Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:94–96
19:94Page 311
لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا ٩٤
He has enumerated them and counted them a [full] counting.
قوله تعالى : لقد أحصاهم أي علم عددهم وعدهم عدا تأكيد أي فلا يخفى عليه أحد منهم .قلت : ووقع لنا في أسمائه سبحانه المحصي ؛ أعني في السنة من حديث أبي هريرة ؛ خرجه الترمذي ، واشتقاق هذا الفعل يدل عليه . وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني : ومنها المحصي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم ، مثل ضوء النور ، واشتداد الريح ، وتساقط الأوراق ، فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة ، وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق ، وقد قال : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ووقع في تفسير ابن عباس أن معنى لقد أحصاهم وعدهم عدا يريد أقروا له بالعبودية ، وشهدوا له بالربوبية .
19:95Page 311
وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا ٩٥
And all of them are coming to Him on the Day of Resurrection alone.
قوله تعالى : وكلهم آتيه يوم القيامة فردا أي واحدا لا ناصر له ولا مال معه ينفعه كما قال تعالى : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فلا ينفعه إلا ما قدم [ ص: 82 ] من عمل وقال : وكلهم آتيه على لفظ كل وعلى المعنى آتوه . وقال القشيري : وفيه إشارة إلى أنكم لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم والكل عبيده ، فكيف رضيتم له ما لا ترضون لأنفسكم ، وقد رد عليهم في مثل هذا ، في أنهم لا يرضون لأنفسهم بالبنات ، ويقولون : الملائكة بنات الله ، تعالى الله عن ذلك ، وقولهم الأصنام بنات الله . وقال : فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم .
19:96Page 312
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا ٩٦
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - the Most Merciful will appoint for them affection.1
قوله : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداقوله تعالى : إن الذين آمنوا أي صدقوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا أي حبا في قلوب عباده كما رواه الترمذي من حديث سعد وأبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني قد أحببت فلانا فأحبه قال فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله تعالى : سيجعل لهم الرحمن ودا وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إني أبغضت فلانا فينادي في السماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض ، قال هذا حديث حسن صحيح ، وخرجه البخاري ومسلم بمعناه ومالك في الموطأ وفي نوادر الأصول ، وحدثنا أبو بكر بن سابق الأموي ، قال : حدثنا أبو مالك الجنبي عن جويبر عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله أعطى المؤمن الألفة والملاحة والمحبة في صدور الصالحين والملائكة المقربين ثم تلا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا .واختلف فيمن نزلت فقيل في علي - رضي الله تعالى عنه - روى البراء بن عازب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب : قل يا علي اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في قلوب المؤمنين مودة فنزلت الآية ذكره الثعلبي ، وقال ابن عباس : نزلت في عبد الرحمن بن عوف جعل الله تعالى له في قلوب العباد مودة لا يلقاه مؤمن إلا وقره ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه وكان هرم بن حيان يقول : ما أقبل أحد [ ص: 83 ] بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى بقلوب أهل الإيمان إليه ، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم ، وقيل : يجعل الله تعالى لهم مودة في قلوب المؤمنين والملائكة يوم القيامة .قلت : إذا كان محبوبا في الدنيا ، فهو كذلك في الآخرة ، فإن الله تعالى لا يحب إلا مؤمنا تقيا ، ولا يرضى إلا خالصا نقيا ، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه . روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل - عليه السلام - فقال : إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، قال : ثم يوضع له القبول في الأرض ، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل - عليه السلام - ، وقال : إني أبغض فلانا فأبغضه ، فيبغضه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه ، قال فيبغضونه ، ثم توضع له البغضاء في الأرض .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences