Al-QurtubiAz‑Zumar · 39:22–24

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:22–24

39:22Page 461

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢

So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.

قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين .قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام شرح فتح ووسع . قال ابن عباس : وسع صدره للإسلام حتى ثبت فيه . وقال السدي : وسع صدره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه ، فعلى هذا لا يجوز أن يكون هذا الشرح إلا بعد الإسلام ، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون الشرح قبل الإسلام . فهو على نور من ربه أي على هدى من ربه . كمن طبع على قلبه وأقساه . ودل على هذا المحذوف قوله : فويل للقاسية قلوبهم قال المبرد : يقال : قسا القلب إذا صلب ، وكذلك عتا وعسا مقاربة لها . وقلب قاس أي : صلب لا يرق ولا يلين . والمراد بمن شرح الله صدره هاهنا فيما ذكر المفسرون علي وحمزة - رضي الله عنهما . وحكى النقاش أنه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . وقال مقاتل : عمار بن ياسر . وعنه أيضا والكلبي : رسول الله صلى الله عليه وسلم . والآية عامة فيمن شرح الله صدره بخلق الإيمان فيه . وروى مرة عن ابن مسعود قال : قلنا : يا رسول الله ، قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه كيف انشرح صدره ؟ قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح . قلنا : يا رسول الله ، وما علامة ذلك ؟ . قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله وخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث ابن عمر : أن رجلا قال : يا رسول الله ، أي المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم للموت ذكرا ، وأحسنهم له استعدادا ، وإذا دخل النور في القلب انفسح واستوسع . قالوا : فما آية ذلك يا نبي الله ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت فذكر - صلى الله عليه وسلم - خصالا ثلاثة ، ولا [ ص: 221 ] شك أن من كانت فيه هذه الخصال فهو الكامل الإيمان ، فإن الإنابة إنما هي أعمال البر ; لأن دار الخلود إنما وضعت جزاء لأعمال البر ، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع في تنزيله ثم قال بعقب ذلك : " جزاء بما كانوا يعملون " فالجنة جزاء الأعمال ، فإذا انكمش العبد في أعمال البر فهو إنابته إلى دار الخلود ، وإذا خمد حرصه عن الدنيا ، ولها عن طلبها ، وأقبل على ما يغنيه منها فاكتفى به وقنع ، فقد تجافى عن دار الغرور . وإذا أحكم أموره بالتقوى فكان ناظرا في كل أمر ، واقفا متأدبا متثبتا حذرا يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه ، فقد استعد للموت . فهذه علامتهم في الظاهر . وإنما صار هكذا لرؤية الموت ، ورؤية صرف الآخرة عن الدنيا ، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور ، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب .وقوله تعالى : فويل للقاسية قلوبهم قيل : المراد أبو لهب وولده ، ومعنى : " من ذكر الله " أن قلوبهم تزداد قسوة من سماع ذكره . وقيل : إن من بمعنى عن ، والمعنى قست عن قبول ذكر الله . وهذا اختيار الطبري . وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله تعالى : اطلبوا الحوائج من السمحاء ؛ فإني جعلت فيهم رحمتي ، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم ؛ فإني جعلت فيهم سخطي . وقال مالك بن دينار : ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب ، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم .

39:23Page 461

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣

Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.

قوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد .فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن . لما قال : " فيتبعون أحسنه " بين أن أحسن ما يسمع ما أنزله الله وهو القرآن . قال سعد بن أبي وقاص قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو حدثتنا ، فأنزل الله - عز وجل - : الله نزل أحسن الحديث فقالوا : لو قصصت علينا ، فنزل : " نحن نقص عليك أحسن القصص " فقالوا : لو ذكرتنا ، فنزل : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله [ ص: 222 ] الآية . وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملوا ملة فقالوا له : حدثنا فنزلت . والحديث ما يحدث به المحدث . وسمي القرآن حديثا ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحدث به أصحابه وقومه ، وهو كقوله : فبأي حديث بعده يؤمنون وقوله : " أفمن هذا الحديث تعجبون " وقوله : إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا وقوله : ومن أصدق من الله حديثا وقوله : فذرني ومن يكذب بهذا الحديث قال القشيري : وتوهم قوم أن الحديث من الحدوث ، فيدل على أن كلامه محدث ، وهو وهم ; لأنه لا يريد لفظ الحديث على ما في قوله : " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " وقد قالوا : إن الحدوث يرجع إلى التلاوة لا إلى المتلو ، وهو كالذكر مع المذكور إذا ذكرنا أسماء الرب تعالى ." كتابا " نصب على البدل من " أحسن الحديث " ويحتمل أن يكون حالا منه . " متشابها " يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة ويصدق بعضه بعضا ، ليس فيه تناقض ولا اختلاف . وقال قتادة : يشبه بعضه بعضا في الآي والحروف . وقيل : يشبه كتب الله المنزلة على أنبيائه ، لما يتضمنه من أمر ونهي وترغيب وترهيب ، وإن كان أعم وأعجز .ثم وصفه فقال : " مثاني " تثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام ، وثني للتلاوة فلا يمل . " تقشعر " تضطرب وتتحرك بالخوف مما فيه من الوعيد . " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " أي عند آية الرحمة . وقيل : إلى العمل بكتاب الله والتصديق به . وقيل : إلى ذكر الله يعني الإسلام .الثانية : عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما قالت : كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله ، تدمع أعينهم ، وتقشعر جلودهم . قيل لها : فإن أناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه . فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . وقال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي : مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط ، فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط . فقال ابن عمر : إنا لنخشى الله وما نسقط . ثم قال : إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم ، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وقال عمر بن عبد العزيز : ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن ، فقال : بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن رمى بنفسه فهو صادق . وقال أبو عمران الجوني : وعظ موسى [ ص: 223 ] - عليه السلام - بني إسرائيل ذات يوم فشق رجل قميصه ، فأوحى الله إلى موسى : قل لصاحب القميص لا يشق قميصه ؛ فإني لا أحب المبذرين ، يشرح لي عن قلبه .الثالثة : قال زيد بن أسلم : قرأ أبي بن كعب عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أصحابه فرقوا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة . وعن العباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا اقشعر جلد المؤمن من مخافة الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات عن الشجرة البالية ورقها . وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما اقشعر جلد عبد من خشية الله إلا حرمه الله على النار . وعن شهر بن حوشب عن أم الدرداء قالت : إنما الوجل في قلب الرجل كاحتراق السعفة ، أما تجد إلا قشعريرة ؟ قلت : بلى ، قالت : فادع الله ؛ فإن الدعاء عند ذلك مستجاب . وعن ثابت البناني قال : قال فلان : إني لأعلم متى يستجاب لي . قالوا : ومن أين تعلم ذلك ؟ قال : إذا اقشعر جلدي ، ووجل قلبي ، وفاضت عيناي ، فذلك حين يستجاب لي . يقال : اقشعر جلد الرجل اقشعرارا فهو مقشعر والجمع قشاعر ، فتحذف الميم لأنها زائدة ، يقال أخذته قشعريرة . قال امرؤ القيس :فبت أكابد ليل التما م والقلب من خشية مقشعروقيل : إن القرآن لما كان في غاية الجزالة والبلاغة ، فكانوا إذا رأوا عجزهم عن معارضته ، اقشعرت الجلود منه إعظاما له ، وتعجبا من حسن ترصيعه وتهيبا لما فيه ، وهو كقوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله فالتصدع قريب من الاقشعرار ، والخشوع قريب من قوله : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ومعنى لين القلب رقته وطمأنينته وسكونه .ذلك هدى الله أي القرآن هدى الله . وقيل : أي : الذي وهبه الله لهؤلاء من خشية عقابه ورجاء ثوابه هدى الله .ومن يضلل الله فما له من هاد أي من خذله فلا مرشد له . وهو يرد على القدرية وغيرهم . وقد مضى معنى هذا كله مستوفى في غير موضع والحمد لله . ووقف ابن كثير وابن محيصن على قوله : " هاد " في الموضعين بالياء ، الباقون بغير ياء .

39:24Page 461

أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤

Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."

قوله تعالى : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب قال عطاء وابن زيد : يرمى به مكتوفا في النار ، فأول شيء تمس منه النار وجهه . وقال مجاهد : يجر على وجهه في النار . وقال مقاتل : هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه ، وفي عنقه صخرة عظيمة كالجبل العظيم من الكبريت ، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه ، فحرها ووهجها على وجهه ، لا يطيق دفعها عن وجهه من أجل الأغلال . والخبر محذوف . قال الأخفش : أي : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل أم من سعد ، مثل : أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة .وقيل للظالمين أي وتقول الخزنة للكافرين ذوقوا ما كنتم تكسبون أي جزاء كسبكم من المعاصي . ومثله هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском