They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.
قوله تعالى : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور .فيه ثماني مسائل :الأولى : قوله تعالى : من محاريب المحراب في اللغة : كل موضع مرتفع . وقيل للذي يصلى فيه : محراب ; لأنه يجب أن يرفع ويعظم . وقال الضحاك : من محاريب أي من مساجد . وكذا قال قتادة . وقال مجاهد : المحاريب دون القصور . وقال أبو عبيدة : المحراب أشرف بيوت الدار . قال [ امرؤ القيس ] :وماذا عليه أن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيالوقال عدي بن زيد :كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنيروقيل : هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة ; كما قال : إذ تسوروا المحراب وقوله : فخرج على قومه من المحراب أي أشرف عليهم . وفي الخبر ( أنه أمر أن يعمل حول كرسيه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يصرخون إلى الله دائبا ، وهو على الكرسي في موكبه والمحاريب حوله ، ويقول لجنوده إذا ركب : سبحوا الله إلى ذلك العلم ، فإذا بلغوه قال : هللوه إلى ذلك العلم فإذا بلغوه قال : كبروه إلى ذلك العلم الآخر ، فتلج الجنود بالتسبيح والتهليل لجة واحدة ) .الثانية : قوله تعالى : وتماثيل جمع تمثال . وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان . وقيل : كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان . وذكر [ ص: 246 ] أنها صور الأنبياء والعلماء ، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا ، قال صلى الله عليه وسلم : إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور . أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة . وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان ، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم . وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة ( نوح ) عليه السلام . وقيل : التماثيل طلسمات كان يعملها ، ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها ، فيعمل تمثالا للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان ، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا ما دام ذلك التمثال قائما . وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء . قال [ امرؤ القيس ] :ويا رب يوم قد لهوت وليلة بآنسة كأنها خط تمثالوقيل : إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح . ويقال : إن إسفنديار كان منهم ; والله أعلم . وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما ، وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما .الثالثة : حكى مكي في الهداية له : أن فرقة تجوز التصوير ، وتحتج بهذه الآية . قال ابن عطية : وذلك خطأ ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوزه .قلت : ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله ، قال النحاس : قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية ، ولما أخبر الله عز وجل عن المسيح . وقال قوم : قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنها والتوعد لمن عملها أو اتخذها ، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحا قبله ، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بعث عليه السلام والصور تعبد ، فكان الأصلح إزالتها .الرابعة : التمثال على قسمين : حيوان وموات . والموات على قسمين : جماد ونام ; وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه ; لعموم قوله : ( وتماثيل ) . وفي الإسرائيليات : أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان . فإن قيل : لا عموم لقوله : ( وتماثيل ) فإنه إثبات في نكرة ، والإثبات في النكرة لا عموم له ، إنما العموم في النفي في النكرة . قلنا : كذلك هو ، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم ، وهو قوله : ( ما يشاء ) فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له . فإن قيل : كيف استجاز الصور المنهي عنها ؟ قلنا : كان [ ص: 247 ] ذلك جائزا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا ، والله أعلم . وعن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما .الخامسة : مقتضى الأحاديث يدل أن الصور ممنوعة ، ثم جاء ( إلا ما كان رقما في ثوب ) فخص من جملة الصور ، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب : أخريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا . ثم بهتكه الثوب المصور على عائشة منع منه ، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها ، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة ، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز ، لقولها في النمرقة المصورة : اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها ، فمنع منه وتوعد عليه . وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه . فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم ; قاله ابن العربي .السادسة : روى مسلم عن عائشة قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حولي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا . قالت : وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير ، فكنا نلبسها . وعنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فيه صورة ، فتلون وجهه ، ثم تناول الستر فهتكه ، ثم قال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله عز وجل . وعنها : أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليه فقال : أخريه عني قالت : فأخرته فجعلته وسادتين . قال بعض العلماء : ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره ورعا ; لأن محل النبوة والرسالة الكمال . فتأمله .[ ص: 248 ] السابعة قال المزني عن الشافعي : إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صورا ذات أرواح ، لم يدخل إن كانت منصوبة . وإن كانت توطأ فلا بأس ، وإن كانت صور الشجر . ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة . وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء . واستثنى بعضهم ما كان رقما في ثوب ، لحديث سهل بن حنيف .قلت : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن . وقوله : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم ولم يستثن . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول : إني وكلت بثلاث : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح . وفي البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود . قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون . يدل على المنع من تصوير شيء ، أي شيء كان . وقد قال جل وعز : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها على ما تقدم بيانه فاعلمه .الثامنة : وقد استثني من هذا الباب لعب البنات ، لما ثبت ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين ، وزفت إليه وهي بنت تسع ولعبها معها ، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة . وعنها أيضا قالت : كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي خرجهما مسلم . قال العلماء : وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهن . ثم إنه لا بقاء لذلك ، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له ، فرخص في ذلك ، والله أعلم .[ ص: 249 ] قوله تعالى : وجفان كالجواب قال ابن عرفة : الجوابي جمع الجابية ، وهي حفيرة كالحوض . وقال : كحياض الإبل . وقال ابن القاسم عن مالك : كالجوبة من الأرض ، والمعنى متقارب . وكان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل . النحاس : وجفان كالجواب الأولى أن تكون بالياء ، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها ، فلما كان يقال ( جواب ) ودخلت الألف واللام أقر على حاله فحذف الياء . وواحد الجوابي جابية ، وهي القدر العظيمة ، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع ; ومنه جبيت الخراج ، وجبيت الجراد ; أي جعلت الكساء فجمعته فيه . إلا أن ليثا روى عن مجاهد قال : الجوابي جمع جوبة ، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر . وقال الكسائي : جبوت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته ، والجابية : الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل ، قال :تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهقويروى أيضا :نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية السيح . .ذكره النحاس .قوله تعالى : وقدور راسيات قال سعيد بن جبير : هي قدور النحاس تكون بفارس . وقال الضحاك : هي قدور تعمل من الجبال . غيره : قد نحتت من الجبال الصم مما عملت له الشياطين ، أثافيها منها منحوتة هكذا من الجبال . ومعنى ( راسيات ) ثوابت ، لا تحمل ولا تحرك لعظمها . قال ابن العربي : وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان ، يصعد إليها في الجاهلية بسلم . وعنها عبر طرفة بن العبد بقوله :كالجوابي لا تني مترعة لقرى الأضياف أو للمحتضرقال ابن العربي : ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك ، فإنهم يطبخون جميعا ويأكلون جميعا من غير استئثار واحد منهم على أحد .قوله تعالى : اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قد مضى معنى الشكر في ( البقرة ) وغيرها . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال : ( ثلاث من أوتيهن [ ص: 250 ] فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود ) قال فقلنا : ما هن ؟ . فقال : العدل في الرضا والغضب . والقصد في الفقر والغنى . وخشية الله في السر والعلانية . خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة . وروي أن داود عليه السلام قال : ( يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك . وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك ) فقال : ( يا داود الآن عرفتني ) . وقد مضى هذا المعنى في سورة ( إبراهيم ) . وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته ، والكفران استعمالها في المعصية . وقليل من يفعل ذلك ; لأن الخير أقل من الشر ، والطاعة أقل من المعصية ، بحسب سابق التقدير . وقال مجاهد : لما قال الله تعالى اعملوا آل داود شكرا قال داود لسليمان : إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل ، قال : لا أقدر ، قال : فاكفني - قال الفاريابي ، أراه قال إلى صلاة الظهر - قال نعم ، فكفاه . وقال الزهري : اعملوا آل داود شكرا أي قولوا الحمد لله . و ( شكرا ) نصب على جهة المفعول ; أي اعملوا عملا هو الشكر . وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسده ، ويبين هذا قوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وهو المراد بقوله وقليل من عبادي الشكور . وقد قال سفيان بن عيينة في تأويل قوله تعالى أن اشكر لي أن المراد بالشكر الصلوات الخمس . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه ; فقالت له عائشة رضي الله عنها : أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا . انفرد بإخراجه مسلم . فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان ; فالشكر بالأفعال عمل الأركان ، والشكر بالأقوال عمل اللسان . والله أعلم .قوله تعالى : وقليل من عبادي الشكور يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود ، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن عطية : وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض . وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول : اللهم اجعلني من القليل ; فقال عمر : ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل : أردت قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور . فقال عمر رضي الله عنه : كل الناس أعلم منك يا عمر ! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم [ ص: 251 ] أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك . وقد قيل : إنه كان يأكل الرماد ويتوسده ، والأول أصح ، إذ الرماد ليس بقوت . وروي أنه ما شبع قط ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع . وهذا من الشكر ومن القليل ، فتأمله ، والله أعلم .
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2
قوله تعالى : فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين .قوله تعالى : فلما قضينا عليه الموت أي فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته وذلك أنه كان متكئا على المنسأة ( وهي العصا بلسان الحبشة في قول السدي . وقيل : هي بلغة اليمن ، ذكره القشيري ) فمات كذلك وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميتا لانكسار العصا لأكل الأرضة إياها ، فعلم موته بذلك ، فكانت الأرضة دالة على موته ، أي سببا لظهور موته ، وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي عليه سنة . واختلفوا في سبب سؤاله لذلك على قولين : أحدهما ما قاله قتادة وغيره ، قال : كانت الجن تدعي علم الغيب ، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي موته عليهم تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ابن مسعود : أقام حولا والجن تعمل بين يديه حتى أكلت الأرضة منسأته فسقط . ويروى أنه لما سقط لم يعلم منذ مات ; فوضعت الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة . وقيل : كان رؤساء الجن سبعة ، وكانوا منقادين لسليمان عليه السلام ، وكان داود عليه السلام أسس بيت المقدس فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت المقدس ، فأمر سليمان الجن به ; فلما دنا وفاته قال لأهله : لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد ، وكان بقي لإتمامه سنة . وفي الخبر أن ملك الموت كان صديقه فسأله عن آية موته فقال : أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها الخرنوبة ، فلم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها : ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا ; فيقول : ولأي شيء أنت ؟ فتقول : لكذا ولكذا ; فيأمر بها فتقطع ، ويغرسها [ ص: 252 ] في بستان له ، ويأمر بكتب منافعها ومضارها واسمها وما تصلح له في الطب ; فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة نبتت بين يديه فقال لها : ما اسمك ؟ قالت : الخرنوبة ; قال : ولأي شيء أنت ؟ قالت : لخراب هذا المسجد ، فقال سليمان : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وهلاك بيت المقدس ! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال : اللهم عم عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب . وكانت الجن تخبر أنهم يعلمون من الغيب أشياء ، وأنهم يعلمون ما في غد ; ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيه ، فمات ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد .قال أبو جعفر النحاس : وهذا أحسن ما قيل في الآية ، ويدل على صحته الحديث المرفوع ، روى إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( كان نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما اسمك ؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت ; فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال : ما اسمك ؟ قالت : الخرنوبة ; فقال : لأي شيء أنت ؟ فقالت : لخراب هذا البيت ; فقال : اللهم عم الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ; فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا لا يعلمون فسقطت ، فعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنة ) . وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس ( تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ) . وقرأ يعقوب في رواية رويس ( تبينت الجن ) غير مسمى الفاعل . ونافع وأبو عمرو ( تأكل منساته ) بألف بين السين والتاء من غير همز . والباقون بهمزة مفتوحة موضع الألف ، لغتان ، إلا أن ابن ذكوان أسكن الهمزة تخفيفا ، قال الشاعر في ترك الهمزة :إذا دببت على المنساة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزلوقال آخر فهمز وفتح :ضربنا بمنسأة وجهه فصار بذاك مهينا ذليلا[ ص: 253 ] وقال آخر :أمن أجل حبل لا أباك ضربته بمنسأة قد جر حبلك أحبلاوقال آخر فسكن همزها :وقائم قد قام من تكأته كقومة الشيخ إلى منسأتهوأصلها من : نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها ، فسميت العصا بذلك لأنه يزجر بها الشيء ويساق . وقال طرفة :أمون كألواح الإران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجدفسكن همزها . قال النحاس : واشتقاقها يدل على أنها مهموزة ; لأنها مشتقة من نسأته أي أخرته ودفعته فقيل لها منسأة لأنها يدفع بها الشيء ويؤخر . وقال مجاهد وعكرمة : هي العصا ، ثم قرأ ( منساته ) أبدل من الهمزة ألفا ، فإن قيل : البدل من الهمزة قبيح جدا وإنما يجوز في الشعر على بعد وشذوذ ، وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا لا سيما وأهل المدينة على هذه القراءة . فالجواب على هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو : ولست أدري ممن هو إلا أنها غير مهموزة لأن ما كان مهموزا فقد يترك همزه وما لم يكن مهموزا لم يجز همزه بوجه . المهدوي : ومن قرأ بهمزة ساكنة فهو شاذ بعيد ; لأن هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركا أو ألفا ، لكنه يجوز أن يكون ما سكن من المفتوح استخفافا ، ويجوز أن يكون لما أبدل الهمزة ألفا على غير قياس قلب الألف همزة كما قلبوها في قولهم العألم والخأتم ، وروي عن سعيد بن جبير ( من ) مفصولة ( سأته ) مهموزة مكسورة التاء ; فقيل : إنه من سئة القوس في لغة من همزها ، وقد روي همز سية القوس عن رؤبة . قال الجوهري : سية القوس ما عطف من طرفيها ، والجمع سيات ، والهاء عوض عن الواو ، والنسبة إليها سيوي . قال أبو عبيدة : كان رؤبة يهمز ( سية القوس ) وسائر العرب لا يهمزونها . وفي دابة الأرض قولان : أحدهما : أنها الأرضة ; قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما . وقد قرئ ( دابة الأرض ) بفتح الراء ، وهو جمع الأرضة ; ذكره الماوردي . الثاني : أنها دابة تأكل العيدان . قال الجوهري : والأرضة ( بالتحريك ) : دويبة تأكل الخشب ; يقال : أرضت الخشبة تؤرض أرضا ( بالتسكين ) فهي مأروضة إذا أكلتها .قوله تعالى : فلما خر أي سقط تبينت الجن قال الزجاج : أي تبينت الجن موته .[ ص: 254 ] وقال غيره : المعنى تبين أمر الجن ; مثل : واسأل القرية . وفي التفسير بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس قال : أقام سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام حولا لا يعلم بموته وهو متكئ على عصاه ، والجن منصرفة فيما كان أمرها به ، ثم سقط بعد حول ; فلما خر تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين . وهذه القراءة من ابن عباس على جهة التفسير . وفي الخبر : أن الجن شكرت ذلك للأرضة فأينما كانت يأتونها بالماء . قال السدي : والطين ، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنه مما يأتيها به الشياطين شكرا ; وقالت : لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما . و ( أن ) في موضع رفع على البدل من الجن ، والتقدير : تبين أمر الجن ، فحذف المضاف ، أي تبين وظهر للإنس وانكشف لهم أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب . وهذا بدل الاشتمال . ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف اللام . ( ما لبثوا ) أقاموا . في العذاب المهين السخرة والحمل والبنيان وغير ذلك .وعمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة ، ومدة ملكه أربعون سنة ; فملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن سبع عشرة سنة . وقال السدي وغيره : كان عمر سليمان سبعا وستين سنة ، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة . وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن عشرين سنة ، وكان ملكه خمسين سنة . وحكي أن سليمان عليه السلام ابتدأ بنيان بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه ، وقرب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة ، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيدا ، وقام على الصخرة رافعا يديه إلى الله تعالى بالدعاء فقال : اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني على بناء هذا المسجد ، اللهم فأوزعني شكرك على ما أنعمت علي وتوفني على ملتك ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، اللهم إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال : لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه . ولا خائف إلا أمنته . ولا سقيم إلا شفيته . ولا فقير إلا أغنيته . والخامسة : ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه ; إلا من أراد إلحادا أو ظلما ، يا رب العالمين ; ذكره الماوردي .قلت : وهذا أصح مما تقدم أنه لم يفرغ بناؤه إلا بعد موته بسنة ، والدليل على صحة هذا ما خرج النسائي وغيره بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثة : حكما يصادف حكمه [ ص: 255 ] فأوتيه ، وسأل الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه ، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه وقد ذكرنا هذا الحديث في ( آل عمران ) وذكرنا بناءه في ( سبحان ) .
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
قوله تعالى : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور .قوله تعالى : لقد كان لسبأ في مسكنهم آية قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه اسم حي ، وهو في الأصل اسم رجل ; جاء بذلك التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم روى الترمذي قال : حدثنا أبو كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعي قال حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك المرادي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم ; فأذن لي في قتالهم وأمرني ; فلما خرجت من عنده سأل عني : ما فعل الغطيفي ؟ فأخبر أني قد سرت ، قال : فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال : ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك ; قال : وأنزل في سبأ ما أنزل ; فقال رجل : يا رسول الله ، وما سبأ ؟ أرض أو امرأة ؟ قال : ليس بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة . فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة . وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار . فقال رجل : يا رسول الله وما أنمار ؟ قال : الذين منهم خثعم وبجيلة . وروي هذا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( لسبأ ) بغير صرف ، جعله اسما للقبيلة ، وهو اختيار أبي عبيد ، واستدل على أنه اسم قبيلة بأن بعده ( في مساكنهم ) . النحاس : ولو كان كما قال لكان في مساكنها . وقد مضى في ( النمل ) زيادة بيان لهذا المعنى . وقال الشاعر في الصرف :[ ص: 256 ]الواردون وتيم في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميسوقال آخر في غير الصرف :من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيلها العرماوقرأ قنبل وأبو حنيفة والجحدري ( لسبأ ) بإسكان الهمزة . ( في مساكنهم ) قراءة العامة على الجمع ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ; لأن لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد . وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص ( مسكنهم ) موحدا ، إلا أنهم فتحوا الكاف . وقرأ يحيى والأعمش والكسائي موحدا كذلك ، إلا أنهم كسروا الكاف . قال النحاس : والساكن في هذا أبين ; لأنه يجمع اللفظ والمعنى ، فإذا قلت ( مسكنهم ) كان فيه تقديران : أحدهما : أن يكون واحدا يؤدي عن الجمع . والآخر : أن يكون مصدرا لا يثنى ولا يجمع ; كما قال الله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فجاء بالسمع موحدا . وكذا مقعد صدق و ( مسكن ) مثل مسجد ، خارج عن القياس ، ولا يوجد مثله إلا سماعا . ( آية ) اسم كان ، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقا خلقهم ، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك ، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها ، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر .جنتان يجوز أن يكون بدلا من ( آية ) ، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف ، فيوقف على هذا الوجه على آية وليس بتمام . قال الزجاج : أي الآية جنتان ، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف . وقال الفراء : رفع تفسيرا للآية ، ويجوز أن تنصب ( آية ) على أنها خبر كان ، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضا في غير القرآن . وقال عبد الرحمن بن زيد : إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا حية ولا غيرها من الهوام ، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب . وقيل : إن الآية هي الجنتان ، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مكتل فيمتلئ من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها ; قاله قتادة . وروي أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن . قال سفيان : وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما : نحن بنينا سلحين في سبعين خريفا دائبين ، وعلى الآخر مكتوب : نحن بنينا صرواح ، مقيل ومراح ; فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله . قال القشيري : ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يمنة ويسرة ; أي كانت بلادهم ذات بساتين [ ص: 257 ] وأشجار وثمار ; تستتر الناس بظلالها . كلوا من رزق ربكم أي قيل لهم كلوا ، ولم يكن ثم أمر ، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم . وقيل : أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لكم ذلك ; أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة . من رزق ربكم أي من ثمار الجنتين . ( واشكروا له ) يعني على ما رزقكم . بلدة طيبة هذا كلام مستأنف ; أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار . وقيل : غير سبخة . وقيل : طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها . قال مجاهد : هي صنعاء . ورب غفور أي والمنعم بها عليكم رب غفور يستر ذنوبكم ، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه . وقيل : إنما ذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام . وقد مضى القول في هذا في أول ( البقرة ) . وقيل : إنما امتن عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences