Al-Qurtubi · Tafsir · in Arabic
البلد
Al-Balad
The City · Meccan · 20 ayahs
سورة البلدمكية باتفاق . وهي عشرون آيةبسم الله الرحمن الرحيملا أقسم بهذا البلديجوز أن تكون لا زائدة ، كما تقدم في لا أقسم بيوم القيامة قاله الأخفش . أي أقسم ; لأنه قال : بهذا البلد وقد أقسم به في قوله : وهذا البلد الأمين فكيف يجحد القسم به وقد أقسم به . قال الشاعر :تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطعأي يتقطع ، ودخل حرف ( لا ) صلة ومنه قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك بدليل قوله تعالى في ( ص ) : ما منعك أن تسجد . وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير ( لأقسم ) من غير ألف بعد اللام إثباتا . وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى ( ألا ) . وقيل : ليست بنفي القسم ، وإنما هو كقول العرب : لا والله لا فعلت كذا ، ولا والله ما كان كذا ، ولا والله لأفعلن كذا . وقيل : هي نفي صحيح والمعنى : لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه ، بعد خروجك منه . حكاه مكي . ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : لا رد عليهم . وهذا اختيار ابن العربي ; لأنه قال : وأما من قال إنها رد ، فهو قول ليس له رد ; لأنه [ ص: 54 ] يصح به المعنى ، ويتمكن اللفظ والمراد . فهو رد لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم . وقال القشيري : قوله لا رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة ، المغرور بالدنيا . أي ليس الأمر كما يحسبه ، من أنه لن يقدر عليه أحد ، ثم ابتدأ القسم . و ( البلد ) : هي مكة ، أجمعوا عليه . أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه ، لكرامتك علي وحبي لك . وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا ، وبركتك ميتا ، يعني المدينة . والأول أصح ; لأن السورة نزلت بمكة باتفاق .
90:2Page 594
وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٢
And you, [O Muḥammad], are free of restriction in this city –
قوله تعالى : وأنت حل بهذا البلديعني في المستقبل مثل قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون . ومثله واسع في كلام العرب . تقول لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو . وهو في كلام الله واسع ; لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال ، وأن تفسيره بالحال محال : أن السورة باتفاق مكية قبل الفتح . فروى منصور عن مجاهد : وأنت حل قال : ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل . وكذا قال ابن عباس : أحل له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما . ولم يحل لأحد من الناس أن يقتل بها أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى السدي قال : أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله . وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : أحلت له ساعة من نهار ، ثم أطبقت وحرمت إلى يوم القيامة ، وذلك يوم فتح مكة . وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، فلم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار " الحديث . وقد تقدم في سورة ( المائدة ) .ابن زيد : لم يكن بها أحد حلالا غير النبي - صلى الله عليه وسلم - : وقيل : وأنت مقيم فيه وهو محلك . وقيل : وأنت فيه محسن ، وأنا عنك فيه راض . وذكر أهل اللغة أنه يقال : رجل حل وحلال ومحل ، ورجل حرام ومحل ، ورجل حرام ومحرم . وقال قتادة : أنت حل به : لست بآثم . وقيل : هو ثناء على النبي - صلى الله عليه وسلم - أي إنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه ، معرفة منك بحق هذا البيت لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه . أي أقسم بهذا البيت المعظم الذي قد عرفت حرمته ، فأنت مقيم فيه معظم له ، غير مرتكب فيه ما يحرم عليك .وقال شرحبيل بن سعد : [ ص: 55 ] وأنت حل بهذا البلد أي حلال أي هم يحرمون مكة أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة ، ثم هم مع هذا يستحلون إخراجك وقتلك .
قوله تعالى : ووالد وما ولدقال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح : ووالد آدم : - عليه السلام - . وما ولد أي وما نسل من ولده . أقسم بهم ; لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير ، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى . وقيل : هو إقسام بآدم والصالحين من ذريته ، وأما غير الصالحين فكأنهم بهائم . وقيل : الوالد إبراهيم . وما ولد : ذريته قال أبو عمران الجوني . ثم يحتمل أنه يريد جميع ذريته . ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته . قال الفراء : وصلحت ما للناس كقوله : ما طاب لكم وكقوله : وما خلق الذكر والأنثى وهو الخالق للذكر والأنثى ، وقيل : ما مع ما بعدها في موضع المصدر أي ووالد وولادته كقوله تعالى : والسماء وما بناها . وقال عكرمة وسعيد بن جبير : ووالد : يعني الذي يولد له ، وما ولد : يعني العاقر الذي لا يولد له وقاله ابن عباس . وما على هذا نفي . وهو بعيد ولا يصح إلا بإضمار الموصول أي ووالد والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين . وقيل : هو عموم في كل والد وكل مولود قاله عطية العوفي . وروي معناه عن ابن عباس أيضا . وهو اختيار الطبري . قال الماوردي : ويحتمل أن الوالد النبي - صلى الله عليه وسلم - لتقدم ذكره ، وما ولد أمته : لقوله - عليه السلام - : "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم " . فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده مبالغة في تشريفه - عليه السلام - .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences