Al-QurtubiHud · 11:112–114

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:112–114

11:112Page 234

فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

قوله تعالى : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصيرقوله تعالى : فاستقم كما أمرت الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولغيره . وقيل : له والمراد أمته ; قاله السدي . وقيل : " استقم " اطلب الإقامة على الدين من الله واسأله ذلك . فتكون السين سين السؤال ، كما تقول : أستغفر الله أطلب الغفران منه . والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال ; فاستقم على امتثال أمر الله . وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ! قال : قل آمنت بالله ثم استقم . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال : دخلت على ابن عباس فقلت أوصني ! فقال : نعم ! عليك بتقوى الله والاستقامة ، اتبع ولا تبتدع .ومن تاب معك أي استقم أنت وهم ; يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك ومن بعده ممن اتبعه من أمته . قال ابن عباس ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه ، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له : لقد أسرع إليك الشيب ! فقال : شيبتني هود وأخواتها . وقد تقدم في أول السورة . وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري يقول : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت : يا رسول الله ! روي عنك أنك قلت : شيبتني هود . فقال : نعم فقلت له : ما الذي شيبك منها ؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم ! فقال : لا ولكن قوله : " فاستقم كما أمرت " .ولا تطغوا نهى عن الطغيان ، والطغيان مجاوزة الحد ; ومنه إنا لما طغى الماء . وقيل : أي لا تتجبروا على أحد .

11:113Page 234

وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.

قوله تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولا تركنوا الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به ، قال قتادة : معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم . ابن جريج : لا تميلوا إليهم . أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم ; وكله متقارب . وقال ابن زيد : الركون هنا الإدهان وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم .الثانية : قرأ الجمهور : تركنوا بفتح الكاف ; قال أبو عمرو : هي لغة أهل الحجاز . وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما : " تركنوا " بضم الكاف ; قال الفراء : وهي لغة تميم وقيس . وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع .الثالثة : قوله تعالى : إلى الذين ظلموا قيل : أهل الشرك . وقيل : عامة فيهم وفي العصاة ، على نحو قوله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا الآية . وقد تقدم . وهذا هو الصحيح في معنى الآية ; وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم ; فإن صحبتهم كفر أو معصية ; إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة ; وقد قال حكيم :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتديفإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في " آل عمران " و " المائدة " . وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار . والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : فتمسكم النار أي تحرقكم بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم .

11:114Page 234

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين[ ص: 96 ] فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار لم يختلف أحد من أهل التأويل في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة ; وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان ، وإليها يفزع في النوائب ; وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . وقال شيوخ الصوفية : إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات بالعبادة فرضا ونفلا ; قال ابن العربي : وهذا ضعيف ، فإن الأمر لم يتناول ذلك إلا واجبا لا نفلا ، فإن الأوراد معلومة ، وأوقات النوافل المرغب فيها محصورة ، وما سواها من الأوقات يسترسل عليها الندب على البدل لا على العموم ، وليس ذلك في قوة بشر .الثانية : قوله تعالى : طرفي النهار قال مجاهد : الطرف الأول ، صلاة الصبح ، والطرف الثاني صلاة الظهر والعصر ; واختاره ابن عطية . وقيل : الطرفان الصبح والمغرب ; قاله ابن عباس والحسن . وعن الحسن أيضا الطرف الثاني العصر وحده ; وقاله قتادة والضحاك . وقيل : الطرفان الظهر والعصر . والزلف المغرب والعشاء والصبح ; كأن هذا القائل راعى جهر القراءة . وحكى الماوردي أن الطرف الأول صلاة الصبح باتفاق . قلت : وهذا الاتفاق ينقصه القول الذي قبله . ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب ، وأنه ظاهر ; قال ابن عطية : ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها من صلاة الليل . قال ابن العربي : والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب ، وهما طرفا الليل ! فقلب القوس ركوة ، وحاد عن البرجاس غلوة ; قال الطبري : والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح ، فدل على أن الطرف الآخر المغرب ، ولم يجمع معه على ذلك أحد . قلت : هذا تحامل من ابن العربي في الرد ; وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد ; وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح ، وقد وقع الاتفاق - إلا من شذ - بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم فطر ، وعليه القضاء والكفارة ، وما ذلك إلا وما [ ص: 97 ] بعد طلوع الفجر من النهار ; فدل على صحة ما قاله الطبري في الصبح ، وتبقى عليه المغرب والرد عليه فيه ما تقدم . والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : وزلفا من الليل أي في زلف من الليل ، والزلف الساعات القريبة بعضها من بعض ; ومنه سميت المزدلفة ; لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة . وقرأ ابن القعقاع وابن أبي إسحاق وغيرهما " وزلفا " بضم اللام جمع زليف ; لأنه قد نطق بزليف ، ويجوز أن يكون واحده " زلفة " لغة ; كبسرة وبسر ، في لغة من ضم السين . وقرأ ابن محيصن " وزلفا " من الليل بإسكان اللام ; والواحدة زلفة تجمع جمع الأجناس التي هي أشخاص كدرة ودر وبرة وبر . وقرأ مجاهد وابن محيصن أيضا " زلفى " مثل قربى . وقرأ الباقون وزلفا بفتح اللام كغرفة وغرف . قال ابن الأعرابي : الزلف الساعات ، واحدها زلفة . وقال قوم : الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس ; فعلى هذا يكون المراد بزلف الليل صلاة العتمة ; قاله ابن عباس . وقال الحسن : المغرب والعشاء . وقيل : المغرب والعشاء والصبح ; وقد تقدم . وقال الأخفش : يعني صلاة الليل ولم يعين .الرابعة : قوله تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات ذهب جمهور المتأولين من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - إلى أن الحسنات هاهنا هي الصلوات الخمس ، وقال مجاهد : الحسنات قول الرجل سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، قال ابن عطية : وهذا على جهة المثال في الحسنات ، والذي يظهر أن اللفظ عام في الحسنات خاص في السيئات ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ما اجتنبت الكبائر .قلت : سبب النزول يعضد قول الجمهور ; نزلت في رجل من الأنصار ، قيل : هو أبو اليسر بن عمرو . وقيل : اسمه عباد ; خلا بامرأة فقبلها وتلذذ بها فيما دون الفرج . روى الترمذي عن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها وأنا هذا فاقض في ما شئت . فقال له عمر : لقد سترك الله ! لو سترت على نفسك ; فلم يرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا فانطلق الرجل فأتبعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فدعاه ، فتلا عليه : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين إلى آخر الآية ; فقال رجل من القوم : هذا له خاصة ؟ قال : لا بل [ ص: 98 ] للناس كافة . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وخرج أيضا عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن كفارتها فنزلت : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل : ألي هذه يا رسول الله ؟ فقال : لك ولمن عمل بها من أمتي . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وروي عن أبي اليسر . قال : أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت : إن في البيت تمرا أطيب من هذا ، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر ، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا فلم أصبر ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة ، حتى ظن أنه من أهل النار . قال : وأطرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أوحى الله إليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين . قال أبو اليسر : فأتيته فقرأها علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أصحابه : يا رسول الله ! ألهذا خاصة أم للناس عامة ؟ فقال : بل للناس عامة . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره ; وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه ، وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ منها نزل جبريل - عليه السلام - عليه بالآية فدعاه فقال له : أشهدت معنا الصلاة ؟ قال نعم ; قال : اذهب فإنها كفارة لما فعلت . وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تلا عليه هذه الآية قال له : قم فصل أربع ركعات . والله أعلم . وخرج الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " من حديث ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم ، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين .الخامسة : دلت الآية مع هذه الأحاديث على ، أن القبلة الحرام واللمس الحرام لا يجب فيهما الحد ، وقد يستدل به على أن لا حد ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب [ ص: 99 ] واحد ، وهو اختيار ابن المنذر ; لأنه لما ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة ذكر هذا الحديث مشيرا إلى أنه لا يجب عليهما شيء ، وسيأتي ما للعلماء في هذا في " النور " إن شاء الله تعالى .السادسة : ذكر الله سبحانه في كتابه الصلاة بركوعها وسجودها وقيامها وقراءتها وأسمائها فقال : أقم الصلاة الآية . وقال : أقم الصلاة لدلوك الشمس الآية . وقال : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون . وقال : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . وقال : اركعوا واسجدوا . وقال : وقوموا لله قانتين . وقال : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا على ما تقدم . وقال : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بقراءتك ; وهذا كله مجمل أجمله في كتابه ، وأحال على نبيه في بيانه ; فقال جل ذكره : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فبين - صلى الله عليه وسلم - مواقيت الصلاة ، وعدد الركعات والسجدات ، وصفة جميع الصلوات فرضها وسننها ، وما لا تصح الصلاة إلا به من الفرائض وما يستحب فيها من السنن والفضائل ; فقال في صحيح البخاري : صلوا كما رأيتموني أصلي . ونقل ذلك عنه الكافة عن الكافة ، على ما هو معلوم ، ولم يمت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بين جميع ما بالناس الحاجة إليه ; فكمل الدين ، وأوضح السبيل ; قال الله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .قوله تعالى : ذلك ذكرى للذاكرين أي القرآن موعظة وتوبة لمن اتعظ وتذكر ; وخص الذاكرين بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكرى . والذكرى مصدر جاء بألف التأنيث .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском