Al-QurtubiSaba · 34:16–18

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Saba 34:16–18

34:16Page 430

فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦

But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.

قوله تعالى : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل .قوله تعالى : ( فأعرضوا ) يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين قال السدي ووهب : بعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم . قال القشيري : وكان لهم رئيس يلقب بالحمار ، وكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر ; ولهذا يقال : أكفر من حمار . وقال الجوهري : وقولهم ( أكفر من حمار ) هو رجل من عاد مات له أولاد فكفر كفرا عظيما ، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر ، فإن أجابه وإلا قتله . ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرقوا في البلاد ; على ما يأتي بيانه . ولهذا قيل في المثل : ( تفرقوا أيادي سبأ ) . وقيل : الأوس والخزرج منهم . فأرسلنا عليهم سيل العرم و ( العرم ) فيما روي عن ابن عباس : السد ؛ فالتقدير : سيل السد العرم . وقال عطاء : ( العرم ) اسم الوادي . قتادة : ( العرم ) وادي سبأ ; كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية ، قيل من البحر وأودية اليمن ; فردموا ردما بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض ، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم ; فأخصبوا وكثرت أموالهم ، فلما كذبوا الرسل سلط الله عليهم الفأر فنقب الردم . قال وهب : كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرة ; فلما جاء ما أراد الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض [ ص: 258 ] تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عن الصخرة ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السد حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون ; فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ السد وفاض الماء على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم . وقال الزجاج : ( العرم ) اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم ، وهو الذي يقال له الخلد - وقاله قتادة أيضا - فنسب السيل إليه لأنه بسببه . وقد قال ابن الأعرابي أيضا : ( العرم ) من أسماء الفأر . وقال مجاهد وابن أبي نجيح : ( العرم ) ماء أحمر أرسله الله تعالى في السد فشقه وهدمه .وعن ابن عباس أيضا أن ( العرم ) المطر الشديد . وقيل ( العرم ) بسكون الراء . وعن الضحاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام . وقال عمرو بن شرحبيل : ( العرم ) المسناة ; وقاله الجوهري ، قال : ولا واحد لها من لفظها ، ويقال واحدها عرمة . وقال محمد بن يزيد : ( العرم ) كل شيء حاجز بين شيئين ، وهو الذي يسمى السكر ، وهو جمع عرمة . النحاس : وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مسناة فهو العرم ، والمسناة هي التي يسميها أهل مصر الجسر ; فكانوا يفتحونها إذا شاءوا فإذا رويت جنتاهم سدوها . قال الهروي : المسناة الضفيرة تبنى للسيل ترده ، سميت مسناة لأن فيها مفاتح الماء . وروي أن العرم سد بنته بلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام ، وهو المسناة بلغة حمير ، بنته بالصخر والقار ، وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض ، وهو مشتق من العرامة وهي الشدة ، ومنه : رجل عارم ، أي شديد ، وعرمت العظم أعرمه وأعرمه عرما إذا عرقته ، وكذلك عرمت الإبل الشجر أي نالت منه . والعرام بالضم : العراق من العظم والشجر . وتعرمت العظم تعرقته . وصبي عارم بين العرام ( بالضم ) أي شرس . وقد عرم يعرم ويعرم عرامة ( بالفتح ) . والعرم العارم ; عن الجوهري .قوله تعالى : وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وقرأ أبو عمرو ( أكل خمط ) بغير تنوين مضافا . قال أهل التفسير والخليل : الخمط الأراك . الجوهري : الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل . وقال أبو عبيدة : هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة . الزجاج : كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله . المبرد : الخمط كل ما تغير إلى ما لا يشتهى . واللبن خمط إذا حمض . والأولى عنده في القراءة ذواتي أكل خمط بالتنوين على أنه نعت ل ( أكل ) أو بدل منه ; لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده ، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة . وقال الأخفش : والإضافة أحسن في كلام العرب ; نحو قولهم : ثوب خز . والخمط : اللبن الحامض ، وذكر أبو عبيد أن اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلب ولم يتغير طعمه فهو سامط ; وإن أخذ شيئا من الريح فهو خامط وخميط ، فإن أخذ شيئا من طعم فهو ممحل ، فإذا كان فيه طعم الحلاوة فهو فوهة . وتخمط الفحل : هدر . وتخمط فلان أي غضب وتكبر .[ ص: 259 ] وتخمط البحر أي التطم . وخمطت الشاة أخمطها خمطا : إذا نزعت جلدها وشويتها فهي خميط ، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي سميط . والخمطة : الخمر التي قد أخذت ريح الإدراك كريح التفاح ولم تدرك بعد . ويقال هي الحامضة ; قاله الجوهري . وقال القتبي في أدب الكاتب . يقال للحامضة خمطة ، ويقال : الخمطة التي قد أخذت شيئا من الريح ; وأنشد :عقار كماء النيء ليست بخمطة ولا خلة يكوي الشروب شهابها( وأثل ) قال الفراء : هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولا ; ومنه اتخذ منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب ، وورقه كورق الطرفاء ، الواحدة أثلة والجمع أثلات . وقال الحسن : الأثل الخشب . قتادة : هو ضرب من الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفيد . وقيل هو السمر . وقال أبو عبيدة : هو شجر النضار . النضار : الذهب . والنضار : خشب يعمل منه قصاع ، ومنه : قدح نضار . وشيء من سدر قليل قال الفراء : هو السمر ; ذكره النحاس . وقال الأزهري : السدر من الشجر سدران : بري لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمر عفص لا يؤكل ، وهو الذي يسمى الضال . والثاني : سدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب . قال قتادة : بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيره الله تعالى من شر الشجر بأعمالهم ، فأهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر . القشيري : وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستانا ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة ، وهو كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها . ويحتمل أن يرجع قوله ( قليل ) إلى جملة ما ذكر من الخمط والأثل والسدر .

34:17Page 430

ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧

[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?

قوله تعالى : ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور .قوله تعالى : ذلك جزيناهم بما كفروا أي هذا التبديل جزاء كفرهم . وموضع ذلك نصب ; أي جزيناهم ذلك بكفرهم . وهل نجازي إلا الكفور قراءة العامة ( يجازى ) بياء مضمومة وزاي مفتوحة ، ( الكفور ) رفعا على ما لم يسم فاعله . وقرأ يعقوب وحفص وحمزة والكسائي : نجازي بالنون وكسر الزاي ، ( الكفور ) بالنصب ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، قالا : لأن قبله جزيناهم ولم يقل جوزوا . النحاس : والأمر في هذا واسع ، [ ص: 260 ] والمعنى فيه بين ، ولو قال قائل : خلق الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم من طين ، وقال آخر : خلق آدم من طين ، لكان المعنى واحدا .مسألة : في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه ، وهو أن يقال : لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي ؟ فتكلم العلماء في هذا ; فقال قوم : ليس يجازى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر . وقال مجاهد : يجازى بمعنى يعاقب ; وذلك أن المؤمن يكفر الله تعالى عنه سيئاته ، والكافر يجازى بكل سوء عمله ; فالمؤمن يجزى ولا يجازى لأنه يثاب . وقال طاوس : هو المناقشة في الحساب ، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب . وقال قطرب خلاف هذا ، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار ، وقال : المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر . النحاس : وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيها : أن الحسن قال مثلا بمثل . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حوسب هلك فقلت : يا نبي الله ، فأين قوله جل وعز : فسوف يحاسب حسابا يسيرا ؟ قال : إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك . وهذا إسناد صحيح ، وشرحه : أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير ; ويبين هذا قوله تعالى في الأول : ذلك جزيناهم بما كفروا وفي الثاني : ( وهل يجازى إلا الكفور ) ومعنى ( يجازى ) : يكافأ بكل عمل عمله ، ومعنى جزيناهم . وقيناهم ; فهذا حقيقة اللغة ، وإن كان ( جازى ) يقع بمعنى ( جزى ) . مجازا .

34:18Page 430

وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨

And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."

قوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين .قوله تعالى : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قال الحسن : يعني بين اليمن والشام . والقرى التي بورك فيها : الشام والأردن وفلسطين . والبركة : قيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء . ويحتمل أن يكون باركنا فيها بكثرة العدد . قرى ظاهرة قال ابن عباس : يريد بين المدينة والشام . وقال قتادة : [ ص: 261 ] معنى ( ظاهرة ) : متصلة على طريق يغدون فيقيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية . وقيل : كان على كل ميل قرية بسوق ، وهو سبب أمن الطريق . قال الحسن : كانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من كل الثمار ، فكان ما بين الشام واليمن كذلك . وقيل ( ظاهرة ) أي مرتفعة ، قاله المبرد . وقيل : إنما قيل لها ( ظاهرة ) لظهورها ، أي إذا خرجت عن هذه ظهرت لك الأخرى ، فكانت قرى ظاهرة أي معروفة ، يقال : هذا أمر ظاهر أي معروف . وقدرنا فيها السير أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل ، ومن قرية إلى قرية ، أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى . وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق ، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد . سيروا فيها أي وقلنا لهم سيروا فيها ، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين ، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين ، فهو أمر بمعنى الخبر ، وفيه إضمار القول . ليالي وأياما آمنين ظرفان ( آمنين ) نصب على الحال . وقال : ليالي وأياما بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم ; أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه . قال قتادة : كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء ، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا ، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском