Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Fatihah 1:2–3
1:2–3Page 1
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[All] praise is [due] to Allāh, Lord1 of the worlds -
ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣
The Entirely Merciful, the Especially Merciful,
البابُ الخامِسُ
فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، وفِيهِ فَصُولٌ
الفَصْلُ الأوَّلُ
فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هاهُنا ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ: الحَمْدُ والمَدْحُ والشُّكْرُ، فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ والمَدْحِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ألا تَرى أنَّ مَن رَأى لُؤْلُؤَةً في غايَةِ الحُسْنِ أوْ ياقُوتَةً في غايَةِ الحُسْنِ فَإنَّهُ قَدْ يَمْدَحُها، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَحْمَدَها، فَثَبَتَ أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإحْسانِ وقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الإحْسانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الفَرْقِ: أنَّ المَدْحَ قَدْ يَكُونُ مَنهِيًّا عَنْهُ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«احْثُوا التُّرابَ في وُجُوهِ المَدّاحِينَ» “ أمّا الحَمْدُ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، قالَ ﷺ:
صفحة ١٧٩
”«مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ، وأمّا الحَمْدُ فَهو القَوْلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِفَضِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهي فَضِيلَةُ الإنْعامِ والإحْسانِ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ أعَمُّ مِنَ الحَمْدِ.
وأمّا الفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدِ وبَيْنَ الشُّكْرِ فَهو أنَّ الحَمْدَ يَعُمُّ ما إذا وصَلَ ذَلِكَ الإنْعامُ إلَيْكَ أوْ إلى غَيْرِكَ، وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالإنْعامِ الواصِلِ إلَيْكَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَدْحَ حاصِلٌ لِلْحَيِّ ولِغَيْرِ الحَيِّ، ولِلْفاعِلِ المُخْتارِ ولِغَيْرِهِ، فَلَوْ قالَ: المَدْحُ لِلَّهِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فاعِلًا مُخْتارًا، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَهو يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُخْتارًا، فَقَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا القائِلِ مُقِرًّا بِأنَّ إلَهَ العالَمِ لَيْسَ مُوجِبًا بِالذّاتِ كَما تَقُولُ الفَلاسِفَةُ بَلْ هو فاعِلٌ مُخْتارٌ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِن قَوْلِهِ: الشُّكْرُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِسَبَبِ كُلِّ إنْعامٍ صَدَرَ مِنهُ ووَصَلَ إلى غَيْرِهِ، وأمّا الشُّكْرُ لِلَّهِ فَهو ثَناءٌ بِسَبَبِ إنْعامٍ وصَلَ إلى ذَلِكَ القائِلِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَواءٌ أعْطَيْتَنِي أوْ لَمْ تُعْطِنِي فَإنْعامُكَ واصِلٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، وأنْتَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ العَظِيمِ، وقِيلَ: الحَمْدُ عَلى ما دَفَعَ اللَّهُ مِنَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عَلى ما أعْطى مِنَ النَّعْماءِ.
فَإنْ قِيلَ: النِّعْمَةُ في الإعْطاءِ أكْثَرُ مِنَ النِّعْمَةِ في دَفْعِ البَلاءِ، فَلِماذا تَرَكَ الأكْثَرَ وذَكَرَ الأقَلَّ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أنا شاكِرٌ لِأدْنى النِّعْمَتَيْنِ فَكَيْفَ لِأعْلاهُما.
الثّانِي: المَنعُ غَيْرُ مُتَناهٍ، والإعْطاءُ مُتَناهٍ، فَكانَ الِابْتِداءُ بِشُكْرِ دَفْعِ البَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ أوْلى.
الثّالِثُ: أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ؛ فَلِهَذا قَدَّمَهُ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: أحْمَدُ اللَّهَ، ولَكِنْ قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهَذِهِ العِبارَةُ الثّانِيَةُ أوْلى؛ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، أفادَ ذَلِكَ كَوْنَ ذَلِكَ القائِلِ قادِرًا عَلى حَمْدِهِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مَحْمُودًا قَبْلَ حَمْدِ الحامِدِينَ وقَبْلَ شُكْرِ الشّاكِرِينَ، فَهَؤُلاءِ سَواءٌ حَمِدُوا أوْ لَمْ يَحْمَدُوا، وسَواءٌ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا، فَهو تَعالى مَحْمُودٌ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ بِحَمْدِهِ القَدِيمِ وكَلامِهِ القَدِيمِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا الحَمْدُ لِلَّهِ، مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ حُقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، فَإنَّهُ تَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أيادِيهِ وأنْواعِ آلائِهِ عَلى العِبادِ، فَقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ حَقٌّ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ، ولَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ، لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ لِذاتِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ أوْلى مِنَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى أنَّ شَخْصًا واحِدًا حَمِدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ قالَ: أحْمَدُ اللَّهَ لَكانَ قَدْ حَمِدَ، لَكِنْ لا حَمْدًا يَلِيقُ بِهِ، وأمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن أنا حَتّى أحْمَدَهُ ؟ لَكِنَّهُ مَحْمُودٌ بِجَمِيعِ حَمْدِ الحامِدِينَ، مِثالُهُ ما لَوْ سُئِلْتَ: هَلْ لِفُلانٍ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ ؟ فَإنْ قَلْتَ: نَعَمْ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ ولَكِنْ حَمْدًا ضَعِيفًا، ولَوْ قُلْتَ في الجَوابِ: بَلْ نِعَمُهُ عَلى كُلِّ الخَلائِقِ، فَقَدْ حَمِدْتَهُ بِأكْمَلِ المَحامِدِ.
ورابِعُها: أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ صِفَةِ القَلْبِ، وهي اعْتِقادُ كَوْنِ ذَلِكَ المَحْمُودِ مُتَفَضِّلًا مُنْعِمًا مُسْتَحِقًّا لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَإذا تَلَفَّظَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ غافِلًا عَنْ مَعْنى التَّعْظِيمِ اللّائِقِ بِجَلالِ اللَّهِ كانَ كاذِبًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ حامِدًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، أمّا إذا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، سَواءٌ كانَ غافِلًا أوْ مُسْتَحْضِرًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ فَإنَّهُ يَكُونُ صادِقًا؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الحَمْدَ حَقٌّ لِلَّهِ ومِلْكُهُ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ سَواءٌ كانَ العَبْدُ مُشْتَغِلًا بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ
صفحة ١٨٠
أوْلى مِن قَوْلِهِ: أحْمَدُ اللَّهَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّهُ لا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ، بِخِلافِ قَوْلِنا: أشَهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كاذِبًا في قَوْلِهِ: أشَهْدُ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى في تَكْذِيبِ المُنافِقِينَ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ولِهَذا السِّرِّ أُمِرَ في الأذانِ بِقَوْلِهِ: أشْهَدُ، ثُمَّ وقَعَ الخَتْمُ عَلى قَوْلِهِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً:
أحَدُها: الِاخْتِصاصُ اللّائِقُ كَقَوْلِكَ: الجُلُّ لِلْفَرَسِ.
وثانِيها: المِلْكُ كَقَوْلِكَ: الدّارُ لِزَيْدٍ.
وثالِثُها: القُدْرَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِكَ: البَلَدُ لِلسُّلْطانِ، واللّامُ في قَوْلِكَ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَحْتَمِلُ هَذِهِ الوُجُوهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ اللّائِقِ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ الحَمْدُ إلّا بِهِ لِغايَةِ جَلالِهِ وكَثْرَةِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى المِلْكِ فَمَعْلُومٌ أنَّهُ تَعالى مالِكٌ لِلْكُلِّ، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكَ مِنهم كَوْنَهم مُشْتَغِلِينَ بِحَمْدِهِ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ، وما سِواهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ مُسْتَوْلٍ عَلى المُمْكِنِ لِذاتِهِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ بِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ، وبِمَعْنى أنَّ الحَمْدَ مِلْكُهُ ومَلَكَهُ، وبِمَعْنى أنَّهُ هو المُسْتَوْلِي عَلى الكُلِّ والمُسْتَعْلِي عَلى الكُلِّ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثَمانِيَةُ أحْرُفٍ، وأبْوابُ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، فَمَن قالَ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ عَنْ صَفاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمانِيَةَ أبْوابِ الجَنَّةِ.
الفائِدَةُ الخامِسَةُ: الحَمْدُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنْ كانَ مَسْبُوقًا بِمَعْهُودٍ سابِقٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وإلّا يُحْمَلُ عَلى الِاسْتِغْراقِ؛ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإجْمالِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّهُ يُفِيدُ الماهِيَّةَ والحَقِيقَةَ فَقَطْ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ أفادَ أنَّ كُلَّ ما كانَ حَمَدًا وثَناءً فَهو لِلَّهِ وحَقُّهُ ومِلْكُهُ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما سِوى اللَّهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ البَتَّةَ، وإنْ قُلْنا بِالقَوْلِ الثّانِي كانَ مَعْناهُ أنَّ ماهِيَّةَ الحَمْدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَ فَرْدٍ مِن أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يَنْفِي حُصُولَ الحَمْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المُنْعِمَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، والأُسْتاذُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ التِّلْمِيذِ، والسُّلْطانُ العادِلُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن لَمْ يَحْمَدِ النّاسَ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ.
قُلْنا: إنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِ بِإنْعامٍ فالمُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ في قَلْبِ ذَلِكَ المُنْعِمِ، وإلّا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْعامِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ تِلْكَ النِّعْمَةَ وسَلَّطَ ذَلِكَ المُنْعِمَ عَلَيْها، ومَكَّنَ المُنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الِانْتِفاعِ - لَما حَصَلَ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُنْعِمَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ.
* * *
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أنَّ قَوْلَهَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَما دَلَّ عَلى أنَّهُ لا مَحْمُودَ إلّا اللَّهُ، فَكَذَلِكَ العَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ داعِيَةَ الإنْعامِ في قَلْبِ المُنْعِمِ لَمْ يُنْعِمْ، فَيَكُونُ المُنْعِمُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ.
وثانِيها: أنَّ كُلَّ مَن أنْعَمَ عَلى الغَيْرِ فَإنَّهُ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الإنْعامِ عِوَضًا؛ إمّا ثَوابًا، أوْ ثَناءً، أوْ تَوْصِيلَ حَقٍّ، أوْ تَخْلِيصًا لِلنَّفْسِ مِن خُلُقِ البُخْلِ، وطالِبُ العِوَضِ لا يَكُونُ مُنْعِمًا، فَلا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ في الحَقِيقَةِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَطْلُبُ الكَمالَ؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ، فَكانَتْ عَطاياهُ جُودًا مَحْضًا وإحْسانًا مَحْضًا، فَلا جَرَمَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ، فَثَبَتَ
صفحة ١٨١
أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهُ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ الوُجُودِ، وكُلُّ مُمْكِنِ الوُجُودِ فَإنَّهُ وُجِدَ بِإيجادِ الحَقِّ إمّا ابْتِداءً وإمّا بِواسِطَةٍ، يَنْتُجُ أنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] والحَمْدُ لا مَعْنًى لَهُ إلّا الثَّناءُ عَلى الإنْعامِ، فَلَمّا كانَ لا إنْعامَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ أحَدًا لا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ إلّا اللَّهَ تَعالى.
ورابِعُها: النِّعْمَةُ لا تَكُونُ كامِلَةً إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ مَنفَعَةً، والِانْتِفاعُ بِالشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ حَيًّا مُدْرِكًا، وكَوْنُهُ حَيًّا مُدْرِكًا لا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ خالِيَةً عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ والغَمِّ، وإخْلاءُ المَنافِعِ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ المَنفَعَةَ لا تَكُونُ نِعْمَةً كامِلَةً إلّا إذا كانَتْ آمِنَةً مِن خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وهَذا الأمْرُ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا ثَبَتَ هَذا فالنِّعْمَةُ الكامِلَةُ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ الكامِلَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ بِهَذِهِ البَراهِينِ صِحَّةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَمْدَ عِبارَةٌ عَنْ مَدْحِ الغَيْرِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا مُتَفَضِّلًا، وما لَمْ يَحْصُلْ شُعُورُ الإنْسانِ بِوُصُولِ النِّعْمَةِ إلَيْهِ امْتَنَعَ تَكْلِيفُهُ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ عاجِزًا عَنْ حَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ كَثِيرَةٌ لا يَقْوى عَقْلُ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ عَلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] وإذا امْتَنَعَ وُقُوفُ الإنْسانِ عَلَيْها امْتَنَعَ اقْتِدارُهُ عَلى الحَمْدِ والشُّكْرِ والثَّناءِ اللّائِقِ بِها.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُمْكِنُهُ القِيامُ بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ إذا أقْدَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا خَلَقَ في قَلْبِهِ داعِيَةً إلى فِعْلِ ذَلِكَ الحَمْدِ والشُّكْرِ، وإذا زالَ عَنْهُ العَوائِقُ والحَوائِلُ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنْعامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِواسِطَةِ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وتِلْكَ النِّعَمُ أيْضًا تُوجِبُ الشُّكْرَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالعَبْدُ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالشُّكْرِ والحَمْدِ إلّا عِنْدَ الإتْيانِ بِهِ مِرارًا لا نِهايَةَ لَها، وذَلِكَ مُحالٌ، والمَوْقُوفُ عَلى المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ الإنْسانُ يَمْتَنِعُ مِنهُ الإتْيانُ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ، الثّالِثُ: أنَّ الحَمْدَ والشُّكْرَ لَيْسَ مَعْناهُ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ بِلِسانِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ بَلْ مَعْناهُ عِلْمُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِكَوْنِ المُنْعِمِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ، وكُلُّ ما خَطَرَ بِبالِ الإنْسانِ مِن صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ فَكَمالُ اللَّهِ وجَلالُهُ أعْلى وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ المُتَخَيَّلِ والمُتَصَوَّرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُ الإنْسانِ آتِيًا بِحَمْدِ اللَّهِ وشُكْرِهِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ. الرّابِعُ: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالحَمْدِ والشُّكْرِ مَعْناهُ أنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِ يُقابِلُ الإنْعامَ الصّادِرَ مِنَ المُنْعِمِ بِشُكْرِ نَفْسِهِ وبِحَمْدِ نَفْسِهِ وذَلِكَ بِعِيدٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لا حَدَّ لَها، فَمُقابَلَتُها بِهَذا الِاعْتِقادِ الواحِدِ وبِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ في غايَةِ البُعْدِ.
وثانِيها: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ حَمْدَهُ وشُكْرَهُ يُساوِي نِعَمَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ أشْرَكَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الواسِطِيِّ الشُّكْرُ شِرْكٌ.
وثالِثُها: أنَّ الإنْسانَ مُحْتاجٌ إلى إنْعامِ اللَّهِ في ذاتِهِ وفي صِفاتِهِ وفي أحْوالِهِ، واللَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِ الشّاكِرِينَ وحَمْدِ الحامِدِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مُقابَلَةُ نِعَمِ اللَّهِ بِهَذا الشُّكْرِ وبِهَذا الحَمْدِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ العَبْدَ عاجِزٌ عَنِ الإتْيانِ بِحَمْدِ اللَّهِ وبِشُكْرِهِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَقُلِ احْمَدُوا اللَّهَ، بَلْ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ احْمَدُوا اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، أمّا لَمّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ المَعْنى أنَّ كَمالَ الحَمْدِ حَقُّهُ ومِلْكُهُ، سَواءٌ قَدَرَ الخَلْقُ عَلى الإتْيانِ بِهِ أوْ لَمْ يَقْدِرُوا
صفحة ١٨٢
عَلَيْهِ؛ ونُقِلَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإنْعامِكَ عَلَيَّ، وهو أنْ تُوَفِّقَنِي لِذَلِكَ الشُّكْرِ ؟ فَقالَ: يا داوُدُ، لَمّا عَلِمْتَ عَجْزَكَ عَنْ شُكْرِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي بِحَسَبِ قُدْرَتِكَ وطاقَتِكَ.
الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ نِعْمَةً فَيَقُولُ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: انْظُرُوا إلى عَبْدِي أعْطَيْتُهُ ما لا قَدْرَ لَهُ فَأعْطانِي ما لا قِيمَةَ لَهُ»، وتَفْسِيرُهُ أنَّ اللَّهَ إذا أنْعَمَ عَلى العَبْدِ كانَ ذَلِكَ الإنْعامُ أحَدَ الأشْياءِ المُعْتادَةِ مِثْلَ أنَّهُ كانَ جائِعًا فَأطْعَمَهُ، أوْ كانَ عَطْشانًا فَأرْواهُ، أوْ كانَ عُرْيانًا فَكَساهُ، أمّا إذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ حَمْدٍ أتى بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ فَهو لِلَّهِ، وكُلَّ حَمْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ أحَدٌ مِنَ الحامِدِينَ وأمْكَنَ في حُكْمِ العَقْلِ دُخُولُهُ في الوُجُودِ فَهو لِلَّهِ، وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها مَلائِكَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وساكِنُو أطْباقِ السَّماواتِ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأنْبِياءِ مِن آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي ذَكَرَها جَمِيعُ الأوْلِياءِ والعُلَماءِ، وجَمِيعُ الخَلْقِ وجَمِيعُ المَحامِدِ الَّتِي سَيَذْكُرُونَها إلى وقْتِ قَوْلِهِمْ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] ثُمَّ جَمِيعُ هَذِهِ المَحامِدِ مُتَناهِيَةٌ، وأمّا المَحامِدُ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها هي الَّتِي سَيَأْتُونَ بِها أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، فَكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها داخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ العَبْدِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: «انْظُرُوا إلى عَبْدِي قَدْ أعْطَيْتُهُ نِعْمَةً واحِدَةً لا قَدْرَ لَها، فَأعْطانِي مِنَ الشُّكْرِ ما لا حَدَّ لَهُ ولا نِهايَةَ لَهُ» .
أقُولُ: هاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا مُتَناهِيَةٌ، وقَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدٌ غَيْرُ مُتَناهٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَ المُتَناهِي إذا سَقَطَ مِنهُ المُتَناهِي بَقِيَ الباقِي غَيْرَ مُتَناهٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: عَبْدِي، إذا قُلْتَ: الحَمْدُ لِلَّهِ في مُقابَلَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ فالَّذِي بَقِيَ لَكَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ طاعاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا بُدَّ مِن مُقابَلَتِها بِنِعْمَةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَسْتَحِقُّ العَبْدُ الثَّوابَ الأبَدِيَّ والخَيْرَ السَّرْمَدِيَّ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ العَبْدِ لِلَّهِ يُوجِبُ سَعاداتٍ لا آخِرَ لَها وخَيْراتٍ لا نِهايَةَ لَها.
* * *
الفائِدَةُ التّاسِعَةُ: لا شَكَّ أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَيٌّ فَإنَّهُ يَكْرَهُ عَدَمَ نَفْسِهِ، ولَوْلا أنَّ الوُجُودَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ حَصَلَ بِإيجادِ اللَّهِ وجُودِهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الوُجُودَ نِعْمَةٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مَوْجُودَ في عالَمِ الأرْواحِ والأجْسامِ والعُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ إلّا ولِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ ورَحْمَةٌ وإحْسانٌ، والنِّعْمَةُ والرَّحْمَةُ والإحْسانُ مُوجِبَةٌ لِلْحَمْدِ والشُّكْرِ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ فَلَيْسَ مُرادُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيَّ، بَلِ المُرادُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى النِّعَمِ الصّادِرَةِ مِنهُ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ إنْعامَهُ واصِلٌ إلى كُلِّ ما سِواهُ، فَإذا قالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، كانَ مَعْناهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ، وعَلى كُلِّ مُحْدَثٍ أحْدَثَهُ مِن نُورٍ، وظُلْمَةٍ، وسُكُونٍ، وحَرَكَةٍ، وعَرْشٍ، وكُرْسِيٍّ، وجِنِّيٍّ، وإنْسِيٍّ، وذاتٍ، وصِفَةٍ، وجِسْمٍ، وعَرَضٍ، إلى أبَدِ الآبادِ ودَهْرِ الدّاهِرِينَ، وأنا أشْهَدُ أنَّها بِأسْرِها حَقُّكَ ومِلْكُكَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَكَ فِيها شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ.
الفائِدَةُ العاشِرَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: التَّسْبِيحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّحْمِيدِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ فَما السَّبَبُ هاهُنا في وُقُوعِ البِدايَةِ بِالتَّحْمِيدِ ؟ والجَوابُ أنَّ التَّحْمِيدَ يَدُلُّ عَلى التَّسْبِيحِ دَلالَةَ التَّضَمُّنِ، فَإنَّ التَّسْبِيحَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُبَرَّأٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ مَعَ حُصُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى كَوْنِهِ
صفحة ١٨٣
مُحْسِنًا إلى الخَلْقِ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ رَحِيمًا بِهِمْ، فالتَّسْبِيحُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ تَعالى تامًّا، والتَّحْمِيدُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى فَوْقَ التَّمامِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ الِابْتِداءُ بِالتَّحْمِيدِ أوْلى، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القَوانِينِ الحِكَمِيَّةِ، وأمّا الوَجْهُ اللّائِقُ بِالقَوانِينِ الأُصُولِيَّةِ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكُونُ مُحْسِنًا بِالعِبادِ إلّا إذا كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لِيَعْلَمَ أصْنافَ حاجاتِ العِبادِ، وإلّا إذا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ لِيَقْدِرَ عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، وإلّا إذا كانَ غَنِيًّا عَنْ كُلِّ الحاجاتِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِ الحاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ يَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ حاجَةِ العَبْدِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ مُحْسِنًا لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الِابْتِداءَ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوْلى مِنَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: سُبْحانَ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالماضِي وتَعَلُّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالماضِي فَهو أنَّهُ يَقَعُ شُكْرًا عَلى النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِالمُسْتَقْبَلِ فَهو أنَّهُ يُوجِبُ تَجَدُّدَ النِّعَمِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ النِّعَمَ السّابِقَةَ تُوجِبُ الإقْدامَ عَلى الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالطّاعَةِ، ثُمَّ إذا اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ انْفَتَحَتْ عَلى العَقْلِ والقَلْبِ أبْوابُ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأبْوابُ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ الحَمْدُ بِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالماضِي يُغْلِقُ عَنْكَ أبْوابَ النِّيرانِ، وبِسَبَبِ تَعَلُّقِهِ بِالمُسْتَقْبَلِ يَفْتَحُ لَكَ أبْوابَ الجِنانِ، فَتَأْثِيرُهُ في الماضِي سَدَّ أبْوابَ الحِجابِ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وتَأْثِيرُهُ في المُسْتَقْبَلِ فَتَحَ أبْوابَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِدَرَجاتِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ لِلْعَبْدِ في مَعارِجِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ولا مِفْتاحَ لَها إلّا قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ سُمِّيَتْ سُورَةُ الحَمْدِ بِسُورَةِ الفاتِحَةِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ شَرِيفَةٌ جَلِيلَةٌ لَكِنْ لا بُدَّ مِن ذِكْرِها في مَوْضِعِها وإلّا لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنها، قِيلَ لِلسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ: كَيْفَ يَجِبُ الإتْيانُ بِالطّاعَةِ ؟ قالَ: أنا مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً أسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْ قَوْلِي مَرَّةً واحِدَةً: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَقِيلَ كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: وقَعَ الحَرِيقُ في بَغْدادَ واحْتَرَقَتِ الدَّكاكِينُ والدُّورُ، فَأخْبَرُونِي أنَّ دُكّانِي لَمْ يَحْتَرِقْ فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وكانَ مَعْناهُ أنِّي فَرِحْتُ بِبَقاءِ دُكّانِي حالَ احْتِراقِ دَكاكِينِ النّاسِ، وكانَ حَقُّ الدِّينِ والمُرُوءَةِ أنْ لا أفْرَحَ بِذَلِكَ، فَأنا في الِاسْتِغْفارِ مُنْذُ ثَلاثِينَ سَنَةً عَنْ قَوْلِي: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ وإنْ كانَتْ جَلِيلَةَ القَدْرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ رِعايَةُ مَوْضِعِها، ثُمَّ إنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى العَبْدِ كَثِيرَةٌ، إلّا أنَّها بِحَسَبِ القِسْمَةِ الأُولى مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: نِعَمُ الدُّنْيا، ونِعَمُ الدِّينِ، ونِعَمُ الدِّينِ أفْضَلُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا؛ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وقَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ إجْلالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِن أنْ يَذْكُرَها في مُقابَلَةِ نِعَمِ الدُّنْيا، بَلْ يَجِبُ أنْ لا يَذْكُرَها إلّا عِنْدَ الفَوْزِ بِنِعَمِ الدِّينِ، ثُمَّ نِعَمُ الدِّينِ قِسْمانِ: أعْمالُ الجَوارِحِ، وأعْمالُ القُلُوبِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، ثُمَّ نِعَمُ الدُّنْيا قِسْمانِ: تارَةً تُعْتَبَرُ تِلْكَ النِّعَمُ مِن حَيْثُ هي نِعَمٌ، وتارَةً تُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ إنَّها عَطِيَّةُ المُنْعِمِ، والقِسْمُ الثّانِي أشْرَفُ، فَهَذِهِ مَقاماتٌ يَجِبُ اعْتِبارُها حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ قَوْلِنا: الحَمْدُ لِلَّهِ مُوافِقًا لِمَوْضِعِهِ لائِقًا بِسَبَبِهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: أوَّلُ كَلِمَةٍ ذَكَرَها أبُونا آدَمُ هو قَوْلُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وآخِرُ كَلِمَةٍ يَذْكُرُها أهْلُ الجَنَّةِ هو قَوْلُنا: الحَمْدُ لِلَّهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لَمّا بَلَغَ الرُّوحَ إلى سُرَّتِهِ عَطَسَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وأمّا الثّانِي فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَفاتِحَةُ العالَمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ
صفحة ١٨٤
وخاتِمَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحَمْدِ، فاجْتَهِدْ حَتّى يَكُونَ أوَّلُ أعْمالِكَ وآخِرُها مَقْرُونًا بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ الإنْسانَ عالَمٌ صَغِيرٌ، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْوالُهُ مُوافِقَةً لِأحْوالِ العالَمِ الكَبِيرِ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: قُولُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإضْمارَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِيَصِحَّ الكَلامُ، وهَذا الإضْمارُ يُوجِبُ فَسادَ الكَلامِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِ الحَمْدِ حَقًّا لَهُ ومِلْكًا لَهُ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ في نَفْسِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإضْمارِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ بِحَسَبِ ذاتِهِ وبِحَسَبِ أفْعالِهِ سَواءٌ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ؛ لِأنَّ ما بِالذّاتِ أعْلى وأجَلُّ مِمّا بِالغَيْرِ.
الثّالِثُ: ذَكَرُوا مَسْألَةً في الواقِعاتِ وهي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْوالِدِ أنْ يَقُولَ لِوَلَدِهِ: اعْمَلْ كَذا وكَذا؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَمْتَثِلَ أمْرَهُ فَيَأْثَمَ، بَلْ يَقُولُ: إنَّ كَذا وكَذا يَجِبُ أنْ يُفْعَلَ، ثُمَّ إذا كانَ الوَلَدُ كَرِيمًا فَإنَّهُ يُجِيبُ ويُطِيعُهُ، وإنْ كانَ عاقًّا لَمْ يُشافِهْهُ بِالرَّدِّ، فَيَكُونُ إثْمُهُ أقَلَّ، فَكَذَلِكَ هاهُنا قالَ اللَّهُ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَمَن كانَ مُطِيعًا حَمِدَهُ، ومَن كانَ عاصِيًا إثْمُهُ أقَلُّ.
* * *
الفائِدَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: تَمَسَّكَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ؛ أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقَدْ تَمَسَّكُوا بِهِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن كانَ فِعْلُهُ أشْرَفَ وأكْمَلَ، وكانَتِ النِّعْمَةُ الصّادِرَةُ عَنْهُ أعْلى وأفْضَلَ، كانَ اسْتِحْقاقُهُ لِلْحَمْدِ أكْثَرَ، ولا شَكَّ أنَّ أشْرَفَ المَخْلُوقاتِ هو الإيمانُ، فَلَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ لَكانَ اسْتِحْقاقُ العَبْدِ لِلْحَمْدِ أوْلى وأجَلَّ مِنِ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ لَهُ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ لا بِخَلْقِ العَبْدِ.
الثّانِي: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى قَوْلِهِمْ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، لَوْ كانَ الإيمانُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ وما كانَ فِعْلًا لِلَّهِ لَكانَ قَوْلُهُمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ باطِلًا، فَإنَّ حَمْدَ الفاعِلِ عَلى ما لا يَكُونُ فِعْلًا لَهُ باطِلٌ قَبِيحٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] .
الثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ يَدُلُّ ظاهِرُهُ عَلى أنَّ كُلَّ الحَمْدِ لِلَّهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حَمْدٌ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ كُلُّ الحَمْدِ لِلَّهِ لَوْ كانَ كُلُّ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ، والإيمانُ أفْضَلُ النِّعَمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مِنَ اللَّهِ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ مَدْحٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، ومَدْحُ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَلَمّا بَدَأ كِتابَهُ بِمَدْحِ النَّفْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حالَهُ بِخِلافِ حالِ الخَلْقِ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ ما يَقْبُحُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ أنْ تُقاسَ أفْعالُهُ عَلى أفْعالِ الخَلْقِ، فَقَدْ تَقْبُحُ أشْياءُ مِنَ العِبادِ ولا تَقْبُحُ تِلْكَ الأشْياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يَهْدِمُ أُصُولَ الِاعْتِزالِ بِالكُلِّيَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences