Al-QurtubiQaf · 50:16–18

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:16–18

50:16Page 519

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦

And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.

قوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان يعني الناس ، وقيل : آدم .ونعلم ما توسوس به نفسه أي : ما يختلج في سره وقلبه وضميره ، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها . [ ص: 10 ] ومن قال : إن المراد بالإنسان آدم ; فالذي وسوست به نفسه هو الأكل من الشجرة ، ثم هو عام لولده . والوسوسة حديث النفس بمنزلة الكلام الخفي . قال الأعشى : تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل وقد مضى في " الأعراف " .ونحن أقرب إليه من حبل الوريد هو حبل العاتق وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه ، وهما وريدان عن يمين وشمال . روي معناه عن ابن عباس وغيره وهو المعروف في اللغة . والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين . وقال الحسن : الوريد الوتين وهو عرق معلق بالقلب . وهذا تمثيل للقرب ; أي : نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه ، وليس على وجه قرب المسافة . وقيل : أي : ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه . وقيل : أي : ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه ; لأنه عرق يخالط القلب ، فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب ، روي معناه عن مقاتل قال : الوريد عرق يخالط القلب ، وهذا القرب قرب العلم والقدرة ، وأبعاض الإنسان يحجب البعض البعض ولا يحجب علم الله شيء .

50:17Page 519

إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧

When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.

قوله تعالى : إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد أي : نحن أقرب إليه من حبل وريده حين يتلقى المتلقيان ، وهما الملكان الموكلان به ، أي : نحن أعلم بأحواله فلا نحتاج إلى ملك يخبر ولكنهما وكلا به إلزاما للحجة ، وتوكيدا للأمر عليه . وقال الحسن ومجاهد وقتادة : المتلقيان ملكان يتلقيان عملك ، أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك ، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك . قالالحسن : حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك . وقال مجاهد : وكل الله بالإنسان مع علمه بأحواله ملكين بالليل وملكين بالنهار يحفظان عمله ، ويكتبان أثره إلزاما للحجة : أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات ، والآخر عن شماله يكتب السيئات ، فذلك قوله تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد . وقال سفيان : بلغني أن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أذنب العبد قال لا تعجل لعله يستغفر الله . وروي معناه من حديث أبي أمامة ; قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع [ ص: 11 ] ساعات لعله يسبح أو يستغفر . وروي من حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن مقعد ملكيك على ثنيتك ؛ لسانك قلمهما ، وريقك مدادهما ، وأنت تجري فيما لا يعنيك فلا تستحي من الله ولا منهما . وقال الضحاك : مجلسهما تحت الثغر . على الحنك . ورواه عوف عن الحسن قال : وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته . وإنما قال : قعيد ولم يقل قعيدان وهما اثنان ; لأن المراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ؛ قاله سيبويه ; ومنه قول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقال الفرزدق : إني ضمنت لمن أتاني ما جنى وأبى فكان وكنت غير غدور ولم يقل راضيان ولا غدورين . ومذهب المبرد أن الذي في التلاوة أول أخر اتساعا ، وحذف الثاني لدلالة الأول عليه . ومذهب الأخفش والفراء : أن الذي في التلاوة يؤدي عن الاثنين والجمع ولا حذف في الكلام . و " قعيد " بمعنى قاعد كالسميع والعليم والقدير والشهيد . وقيل : قعيد بمعنى مقاعد مثل أكيل ونديم بمعنى مؤاكل ومنادم . وقال الجوهري : فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ; كقوله تعالى : إنا رسول رب العالمين وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير . وقال الشاعر في الجمع ، أنشده الثعلبي : ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر والمراد بالقعيد هاهنا الملازم الثابت لا ضد القائم .

50:18Page 519

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨

He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].

قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أي : ما يتكلم بشيء إلا كتب عليه ; مأخوذ من لفظ الطعام وهو إخراجه من الفم . وفي الرقيب ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه المتبع للأمور . الثاني : أنه الحافظ ؛ قاله السدي . الثالث : أنه الشاهد ؛ قاله الضحاك . وفي العتيد وجهان ؛ أحدهما : أنه الحاضر الذي لا يغيب . الثاني : أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة . قال الجوهري : العتيد الشيء الحاضر المهيأ ; وقد عتده تعتيدا وأعتده إعتادا أي : [ ص: 12 ] أعده ليوم ، ومنه قوله تعالى : وأعتدت لهن متكأ وفرس عتد وعتد بفتح التاء وكسرها المعد للجري . قلت : وكله يرجع إلى معنى الحضور ، ومنه قول الشاعر :لئن كنت مني في العيان مغيبا فذكرك عندي في الفؤاد عتيدقال أبو الجوزاء ومجاهد : يكتب على الإنسان كل شيء حتى الأنين في مرضه . وقال عكرمة : لا يكتب إلا ما يؤجر به أو يؤزر عليه . وقيل : يكتب عليه كل ما يتكلم به ، فإذا كان آخر النهار محي عنه ما كان مباحا ، نحو : انطلق ، اقعد ، كل ، مما لا يتعلق به أجر ولا وزر ، والله أعلم . وروي عن أبي هريرة وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا فيرى الله في أول الصحيفة خيرا وفي آخرها خيرا إلا قال الله تعالى لملائكته اشهدوا أني قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة . وقال علي رضي الله عنه : ( إن لله ملائكة معهم صحف بيض فأملوا في أولها وفي آخرها خيرا يغفر لكم ما بين ذلك ) . وأخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة ، قال حدثنا جدي محمد بن إسحاق ، قال حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، قال حدثنا سهيل بن عبد الله قال : سمعت الأعمش يحدث عن زيد بن وهب عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحافظين إذا نزلا على العبد أو الأمة معهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظ به العبد أو الأمة فإذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر : فك الكتاب المختوم الذي معك فيفكه له فإذا فيه ما كتب سواء فذلك قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد غريب ، من حديث الأعمش عن زيد ، لم يروه عنه إلا سهيل . وروي من حديث أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله وكل بعبده ملكين يكتبان عمله فإذا مات قالا : ربنا قد مات فلان فأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله تعالى : إن سماواتي مملوءة من ملائكتي يسبحونني ، فيقولان ربنا نقيم في الأرض فيقول الله تعالى : إن أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني ، فيقولان يا رب فأين نكون فيقول الله تعالى : كونا على قبر عبدي فكبراني وهللاني وسبحاني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة .[ ص: 13 ]

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском