Al-QurtubiAli 'Imran · 3:196–198

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:196–198

3:196Page 76

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

قيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة .وقيل : للجميع .وذلك أن المسلمين قالوا : هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد , وقد هلكنا نحن من الجوع ; فنزلت هذه الآية .أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم في أسفارهم .

3:197Page 76

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

مَتَاعٌ قَلِيلٌ أي تقلبهم متاع قليل .وقرأ يعقوب " يغرنك " ساكنة النون ; وأنشد : لا يغرنك عشاء ساكن قد يوافي بالمنيات السحر ونظير هذه الآية قوله تعالى : " فلا يغررك تقلبهم في البلاد " [ المؤمن : 4 ] .والمتاع : ما يعجل الانتفاع به ; وسماه قليلا لأنه فان , وكل فان وإن كان كثيرا فهو قليل .وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم , فلينظر بماذا يرجع ) .قيل : ( يرجع ) بالياء والتاء . ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ أي بئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم , وما مهد الله لهم من النار .في هذه الآية وأمثالها كقوله : " أنما نملي لهم خير " [ آل عمران : 178 ] الآية ." وأملي لهم إن كيدي متين " [ الأعراف : 183 ] ." أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين " [ المؤمنون : 55 ] ." سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " [ الأعراف : 182 ] دليل على أن الكفار غير منعم عليهم في الدنيا ; لأن حقيقة النعمة الخلوص من شوائب الضرر العاجلة والآجلة , ونعم الكفار مشوبة بالآلام والعقوبات , فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل فيها السم , فهو وإن استلذ آكله لا يقال : أنعم عليه ; لأن فيه هلاك روحه .ذهب إلى هذا جماعة من العلماء , وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري .وذهب جماعة منهم سيف السنة ولسان الأمة القاضي أبو بكر : إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا .قالوا : وأصل النعمة من النعمة بفتح النون , وهي لين العيش ; ومنه قوله تعالى : " ونعمة كانوا فيها فاكهين " [ الدخان : 27 ] .يقال : دقيق ناعم , إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه .وهذا هو الصحيح , والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلفين فقال : " فاذكروا آلاء الله " [ الأعراف : 74 ] ." واشكروا لله " [ البقرة : 172 ] والشكر لا يكون إلا على نعمة .وقال : " وأحسن كما أحسن الله إليك " [ القصص : 77 ] وهذا خطاب لقارون .وقال : " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة " [ النحل : 112 ] الآية .فنبه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية فجحدوها .وقال : " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " [ النحل : 83 ] وقال : " يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم " [ فاطر : 3 ] .وهذا عام في الكفار وغيرهم .فأما إذا قدم لغيره طعاما فيه سم فقد رفق به في الحال ; إذ لم يجرعه السم بحتا ; بل دسه في الحلاوة , فلا يستبعد أن يقال : قد أنعم عليه , وإذا ثبت هذا فالنعم ضربان : نعم نفع ونعم دفع ; فنعم النفع ما وصل إليهم من فنون اللذات , ونعم الدفع ما صرف عنهم من أنواع الآفات .فعلى هذا قد أنعم على الكفار نعم الدفع قولا واحدا ; وهو ما زوي عنهم من الآلام والأسقام , ولا خلاف بينهم في أنه لم ينعم عليهم نعمة دينه .والحمد لله .

3:198Page 76

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا استدراك بعد كلام تقدم فيه معنى النفي ; لأن معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير الانتفاع , لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير والخلد الدائم .فموضع " لكن " رفع بالابتداء .وقرأ يزيد بن القعقاع " لكن " بتشديد النون . نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نزلا مثل ثوابا عند البصريين , وعند الكسائي يكون مصدرا .الفراء : هو مفسر .وقرأ الحسن والنخعي " نزلا " بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين , وثقله الباقون .والنزل ما يهيأ للنزيل , والنزيل الضيف .قال الشاعر : نزيل القوم أعظمهم حقوقا وحق الله في حق النزيل والجمع الأنزال .وحظ نزيل : مجتمع .والنزل : أيضا الريع ; يقال ; طعام كثير النزل والنزل .قلت : ولعل النزل - والله أعلم - ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الحبر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم في الظلمة دون الجسر ) قال : فمن أول الناس إجازة ؟ قال : ( فقراء المهاجرين ) قال اليهودي : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ قال ( زيادة كبد النون ) قال : فما غذاؤهم على إثرها ؟ فقال : ( ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ) قال : فما شرابهم عليه ؟ قال : ( من عين فيها تسمى سلسبيلا ) وذكر الحديث .قال أهل اللغة : والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه .والطرف محاسنه وملاطفه , وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل , والله أعلم .وزيادة الكبد : قطعة منه كالأصبع .قال الهروي : " نزلا من عند الله " أي ثوابا .وقيل رزقا . وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا .والله أعلم .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском