Al-QurtubiAl‑Muddaththir · 74:4–6

Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic

Al-Muddaththir 74:4–6

74:4Page 575

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤

And your clothing purify

قوله تعالى : وثيابك فطهر فيه ثمانية أقوال : أحدهما : أن المراد بالثياب العمل . الثاني : القلب . الثالث : النفس . الرابع : الجسم . الخامس : الأهل . السادس : الخلق . السابع : الدين . الثامن : الثياب الملبوسات على الظاهر . فمن ذهب إلى القول الأول قال : تأويل الآية وعملك فأصلح ; قاله مجاهد وابن زيد . وروى منصور عن أبي رزين قال : [ ص: 60 ] يقول وعملك فأصلح ، قال : وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا إن فلانا خبيث الثياب ، وإذا كان حسن العمل قالوا إن فلانا طاهر الثياب ، ونحوه عن السدي ، ومنه قول الشاعر :لا هم إن عامر بن جهم أوذم حجا في ثياب دسمومنه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات عليهما يعني عمله الصالح والطالح ، ذكره الماوردي ، ومن ذهب إلى القول الثاني قال : إن تأويل الآية وقلبك فطهر ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ، دليله قول امرئ القيس :[وإن تك قد ساءتك مني خليقة ] فسلي ثيابي من ثيابك تنسلأي قلبي من قلبك . قال الماوردي : ولهم في تأويل الآية وجهان : أحدهما : معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي ، قاله ابن عباس وقتادة . الثاني : وقلبك فطهر من الغدر ، أي لا تغدر فتكون دنس الثياب ، وهذا مروي عن ابن عباس ، واستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفي :فإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع ومن ذهب إلى القول الثالث قال : تأويل الآية ونفسك فطهر أي من الذنوب . والعرب تكني عن النفس بالثياب ، قاله ابن عباس . ومنه قول عنترة :فشككت بالرمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم وقال امرؤ القيس :فسلي ثيابي من ثيابك تنسلوقال :ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم بيض المسافر غران أي أنفس بني عوف . ومن ذهب إلى القول الرابع قال : تأويل الآية وجسمك فطهر ، أي [ ص: 61 ] عن المعاصي الظاهرة . ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى وذكرت إبلا :رموها بأثياب خفاف فلا ترى لها شبها إلا النعام المنفرا أي ركبوها فرموها بأنفسهم . ومن ذهب إلى القول الخامس قال : تأويل الآية وأهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب والعرب تسمي الأهل ثوبا ولباسا وإزارا قال الله تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن . الماوردي : ولهم في تأويل الآية وجهان : أحدهما : معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف . الثاني : الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر ، في الطهر لا في الحيض ، حكاه ابن بحر ، ومن ذهب إلى القول السادس قال : تأويل الآية وخلقك فحسن ، قاله الحسن والقرظي لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه . وقال الشاعر :ويحيى لا يلام بسوء خلق ويحيى طاهر الأثواب حر أي حسن الأخلاق ، ومن ذهب إلى القول السابع قال : تأويل الآية ودينك فطهر ، وفي الصحيحين عنه - عليه السلام - قال : ورأيت الناس وعليهم ثياب منها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما دون ذلك ، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجره قالوا : يا رسول الله ، فما أولت ذلك ؟ قال : الدين . وروى ابن وهب عن مالك أنه قال : ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الطريق ، قال الله تعالى : وثيابك فطهر يريد مالك أنه كنى عن الثياب بالدين . وقد روى عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى : وثيابك فطهر أي لا تلبسها على غدرة ، ومنه قول أبي كبشة :ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم بيض المسافر غران يعني بطهارة ثيابهم سلامتهم من الدناءات ، ويعني بغرة وجوههم تنزيههم عن [ ص: 62 ] المحرمات ، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما ، قاله ابن العربي ، وقال سفيان بن عيينة : لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم ، قاله عكرمة ، ومنه قول الشاعر :أوذم حجا في ثياب دسمأي قد دنسها بالمعاصي ، وقال النابغة :رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب ومن ذهب إلى القول الثامن قال : إن المراد بها الثياب الملبوسات ، فلهم في تأويله أربعة أوجه : أحدهما : معناه وثيابك فأنق ، ومنه قول امرئ القيس :ثياب بني عوف طهارى نقية [ وأوجههم عند المشاهد غران] الثاني : وثيابك فشمر وقصر ، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة ، فإذا انجرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها ، قاله الزجاج وطاوس ، الثالث : وثيابك فطهر من النجاسة بالماء ، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء ، الرابع : لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال لتكون مطهرة من الحرام ، وعن ابن عباس : لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر ، ابن العربي وذكر بعض ما ذكرناه : ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز ، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة فهي تتناول معنيين : أحدهما : تقصير الأذيال لأنها إذا أرسلت تدنست ، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا : ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه ، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ، وما كان أسفل من ذلك ففي النار فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد ما تحته بالنار ، فما بال رجال يرسلون أذيالهم ، ويطيلون ثيابهم ، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم ، وهذه حالة الكبر ، وقائدة العجب ، وأشد ما في الأمر أنهم يعصون وينجسون ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه [ ص: 63 ] غيره ولا ألحق به سواه ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء ولفظ الصحيح : من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة قال أبو بكر : يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لست ممن يصنعه خيلاء فعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنهي ، واستثنى الصديق ، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء ، وليس ذلك لهم . والمعنى الثاني : غسلها من النجاسة وهو ظاهر منها ، صحيح فيها . المهدوي : وبه استدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب ، قال ابن سيرين وابن زيد : لا تصل إلا في ثوب طاهر ، واحتج بها الشافعي على وجوب طهارة الثوب ، وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض ، وكذلك طهارة البدن ، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل ، وقد مضى هذا القول في سورة ( براءة ) مستوفى .

74:5Page 575

وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥

And uncleanliness1 avoid

قوله تعالى : والرجز فاهجرقوله تعالى : والرجز فاهجر قال مجاهد وعكرمة : يعني الأوثان ، دليله قوله تعالى : فاجتنبوا الرجس من الأوثان قاله ابن عباس وابن زيد ، وعن ابن عباس أيضا : والمأثم فاهجر ، أي فاترك ، وكذا روى مغيرة عن إبراهيم النخعي قال : الرجز الإثم ، وقال قتادة : الرجز : إساف ونائلة ، صنمان كانا عند البيت ، وقيل : الرجز العذاب على تقدير حذف المضاف ، المعنى : وعمل الرجز فاهجر ، أو العمل المؤدي إلى العذاب ، وأصل الرجز العذاب ، قال الله تعالى : لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك . وقال تعالى : فأرسلنا عليهم رجزا من السماء فسميت الأوثان رجزا لأنها تؤدي إلى العذاب ، وقراءة العامة " الرجز " بكسر الراء ، وقرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وابن محيصن وحفص عن عاصم ( والرجز ) بضم الراء وهما لغتان مثل الذكر والذكر ، وقال أبو العالية والربيع والكسائي : الرجز بالضم : الصنم ، وبالكسر : النجاسة والمعصية ، وقال الكسائي أيضا : بالضم : الوثن ، وبالكسر : العذاب ، وقال السدي : الرجز بنصب الراء : الوعيد .

74:6Page 575

وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ٦

And do not confer favor to acquire more1

قوله تعالى : ولا تمنن تستكثرفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تمنن تستكثر فيه أحد عشر تأويلا ، الأول : لا تمنن على ربك بما تتحمله من أثقال النبوة ، كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير ، الثاني : لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها ، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ، قال الضحاك : هذا حرمه الله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق ، وأباحه لأمته ، وقاله مجاهد ، الثالث : عن مجاهد أيضا : لا تضعف أن تستكثر من الخير ، من قولك حبل منين إذا كان ضعيفا ، ودليله قراءة ابن مسعود ( ولا تمنن تستكثر من الخير ) ، الرابع : عن مجاهد أيضا والربيع : لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير ، فإنه مما أنعم الله عليك ، قال ابن كيسان : لا تستكثر عملك فتراه من نفسك ، إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته ، الخامس : قال الحسن : لا تمنن على الله بعملك فتستكثره ، السادس : لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثر به ، السابع : قال القرظي : لا تعط مالك مصانعة ، الثامن : قال زيد بن أسلم : إذا أعطيت عطية فأعطها لربك ، التاسع : لا تقل دعوت فلم يستجب لي ، العاشر : لا تعمل طاعة وتطلب ثوابها ، ولكن اصبر حتى يكون الله هو الذي يثيبك عليها ، الحادي عشر : لا تفعل الخير لترائي به الناس .الثانية : هذه الأقوال وإن كانت مرادة فأظهرها قول ابن عباس : لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال ، يقال : مننت فلانا كذا أي أعطيته ، ويقال للعطية المنة ، فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله ، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها لأنه - عليه السلام - ما كان يجمع الدنيا ، ولهذا قال : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم وكان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين ولهذا لم يورث لأنه كان لا يملك لنفسه الادخار والاقتناء ، وقد عصمه الله تعالى عن الرغبة في شيء من الدنيا ولذلك حرمت عليه الصدقة [ ص: 65 ] وأبيحت له الهدية فكان يقبلها ويثيب عليها ، وقال : لو دعيت إلى كراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت ابن العربي : وكان يقبلها سنة ولا يستكثرها شرعة ، وإذا كان لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب لأنها باب من أبواب المذلة ، وكذلك قول من قال : إن معناها لا تعطي عطية تنتظر ثوابها ، فإن الانتظار تعلق بالأطماع ، وذلك في حيزه بحكم الامتناع ، وقد قال الله تعالى له : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقىوذلك جائز لسائر الخلق لأنه من متاع الدنيا ، وطلب الكسب والتكاثر بها ، وأما من قال : أراد به العمل أي لا تمنن بعملك على الله فتستكثره فهو صحيح ، فإن ابن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر .الثالثة : قوله تعالى : ولا تمنن قراءة العامة بإظهار التضعيف ، وقرأ أبو السمال العدوي وأشهب العقيلي والحسن ( ولا تمن ) مدغمة مفتوحة ، تستكثر : قراءة العامة بالرفع وهو في معنى الحال ، تقول : جاء زيد يركض أي راكضا ، أي لا تعط شيئا مقدرا أن تأخذ بدله ما هو أكثر منه ، وقرأ الحسن بالجزم على جواب النهي وهو رديء ; لأنه ليس بجواب ، ويجوز أن يكون بدلا من تمنن كأنه قال : لا تستكثر ، وأنكره أبو حاتم وقال : لأن المن ليس بالاستكثار فيبدل منه ، ويحتمل أن يكون سكن تخفيفا كعضد ، أو أن يعتبر حال الوقف ، وقرأ الأعمش ويحيى ( تستكثر ) بالنصب ، توهم لام كي ، كأنه قال : ولا تمنن لتستكثر ، وقيل : هو بإضمار ( أن ) كقوله [ للشاعر طرفة بن العبد ] :ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغىويؤيده قراءة ابن مسعود ( ولا تمنن أن تستكثر ) قال الكسائي : فإذا حذف ( أن ) رفع وكان المعنى واحدا ، وقد يكون المن بمعنى التعداد على المنعم عليه بالنعم ، فيرجع إلى القول الثاني ، ويعضده قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وقد يكون مرادا في هذه الآية ، والله أعلم .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском