Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
Al-'Adiyat 100:4–6
قوله تعالى : فأثرن به نقعا أي غبارا ; يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به . قال عبد الله بن رواحة :عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداءوالكناية في به ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة . وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجر له ذكر بالتصريح ; كما قال حتى توارت بالحجاب . وقيل : فأثرن به ، أي بالعدو نقعا . وقد تقدم ذكر العدو . وقيل : النقع : ما بين مزدلفة إلى منى ; قاله محمد بن كعب القرظي . وقيل : إنه طريق الوادي ; ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع . وفي الصحاح : النقع : الغبار ، والجمع : نقاع . والنقع : محبس الماء ، وكذلك ما اجتمع في البئر منه . وفي الحديث : أنه نهى أن يمنع نقع البئر . والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء ; والجمع : نقاع وأنقع ; مثل بحر وبحار وأبحر .قلت : وقد يكون النقع رفع الصوت ، ومنه حديث عمر حين قيل له : إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد ; فقال : وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان ، ما لم يكن نقع ، ولا لقلقة . قال أبو عبيد : يعني بالنقع رفع الصوت ; على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم ; ومنه قول لبيد :فمتى ينقع صراخ صادق يحلبوها ذات جرس وزجلويروى يحلبوها أيضا . يقول : متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب ، أي جمعوا لها . وقوله ( ينقع صراخ ) : يعني رفع الصوت . وقال الكسائي : قوله نقع ولا لقلقة النقع : صنعة الطعام ; يعني في المأتم . يقال منه : نقعت أنقع نقعا . قال أبو عبيد : ذهب بالنقع إلى النقيعة ; وإنما النقيعة عند غيره من العلماء : صنعة الطعام عند القدوم من سفر ، لا في المأتم . وقال بعضهم : يريد عمر بالنقع : وضع التراب على الرأس ; يذهب إلى أن النقع هو الغبار . ولا [ ص: 142 ] أحسب عمر ذهب إلى هذا ، ولا خافه منهن ، وكيف يبلغ خوفه ذا وهو يكره لهن القيام . فقال : يسفكن من دموعهن وهن جلوس . قال بعضهم : النقع : شق الجيوب ; وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه ، وليس النقع عندي في الحديث إلا الصوت الشديد ، وأما اللقلقة : فشدة الصوت ، ولم أسمع فيه اختلافا . وقرأ أبو حيوة ( فأثرن ) بالتشديد ; أي أرت آثار ذلك . ومن خفف فهو من أثار : إذا حرك ; ومنه وأثاروا الأرض .
قوله تعالى : فوسطن به جمعاجمعا مفعول ب وسطن ; أي فوسطن بركبانهن العدو ; أي الجمع الذي أغاروا عليهم . وقال ابن مسعود : فوسطن به جمعا : يعني مزدلفة ; وسميت جمعا لاجتماع الناس . ويقال : وسطت القوم أسطهم وسطا وسطة ; أي صرت وسطهم . وقرأ علي - رضي الله عنه - فوسطن بالتشديد ، وهي قراءة قتادة وابن مسعود وأبي رجاء ; لغتان بمعنى ، يقال : وسطت القوم ( بالتشديد والتخفيف ) وتوسطهم : بمعنى واحد . وقيل : معنى التشديد : جعلها الجمع قسمين . والتخفيف : صرن في وسط الجمع ; وهما يرجعان إلى معنى الجمع .
قوله تعالى : إن الإنسان لربه لكنودهذا جواب القسم ; أي طبع الإنسان على كفران النعمة . قال ابن عباس : لكنود لكفور جحود لنعم الله . وكذلك قال الحسن . وقال : يذكر المصائب وينسى النعم . أخذه الشاعر فنظمه :يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متىتشكو المصيبات وتنسى النعم !وروى أبو أمامة الباهلي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الكنود ، هو الذي يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويضرب عبده " . وروى ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ألا أنبئكم بشراركم " ؟ قالوا بلى يا رسول الله . قال : " من نزل وحده ، ومنع رفده ، وجلد عبده " . خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال : الكنود بلسان كندة [ ص: 143 ] وحضرموت : العاصي ، وبلسان ربيعة ومضر : الكفور . وبلسان كنانة : البخيل السيئ الملكة ; وقاله مقاتل : وقال الشاعر :كنود لنعماء الرجال ومن يكن كنودا لنعماء الرجال يبعدأي كفور . ثم قيل : هو الذي يكفر باليسير ، ولا يشكر الكثير . وقيل : الجاحد للحق . وقيل : إنما سميت كندة كندة ; لأنها جحدت أباها . وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر :دع البخلاء إن شمخوا وصدوا وذكرى بخل غانية كنودوقيل : الكنود : من كند إذا قطع ; كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر . ويقال : كند الحبل : إذا قطعه . قال الأعشى :أميطي تميطي بصلب الفؤاد وصول حبال وكنادهافهذا يدل على القطع . ويقال : كند يكند كنودا : أي كفر النعمة وجحدها ، فهو كنود . وامرأة كنود أيضا ، وكنود مثله . قال الأعشى :أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتادأي كفور للمواصلة . وقال ابن عباس : الإنسان هنا الكافر ; يقول إنه لكفور ; ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئا . وقال الضحاك : نزلت في الوليد بن المغيرة . قال المبرد : الكنود : المانع لما عليه . وأنشد لكثير :أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتادوقال أبو بكر الواسطي : الكنود : الذي ينفق نعم الله في معاصي الله . وقال أبو بكر الوراق : الكنود : الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه . وقال الترمذي : الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم . وقال ذو النون المصري : الهلوع والكنود : هو الذي إذا مسه الشر جزوع ، وإذا مسه الخير منوع . وقيل : هو الحقود الحسود . وقيل : هو الجهول لقدره . وفي الحكمة : من جهل قدره : هتك ستره .قلت : هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود . وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الكنود بخصال مذمومة ، وأحوال غير محمودة ; فإن صح فهو أعلى ما يقال ، ولا يبقى لأحد معه مقال .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences