍ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ وبِسُكُونِ الياءِ: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وأبُو بَكْرٍ.
﴿وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ (مَعِيَ) حَفْصٌ.
﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أوَّلَ ما دُعِيتُمْ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ ﴿فاقْعُدُوا مَعَ﴾ ﴿الخالِفِينَ﴾ مَعَ مَن تَخَلَّفَ بَعْدُ.
9:84Page 200
وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤
And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.
وَسَألَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وكانَ مُؤْمِنًا أنْ يُكَفِّنَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أباهُ في قَمِيصِهِ، ويُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَبِلَ فاعْتَرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في ذَلِكَ فَقالَ ﷺ: « "ذَلِكَ لا يَنْفَعُهُ وإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ألْفٌ مِن قَوْمِهِ" » فَنَزَلَ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ مِنَ المُنافِقِينَ، يَعْنِي: صَلاةَ الجِنازَةِ. رُوِيَ: أنَّهُ أسْلَمَ ألْفٌ مِنَ الخَزْرَجِ لَمّا رَأوْهُ (p-٧٠٠)يَطْلُبُ التَبَرُّكَ بِثَوْبِ النَبِيِّ ﷺ ﴿ماتَ﴾ صِفَةٌ لِأحَدٍ ﴿أبَدًا﴾ ظَرْفٌ لِـ "تُصَلِّ" وكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إذا دَفَنَ المَيِّتَ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ ودَعا لَهُ، فَقِيلَ: ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أيْ: أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلصَّلاةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ.
9:85Page 200
وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥
And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.
﴿وَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ التَكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ، والتَأْكِيدِ. وأنْ يَكُونَ عَلى بالٍ مِنَ المُخاطَبِ لا يَنْساهُ وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مُهِمٌّ، ولِأنَّ كُلَّ آيَةٍ في فِرْقَةٍ غَيْرِ الفِرْقَةِ الأُخْرى.
9:86Page 200
وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦
And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."
﴿وَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ سُورَةٌ بِتَمامِها وأنْ يُرادَ بَعْضُها كَما يَقَعُ القُرْآنُ والكِتابُ عَلى كُلِّهِ وعَلى بَعْضِهِ ﴿أنْ آمِنُوا بِاللهِ﴾ بِأنْ آمَنُوا أوْ هي أنِ المُفَسِّرَةُ ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَوْلِ مِنهُمْ﴾ ذُو الفَضْلِ والسَعَةِ ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ مَعَ الَّذِينَ لَهم عُذْرٌ في التَخَلُّفِ كالمَرْضى والزَمْنى.
9:87Page 201
رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧
They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.
﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ أيِ: النِساءِ جَمْعُ خالِفَةٍ ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ خُتِمَ عَلَيْها لِاخْتِيارِهِمُ الكُفْرَ والنِفاقَ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجِهادِ مِنَ الفَوْزِ والسَعادَةِ، وما في التَخَلُّفِ مِنَ الهَلاكِ والشَقاوَةِ.
9:88Page 201
لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨
But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.
﴿لَكِنِ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ (p-٧٠١)أيْ: إنْ تَخَلَّفَ هَؤُلاءِ فَقَدْ نَهَضَ إلى الغَزْوِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ.
9:89Page 201
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩
Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.
﴿أعَدَّ اللهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ قَوْلُهُ: "أعَدَّ" دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ.
9:90Page 201
وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠
And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.
﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ هو مَن عُذِرَ في الأمْرِ إذا قَصَّرَ فِيهِ وتَوانى، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُوهِمَ أنَّ لَهُ عُذْرًا فِيما فَعَلَ ولا عُذْرَ لَهُ، أوْ (المُعْتَذِرُونَ) بِإدْغامِ التاءِ في الذالِ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ بِالباطِلِ. قِيلَ: هم أسَدٌ وعَطَفانُ، قالُوا: إنَّ لَنا عِيالًا وإنَّ بِنا جَهْدًا فَأْذَنْ لَنا في التَخَلُّفِ ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ هم مُنافِقُو الأعْرابِ الَّذِينَ لَمْ يَجِيئُوا ولَمْ يَعْتَذِرُوا فَظَهَرَ بِذَلِكَ أنَّهم كَذَّبُوا اللهَ ورَسُولَهُ في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ مِنَ الأعْرابِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الدُنْيا بِالقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالنارِ.
9:91Page 201
لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١
There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿لَيْسَ عَلى الضُعَفاءِ﴾ الهَرْمى والزَمْنى ﴿وَلا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ هُمُ الفُقَراءُ مِن مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وبَنِي عُذْرَةَ ﴿حَرَجٌ﴾ إثْمٌ وضِيقٌ في التَأخُّرِ ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ بِأنْ آمَنُوا في السِرِّ والعَلَنِ، وأطاعُوا كَما يَفْعَلُ الناصِحُ بِصاحِبِهِ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ﴾ المَعْذُورِينَ الناصِحِينَ ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ أيْ: لا جُناحَ عَلَيْهِمْ، ولا طَرِيقَ لِلْعِتابِ عَلَيْهِمْ ﴿واللهُ غَفُورٌ﴾ يَغْفِرُ تَخَلُّفَهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِمْ.
9:92Page 201
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢
Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].
﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ لِتُعْطِيَهُمُ الحُمُولَةَ ﴿قُلْتَ﴾ حالٌ مِنَ الكافِ في "أتَوْكَ"، و"قَدْ" قَبْلَهُ مُضْمَرَةٌ، أيْ: إذا ما أتَوْكَ قائِلًا ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ هو جَوابُ إذا ﴿وَأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَمْعِ﴾ أيْ: تَسِيلُ، كَقَوْلِكَ: تَفِيضُ دَمْعًا، وهو أبْلَغُ مَن تَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّ كُلَّها دَمْعٌ فائِضٌ، و"مِن" لِلْبَيانِ، كَقَوْلِكَ: أفْدِيكَ مِن رَجُلٍ، ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَصْبُ عَلى التَمْيِيزِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "قُلْتَ لا أجِدُ" اسْتِئْنافًا كَأنَّهُ قِيلَ: إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم تَوَلَّوْا، فَقِيلَ: ما لَهم تَوَلَّوْا باكِينَ، فَقِيلَ: ﴿قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ إلّا أنَّهُ وسَّطَ بَيْنَ الشَرْطِ والجَزاءِ، كالِاعْتِراضِ ﴿حَزَنًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ ﴿ألا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ لِئَلّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ، ومَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وناصِبَةٌ حَزَنًا، والمُسْتَحْمَلُونَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وأصْحابُهُ أوِ البَكّاءُونَ، وهم سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ.
9:93Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
﴿إنَّما السَبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التَخَلُّفِ ﴿وَهم أغْنِياءُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿رَضُوا﴾ اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُهُمُ اسْتَأْذَنُوا وهم أغْنِياءُ؟! فَقِيلَ، رَضُوا.
﴿بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ أيْ: بِالِانْتِظامِ في جُمْلَةِ الخَوالِفِ ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
9:94Page 202
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ﴾ يُقِيمُونَ لِأنْفُسِهِمْ عُذْرًا باطِلًا ﴿إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ مِن هَذِهِ السَفْرَةِ ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ بِالباطِلِ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكُمْ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذارِ، لِأنَّ غَرَضَ المُعْتَذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فِيما يَعْتَذِرُ بِهِ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِانْتِفاءِ تَصْدِيقِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى إذا أوْحى إلى رَسُولِهِ الإعْلامَ بِأخْبارِهِمْ، وما في ضَمائِرِهِمْ لَمْ يَسْتَقِمْ مَعَ ذَلِكَ تَصْدِيقُهم في مَعاذِيرِهِمْ ﴿وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ أتُنِيبُونَ أمْ تَثْبُتُونَ عَلى كُفْرِكم ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَهادَةِ﴾ أيْ: تُرَدُّونَ إلَيْهِ وهو عالِمٌ (p-٧٠٣)كُلَّ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
9:95Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لِتَتْرُكُوهُمْ، ولا تُوَبِّخُوهم ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فَأعْطُوهم طِلْبَتَهم ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَرْكِ مُعاتَبَتِهِمْ، أيْ: أنَّ المُعاتَبَةَ لا تَنْفَعُ فِيهِمْ، لا تُصْلِحُهُمْ، لِأنَّهم أرْجاسٌ، لا سَبِيلَ إلى تَطْهِيرِهِمْ ﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ومَصِيرُهُمُ النارُ، يَعْنِي: وكَفَتْهُمُ النارُ عِتابًا وتَوْبِيخًا، فَلا تَتَكَلَّفُوا عِتابَهم ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءَ كَسْبِهِمْ.
9:96Page 202
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أيْ: غَرَضُهم بِالحَلِفِ بِاللهِ طَلَبُ رِضاكُمْ، لِيَنْفَعَهم ذَلِكَ في دُنْياهم ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: فَإنَّ رِضاكم وحْدَكم لا يَنْفَعُهم إذا كانَ اللهُ ساخِطًا عَلَيْهِمْ، وكانُوا عُرْضَةً لِعاجِلِ عُقُوبَتِهِ وآجِلِها، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ، لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ رِضا المُؤْمِنِينَ يَقْتَضِي رِضا اللهِ عَنْهم.
9:97Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿الأعْرابُ﴾ أهْلُ البَدْوِ ﴿أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ مِن أهْلِ الحَضَرِ، لِجَفائِهِمْ، وقَسْوَتِهِمْ، وبُعْدِهِمْ عَنِ العِلْمِ والعُلَماءِ.
﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا﴾ وأحَقُّ بِألّا يَعْلَمُوا ﴿حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي: حُدُودَ الدِينِ، وما أنْزَلَ اللهُ مِنَ الشَرائِعِ والأحْكامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "إنَّ الجَفاءَ والقَسْوَةَ في الفَدّادِينَ" » يَعْنِي: الأُكْرَةُ، لِأنَّهم يَفِدُّونَ، أيْ: يَصِيحُونَ في حُرُوثِهِمْ. والفَدِيدُ: الصِياحُ ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِهِمْ،
﴿حَكِيمٌ﴾ في إمْهالِهِمْ.
(p-٧٠٤)
9:98Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ أيْ: يَتَصَدَّقُ ﴿مَغْرَمًا﴾ غَرامَةً وخُسْرانًا، لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورِياءً، لا لِوَجْهِ اللهِ، وابْتِغاءِ المَثُوبَةِ عِنْدَهُ،
﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَوائِرَ﴾ أيْ: دَوائِرَ الزَمانِ، وتَبَدُّلَ الأحْوالِ بِدَوْرِ الأيّامِ، لِتَذْهَبَ غَلَبَتُكم عَلَيْهِ، فَيَتَخَلَّصَ مِن إعْطاءِ الصَدَقَةِ،
﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَوْءِ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ تَدُورُ المَصائِبُ والحُرُوبُ، الَّتِي يَتَوَقَّعُونَ وُقُوعَها في المُسْلِمِينَ (السُوءُ): مَكِّيٌّ، وأبُو عَمْرٍو. وهو العَذابُ، و(السَوْءُ) بِالفَتْحِ- ذَمٌّ لِلدّائِرَةِ، كَقَوْلِكَ: رَجُلُ سَوْءٍ، في مُقابَلَةِ قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ.
﴿واللهُ سَمِيعٌ﴾ ما يَقُولُونَ إذا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمُ الصَدَقَةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما يُضْمِرُونَهُ.
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ﴾ في الجِهادِ، والصَدَقاتِ.
﴿قُرُباتٍ﴾ أسْبابًا لِلْقُرْبَةِ ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "يَتَّخِذُ" ﴿وَصَلَواتِ الرَسُولِ﴾ أيْ: دُعاءَهُ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: « "اللهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى" »﴿ألا إنَّها﴾ أيِ: النَفَقَةَ، أوْ صَلَواتِ الرَسُولِ ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ (قُرُبَةٌ) نافِعٌ، وهَذا شَهادَةٌ مِنَ اللهِ لِلْمُتَصَدِّقِ بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدَ مِن كَوْنِ نَفَقَتِهِ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ، وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، مَعَ حَرْفَيِ التَنْبِيهِ، والتَحْقِيقِ المُؤْذِنَيْنِ بِثَباتِ الأمْرِ، وتَمَكُّنِهِ. وكَذَلِكَ ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: جَنَّتِهِ، وما في السِينِ مِن تَحْقِيقِ الوَعْدِ، وما أدَلَّ هَذا الكَلامَ عَلى رِضا اللهِ عَنِ المُتَصَدِّقِينَ! وأنَّ الصَدَقَةَ مِنهُ بِمَكانٍ إذا خَلُصَتِ النِيَّةَ مِن صاحِبِها ﴿إنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ يَسْتُرُ عَيْبَ المُخِلِّ،
﴿رَحِيمٌ﴾ يَقْبَلُ جَهْدَ المُقِلِّ.
(p-٧٠٥)
9:100Page 203
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠
And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
﴿والسابِقُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿الأوَّلُونَ﴾ صِفَةٌ لَهم ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ تَبْيِينٌ لَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ، أوِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا، أوْ بَيْعَةَ الرِضْوانِ.
﴿والأنْصارِ﴾ عَطْفٌ عَلى المُهاجِرِينَ، أيْ: ومِنَ الأنْصارِ، وهم أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى، وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، وأهْلُ العَقَبَةِ الثانِيَةِ، وكانُوا سَبْعِينَ ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَكانُوا سائِرَ الصَحابَةِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والخَبَرُ: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾ بِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَتِهِ الدِينِيَّةِ، والدُنْيَوِيَّةِ ﴿وَأعَدَّ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "رَضِيَ" ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ (مِن تَحْتِها) مَكِّيٌّ،
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
9:101Page 203
وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١
And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ يَعْنِي: حَوْلَ بَلْدَتِكُمْ، وهي المَدِينَةُ ﴿مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ وهم جُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ. وكانُوا نازِلِينَ حَوْلَها.
﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، الَّذِي هو " مِمَّنْ حَوْلَكم ". والمُبْتَدَأُ ﴿مُنافِقُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ إذا قَدَّرْتَ: ﴿وَمِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ قَوْمٌ ﴿مَرَدُوا عَلى النِفاقِ﴾ أيْ: تَمَهَّرُوا فِيهِ، عَلى أنَّ ﴿مَرَدُوا﴾ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً، أوْ صِفَةً لِـ "مُنافِقُونَ" فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِمَعْطُوفٍ عَلى خَبَرِهِ، ودَلَّ عَلى مَهارَتِهِمْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: يَخْفَوْنَ عَلَيْكَ مَعَ فِطْنَتِكَ، وصِدْقِ فِراسَتِكَ لِفَرْطِ تَنَوُّقِهِمْ في تَحامِي ما يُشَكِّكُ في أمْرِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُهم إلّا اللهُ، ولا يَطَّلِعُ عَلى سِرِّهِمْ غَيْرُهُ، لِأنَّهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ في سُوَيْداءِ قُلُوبِهِمْ، ويُبْرِزُونَ لَكَ ظاهِرًا كَظاهِرِ المُخْلِصِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ (p-٧٠٦)هُما: القَتْلُ، وعَذابُ القَبْرِ، أوِ الفَضِيحَةُ، وعَذابُ القَبْرِ، أوْ أخْذُ الصَدَقاتِ مِن أمْوالِهِمْ، ونَهْكُ أبْدانِهِمْ.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: عَذابِ النارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences