Al-QurtubiHud · 11:40–42

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:40–42

11:40Page 226

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

قوله تعالى : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور اختلف في التنور على أقوال سبعة :الأول : أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ; قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ; وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك .الثاني : أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ; وكان تنورا من حجارة ; وكان لحواء حتى صار لنوح ; فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك . وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ; فقال : جاء وعد ربي حقا . هذا قول الحسن ; وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس .الثالث : أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ; عن الحسن أيضا .الرابع : أنه طلوع الفجر ، ونور الصبح ; من قولهم : نور الفجر تنويرا ; قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .الخامس : أنه مسجد الكوفة ; قاله علي بن أبي طالب أيضا ; وقاله مجاهد . قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة . وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة . وكان فوران الماء منه علما لنوح ، ودليلا على هلاك قومه . قال الشاعر وهو أمية :[ ص: 32 ]فار تنورهم وجاش بماء صار فوق الجبال حتى علاهاالسادس : أنه أعالي الأرض ، والمواضع المرتفعة منها ; قاله قتادة .السابع : أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة . وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له : " عين وردة " وقال ابن عباس أيضا : ( فار تنور آدم بالهند ) . قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ; لأن الله - عز وجل - أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض ; قال : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا . فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة . والفوران الغليان . والتنور اسم أعجمي عربته العرب ، وهو على بناء فعل ; لأن أصل بنائه تنر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء . وقيل : معنى " فار التنور " التمثيل لحضور العذاب ; كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب . والوطيس التنور . ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم ; قال شاعرهم :تركتم قدركم لا شيء فيها وقدر القوم حامية تفورقوله تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين يعني ذكرا وأنثى ; لبقاء أصل النسل بعد الطوفان . وقرأ حفص من كل زوجين اثنين بتنوين كل أي من كل شيء زوجين . والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء معه آخر لا يستغني عنه . ويقال للاثنين : هما زوجان ، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه ; فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان . وكذلك عنده زوجا حمام ، وعليه زوجا قيود ; قال الله تعالى : وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى . . ويقال للمرأة هي زوج الرجل ، وللرجل هو زوجها . وقد يقال للاثنين هما زوج ، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين ، والصنفين ، وكل ضرب يدعى زوجا ; قال الله تعالى : وأنبتت من كل زوج بهيج أي من كل لون وصنف . وقال الأعشى :وكل زوج من الديباج يلبسه أبو قدامة محبو بذاك معاأراد كل ضرب ولون . و " من كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل " . اثنين تأكيد .[ ص: 33 ] " وأهلك " أي واحمل أهلك .إلا من سبق " من " في موضع نصب بالاستثناء ." عليه القول " منهم أي بالهلاك ; وهو ابنه كنعان وامرأته واعلة كانا كافرين .ومن آمن قال الضحاك وابن جريج : أي احمل من آمن بي ، أي من صدقك ; ف " من " في موضع نصب ب " احمل " .وما آمن معه إلا قليل قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ( آمن من قومه ثمانون إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه ; سام وحام ويافث ، وثلاث كنائن له . ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل ) . وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس ; نوح وزوجته غير التي عوقبت ، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم ; وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب ; فأصاب حام امرأته في السفينة ، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان . قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم ، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث . وقال الأعمش : كانوا سبعة ; نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ; وأسقط امرأة نوح . وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم ; نوح وبنوه سام وحام ويافث ، وستة أناس ممن كان آمن به ، وأزواجهم جميعا . و " قليل " رفع ب " آمن " ، ولا يجوز نصبه على الاستثناء ; لأن الكلام قبله لم يتم ، إلا أن الفائدة في دخول إلا وما لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد آمن ; فإذا جئت بما وإلا ، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم .

11:41Page 226

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

قوله تعالى : وقال اركبوا فيها أمر بالركوب ; ويحتمل أن يكون من الله تعالى [ ص: 34 ] ويحتمل أن يكون من نوح لقومه . والركوب العلو على ظهر الشيء . ويقال : ركبه الدين . وفي الكلام حذف ; أي اركبوا الماء في السفينة . وقيل : المعنى اركبوها . و " في " للتأكيد كقوله تعالى : إن كنتم للرؤيا تعبرون وفائدة " في " أنهم أمروا أن يكونوا في جوفها لا على ظهرها . قال عكرمة : ركب نوح - عليه السلام - في الفلك لعشر خلون من رجب ، واستوت على الجودي لعشر خلون من المحرم ; فذلك ستة أشهر ; وقاله قتادة وزاد وهو يوم عاشوراء ; فقال لمن كان معه : من كان صائما فليتم صومه ، ومن لم يكن صائما فليصمه . وذكر الطبري في هذا حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( أن نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب ، وصام الشهر أجمع ، وجرت بهم السفينة إلى يوم عاشوراء ، ففيه أرست على الجودي ، فصامه نوح ومن معه ) . وذكر الطبري عن ابن إسحاق ما يقتضي أنه أقام على الماء نحو السنة ، ومرت بالبيت فطافت به سبعا ، وقد رفعه الله عن الغرق فلم ينله غرق ، ثم مضت إلى اليمن ورجعت إلى الجودي فاستوت عليه .قوله تعالى : بسم الله مجراها ومرساها قراءة أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من شذ ، على معنى بسم الله إجراؤها وإرساؤها ; فمجراها ومرساها في موضع رفع بالابتداء ; ويجوز أن تكون في موضع نصب ، ويكون التقدير : بسم الله وقت إجرائها ثم حذف وقت ، وأقيم مجراها مقامه . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : " بسم الله مجريها " بفتح الميم و " مرساها " بضم الميم . وروى يحيى بن عيسى عن الأعمش عن يحيى بن وثاب " بسم الله مجراها ومرساها " بفتح الميم فيهما ; على المصدر من جرت تجري جريا ومجرى ، ورست رسوا ومرسى إذا ثبتت . وقرأ مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي : " بسم الله مجريها ومرسيها " نعت لله - عز وجل - في موضع جر . ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ ; أي هو مجريها ومرسيها . ويجوز النصب على الحال . وقال الضحاك . كان نوح - عليه السلام - إذا قال بسم الله مجراها جرت ، وإذا قال بسم الله مرساها رست . وروى مروان بن سالم عن طلحة بن عبد الله بن كريز عن الحسين بن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في الفلك بسم الله الرحمن الرحيم وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [ ص: 35 ] بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم . وفي هذه الآية دليل ، على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل ; كما بيناه في البسملة ; والحمد لله .إن ربي لغفور رحيم أي لأهل السفينة . وروي عن ابن عباس قال : ( لما كثرت الأرواث والأقذار أوحى الله إلى نوح اغمز ذنب الفيل ، فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث ; فقال نوح : لو غمزت ذنب هذا الخنزير ! ففعل ، فخرج منه فأر وفأرة فلما وقعا أقبلا على السفينة وحبالها تقرضها ، وتقرض الأمتعة والأزواد حتى خافوا على حبال السفينة ; فأوحى الله إلى نوح أن امسح جبهة الأسد فمسحها ، فخرج منها سنوران فأكلا الفأرة . ولما حمل الأسد في السفينة قال : يا رب من أين أطعمه ؟ قال : سوف أشغله ; فأخذته الحمى ; فهو الدهر محموم . قال ابن عباس : ( وأول ما حمل نوح من البهائم في الفلك حمل الإوزة ، وآخر ما حمل حمل الحمار ) ; قال : وتعلق إبليس بذنبه ، ويداه قد دخلتا في السفينة ، ورجلاه خارجة بعد فجعل الحمار يضطرب ولا يستطيع أن يدخل ، فصاح به نوح : ادخل ويلك فجعل يضطرب ; فقال : ادخل ويلك ! وإن كان معك الشيطان ، كلمة زلت على لسانه ، فدخل ووثب الشيطان فدخل . ثم إن نوحا رآه يغني في السفينة ، فقال له : يا لعين ما أدخلك بيتي ؟ ! قال : أنت أذنت لي ; فذكر له ; فقال له : قم فاخرج . قال : ما لك بد في أن تحملني معك ، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك . وكان مع نوح - عليه السلام - خرزتان مضيئتان ، واحدة مكان الشمس ، والأخرى مكان القمر . ابن عباس : ( إحداهما بيضاء كبياض النهار ، والأخرى سوداء كسواد الليل ) ; فكان يعرف بهما مواقيت الصلاة ; فإذا أمسوا غلب سواد هذه بياض هذه ، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه ; على قدر الساعات .

11:42Page 226

وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

قوله تعالى : وهي تجري بهم في موج كالجبال الموج جمع موجة ; وهي ما ارتفع من جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح . والكاف للتشبيه ، وهي في موضع خفض نعت للموج . وجاء في التفسير أن الماء جاوز كل شيء بخمسة عشر ذراعا .ونادى نوح ابنه قيل : كان كافرا واسمه كنعان . وقيل : يام . ويجوز على قول سيبويه : ونادى نوح ابنه بحذف الواو من ابنه في اللفظ ، وأنشد :له زجل كأنه صوت حادفأما " ونادى نوح ابنها وكان " فقراءة شاذة ، وهي مروية عن علي بن أبي طالب - كرم الله [ ص: 36 ] وجهه - وعروة بن الزبير . وزعم أبو حاتم أنها تجوز على أنه يريد " ابنها " فحذف الألف كما تقول : " ابنه " ; فتحذف الواو . وقال النحاس : وهذا الذي قاله أبو حاتم لا يجوز على مذهب سيبويه ; لأن الألف خفيفة فلا يجوز حذفها ، والواو ثقيلة يجوز حذفهاوكان في معزل أي من دين أبيه . وقيل : عن السفينة . وقيل : إن نوحا لم يعلم أن ابنه كان كافرا ، وأنه ظن أنه مؤمن ; ولذلك قال له : ولا تكن مع الكافرين وسيأتي . وكان هذا النداء من قبل أن يستيقن القوم الغرق ; وقبل رؤية اليأس ، بل كان في أول ما فار التنور ، وظهرت العلامة لنوح . وقرأ عاصم : " يا بني اركب معنا " بفتح الياء ، والباقون بكسرها . وأصل يا بني أن تكون بثلاث ياءات ; ياء التصغير ، وياء الفعل ، وياء الإضافة ; فأدغمت ياء التصغير في لام الفعل ، وكسرت لام الفعل من أجل ياء الإضافة ، وحذفت ياء الإضافة لوقوعها موقع التنوين ، أو لسكونها وسكون الراء في هذا الموضع ; هذا أصل قراءة من كسر الياء ، وهو أيضا أصل قراءة من فتح ; لأنه قلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف ، ثم حذف الألف لكونها عوضا من حرف يحذف ، أو لسكونها وسكون الراء . قال النحاس : أما قراءة عاصم فمشكلة ; قال أبو حاتم : يريد يا بنياه ثم يحذف ; قال النحاس : رأيت علي بن سليمان يذهب إلى أن هذا لا يجوز ; لأن الألف خفيفة . قال أبو جعفر النحاس : ما علمت أن أحدا من النحويين جوز الكلام في هذا إلا أبا إسحاق ; فإنه زعم أن الفتح من جهتين ، والكسر من جهتين ; فالفتح على أنه يبدل من الياء ألفا ; قال الله - عز وجل - إخبارا : " يا ويلتا " وكما قال الشاعر :فيا عجبا من رحلها المتحملفيريد يا بنيا ، ثم حذف الألف ; لالتقاء الساكنين ، كما تقول : جاءني عبدا الله في التثنية . والجهة الأخرى أن تحذف الألف ; لأن النداء موضع حذف . والكسر على أن تحذف الياء للنداء . والجهة الأخرى على أن تحذفها لالتقاء الساكنين .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском