Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
غافر
Ghafir
The Forgiver · Meccan · 85 ayahs
سورة غافرسورة غافر .وهي سورة المؤمن ، وتسمى سورة الطول .وهي مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر . وعن الحسن إلا قوله : وسبح بحمد ربك لأن الصلوات نزلت بالمدينة . وقال ابن عباس وقتادة : إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما إن الذين يجادلون في آيات الله والتي بعدها . وهي خمس وثمانون آية . وقيل : ثنتان وثمانون آية . وفي مسند الدارمي قال : حدثنا جعفر بن عون عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال : كن الحواميم يسمين العرائس . وروي من حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الحواميم ديباج القرآن وروي عن ابن مسعود مثله . وقال الجوهري وأبو عبيدة : وآل حم سور في القرآن . قال ابن مسعود : آل حم ديباج القرآن . قال الفراء : إنما هو كقولك آل فلان وآل فلان ، كأنه نسب السورة كلها إلى حم ، قال الكميت :وجدنا لكم في آل حاميم آية تأولها منا تقي ومعزبقال أبو عبيدة : هكذا رواها الأموي بالزاي ، وكان أبو عمرو يرويها بالراء . فأما قول العامة : الحواميم ، فليس من كلام العرب . وقال أبو عبيدة : الحواميم سور في القرآن على غير قياس ، وأنشد : [ ص: 258 ] وبالحواميم التي قد سبغتقال : والأولى أن تجمع بذوات حم . وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لكل شيء ثمرة ، وإن ثمرة القرآن ذوات حم ، هن روضات حسان مخصبات متجاورات ، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب ذكرهما الثعلبي . وقال أبو عبيد : وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال : رأى رجل سبع جوار حسان مزينات في النوم فقال : لمن أنتن بارك الله فيكن ؟ فقلن : نحن لمن قرأنا ، نحن الحواميم .بسم الله الرحمن الرحيم .حمقوله تعالى : حم اختلف في معناه ، فقال عكرمة : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : حم اسم من أسماء الله تعالى ، وهي مفاتيح خزائن ربك قال ابن عباس : حم اسم الله الأعظم . وعنه : الر و حم و ن حروف الرحمن مقطعة . وعنه أيضا : اسم من أسماء الله تعالى أقسم به . وقال قتادة : إنه اسم من أسماء القرآن . مجاهد : فواتح السور . وقال عطاء الخراساني : الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم ، والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ، يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما حم فإنا لا [ ص: 259 ] نعرفها في لساننا ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بدء أسماء وفواتح سور وقال الضحاك والكسائي : معناه قضي ما هو كائن . كأنه أراد الإشارة إلى تهجي حم ; لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم ، أي : قضي ووقع . وقال كعب بن مالك :فلما تلاقيناهم ودارت بنا الرحىوليس لأمر حمه الله مدفعوعنه أيضا : إن المعنى حم أمر الله أي : قرب ، كما قال الشاعر :قد حم يومي فسر قوم قوم بهم غفلة ونومومنه سميت الحمى ; لأنها تقرب من المنية . والمعنى المراد : قرب نصره لأوليائه ، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر . وقيل : حروف هجاء ، قال الجرمي : ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي ، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت ، فتقول : قرأت حم فتنصب ، قال الشاعر :يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدموقرأ عيسى بن عمر الثقفي : " حم " بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين . ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها . والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين ، أو على وجه القسم . وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم . الباقون بالوصل . وكذلك في حم . عسق . وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء . وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة . الباقون بالفتح مشبعا .
40:2Page 467
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,
قوله تعالى : تنزيل الكتاب ابتداء والخبر من الله العزيز العليم . ويجوز أن يكون تنزيل خبرا لمبتدأ محذوف ، أي : هذا تنزيل الكتاب . ويجوز أن يكون " حم " مبتدأ و " تنزيل " خبره ، والمعنى : أن القرآن أنزله الله وليس منقولا ولا مما يجوز أن يكذب به .
40:3Page 467
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.
غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب قال الفراء : جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة . وقال الزجاج : هي خفض على البدل . النحاس : وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن غافر الذنب وقابل التوب يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين ، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونا نكرتين ، ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ، ولكن يكون خفضهما على البدل ، ويجوز النصب على الحال ، فأما شديد العقاب فهو [ ص: 260 ] نكرة ويكون خفضه على البدل . قال ابن عباس : غافر الذنب لمن قال : " لا إله إلا الله " وقابل التوب ممن قال : " لا إله إلا الله " شديد العقاب لمن لم يقل : " لا إله إلا الله " . وقال ثابت البناني : كنت إلى سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب ، قال : فاستفتحت حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم فمر علي رجل على دابة فلما قلت غافر الذنب قال : قل : يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي ، فلما قلت : قابل التوب قال : قل : يا قابل التوب تقبل توبتي ، فلما قلت : شديد العقاب قال : قل : يا شديد العقاب اعف عني ، فلما قلت : ذي الطول قال : قل : يا ذا الطول طل علي بخير ، فقمت إليه فأخذ ببصري ، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا . وقال أهل الإشارة : غافر الذنب فضلا وقابل التوب وعدا شديد العقاب عدلا لا إله إلا هو إليه المصير فردا . وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل له : تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : اكتب من عمر إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو : " بسم الله الرحمن الرحيم " حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة ، فلما أتته الصحيفة جعل يقرأها ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي ، وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته . فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا ، إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه . و " التوب " يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توبا ، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دومة ودوم وعزمة وعزم ، ومنه قوله : فيخبو ساعة ويهب ساعاويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة . قال أبو العباس : والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدرا ، أي : يقبل هذا الفعل ، كما تقول قال قولا ، وإذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات .ذي الطول على البدل وعلى النعت ; لأنه معرفة . وأصل الطول الإنعام والفضل . يقال منه : اللهم طل علينا أي : أنعم وتفضل . قال ابن عباس : ذي الطول ذي النعم . وقال مجاهد : ذي الغنى والسعة ، ومنه قوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أي : غنى وسعة . وعن ابن عباس أيضا : ذي الطول ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله . وقال عكرمة : [ ص: 261 ] ذي الطول ذي المن . قال الجوهري : والطول بالفتح المن ، يقال منه طال عليه وتطول عليه إذا امتن عليه . وقال محمد بن كعب : ذي الطول ذي التفضل ، قال الماوردي : والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب . والتفضل إحسان غير مستحق . والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره . وقيل : لأنه طالت مدة إنعامه .لا إله إلا هو إليه المصير أي المرجع .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences