Al-QurtubiYa-Sin · 36:37–39

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:37–39

36:37Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

قوله تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم قوله تعالى : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أي : وعلامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب إلهيته . والسلخ : الكشط والنزع ، يقال : سلخه الله من دينه ، ثم تستعمل بمعنى الإخراج . وقد جعل ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وظهور المسلوخ ، فهي استعارة . و " مظلمون " داخلون في الظلام ، يقال : أظلمنا أي : دخلنا في ظلام الليل ، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر ، وكذلك أصبحنا وأضحينا وأمسينا . وقيل : " منه " بمعنى عنه ، والمعنى : نسلخ عنه ضياء النهار . " فإذا هم مظلمون " أي : في ظلمة ; لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء ، فإذا خرج منه أظلم .

36:38Page 442

وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨

And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها يجوز أن يكون تقديره : وآية لهم الشمس . ويجوز أن يكون الشمس مرفوعا بإضمار فعل يفسره الثاني . ويجوز أن يكون مرفوعا [ ص: 27 ] بالابتداء . " تجري " في موضع الخبر ، أي : جارية . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله - عز وجل - : والشمس تجري لمستقر لها قال : مستقرها تحت العرش . وفيه عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوما : أتدرون أين تذهب هذه الشمس ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ، فلا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ، ارجعي من حيث جئت ، فترجع ، فتصبح طالعة من مطلعها ، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ، ولا تزال كذلك حتى يقال لها : ارتفعي ، ارجعي من حيث جئت ، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها ، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش ، فيقال لها : ارتفعي ، أصبحي طالعة من مغربك ، فتصبح طالعة من مغربها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أتدرون متى ذلكم ؟ ذاك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . ولفظ البخاري عن أبي ذر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر حين غربت الشمس : تدري أين تذهب ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، يقال لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها ، فذلك قوله تعالى : والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم . ولفظ الترمذي عن أبي ذر قال : دخلت المسجد حين غابت الشمس ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه ؟ قال : قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها ، وكأنها قد قيل لها : اطلعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها . قال : ثم قرأ " ذلك مستقر لها " قال : وذلك قراءة عبد الله . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وقال عكرمة : إن الشمس إذا غربت دخلت محرابا تحت العرش تسبح الله حتى تصبح ، فإذا أصبحت استعفت ربها من الخروج فيقول لها الرب : ولم ذاك ؟ قالت : إني إذا خرجت عبدت من دونك . فيقول الرب [ ص: 28 ] - تبارك وتعالى - : اخرجي فليس عليك من ذاك شيء ، سأبعث إليهم جهنم مع سبعين ألف ملك يقودونها حتى يدخلوهم فيها . وقال الكلبي وغيره : المعنى : تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ، ثم ترجع إلى أدنى منازلها ، فمستقرها بلوغها الموضع الذي لا تتجاوزه ، بل ترجع منه ، كالإنسان يقطع مسافة حتى يبلغ أقصى مقصوده فيقضي وطره ، ثم يرجع إلى منزله الأول الذي ابتدأ منه سفره . وعلى تبليغ الشمس أقصى منازلها ، وهو مستقرها إذا طلعت الهنعة ، وذلك اليوم أطول الأيام في السنة ، وتلك الليلة أقصر الليالي ، فالنهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ، ثم يأخذ في النقصان وترجع الشمس ، فإذا طلعت الثريا استوى الليل والنهار ، وكل واحد ثنتا عشرة ساعة ، ثم تبلغ أدنى منازلها وتطلع النعائم ، وذلك اليوم أقصر الأيام ، والليل خمس عشرة ساعة ، حتى إذا طلع فرغ الدلو المؤخر استوى الليل والنهار ، فيأخذ الليل من النهار كل يوم عشر ثلث ساعة ، وكل عشرة أيام ثلث ساعة ، وكل شهر ساعة تامة ، حتى يستويا ، ويأخذ الليل حتى يبلغ خمس عشرة ساعة ، ويأخذ النهار من الليل كذلك . وقال الحسن : إن للشمس في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا ، تنزل في كل يوم مطلعا ، ثم لا تنزله إلى الحول ، فهي تجري في تلك المنازل وهي مستقرها . وهو معنى الذي قبله سواء . وقال ابن عباس : إنها إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه استقرت تحت العرش إلى أن تطلع .قلت : ما قاله ابن عباس يجمع الأقوال فتأمله . وقيل : إلى انتهاء أمدها عند انقضاء الدنيا وقرأ ابن مسعود وابن عباس " والشمس تجري لا مستقر لها " أي : إنها تجري في الليل والنهار لا وقوف لها ولا قرار ، إلى أن يكورها الله يوم القيامة . وقد احتج من خالف المصحف فقال : أنا أقرأ بقراءة ابن مسعود وابن عباس . قال أبو بكر الأنباري : وهذا باطل مردود على من نقله ; لأن أبا عمرو روى عن مجاهد عن ابن عباس ، وابن كثير روى عن مجاهد عن ابن عباس والشمس تجري لمستقر لها فهذان السندان عن ابن عباس اللذان يشهد بصحتهما الإجماع - يبطلان ما روي بالسند الضعيف مما يخالف مذهب الجماعة ، وما اتفقت عليه الأمة .قلت : والأحاديث الثابتة التي ذكرناها ترد قوله ، فما أجرأه على كتاب الله ، قاتله الله . وقوله : " لمستقر لها " أي : إلى مستقرها ، والمستقر موضع القرار . " ذلك تقدير " أي الذي ذكر من أمر الليل والنهار والشمس تقدير " العزيز العليم " .

36:39Page 442

وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩

And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.

قوله تعالى : والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم .فيه ثلاث مسائل : والقمر يكون تقديره : وآية لهم القمر . ويجوز أن يكون " والقمر " مرفوعا بالابتداء . وقرأ الكوفيون " والقمر " بالنصب على إضمار فعل ، وهو اختيار أبي عبيد . قال : لأن قبله فعلا وبعده فعلا ، قبله " نسلخ " وبعده " قدرناه " . النحاس : وأهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال : منهم الفراء قال : الرفع أعجب إلي ، وإنما كان الرفع عندهم أولى ; لأنه معطوف على ما قبله ومعناه : وآية لهم القمر . وقوله : إن قبله " نسلخ " فقبله ما هو أقرب منه وهو " تجري " وقبله " والشمس " بالرفع . والذي ذكره بعده وهو " قدرناه " قد عمل في الهاء . قال أبو حاتم : الرفع أولى ، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء . ويقال : القمر ليس هو المنازل ، فكيف قال : " قدرناه منازل " ففي هذا جوابان : أحدهما قدرناه إذا منازل ، مثل : واسأل القرية . والتقدير الآخر : قدرنا له منازل ، ثم حذفت اللام ، وكان حذفها حسنا لتعدي الفعل إلى مفعولين ، مثل واختار موسى قومه سبعين رجلا . والمنازل ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل ، وهي : الشرطان ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع . النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الخراتان ، الصرفة ، العواء ، السماك ، الغفر ، الزبانيان ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، الفرغ المقدم ، الفرغ المؤجر ، بطن الحوت . فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها ، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة ، ثم يستسر ثم يطلع هلالا ، فيعود في قطع الفلك على المنازل ، وهي منقسمة على البروج ، لكل برج منزلان وثلث . فللحمل الشرطان والبطين وثلث الثريا ، وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة ، ثم كذلك إلى سائرها .وقد مضى في [ الحجر ] تسمية البروج والحمد لله . وقيل : إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نار ثم كسيا النور عند الطلوع ، فأما نور الشمس فمن نور العرش ، وأما نور القمر فمن نور الكرسي ، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة . فأما الشمس فتركت كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق ، وأما القمر فأمر الروح الأمين جناحه على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح ، وذلك أنه روح ، والروح سلطانه غالب على الأشياء . فبقي ذلك [ ص: 30 ] المحو على ما يراه الخلق ، ثم جعل في غلاف من ماء ، ثم جعل له مجرى ، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمرا بمقدار ما يقمر لهم حتى ينتهي بدؤه ، ويراه الخلق بكماله واستدارته ، ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شيء منه فينقص من الرؤية والإقمار بمقدار ما زاد في البدء ، ويبتدئ في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس ، وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم ، وهو العذق المتقوس ليبسه ودقته . وإنما قيل القمر ; لأنه يقمر أي : يبيض الجو ببياضه إلى أن يستسر .الثانية : حتى عاد كالعرجون القديم قال الزجاج : هو عود العذق الذي عليه الشماريخ ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف ، أي : سار في منازله ، فإذا كان في آخرها دق واستقوس وضاق حتى صار كالعرجون . وعلى هذا فالنون زائدة . وقال قتادة : هو العذق اليابس المنحني من النخلة . ثعلب : " كالعرجون القديم " قال : العرجون الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت ، و " القديم " البالي . الخليل : في باب الرباعي : العرجون أصل العذق ، وهو أصفر عريض ، يشبه به الهلال إذا انحنى . الجوهري : العرجون أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا ، وعرجنه : ضربه بالعرجون . فالنون على قول هؤلاء أصلية ، ومنه شعر أعشى بني قيس :شرق المسك والعبير بها فهي صفراء كعرجون القمرفالعرجون إذا عتق ويبس وتقوس شبه القمر في دقته وصفرته به . ويقال له أيضا : الإهان والكباسة والقنو ، وأهل مصر يسمونه : الإسباطة . وقرئ : " العرجون " بوزن الفرجون ، وهما لغتان كالبزيون والبزيون ، ذكره الزمخشري وقال : هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة . واعلم أن السنة منقسمة على أربعة فصول ، لكل فصل سبعة منازل : فأولها الربيع ، وأوله خمسة عشر يوما من آذار ، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، وسبعة منازل : الشرطان ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع . ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوما من حزيران ، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ، تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج : الشرطان ، والأسد ، والسنبلة ، وسبعة منازل : وهي النثرة ، والطرف ، والجبهة ، والخراتان ، والصرفة ، والعواء ، والسماك . ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوما من أيلول ، وعدد أيامه أحد وتسعون يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج ، وهي الميزان ، والعقرب ، والقوس ، وسبعة منازل : الغفر ، والزبانان ، والإكليل ، [ ص: 31 ] والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة . ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوما من كانون الأول ، وعدد أيامه تسعون يوما ، وربما كان أحدا وتسعين يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج : وهي الجدي والدلو والحوت ، وسبعة منازل : سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم ، والفرغ المؤخر وبطن الحوت . وهذه قسمة السريانيين لشهورها : تشرين الأول ، تشرين الثاني ، كانون الأول ، كانون الثاني ، أشباط ، آذار ، نيسان ، أيار ، حزيران ، تموز ، آب ، أيلول ، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزيران وأيلول ، فهي ثلاثون ، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم . وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى : فذلك قوله تعالى : والقمر قدرناه منازل فإذا كانت الشمس في منزل أهل الهلال بالمنزل الذي بعده ، وكان الفجر بمنزلتين من قبله . فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يوما من نيسان ، كان الفجر بالشرطين ، وأهل الهلال بالدبران ، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيا وعشرين منزلة . وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما ، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس ف ذلك تقدير العزيز العليم . الثالثة : قوله تعالى : القديم قال الزمخشري : القديم المحول ، وإذا قدم دق وانحنى واصفر ، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه . وقيل : أقل عدة الموصوف بالقديم الحول ، فلو أن رجلا قال : كل مملوك لي قديم فهو حر ، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر .قلت : قد مضى في [ البقرة ] ما يترتب على الأهلة من الأحكام والحمد لله .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском