Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
مريم
Maryam
Mary · Meccan · 98 ayahs
تفسير سورة مريم عليها السلام وهي مكية بإجماع ، وهي تسعون وثمان آياتولما كانت وقعة بدر ، وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فأهدوا إلى النجاشي ، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش ، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر ؛ فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببعثهما ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفرا أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة مريم كهيعص وقاموا تفيض أعينهم من الدمع ، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون . وقرأ إلى قوله : الشاهدين . ذكره أبو داود .وفي السيرة ؛ فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ قال جعفر : نعم ؛ فقال له النجاشي : اقرأه علي . قال : فقرأ كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفتهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم ؛ فقال النجاشي : هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا ؛ وذكر تمام الخبر .كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا [ ص: 4 ]قوله تعالى : كهيعص تقدم الكلام في أوائل السور . وقال ابن عباس في كهيعص : إن الكاف من كاف ، والهاء من هاد ، والياء من حكيم ، والعين من عليم ، والصاد من صادق ، ذكره ابن عزيز القشيري عن ابن عباس ؛ معناه كاف لخلقه ، هاد لعباده ، يده فوق أيديهم ، عالم بهم ، صادق في وعده ؛ ذكره الثعلبي عن الكلبي و السدي ومجاهد والضحاك .وقال الكلبي أيضا : الكاف من كريم وكبير وكاف ، والهاء من هاد ، والياء من رحيم ، والعين من عليم وعظيم ، والصاد من صادق ؛ والمعنى واحد . وعن ابن عباس أيضا : هو اسم من أسماء الله تعالى ؛ وعن علي - رضي الله عنه - هو اسم الله - عز وجل - وكان يقول : يا كهيعص اغفر لي ؛ ذكره الغزنوي .السدي : هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب . وقتادة : هو اسم من أسماء القرآن ؛ ذكره عبد الرزاق . عن معمر عنه . وقيل : هو اسم للسورة ؛ وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف ؛ وعلى هذا قيل : تمام الكلام عند قوله : كهيعص كأنه إعلام باسم السورة ، كما تقول : كتاب كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود . وقرأ ابن جعفر هذه الحروف متقطعة ، ووصلها الباقون ، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء ، وابن عامر وحمزة بالعكس ، وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف . وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره . وفتحهما الباقون . وعن خارجة أن الحسن كان يضم " كاف " ، وحكى غيره أنه كان [ ص: 5 ] يضم " ها " ، وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم " يا " . قال أبو حاتم : ولا يجوز ضم الكاف والهاء والياء ؛ قال النحاس : قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا ، والإمالة جائزة في " ها " و " يا " . وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا : لا تجوز ؛ منهم أبو حاتم . والقول فيها ما بينه هارون القارئ ؛ قال : كان الحسن يشم الرفع ؛ فمعنى هذا أنه كان يومئ ؛ كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول : الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو ، ولهذا كتبها في المصحف بالواو . وأظهر الدال من هجاء ( ص ) نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب ، وهو اختيار أبي عبيد ؛ وأدغمها الباقون .
19:2Page 305
ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢
[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah
قوله تعالى : ذكر رحمة ربك عبده زكريافيه :الأولى : قوله تعالى : ذكر رحمة ربك في رفع ذكر ثلاثة أقوال ؛ قال الفراء : هو مرفوع ب كهيعص ؛ قال الزجاج : هذا محال ؛ لأن كهيعص ليس هو مما أنبأنا الله - عز وجل - به عن زكريا ، وقد خبر الله تعالى عنه وعن ما بشر به ، وليس كهيعص من قصته . وقال الأخفش : التقدير ؛ فيما يقص عليكم ذكر رحمة ربك . والقول الثالث : أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك . وقيل : ذكر رحمة ربك رفع بإضمار مبتدأ ؛ أي هذا ذكر رحمة ربك ؛ وقرأ الحسن ( ذكر رحمة ربك ) أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك . وقرئ ( ذكر ) على الأمر .ورحمة تكتب ويوقف عليها بالهاء ، وكذلك كل ما كان مثلها ، لا اختلاف فيها بين النحويين ، واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء فرقا بينها وبين الأفعال .الثانية : قوله تعالى : عبده قال الأخفش : هو منصوب ب ( رحمة ) . زكريا بدل منه ، كما تقول : هذا ذكر ضرب زيد عمرا ؛ فعمرا منصوب بالضرب ؛ كما أن عبده منصوب بالرحمة . وقيل : هو على التقديم والتأخير ؛ معناه : ذكر ربك عبده زكريا برحمة ؛ ف ( عبده ) منصوب بالذكر ؛ ذكره الزجاج والفراء . وقرأ بعضهم ( عبده زكريا ) بالرفع ؛ وهي قراءة أبي العالية . وقرأ يحيى بن يعمر ( ذكر ) بالنصب على معنى : هذا القرآن ذكر رحمة عبده زكريا . وتقدمت اللغات والقراءة في زكريا في ( آل عمران ) .
19:3Page 305
إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣
When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].
قوله تعالى : إذ نادى ربه نداء خفيا مثل قوله : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وقد تقدم . والنداء الدعاء والرغبة ؛ أي ناجى ربه بذلك في محرابه . دليله قوله : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب فبين أنه استجاب له في صلاته ، [ ص: 6 ] كما نادى في الصلاة . واختلف في إخفائه هذا النداء ؛ فقيل : أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن ؛ ولأنه أمر دنيوي ، فإن أجيب فيه نال بغيته ، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد .وقيل : مخلصا فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى . وقيل : لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه . وقيل : خفيا سرا من قومه في جوف الليل ؛ والكل محتمل والأول أظهر ؛ والله أعلم .وقد تقدم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة ( الأعراف ) وهذه الآية نص في ذلك ؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا . وروى إسماعيل قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن ، وهو ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي وهذا عام . قال يونس بن عبيد : كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت ، وتلا يونس إذ نادى ربه نداء خفيا . قال ابن العربي : وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي ، والجهر به أفضل ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو به جهرا .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences