Al-QurtubiAl‑Baqarah · 2:58–60

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:58–60

2:58Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنينفيه تسع مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية حذفت الألف من قلنا لسكونها وسكون الدال بعدها ، والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل ؛ لأنه من " يدخل " .الثانية : قوله تعالى : هذه القرية أي : المدينة ، سميت بذلك لأنها تقرت أي : اجتمعت ، ومنه قريت الماء في الحوض أي : جمعته ، واسم ذلك الماء : قرى ( بكسر القاف ) مقصور ، وكذلك ما قري به الضيف ، قاله الجوهري والمقراة للحوض ، والقري لمسيل الماء ، والقرا للظهر ، ومنه قوله :لاحق بطن بقرا سمينوالمقاري : الجفان الكبار ، قال :عظام المقاري ضيفهم لا يفزعوواحد المقاري مقراة وكله بمعنى الجمع غير مهموز ، والقرية ( بكسر القاف ) لغة اليمن ، واختلف في تعيينها ، فقال الجمهور : هي بيت المقدس ، وقيل : أريحاء من بيت المقدس ، قال عمر بن شبة : كانت قاعدة ومسكن ملوك . ابن كيسان : الشام . الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين وتدمر ، وهذه نعمة أخرى ، وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه .الثالثة : قوله تعالى : فكلوا إباحة . ورغدا : كثيرا واسعا ، وهو نعت لمصدر محذوف أي : أكلا رغدا ، ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم ، وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة ، فلذلك قال : رغدا .الرابعة : قوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا الباب يجمع أبوابا ، وقد قالوا : أبوبة للازدواج ، قال الشاعر [ حميط الأرقط ]هتاك أخبية ولاج أبوبة يخلط بالبر منه الجد والليناولو أفرده لم يجز ، ومثله قوله عليه السلام : مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى وتبوبت بوابا اتخذته ، وأبواب مبوبة كما قالوا : أصناف مصنفة ، وهذا شيء من بابتك أي : يصلح لك ، وقد تقدم معنى السجود فلا معنى لإعادته ، والحمد لله .والباب الذي أمروا بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب " باب حطة " - عن [ ص: 385 ] مجاهد وغيره . وقيل : باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل و سجدا قال ابن عباس : منحنين ركوعا ، وقيل : متواضعين خضوعا لا على هيئة متعينة .الخامسة : قوله تعالى : وقولوا عطف على ادخلوا . " حطة " - بالرفع - قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ أي : مسألتنا حطة ، أو يكون حكاية ، قال الأخفش : وقرئت " حطة " بالنصب على معنى : أحطط عنا ذنوبنا حطة .قال النحاس : الحديث عن ابن عباس أنه قيل لهم : قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه : قيل لهم : قولوا : مغفرة ، تفسير للنصب أي : قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال : قل خيرا ، والأئمة من القراء على الرفع ، وهو أولى في اللغة ؛ لما حكي عن العرب في معنى بدل ، قال أحمد بن يحيى : يقال : بدلته أي : غيرته ، ولم أزل عينه ، وأبدلته : أزلت عينه وشخصه ، كما قال :عزل الأمير للأمير المبدلوقال الله عز وجل : قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله وحديث ابن مسعود قالوا : حطة تفسير على الرفع . هذا كله قول النحاس . وقال الحسن وعكرمة : حطة بمعنى حط ذنوبنا ، أمروا أن يقولوا : لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم ، وقال ابن جبير معناه الاستغفار . أبان بن تغلب : التوبة ، قال الشاعر :فاز بالحطة التي جعل الل ه بها ذنب عبده مغفوراوقال ابن فارس في المجمل : " حطة " كلمة أمر بها بنو إسرائيل ، لو قالوها لحطت أوزارهم ، وقاله الجوهري أيضا في " الصحاح " .قلت : يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه ، وهو الظاهر من الحديث ، روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم ، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم ، وقالوا : حبة في شعرة وأخرجه البخاري وقال فبدلوا وقالوا : حطة حبة في شعرة في غير الصحيحين : حنطة في شعر وقيل : قالوا : هطا سمهأثا ، وهي لفظة عبرانية ، تفسيرها : حنطة حمراء ، حكاها ابن قتيبة وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد ، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا [ ص: 386 ] وتمردوا واستهزءوا فعاقبهم الله بالرجز ، وهو العذاب ، وقال ابن زيد كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا ، وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم ، والله أعلم .السادسة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها ، فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها ؛ لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله ، وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه .فائدة في التحديث :وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فحكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله ، وهو قول الجمهور .ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وقال مجاهد : انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه .وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في التاء والياء ونحو هذا ، وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ، ولا يغيرونه .وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال : قال عمر بن الخطاب : من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم ، وروي نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ، ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ ، وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى ، ولكن أكثر العلماء على خلافه ، والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة ، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ، ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ، ولا كتبها .وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال : ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم ، حسبكم المعنى .وقال قتادة عن زرارة بن أوفى : لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختلفوا علي في [ ص: 387 ] اللفظ ، واجتمعوا في المعنى ، وكان النخعي والحسن والشعبي - رحمهم الله - يأتون بالحديث على المعاني ، وقال الحسن : إذا أصبت المعنى أجزأك .وقال سفيان الثوري - رحمه الله - : إذا قلت لكم : إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، إنما هو المعنى .وقال وكيع رحمه الله : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس .واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم وذلك هو النقل بالمعنى ، وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف ، فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي ، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاء والزيادة والنقصان ، وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى ، احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي ، وهو الصحيح في الباب .فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها وذكر الحديث وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه : آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، فقال الرجل : ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ونبيك الذي أرسلت قالوا : أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال : فأداها كما سمعها قيل لهم : أما قوله : فأداها كما سمعها فالمراد حكمها لا لفظها ؛ لأن اللفظ غير معتد به ، ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله : فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة ، لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة ، وذلك أدل على الجواز ، وأما رده - عليه [ ص: 388 ] السلام - الرجل من قوله : ( ورسولك إلى قوله : ونبيك ) لأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع ، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام . . . ؟ ! وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة ، فلما قال : ( ونبيك ) جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله : ( الذي أرسلت ) وأيضا فإن نقله من قوله : ( ورسولك إلى قوله : ونبيك ) ليجمع بين النبوة والرسالة ومستقبح في الكلام أن تقول : هذا رسول فلان الذي أرسله ، وهذا قتيل زيد الذي قتله ؛ لأنك تجتزئ بقولك : رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل ، إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول ، وإنما يحسن أن تقول : هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو ، وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أو في وقعة كذا ، والله ولي التوفيق . فإن قيل إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها ، قيل له : الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا ، فإن عدمت لم يجز ، قال ابن العربي : الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية ، وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق . والله أعلم .قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله ، فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ، ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل ، نعم ، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم .السابعة : قوله تعالى : نغفر لكم خطاياكم قراءة نافع بالياء مع ضمها وابن عامر بالتاء مع ضمها ، وهي قراءة مجاهد ، وقرأها الباقون بالنون مع نصبها ، وهي أبينها ؛ لأن قبلها : وإذ قلنا ادخلوا ، فجرى " نغفر " على الإخبار عن الله تعالى ، والتقدير : وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر ؛ ولأن بعده : وسنزيد - بالنون - وخطاياكم اتباعا للسواد وأنه على بابه ، ووجه من قرأ بالتاء أنه أثبت لتأنيث لفظ الخطايا ؛ لأنها جمع خطيئة على التكسير ، ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله : فتلقى آدم من ربه كلمات وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله وإذ قلنا ؛ لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى فاستغني عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة .الثامنة : واختلف في أصل خطايا جمع خطيئة بالهمزة فقال الخليل : الأصل في خطايا [ ص: 389 ] أن يقول : خطايئ ثم قلب فقيل : خطائي بهمزة بعدها ياء ، ثم تبدل من الياء ألفا بدلا لازما فتقول : خطاءا ، فلما اجتمعت ألفان بينهما همزة والهمزة من جنس الألف صرت كأنك جمعت بين ثلاث ألفات فأبدلت من الهمزة ياء فقلت : خطايا ، وأما سيبويه فمذهبه أن الأصل مثل الأول " خطايئ " ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول : خطائئ ، ولا تجتمع همزتان في كلمة ، فأبدلت من الثانية ياء فقلت : خطائي ، ثم عملت كما عملت في الأول وقال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همزة كما تقول : هدية وهدايا ، قال الفراء : ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت : خطاءا وقال الكسائي لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت : دواب .التاسعة : قوله تعالى : وسنزيد المحسنين أي : في إحسان من لم يعبد العجل ويقال : يغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد وسنزيد في إحسان من لم يرفع للغد ، ويقال : يغفر خطايا من هو عاص ، وسيزيد في إحسان من هو محسن أي : نزيدهم إحسانا على الإحسان المتقدم عندهم وهو اسم فاعل من أحسن ، والمحسن من صحح عقد توحيده ، وأحسن سياسة نفسه ، وأقبل على أداء فرائضه ، وكفى المسلمين شره ، وفي حديث جبريل عليه السلام ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، قال : صدقت . . . وذكر الحديث ، خرجه مسلم .

2:59Page 9

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقونفيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا الذين في موضع رفع أي : فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم ، وذلك أنه قيل لهم : قولوا : حطة فقالوا : حنطة - على ما تقدم - فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا ؛ تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب ، فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود ، هذا والقول أنقص من العمل ، فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل ؟ ! .الثانية : قوله تعالى : فبدل تقدم معنى بدل وأبدل وقرئ عسى ربنا أن يبدلنا [ ص: 390 ] على الوجهين قال الجوهري وأبدلت الشيء بغيره ، وبدله الله من الخوف أمنا وتبديل الشيء أيضا تغييره وإن لم يأت ببدل واستبدل الشيء بغيره وتبدله به ، إذا أخذه مكانه .والمبادلة : التبادل والأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر ، قال ابن دريد الواحد بديل ، والبديل البدل ، وبدل الشيء غيره ، يقال : بدل وبدل لغتان مثل شبه وشبه ومثل ومثل ونكل ونكل قال أبو عبيد لم يسمع في " فعل وفعل " غير هذه الأربعة الأحرف ، والبدل وجع يكون في اليدين والرجلين ، وقد بدل ( بالكسر ) يبدل بدلا .الثالثة : قوله تعالى : فأنزلنا على الذين ظلموا كرر لفظ ظلموا ولم يضمره تعظيما للأمر والتكرير يكون على ضربين : أحدهما استعماله بعد تمام الكلام كما في هذه الآية وقوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم قال بعد : فويل لهم مما كتبت أيديهم ولم يقل مما كتبوا وكرر الويل تغليظا لفعلهم ، ومنه قول الخنساء :تعرقني الدهر نهسا وحزا وأوجعني الدهر قرعا وغمزاأرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها ، والضرب الثاني مجيء تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة الآية و القارعة ما القارعة الآية كان القياس - لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم - الحاقة ما هي ، والقارعة ما هي ، ومثله فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة كرر أصحاب الميمنة تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ أصحاب المشأمة لما ينالهم من أليم العذاب ، ومن هذا الضرب قول الشاعر :ليت الغراب غداة ينعب دائبا كان الغراب مقطع الأوداجوقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال :لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرافكرر لفظ الموت ثلاثا وهو من الضرب الأول ، ومنه قول الآخر :ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعدفكرر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها .الرابعة : قوله تعالى : رجزا قراءة الجماعة " رجزا " بكسر الراء وابن محيصن [ ص: 391 ] بضم الراء والرجز العذاب ( بالزاي ) و ( بالسين ) النتن والقذر ومنه قوله تعالى : فزادتهم رجسا إلى رجسهم أي : نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي وقال الفراء الرجز هو الرجس ، قال أبو عبيد : كما يقال : السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى ، قال الفراء : وذكر بعضهم أن الرجز ( بالضم ) اسم صنم كانوا يعبدونه ، وقرئ بذلك في قوله تعالى : والرجز فاهجر والرجز ( بفتح الراء والجيم ) نوع من الشعر ، وأنكر الخليل أن يكون شعرا وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها .بما كانوا يفسقون أي : بفسقهم ، والفسق الخروج ، وقد تقدم ، وقرأ ابن وثاب والنخعي يفسقون بكسر السين .

2:60Page 9

۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

قوله تعالى : وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدينفيه ثماني مسائل : الأولى : قوله تعالى : وإذ استسقى موسى لقومه كسرت الذال لالتقاء الساكنين . والسين سين السؤال مثل استعلم واستخبر واستنصر ونحو ذلك أي : طلب وسأل السقي لقومه والعرب تقول : سقيته وأسقيته لغتان بمعنى ، قال :سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلالوقيل : سقيته من سقي الشفة وأسقيته دللته على الماء .الثانية : الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر ، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح ، وقد استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به ، فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد فأنى نسقى لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا الحديث وسيأتي بكماله إن شاء الله .الثالثة : سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى على الصفة التي ذكرنا والخطبة والصلاة ، وبهذا قال جمهور العلماء ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج ، وإنما هو دعاء لا غير ، واحتج بحديث أنس الصحيح ، أخرجه البخاري ومسلم ، ولا حجة له فيه ؛ فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته فاكتفي به عما سواه ولم يقصد بذلك بيان سنة ، ولما قصد البيان بين بفعله حسب ما رواه عبد الله بن يزيد المازني قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ركعتين رواه مسلم ، وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة " هود " إن شاء الله .الرابعة : قوله تعالى : فقلنا اضرب بعصاك الحجر العصا معروف ، وهو اسم مقصور مؤنث ، وألفه منقلبة عن واو ، قال :على عصويها سابري مشبرقوالجمع عصي وعصي ، وهو فعول ، وإنما كسرت العين لما بعدها من الكسرة ، وأعص أيضا مثله مثل زمن وأزمن ، وفي المثل " العصا من العصية " أي : بعض الأمر من بعض . وقولهم : ألقى عصاه أي : أقام وترك الأسفار وهو مثل ، قال :فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافروفي التنزيل وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وهناك يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى ، قال الفراء : أول لحن سمع بالعراق : هذه عصاتي ، وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع والافتراق ، ومنه يقال في الخوارج : قد شقوا عصا المسلمين أي : اجتماعهم وائتلافهم ، وانشقت العصا أي : وقع الخلاف ، قال الشاعر :إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهندأي : يكفيك ويكفي الضحاك وقولهم : لا ترفع عصاك عن أهلك ، يراد به الأدب ، والله أعلم .[ ص: 393 ] والحجر معروف وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار ، وفي الكثير حجار وحجارة والحجارة نادر ، وهو كقولنا جمل وجمالة ، وذكر وذكارة ، كذا قال ابن فارس والجوهري .قلت : وفي القرآن فهي كالحجارة وإن من الحجارة قل كونوا حجارة ترميهم بحجارة وأمطرنا عليهم حجارة فكيف يكون نادرا إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فيصح ، والله أعلمقوله تعالى : فانفجرت في الكلام حذف تقديره فضرب فانفجرت وقد كان تعالى قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد . والانفجار الانشقاق ، ومنه انشق الفجر وانفجر الماء انفجارا ، انفتح والفجرة موضع تفجر الماء والانبجاس أضيق من الانفجار ؛ لأنه يكون انبجاسا ثم يصير انفجارا ، وقيل انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره .الخامسة : قوله تعالى : اثنتا عشرة عينا اثنتا في موضع رفع ب " انفجرت " وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها لأن التثنية معربة أبدا لصحة معناها . " عينا " نصب على البيان ، وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى " عشرة " بكسر الشين ، وهي لغة بني تميم وهذا من لغتهم نادر لأن سبيلهم التخفيف ولغة أهل الحجاز عشرة وسبيلهم التثقيل ، قال جميعه النحاس والعين من الأسماء المشتركة ، يقال : عين الماء وعين الإنسان وعين الركبة وعين الشمس ، والعين سحابة تقبل من ناحية القبلة ، والعين مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع وبلد قليل العين أي : قليل الناس وما بها عين - محركة الياء ، والعين الثقب في المزادة ، والعين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان وقيل لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء لأنها أشرف ما في الأرض .السادسة : لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا قيل مربعا طوريا ( من الطور ) على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم ، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه [ ص: 394 ] في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى ، وهذا أعظم في الآية والإعجاز ، وقيل : إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء ، وهذا أبلغ في الإعجاز ، وقيل : إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه بينه لموسى عليه السلام ، ولذلك ذكر بلفظ التعريف ، قال سعيد بن جبير : هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه ، قال ابن عطية ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى ، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون .قلت : ما أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة ؛ فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار ، ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، يخرج الماء من بين لحم ودم ، روى الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء ، فأتي بتور فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول : ( حي على الطهور ) قال الأعمش فحدثني سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألفا وخمسمائة . لفظ النسائيالسابعة : قوله تعالى : قد علم كل أناس مشربهم يعني أن لكل سبط منهم عينا قد عرفها لا يشرب من غيرها ، والمشرب موضع الشرب ، وقيل : المشروب والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب ، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها ، قال عطاء كان للحجر أربعة أوجه يخرج من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين لا يخالطهم سواهم ، وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم ، قال عطاء : كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق أولا ثم يسيل .الثامنة : قوله تعالى : كلوا واشربوا في الكلام حذف تقديره ، وقلنا لهم : كلوا المن والسلوى ، واشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل .ولا تعثوا أي : لا تفسدوا ، والعيث شدة الفساد ، نهاهم عن ذلك ، يقال : عثي يعثى عثيا وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا وعيوثا ومعاثا ، والأول لغة القرآن ، ويقال : عث يعث - في المضاعف - أفسد ، ومنه العثة [ ص: 395 ] وهي السوسة التي تلحس الصوف" مفسدين " حال ، وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف اللفظ ، وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها ، والتقدم في المعاصي والنهي عنها .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском