Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.
قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليمفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الحرام عام الحديبية ، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع ؛ إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس ، فقد وقع ذلك في صدر المبعث . والصد : المنع ؛ أي وهم يصدون . وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي . وقيل : الواو زائدة ( ويصدون ) خبر ( إن ) . وهذا مفسد للمعنى المقصود ، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله ( والباد ) تقديره : خسروا إذا هلكوا . وجاء ( ويصدون ) مستقبلا إذ هو فعل يديمونه ؛ كما جاء قوله تعالى : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ؛ فكأنه قال : إن الذين كفروا من شأنهم الصد . ولو قال إن الذين كفروا وصدوا لجاز . قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق ، قال : وجائز أن يكون - وهو الوجه - الخبر نذقه من عذاب أليم . قال أبو جعفر : وهذا غلط ، ولست أعرف ما الوجه فيه ؛ لأنه جاء بخبر ( إن ) جزما ، وأيضا فإنه جواب الشرط ، ولو كان خبر ( إن ) لبقي الشرط بلا جواب ، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب .الثانية : والمسجد الحرام قيل : إنه المسجد نفسه ، وهو ظاهر القرآن ؛ لأنه لم يذكر غيره . وقيل : الحرم كله ؛ لأن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ؛ قال الله تعالى : وصدوكم عن المسجد الحرام ، وقال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام . وهذا صحيح ، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .الثالثة : قوله تعالى : الذي جعلناه للناس أي للصلاة والطواف والعبادة ؛ وهو كقوله تعالى : إن أول بيت وضع للناس . سواء العاكف فيه والبادي العاكف : [ ص: 31 ] المقيم الملازم . والبادي : أهل البادية ومن يقدم عليهم . يقول : سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد ؛ فليس أهل مكة أحق من النازح إليه . وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ، ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها . وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله ؛ وهذا قول مجاهد ، ومالك ؛ رواه عنه ابن القاسم . وروي عن عمر ، وابن عباس ، وجماعة : إلا أن القادم له النزول حيث وجد ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى . وقال ذلك سفيان الثوري ، وغيره ، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول ، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ؛ فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله ؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ، فتركه فاتخذ الناس الأبواب . وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب في الدور . وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ؛ وهذا هو العمل اليوم . وقال بهذا جمهور من الأمة .وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس . وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ؛ كما فعل عمر - رضي الله عنه - بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وبهذا قال مالك ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي . أو كان فتحها صلحا - وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم ، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا . وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام ، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة ( المائدة ) . وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة ، . وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة .قلت : الصحيح ما قاله مالك ؛ وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة . قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد . وروى الدارقطني ، عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - وما تدعى رباع مكة إلا السوائب ؛ من [ ص: 32 ] احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وزاد في رواية : وعثمان . وروي أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - السوائب ، لا تباع ؛ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال : من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا . قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ، ووهم فيه ، ووهم أيضا في قوله : عبيد الله بن أبي يزيد ، وإنما هو ابن أبي زياد القداح ، والصحيح أنه موقوف ، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها . وروى أبو داود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قلت : يا رسول الله ؛ ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس ؟ فقال : لا ، إنما هو مناخ من سبق إليه . وتمسك الشافعي - رضي الله عنه - بقوله تعالى : الذين أخرجوا من ديارهم فأضافها إليهم . وقال : عليه السلام - يوم الفتح : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن .الرابعة : قرأ جمهور الناس ( سواء ) بالرفع ، وهو على الابتداء ، و ( العاكف ) خبره . وقيل : الخبر ( سواء ) وهو مقدم ؛ أي العاكف فيه والبادي سواء ؛ وهو قول أبي علي ، والمعنى : الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء . وقرأ حفص ، عن عاصم سواء بالنصب ، وهي قراءة الأعمش . وذلك يحتمل أيضا وجهين : أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا لجعل ، ويرتفع ( العاكف ) به لأنه مصدر ، فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو . والوجه الثاني : أن يكون حالا من الضمير في جعلناه . وقرأت فرقة ( سواء ) بالنصب ( العاكف ) بالخفض ، و ( البادي ) عطفا على الناس ، التقدير : الذي [ ص: 33 ] جعلناه للناس العاكف والبادي . وقراءة ابن كثير في الوقف والوصل بالياء ، ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء . وقرأ نافع بغير ياء في الوصل والوقف . وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام ، واختلفوا في مكة ؛ وقد ذكرناه .الخامسة : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم شرط ، وجوابه نذقه من عذاب أليم . والإلحاد في اللغة : الميل ؛ إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد . واختلف في الظلم ؛ فروىعلي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : الشرك . وقال عطاء : الشرك والقتل . وقيل : معناه صيد حمامه ، وقطع شجره ؛ ودخول غير محرم . وقال ابن عمر : كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان : لا والله ! وبلى والله ! وكلا والله ! ولذلك كان له فسطاطان ، أحدهما في الحل والآخر في الحرم ؛ فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل صيانة للحرم عن قولهم : كلا والله ، وبلى والله ، حين عظم الله الذنب فيه . وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم ، فقيل له في ذلك فقال : إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول : كلا والله ، وبلى والله ، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات ، فتكون المعصية معصيتين ، إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام ؛ وهكذا الأشهر الحرم سواء . وقد تقدم . وروى أبو داود ، عن يعلى بن أمية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه . وهو قول عمر بن الخطاب . والعموم يأتي على هذا كله .السادسة : ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك ، وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله . وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر قالوا : لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو ( بعدن أبين ) لعذبه الله .قلت : هذا صحيح ، وقد جاء هذا المعنى في سورة ن والقلم مبينا ، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى .[ ص: 34 ] السابعة : الباء في ( بإلحاد ) زائدة كزيادتها في قوله تعالى : تنبت بالدهن ؛ وعليه حملوا قول الشاعر :نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرجأراد : نرجو الفرج . وقال الأعشى :ضمنت برزق عيالنا أرماحناأي رزق : وقال آخر [ قيس بن زهير العبسي ] :ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زيادأي ما لاقت ؛ والباء زائدة ، وهو كثير . وقال الفراء : سمعت أعرابيا وسألته عن شيء فقال : أرجو بذاك ، أي أرجو ذاك . وقال الشاعر :بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهانأي المرخ . وهو قول الأخفش ، والمعنى عنده : ومن يرد فيه إلحادا بظلم . وقال الكوفيون : دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد ، والباء مع أن تدخل وتحذف . ويجوز أن يكون التقدير : ومن يرد الناس فيه بإلحاد . وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر ؛ فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه . ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة . هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم . وقد ذكرناه آنفا .
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
قوله تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجودفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أي واذكر إذ بوأنا لإبراهيم ؛ [ ص: 35 ] يقال : بوأته منزلا وبوأت له . كما يقال : مكنتك ومكنت لك ؛ فاللام في قوله : لإبراهيم صلة للتأكيد ؛ كقوله : ردف لكم ، وهذا قول الفراء . وقيل : بوأنا لإبراهيم مكان البيت أي أريناه أصله ليبنيه ، وكان قد درس بالطوفان وغيره ، فلما جاءت مدة إبراهيم - عليه السلام - أمره الله ببنيانه ، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا ، فبعث الله ريحا فكشفت عن أساس آدم - عليه السلام - ؛ فرتب قواعده عليه ؛ حسبما تقدم بيانه في ( البقرة ) . وقيل : ( بوأنا ) نازلة منزلة فعل يتعدى باللام ؛ كنحو جعلنا ، أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ . وقال الشاعر :كم من أخ لي ماجد بوأته بيدي لحداالثانية : أن لا تشرك هي مخاطبة لإبراهيم - عليه السلام - في قول الجمهور . وقرأ عكرمة ( أن لا يشرك ) بالياء ، على نقل معنى القول الذي قيل له . قال أبو حاتم : ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة ، بمعنى لئلا يشرك . وقيل : إن ( أن ) مخففة من الثقيلة . وقيل مفسرة . وقيل زائدة ؛ مثل فلما أن جاء البشير . وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت ؛ أي هذا كان الشرط على أبيكم ممن بعده وأنتم ، فلم تفوا بل أشركتم . وقالت فرقة : الخطاب من قول أن لا تشرك لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج . والجمهور على أن ذلك لإبراهيم ؛ وهو الأصح . وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء . وقيل : عنى به التطهير عن الأوثان ؛ كما قال تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان ؛ وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم - عليه السلام - . وقيل : المعنى نزه بيتي عن أن يعبد فيه صنم . وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه . وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة ( براءة ) . والقائمون هم المصلون . وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها ، وهو القيام والركوع والسجود .
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
قوله تعالى : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق[ ص: 36 ] فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وأذن في الناس بالحج قرأ جمهور الناس وأذن بتشديد الذال . وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن ( وآذن ) بتخفيف الذال ومد الألف . ابن عطية : وتصحف هذا على ابن جني ، فإنه حكى عنهما ( وآذن ) على أنه فعل ماض ، وأعرب على ذلك بأن جعله عطفا على بوأنا . والأذان الإعلام ، وقد تقدم في ( براءة ) .الثانية : لما فرغ إبراهيم - عليه السلام - من بناء البيت ، وقيل له : أذن في الناس بالحج ، قال : يا رب ! وما يبلغ صوتي ؟ قال : أذن وعلي الإبلاغ ؛ فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح : يا أيها الناس ! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار ، فحجوا ؛ فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك اللهم لبيك ! فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة ؛ إن أجاب مرة فمرة ، وإن أجاب مرتين فمرتين ؛ وجرت التلبية على ذلك ؛ قاله ابن عباس ، وابن جبير . وروي عن أبي الطفيل قال : قال لي ابن عباس : أتدري ما كان أصل التلبية ؟ قلت لا ! قال : لما أمر إبراهيم - عليه السلام - أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رءوسها ورفعت له القرى ؛ فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شيء : لبيك اللهم لبيك . وقيل : إن الخطاب لإبراهيم - عليه السلام - تم عند قوله : ( السجود ) ، ثم خاطب الله - عز وجل - محمدا - عليه الصلاة والسلام - فقال وأذن في الناس بالحج أي أعلمهم أن عليهم الحج . وقول ثالث : إن الخطاب من قوله : أن لا تشرك مخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا قول أهل النظر ؛ لأن القرآن أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك . وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أن لا تشرك بي بالتاء ، وهذا مخاطبة لمشاهد ، وإبراهيم - عليه السلام - غائب ، فالمعنى على هذا : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده . وقرأ جمهور الناس ( بالحج ) بفتح الحاء . وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها . وقيل : إن نداء إبراهيم من جملة ما أمر به من شرائع الدين . والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب ، وإنما قال ( يأتوك ) وإن كانوا يأتون الكعبة لأن المنادي إبراهيم ، فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم ؛ لأنه أجاب نداءه ، وفيه تشريف إبراهيم . ابن عطية : [ ص: 37 ] ( رجالا ) جمع راجل مثل تاجر وتجار ، وصاحب وصحاب . وقيل : الرجال جمع رجل ، والرجل جمع راجل ؛ مثل تجار وتجر وتاجر ، وصحاب وصحب وصاحب . وقد يقال في الجمع : رجال ، بالتشديد ؛ مثل كافر وكفار . وقرأ ابن أبي إسحاق وعكرمة ( رجالا ) بضم الراء وتخفيف الجيم ، وهو قليل في أبنية الجمع ، ورويت عن مجاهد . وقرأ مجاهد ( رجالى ) على وزن فعالى ؛ فهو مثل كسالى . قال النحاس : في جمع راجل خمسة أوجه ، ورجال مثل ركاب ، وهو الذي روي عن عكرمة ، ورجال مثل قيام ، ورجلة ، ورجل ، ورجالة . والذي روي عن مجاهد رجالا غير معروف ، والأشبه به أن يكون غير منون مثل كسالى وسكارى ، ولو نون لكان على فعال ، وفعال في الجمع قليل . وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي . وعلى كل ضامر يأتين لأن معنى ( ضامر ) معنى ضوامر . قال الفراء : ويجوز يأتي على اللفظ . والضامر : البعير المهزول الذي أتعبه السفر ؛ يقال : ضمر يضمر ضمورا ؛ فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة . وذكر سبب الضمور فقال : يأتين من كل فج عميق أي أثر فيها طول السفر . ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها ؛ كما قال : والعاديات ضبحا في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله .الرابعة : قال بعضهم : إنما قال ( رجالا ) لأن الغالب خروج الرجال إلى الحج دون الإناث ؛ فقول ( رجالا ) من قولك : هذا رجل ؛ وهذا فيه بعد ؛ لقوله : وعلى كل ضامر يعني الركبان ، فدخل فيه الرجال والنساء . ولما قال تعالى : ( رجالا ) وبدأ بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب . قال ابن عباس : ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا ، فإني سمعت الله - عز وجل - يقول : يأتوك رجالا . وقال ابن أبي نجيح : حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ماشيين . وقرأ أصحاب ابن مسعود ( يأتون ) وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك ، والضمير للناس .الخامسة : لا خلاف في جواز الركوب والمشي ، واختلفوا في الأفضل منهما ؛ فذهب مالك ، والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل ، اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب . وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقة على النفس ، ولحديث أبي سعيد قال : حج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة ، وقال : [ ص: 38 ] اربطوا أوساطكم بأزركم ومشى خلط الهرولة ؛ خرجه ابن ماجه في سننه . ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل ؛ للاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم .السادسة : استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط . قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكرا ، وهذا تأنس ، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه ؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن ؛ ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر ؛ فإنما ذكرت حالتا الوصول ؛ وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي . فأما إذا اقترن به عدو وخوف ، أو هول شديد ، أو مرض يلحق شخصا ، فمالك ، والشافعي ، وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار ، وأنه ليس بسبيل يستطاع . قال ابن عطية : وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما . ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار ؛ وهذا ضعيف .قلت : وأضعف من ضعيف ، وقد مضى في ( البقرة ) بيانه . والفج : الطريق الواسعة ، والجمع فجاج . وقد مضى في ( الأنبياء ) . والعميق معناه البعيد . وقراءة الجماعة يأتين . وقرأ أصحاب عبد الله ( يأتون ) وهذا للركبان ويأتين للجمال ؛ كأنه قال : وعلى إبل ضامرة يأتين من كل فج عميق أي بعيد ؛ ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر ؛ ومنه : [ قول رؤبة بن العجاج ] : وقال آخر : [ قيس بن زهير العبسي ] :وقائم الأعماق خاوي المخترق [ مشتبه الأعلام لماع الخفق ]السابعة : واختلفوا في الواصل إلى البيت ، هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا ؟ فروى أبو داود قال : سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود ، وقد حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم نكن نفعله . وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ترفع الأيدي في سبع مواطن : افتتاح الصلاة ، واستقبال البيت ، والصفا ، والمروة ، والموقفين ، والجمرتين ، . وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري ، [ ص: 39 ] وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق وضعفوا حديث جابر ؛ لأن مهاجرا المكي راويه مجهول . وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت . وعن ابن عباس مثله .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences