Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:16–18
15:16Page 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.
قوله تعالى : ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين لما ذكر كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته . والبروج : القصور والمنازل . قال ابن عباس : أي جعلنا في السماء بروج الشمس والقمر ; أي منازلهما . وأسماء هذه البروج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، [ ص: 10 ] والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت . والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم ، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب . وقالوا : الفلك اثنا عشر برجا ، كل برج ميلان ونصف . وأصل البروج الظهور ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها . وقد تقدم هذا المعنى في النساء . وقال الحسن وقتادة : البروج النجوم ، وسميت بذلك لظهورها . وارتفاعها . وقيل : الكواكب العظام ; قاله أبو صالح : يعني السبعة السيارة . وقال قوم : بروجا ; أي قصورا وبيوتا فيها الحرس ، خلقها الله في السماء . فالله أعلم . وزيناها يعني السماء ; كما قال في سورة الملك : ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح . للناظرين للمعتبرين والمتفكرين .
15:17Page 263
وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧
And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]
قوله تعالى : وحفظناها من كل شيطان رجيم أي مرجوم . والرجم الرمي بالحجارة . وقيل : الرجم اللعن والطرد . وقد تقدم . وقال الكسائي : كل رجيم في القرآن فهو بمعنى الشتم . وزعم الكلبي أن السماوات كلها لم تحفظ من الشياطين إلى زمن عيسى ، فلما بعث الله - تعالى - عيسى حفظ منها ثلاث سماوات إلى مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحفظ جميعها بعد بعثه وحرست منهم بالشهب . وقاله ابن عباس - رضي الله عنه - . قال ابن عباس : ( وقد كانت الشياطين لا يحجبون عن السماء ، فكانوا يدخلونها ويلقون أخبارها على الكهنة ، فيزيدون عليها تسعا فيحدثون بها أهل الأرض ; الكلمة حق والتسع باطل ; فإذا رأوا شيئا مما قالوه صدقوهم فيما جاءوا به ، فلما ولد عيسى ابن مريم - عليهما السلام - منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد - صلى الله عليه وسلم - منعوا من السماوات كلها ، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب ; على ما يأتي .
15:18Page 263
إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨
Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.
قوله تعالى : إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين أي لكن من استرق السمع ، أي الخطفة اليسيرة ، فهو استثناء منقطع . وقيل ، هو متصل ، أي إلا ممن استرق السماع . أي حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره ; إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى [ ص: 11 ] الوحي ، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا ; لقوله : إنهم عن السمع لمعزولون . وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم ; ذكره الحسن وابن عباس .قوله - تعالى - : فأتبعه شهاب مبين أتبعه : أدركه ولحقه . شهاب : كوكب مضيء . وكذلك شهاب ثاقب . وقوله : بشهاب قبس بشعلة نار في رأس عود ; قاله ابن عزيز . وقال ذو الرمة :كأنه كوكب في إثر عفرية مسوم في سواد الليل منقضبوسمي الكوكب شهابا لبريقه ، يشبه النار . وقيل : شهاب لشعلة من نار ، قبس لأهل الأرض ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقت كما إذا أحرقت النار لم تعد ، بخلاف الكوكب فإنه إذا أحرق عاد إلى مكانه . قال ابن عباس : تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو ، فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو أنفه أو ما شاء الله فيلتهب ، فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول : إنه كان من الأمر كذا وكذا ، فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليها تسعا ، فيحدثون بها أهل الأرض ; الكلمة حق والتسع باطل . فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بكل ما جاءوا به من كذبهم . وسيأتي هذا المعنى مرفوعا في سورة " سبأ " إن شاء الله - تعالى - .واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا . فقال ابن عباس : الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل . وقال الحسن وطائفة : يقتل ; فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان :أحدهما : أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم ; فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ، ولذلك انقطعت الكهانة .والثاني : أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن ; ولذلك ما يعودون إلى استراقه ، ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع الإحراق ; ذكره الماورديقلت : والقول الأول أصح على ما يأتي بيانه في " الصافات " . واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث ; فقال الأكثرون نعم . وقيل لا ، وإنما ذلك بعد المبعث . وسيأتي بيان [ ص: 12 ] هذه المسألة في سورة " الجن " إن شاء الله - تعالى - . وفي " الصافات " أيضا . قال الزجاج : والرمي بالشهب من آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - مما حدث بعد مولده ; لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم ، ولم يشبهوا الشيء السريع به كما شبهوا بالبرق وبالسيل . ولا يبعد أن يقال : انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان ولكنه لم يكن رجوما للشياطين ، ثم صار رجوما حين ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - .وقال العلماء : نحن نرى انقضاض الكواكب ، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان . ويجوز أن يقال : يرمون بشعلة من نار من الهوى فيخيل إلينا أنه نجم سرى .والشهاب في اللغة النار الساطعة .وذكر أبو داود عن عامر الشعبي قال : لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمت الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل ، فأتوا عبد ياليل بن عمرو الثقفي فقالوا : إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيبوا أنعامهم لما رأوا في النجوم . فقال لهم - وكان رجلا أعمى - : لا تعجلوا ، وانظروا فإن كانت النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس ، وإن كانت لا تعرف فهي من حدث . فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف ، فقالوا : هذا من حدث . فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences