Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
Al-Fajr 89:4–6
قوله تعالى : والليل إذا يسر وهذا قسم خامس . وبعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص ، أقسم بالليل على العموم . ومعنى يسري أي يسرى فيه كما يقال : ليل نائم ، ونهار صائم . قال :لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائمومنه قوله تعالى : بل مكر الليل والنهار . وهذا قول أكثر أهل المعاني ، وهو قول القتبي والأخفش . وقال أكثر المفسرين : معنى يسري : سار فذهب . وقال قتادة وأبو العالية : جاء وأقبل . وروي عن إبراهيم : والليل إذا يسر قال : إذا استوى . وقال عكرمة والكلبي ومجاهد ومحمد بن كعب في قوله : والليل : هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله . وقيل : ليلة القدر لسراية الرحمة فيها ، واختصاصها بزيادة الثواب فيها . وقيل : إنه أراد عموم الليل كله .قلت : وهو الأظهر ، كما تقدم . والله أعلم . وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب يسري بإثبات الياء في الحالين ، على الأصل ; لأنها ليست بمجزومة ، فثبتت فيها الياء . وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتها في الوصل ، وبحذفها في الوقف ، وروي عن الكسائي . قال أبو عبيد : كان الكسائي يقول مرة بإثبات الياء في الوصل ، وبحذفها في الوقف ، اتباعا للمصحف . ثم رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا ; لأنه رأس آية ، وهي قراءة أهل الشام والكوفة ، واختيار أبي عبيد ، اتباعا للخط ; لأنها وقعت في المصحف بغير ياء . قال الخليل : تسقط الياء منها اتفاقا لرءوس الآي . قال الفراء : قد تحذف العرب الياء ، وتكتفي بكسر ما قبلها . وأنشد بعضهم :[ ص: 39 ]كفاك كف ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدمايقال : فلان ما يليق درهما من جوده أي ما يمسكه ، ولا يلصق به . وقال المؤرج : سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من يسر فقال : لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة ، فبت على باب داره سنة فقال : الليل لا يسري وإنما يسرى فيه فهو مصروف ، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه ألا ترى إلى قوله تعالى : وما كانت أمك بغيا ، لم يقل بغية ; لأنه صرفها عن باغية . الزمخشري : وياء يسري تحذف في الدرج ، اكتفاء عنها بالكسرة ، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة . وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم ، والجواب محذوف ، وهو ليعذبن يدل عليه قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك إلى قوله تعالى فصب عليهم ربك سوط عذاب . وقال ابن الأنباري هو إن ربك لبالمرصاد .
89:5Page 593
هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥
Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1
قال مقاتل : هل هنا في موضع إن تقديره : إن في ذلك قسما لذي حجر . ف هل على هذا ، في موضع جواب القسم . وقيل : هي على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير كقولك : ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت . وقيل : المراد بذلك التأكيد لما أقسم به وأقسم عليه . والمعنى " : بل في ذلك مقنع لذي حجر . والجواب على هذا : إن ربك لبالمرصاد . أو مضمر محذوف .ومعنى لذي حجر أي لذي لب وعقل . قال الشاعر :وكيف يرجى أن تتوب وإنما يرجى من الفتيان من كان ذا حجركذا قال عامة المفسرين إلا أن أبا مالك قال : لذي حجر : لذي ستر من الناس . وقال الحسن : لذي حلم . قال الفراء : الكل يرجع إلى معنى واحد : لذي حجر ، ولذي عقل ، ولذي حلم ، ولذي ستر الكل بمعنى العقل . وأصل الحجر : المنع . يقال لمن ملك نفسه ومنعها : إنه لذو حجر ومنه سمي الحجر ، لامتناعه بصلابته : ومنه حجر الحاكم على فلان ، أي منعه وضبطه عن التصرف ولذلك سميت الحجرة حجرة ، لامتناع ما فيها بها . وقال الفراء : العرب تقول : إنه لذو حجر : إذا كان قاهرا لنفسه ، ضابطا لها كأنه أخذ من حجرت على الرجل .
89:6Page 593
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦
Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -
قوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بعادقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك أي مالكك وخالقك . بعاد إرم قراءة العامة بعاد منونا . وقرأ الحسن وأبو العالية بعاد إرم مضافا . فمن لم يضف جعل إرم اسمه ، [ ص: 40 ] ولم يصرفه ; لأنه جعل عادا اسم أبيهم ، وإرم اسم القبيلة وجعله بدلا منه ، أو عطف بيان . ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم ، أو اسم بلدتهم . وتقديره : بعاد أهل إرم . كقوله : واسأل القرية ولم تنصرف - قبيلة كانت أو أرضا - للتعريف والتأنيث . وقراءة العامة إرم بكسر الهمزة . وعن الحسن أيضا بعاد إرم مفتوحتين ، وقرئ ( بعاد إرم ) بسكون الراء ، على التخفيف كما قرئ بورقكم . وقرئ ( بعاد إرم ذات العماد ) بإضافة إرم - إلى - ذات العماد . والإرم : العلم . أي بعاد أهل ذات العلم . وقرئ بعاد أرم ذات العماد أي جعل الله ذات العماد رميما . وقرأ مجاهد والضحاك وقتادة ( أرم ) بفتح الهمزة . قال مجاهد : من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام ، التي هي الأعلام ، واحدها : أرم . وفي الكلام تقديم وتأخير أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر . أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد . وهذه الرؤية رؤية القلب ، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد عام . وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهورا إذ كانوا في بلاد العرب ، وحجر ثمود موجود اليوم . وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب ، واستفاضت به الأخبار ، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب . وقد تقدم هذا المعنى في سورة ( البروج ) وغيرها بعاد أي بقوم عاد . فروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال : إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة ، ولو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه ، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences