Al-QurtubiYusuf · 12:76–78

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:76–78

12:76Page 244

فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1

قوله : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليمقوله تعالى : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه . والوعاء يقال بضم الواو وكسرها ، لغتان ; وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه .ثم استخرجها من وعاء أخيه يعني بنيامين ; أي استخرج السقاية أو الصواع عند من يؤنث ، وقال : ولمن جاء به فذكر ; فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رءوسهم ، وظنوا الظنون كلها ، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين ! ما رأينا كاليوم قط ، ولدت أمك " راحيل " أخوين لصين ! قال لهم أخوهم : والله ما سرقته ، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي . ويروى أنهم قالوا له : يا بنيامين ! أسرقت ؟ قال : لا والله ; قالوا : فمن جعل الصواع في رحلك ؟ قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم . ويقال : إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله - عز وجل - تائبا من فعله ذلك ; وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف ; لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصواع حتى فرغ منهم ، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا ، فقال له إخوته : والله لا نبرح حتى تفتشه ; فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ; ففتش فأخرج السقاية ; وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن سرقهم برأيه ; فيقال : إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى ; ويقوي ذلك قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف .قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : " كدنا " معناه صنعنا ; عن ابن عباس . والقتبي : دبرنا . ابن الأنباري : أردنا ; قال الشاعر :كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عهد الصبا ما قد مضىوفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ، ولا هدمت أصلا ، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل .الثانية : أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة [ ص: 206 ] إذا لم ينو الفرار من الصدقة ; وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان ، ولا أن يفرق بين مجتمع ، ولا أن يجمع بين متفرق . وقال مالك : إذا فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول ، أخذا منه بقوله - عليه السلام - : " خشية الصدقة " . وقال أبو حنيفة : إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضره ; لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله : خشية الصدقة إلا حينئذ . قال ابن العربي : سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفهري وغيره يقول : كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني صاحب عشرات آلاف دينار من المال ، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم : كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم ، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه ; فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا : يا أبانا ! إنما أملنا حياتك ، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما دمت حيا ; أنت ومالك لنا ، فخذه إليك ، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه ، فيرده إلى موضعه ; يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع ، والجمع بين المتفرق ; وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاري - رضي الله عنه - في جامعه كتابا مقصودا فقال : " كتاب الحيل " .قلت : وترجم فيه أبوابا منها : " باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة " . وأدخل فيه حديث أنس بن مالك ، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة ; وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس . الحديث ; وفي آخره : أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق . وقال بعض الناس : في عشرين ومائة بعير حقتان ; فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه ; ثم أردف بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع [ ص: 207 ] له زبيبتان ويقول أنا كنزك الحديث ، قال المهلب : إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى ، وفهم من قوله : أفلح إن صدق أن من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح ، ولا يقوم بذلك عذره عند الله ; وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة ; ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط ، والله حسيبه ; وهو كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم ، واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين ; فالوعيد متوجه عليه ; ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه متعمدا كيف تطؤه الإبل ، ويمثل له ماله شجاعا أقرع ؟ ! وهذا يدل على أن الفرار من الزكاة لا يحل ، وهو مطالب بذلك في الآخرة .الثالثة : قال ابن العربي : قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه . دليل على وجه الحيلة إلى المباح ، واستخراج الحقوق ; وهذا وهم عظيم ; وقوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف في الأرض قيل فيه : كما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن العزيز ، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره . قال الشفعوي : ومثله قوله - عز وجل - : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وهذا ليس حيلة ، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد . قال الشفعوي : ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر جنيب الحديث ; ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه - عليه السلام - أمره أن يبيع جمعا ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره . وقالت المالكية : معناه من غيره ; لئلا يكون جنيبا بجمع ، والدراهم ربا ; كما قال ابن عباس : جريرة بجريرة والدراهم ربا .قوله تعالى : في دين الملك أي سلطانه ، عن ابن عباس . ابن عيسى : عاداته ، أي يظلم بلا حجة . مجاهد : في حكمه ; وهو استرقاق السراق .إلا أن يشاء الله أي إلا بأن [ ص: 208 ] يشاء الله أن يجعل السقاية في رحله تعلة وعذرا له . وقال قتادة : بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين ، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل ، على ما تقدم .قوله تعالى : نرفع درجات من نشاء أي بالعلم والإيمان . وقرئ " نرفع درجات من نشاء " بمعنى : نرفع من نشاء درجات ; وقد مضى في " الأنعام "قوله : وفوق كل ذي علم عليم روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا ، والله فوق كل عالم . وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس - رحمه الله - فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال : سبحان الله ! وفوق كل ذي علم عليم ; فقال ابن عباس : بئس ما قلت ; الله العليم وهو فوق كل عالم .

12:77Page 244

۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."

قوله تعالى : قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل المعنى : أي اقتدى بأخيه ، ولو اقتدى بنا ما سرق ; وإنما قالوا ذلك ليبرءوا من فعله ، لأنه ليس من أمهم ; وأنه إن سرق فقد جذبه عرق أخيه السارق ; لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق . وقد اختلفوا في السرقة التي نسبوا إلى يوسف ; فروي عن مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحاق كانت أكبر من يعقوب ، وكانت صارت إليها منطقة إسحاق لسنها ; لأنهم كانوا يتوارثون بالسن ، وهذا مما نسخ حكمه بشرعنا ، وكان من سرق استعبد . وكانت عمة يوسف حضنته وأحبته حبا شديدا ; فلما ترعرع وشب قال لها يعقوب : سلمي يوسف إلي ، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة ; فولعت به ، وأشفقت من فراقه ; فقالت له : دعه عندي أياما أنظر إليه فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق ، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ، ثم قالت : لقد فقدت منطقة إسحاق ، فانظروا من أخذها ومن أصابها ; فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت فكشفوا ; فوجدت مع يوسف . فقالت : إنه والله لي سلم أصنع فيه ما شئت ; ثم أتاها يعقوب [ ص: 209 ] فأخبرته الخبر ، فقال لها : أنت وذلك ، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ; فأمسكته حتى ماتت ; فبذلك عيره إخوته في قولهم : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ومن هاهنا تعلم يوسف وضع السقاية في رحل أخيه كما عملت به عمته . وقال سعيد بن جبير : إنما أمرته أن يسرق صنما كان لجده أبي أمه ، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق ، وكان ذلك منهما تغييرا للمنكر ; فرموه بالسرقة وعيروه بها ، وقال قتادة وفي كتاب الزجاج : أنه كان صنم ذهب . وقال عطية العوفي : إنه كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك . وقيل : إنه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين ; حكاه ابن عيسى وقيل : إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه ; قاله الحسنقوله تعالى : فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم أي أسر في نفسه قولهم إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل قاله ابن شجرة وابن عيسى . وقيل : إنه أسر في نفسه قوله : أنتم شر مكانا ثم جهر فقال : والله أعلم بما تصفون . قاله ابن عباس ،قال أنتم شر مكانا أي أنتم شر مكانا ممن نسبتموه إلى هذه السرقة .ومعنى قوله : والله أعلم بما تصفون أي الله أعلم أن ما قلتم كذب ، وإن كانت لله رضا . وقد قيل : إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء .

12:78Page 244

قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨

They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

قوله تعالى : قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول أو موته . وقولهم : إن له أبا شيخا كبيرا أي كبير القدر ، ولم يريدوا كبر السن ; لأن ذلك معروف من حال الشيخ . فخذ أحدنا مكانه أي عبدا بدله ; وقد قيل : إن هذا مجاز ; لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقه ; وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله : اقتلني ولا تفعل كذا وكذا ، وأنت لا تريد أن يقتلك ، ولكنك مبالغ في استنزاله . ويحتمل أن يكون قولهم : فخذ أحدنا مكانه حقيقة ; وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة ; أي خذ أحدنا مكانه . حتى ينصرف إليك صاحبك ; ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه ; ويعرف يعقوب جلية الأمر ; فمنع يوسف - عليه السلام - من ذلك ، إذ الحمالة في [ ص: 210 ] الحدود ونحوها - بمعنى إحضار المضمون فقط - جائزة مع التراضي ، غير لازمة إذا أبى الطالب ; وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة ، فلا يجوز إجماعا . وفي " الواضحة " : إن الحمالة في الوجه فقط في جميع الحدود جائزة ، إلا في النفس . وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس . واختلف فيها عن الشافعي ; فمرة ضعفها ، ومرة أجازها .قوله تعالى : إنا نراك من المحسنين يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم ، ويحتمل أن يريدوا : إنا نرى لك إحسانا علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا ; وهذا تأويل ابن إسحاق .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском