Ar-RaziAl‑Fatihah · 1:5–6

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:5–6, continued

أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ فَأمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ المَوْتُ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِالعِبادَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ جَلالَةِ أمْرِ العِبادَةِ.

وثانِيهِما: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾؛ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأرْبَعَةِ أشْياءَ: التَّسْبِيحُ: وهو قَوْلُه فَسَبِّحْ؛ والتَّحْمِيدُ: وهو قَوْلُهُ: بِحَمْدِ رَبِّكَ؛ والسُّجُودُ: وهو قَوْلُهُ: وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ؛ والعِبادَةُ: وهي قَوْلُهُ: واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العِبادَةَ تُزِيلُ ضِيقَ القَلْبِ، وتُفِيدُ انْشِراحَ الصَّدْرِ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ العِبادَةَ تُوجِبُ الرُّجُوعَ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ زَوالَ ضِيقِ القَلْبِ.

الآيَةُ الثّانِيَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] ولَوْلا أنَّ العُبُودِيَّةَ أشْرَفُ المَقاماتِ، وإلّا لَما وصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ في أعْلى مَقاماتِ المِعْراجِ، ومِنهم مَن قالَ: العُبُودِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ بِالعُبُودِيَّةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، وبِالرِّسالَةِ يَنْصَرِفُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ، وأيْضًا بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ يَنْعَزِلُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وبِسَبَبِ الرِّسالَةِ يُقْبِلُ عَلى التَّصَرُّفاتِ، واللّائِقُ بِالعَبْدِ الِانْعِزالُ عَنِ التَّصَرُّفاتِ، وأيْضًا العَبْدُ يَتَكَفَّلُ المَوْلى بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ، والرَّسُولُ هو المُتَكَفِّلُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الأُمَّةِ، وشَتّانَ ما بَيْنَهُما.

صفحة ٢٠٣

الآيَةُ الثّالِثَةُ في شَرَفِ العُبُودِيَّةِ: أنَّ عِيسى أوَّلَ ما نَطَقَ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وصارَ ذِكْرُهُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ سَبَبًا لِطَهارَةِ أُمِّهِ، ولِبَراءَةِ وُجُودِهِ عَنِ الطَّعْنِ، وصارَ مِفْتاحًا لِكُلِّ الخَيْراتِ، ودافِعًا لِكُلِّ الآفاتِ، وأيْضًا لَمّا كانَ أوَّلُ كَلامِ عِيسى ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ كانَتْ عاقِبَتُهُ الرِّفْعَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ادَّعى العُبُودِيَّةَ بِالقَوْلِ رُفِعَ إلى الجَنَّةِ، والَّذِي يَدَّعِيها بِالعَمَلِ سَبْعِينَ سَنَةً؛ كَيْفَ يَبْقى مَحْرُومًا عَنِ الجَنَّةِ ؟ .

الآيَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] أمَرَهُ بِعْدَ التَّوْحِيدِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ لِأنَ التَّوْحِيدَ أصْلٌ والعُبُودِيَّةَ فَرْعٌ، والتَّوْحِيدُ شَجَرَةٌ والعُبُودِيَّةُ ثَمَرَةٌ، ولا قِوامَ لِأحَدِهِما إلّا بِالآخَرِ، فَهَذِهِ الآياتُ دالَّةٌ عَلى شَرَفِ العُبُودِيَّةِ.

وأمّا المَعْقُولُ فَظاهِرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ مُحْدَثٌ مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَلَوْلا تَأْثِيرُ قُدْرَةِ الحَقِّ فِيهِ لَبَقِيَ في ظُلْمَةِ العَدَمِ وفي فَناءِ الفَناءِ ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ الوُجُودُ فَضْلًا عَنْ كَمالاتِ الوُجُودِ، فَلَمّا تَعَلَّقَتْ قُدْرَةُ الحَقِّ بِهِ وفاضَتْ عَلَيْهِ آثارُ جُودِهِ وإيجادِهِ حَصَلَ لَهُ الوُجُودُ وكَمالاتُ الوُجُودِ ولا مَعْنى لِكَوْنِهِ مَقْدُورَ قُدْرَةِ الحَقِّ، ولِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ إيجادِ الحَقِّ إلّا العُبُودِيَّةُ، فَكُلُّ شَرَفٍ وكَمالٍ وبَهْجَةٍ وفَضِيلَةٍ ومَسَرَّةٍ ومَنقَبَةٍ حَصَلَتْ لِلْعَبْدِ فَإنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ العُبُودِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَ العُبُودِيَّةَ مِفْتاحُ الخَيْراتِ، وعُنْوانُ السَّعاداتِ، ومَطْلَعُ الدَّرَجاتِ، ويَنْبُوعُ الكَراماتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ العَبْدُ: إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ يَقُولُ: كَفى بِي فَخْرًا أنْ أكُونَ لَكَ عَبْدًا، وكَفى بِي شَرَفًا أنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، اللَّهُمَّ إنِّي وجَدْتُكَ إلَهًا كَما أرَدْتَ فاجْعَلْنِي عَبْدًا كَما أرَدْتَ.

الفائِدَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ المَقاماتِ مَحْصُورَةٌ في مَقامَيْنِ: مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ ومَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، وعِنْدَ اجْتِماعِهِما يَحْصُلُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أمّا مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ فَكَمالُها مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَكَوْنُ العَبْدِ مُنْتَقِلًا مِنَ العَدَمِ السّابِقِ إلى الوُجُودِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ إلَهًا، وحُصُولُ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ لِلْعَبْدِ حالَ وُجُودِهِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا، وأحْوالُ مَعادِ العَبْدِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، وعِنْدَ الإحاطَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى أقْصى الغاياتِ، وبَعْدَها جاءَتْ مَعْرِفَةُ العُبُودِيَّةِ، ولَها مَبْدَأٌ وكَمالٌ وأوَّلُ وآخِرُ، أمّا مَبْدَؤُها وأوَّلُها فَهو الِاشْتِغالُ بِالعُبُودِيَّةِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأمّا كَمالُها فَهو أنْ يَعْرِفَ العَبْدُ أنْ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ في تَحْصِيلِ كُلِّ المَطالِبِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولَمّا تَمَّ الوَفاءُ بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ وبِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الفائِدَةِ والثَّمَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ وهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ رَفِيعٌ عالٍ يَمْتَنِعُ في العُقُولِ حُصُولُ تَرْتِيبٍ آخَرَ أشْرَفَ مِنهُ.

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كُلُّهُ مَذْكُورٌ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ انْتِقالٌ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ الخِطابِ، فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُصَلِّيَ كانَ أجْنَبِيًّا عِنْدَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ أثْنى عَلى اللَّهِ بِألْفاظِ المُغايَبَةِ إلى قَوْلِهِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ حَمِدْتَنِي وأقْرَرْتَ بِكَوْنِي إلَهًا رَبًّا رَحْمانًا رَحِيمًا

صفحة ٢٠٤

مالِكًا لِيَوْمِ الدِّينِ، فَنِعْمَ العَبْدُ أنْتَ قَدْ رَفَعْنا الحِجابَ وأبْدَلْنا البُعْدَ بِالقُرْبِ فَتَكَلَّمْ بِالمُخاطَبَةِ وقُلْ إيّاكَ نَعْبُدُ.

الوَجْهُ الثّانِي: إنَّ أحْسَنَ السُّؤالِ ما وقَعَ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ، ألا تَرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَمّا سَألُوا رَبَّهم شافَهُوهُ بِالسُّؤالِ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠]، ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ [الشعراء: ٨٣]، ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ الرَّدَّ مِنَ الكَرِيمِ عَلى سَبِيلِ المُشافَهَةِ والمُخاطَبَةِ بَعِيدٌ، وأيْضًا العِبادَةُ خِدْمَةٌ والخِدْمَةُ في الحُضُورِ أوْلى.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثَناءً، والثَّناءُ في الغَيْبَةِ أوْلى، ومِن قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ دُعاءٌ، والدُّعاءُ في الحُضُورِ أوْلى. الوَجْهُ الرّابِعُ: العَبْدُ لَمّا شَرَعَ في الصَّلاةِ وقالَ نَوَيْتُ أنْ أُصَلِّيَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ فَيَنْوِي حُصُولَ القُرْبَةِ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّيَّةِ أنْواعًا مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فاقْتَضى كَرَمُ اللَّهِ إجابَتَهُ في تَحْصِيلِ تِلْكَ القُرْبَةِ، فَنَقَلَهُ مِن مَقامِ الغَيْبَةِ إلى مَقامِ الحُضُورِ، فَقالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .

* * *

الفَصْلُ السّادِسُ

فِي قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَمِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ القادِرَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَما لَمْ يَحْصُلِ المُرَجَّحُ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحانُ، وذَلِكَ المُرَجَّحُ لَيْسَ مِنَ العَبْدِ، وإلّا لَعادَ في الطَّلَبِ، فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإقْدامُ عَلى الفِعْلِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الحَقَّ والِاعْتِقادَ الصِّدْقَ مَعَ اسْتِوائِهِمْ في القُدْرَةِ والعَقْلِ والجِدِّ والطَّلَبِ، فَفَوْزُ البَعْضِ بِدَرْكِ الحَقِّ لا يَكُونُ إلّا بِإعانَةِ مُعِينٍ، وما ذاكَ المُعِينُ إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ ذَلِكَ المُعِينَ لَوْ كانَ بَشَرًا أوْ مَلَكًا لَعادَ الطَّلَبُ فِيهِ.

الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يُطالَبُ بِشَيْءٍ مُدَّةً مَدِيدَةً ولا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ في أثْناءِ حالٍ أوْ وقْتٍ يَأْتِي بِهِ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، ولا يَتَّفِقُ لَهُ تِلْكَ الحالَةُ إلّا إذا وقَعَتْ داعِيَةٌ جازِمَةٌ في قَلْبِهِ تَدْعُوهُ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَإلْقاءُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في القَلْبِ وإزالَةُ الدَّواعِي المُعارِضَةِ لَها لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا مَعْنى لِلْإعانَةِ إلّا ذَلِكَ.

وأمّا النَّقْلُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ: أُولاها: قَوْلُهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وثانِيتُها: قَوْلُهُ ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقَدِ اضْطَرَبَتِ الجَبْرِيَّةُ والقَدَرِيَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمّا الجَبْرِيَّةُ فَقالُوا: لَوْ كانَ العَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ لَما كانَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى الفِعْلِ فائِدَةٌ، وأمّا القَدَرِيَّةُ فَقالُوا الِاسْتِعانَةُ إنَّما تَحْسُنُ لَوْ كانَ العَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِن أصْلِ الفِعْلِ، فَتَبْطُلُ الإعانَةُ مِنَ الغَيْرِ، أمّا إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الفِعْلِ لَمْ تَكُنْ لِلِاسْتِعانَةِ فائِدَةٌ.

وعِنْدِي أنَّ القُدْرَةَ لا تُؤَثِّرُ في الفِعْلِ إلّا مَعَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ، فالإعانَةُ المَطْلُوبَةُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ وإزالَةِ الدّاعِيَةِ الصّارِفَةِ. ولْنَذْكُرْ ما في هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ اللَّطائِفِ والفَوائِدِ:

الفائِدَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِعانَةُ عَلى العَمَلِ إنَّما تَحْسُنُ قَبْلَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ وهَهُنا ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: كَأنَّ المُصَلِّيَ يَقُولُ: شَرَعْتُ في العِبادَةِ فَأسْتَعِينُ بِكَ في إتْمامِها، فَلا تَمْنَعْنِي مِن إتْمامِها بِالمَوْتِ ولا بِالمَرَضِ ولا بِقَلْبِ الدَّواعِي وتَغَيُّرِها.

الثّانِي: كَأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: يا إلَهِي إنِّي أتَيْتُ بِنَفْسِي إلّا أنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأسْتَعِينُ

صفحة ٢٠٥

بِكَ في إحْضارِهِ وكَيْفَ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ إحْضارُ القَلْبِ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: لا أُرِيدُ في الإعانَةِ غَيْرَكَ لا جِبْرِيلَ ولا مِيكائِيلَ بَلْ أُرِيدُكَ وحْدَكَ وأقْتَدِي في هَذا المَذْهَبِ بِالخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ لَمّا قَيَّدَ نُمْرُوذُ رِجْلَيْهِ ويَدَيْهِ ورَماهُ في النّارِ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَقالَ: سَلْهُ، فَقالَ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، بَلْ رُبَّما أزِيدُ عَلى الخَلِيلِ في هَذا البابِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قُيِّدَ رِجْلاهُ ويَداهُ لا غَيْرَ، وأمّا أنا فَقُيِّدَتْ رِجْلَيَّ فَلا أسِيرُ، ويَدَيَّ فَلا أُحَرِّكُهُما، وعَيْنَيَّ فَلا أنْظُرُ بِهِما، وأُذُنَيَّ فَلا أسْمَعُ بِهِما، ولِسانِي فَلا أتَكَلَّمُ بِهِ، وكانَ الخَلِيلُ مُشْرِفًا عَلى نارِ نُمْرُوذَ وأنا مُشْرِفٌ عَلى نارِ جَهَنَّمَ، فَكَما لَمْ يَرْضَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِغَيْرِكَ مُعِينًا فَكَذَلِكَ لا أُرِيدُ مُعِينًا غَيْرَكَ، فَإيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أتَيْتَ بِفِعْلِ الخَلِيلِ وزِدْتَ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نَزِيدُ أيْضًا في الجَزاءِ لِأنّا ثَمَّتَ قُلْنا: ﴿يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] وأمّا أنْتَ فَقَدْ نَجَّيْناكَ مِنَ النّارِ، وأوْصَلْناكَ إلى الجَنَّةِ، وزِدْناكَ سَماعَ الكَلامِ القَدِيمِ، ورُؤْيَةَ المَوْجُودِ القَدِيمِ، وكَما أنّا قُلْنا لِنارِ نُمْرُوذَ ”﴿يانارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾“ فَكَذَلِكَ تَقُولُ لَكَ نارُ جَهَنَّمَ: «جُزْ يا مُؤْمِنُ قَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي» .

الرّابِعُ: إيّاكَ نَسْتَعِينُ: أيْ: لا أسْتَعِينُ بِغَيْرِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ لا يُمْكِنُهُ إعانَتِي إلّا إذا أعَنْتَهُ عَلى تِلْكَ الإعانَةِ، فَإذا كانَتْ إعانَةُ الغَيْرِ لا تَتِمُّ إلّا بِإعانَتِكَ فَلْنَقْطَعْ هَذِهِ الواسِطَةَ ولْنَقْتَصِرْ عَلى إعانَتِكَ.

الوَجْهُ الخامِسُ: قَوْلُهُ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ رُتْبَةٍ عَظِيمَةٍ لِلنَّفْسِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُورِثُ العُجْبَ فَأرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ العِبادَةِ ما حَصَلَتْ مِن قُوَّةِ العَبْدِ، بَلْ إنَّما حَصَلَتْ بِإعانَةِ اللَّهِ فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قَوْلِهِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إزالَةُ العُجْبِ، وإفْناءُ تِلْكَ النَّخْوَةِ والكِبْرِ.

1:6Page 1

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦

Guide us to the straight path -

الفَصْلُ السّابِعُ

فِي قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، وفِيهِ فَوائِدُ

الفائِدَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُصَلِّي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا، وكُلُّ مُؤْمِنٍ مُهْتَدٍ، فالمُصَلِّي مُهْتَدٍ، فَإذا قالَ اهْدِنا كانَ جارِيًا مَجْرى أنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ الهِدايَةُ فَإنَّهُ يَطْلُبُ الهِدايَةَ فَكانَ هَذا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنَّهُ مُحالٌ، والعُلَماءُ أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ صِراطُ الأوَّلِينَ في تَحَمُّلِ المَشاقِ العَظِيمَةِ لِأجْلِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى. يُحْكى أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُضْرَبُ في كُلِّ يَوْمٍ كَذا مَرّاتٍ بِحَيْثُ يُغْشى عَلَيْهِ، وكانَ يَقُولُ في كُلِّ مَرَّةٍ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» . فَإنْ قِيلَ: إنَّ رَسُولَنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما قالَ ذَلِكَ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، وهو كانَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ مَرّاتٍ فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أفْضَلَ مِنهُ، والجَوابُ: لَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ طَلَبَ تِلْكَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَقْرَأُ الفاتِحَةَ في كُلِّ يَوْمٍ كَذا مَرَّةٍ كانَ تَكَلُّمُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أكْثَرَ مِن تَكَلُّمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها.

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ العُلَماءَ بَيَّنُوا أنَّ في كُلِّ خُلُقٍ مِنَ الأخْلاقِ طَرَفَيْ تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ، وهُما مَذْمُومانِ، والحَقُّ هو الوَسَطُ، ويَتَأكَّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وذَلِكَ الوَسَطُ هو العَدْلُ والصَّوابُ، فالمُؤْمِنُ بَعْدَ أنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ صارَ مُؤْمِنًا مُهْتَدِيًا، أمّا بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ

صفحة ٢٠٦

الحالَةِ فَلا بُدَّ مِن مَعْرِفَةِ العَدْلِ الَّذِي هو الخَطُّ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الأعْمالِ الشَّهْوانِيَّةِ وفي الأعْمالِ الغَضَبِيَّةِ وفي كَيْفِيَّةِ إنْفاقِ المالِ، فالمُؤْمِنُ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو الوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في كُلِّ الأخْلاقِ وفي كُلِّ الأعْمالِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُؤْمِنَ إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلٍ واحِدٍ فَلا مَوْجُودَ مِن أقْسامِ المُمْكِناتِ إلّا وفِيهِ دَلائِلُ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وجُودِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ. ورُبَّما صَحَّ دِينُ الإنْسانِ بِالدَّلِيلِ الواحِدِ وبَقِيَ غافِلًا عَنْ سائِرِ الدَّلائِلِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ مَعْناهُ عَرِّفْنا يا إلَهَنا ما في كُلِّ شَيْءٍ مِن كَيْفِيَّةِ دَلالَتِهِ عَلى ذاتِكَ وصِفاتِكَ وقُدْرَتِكَ وعِلْمِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالسُّؤالُ زائِلٌ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] وقالَ أيْضًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وذَلِكَ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُعْرِضًا عَمّا سِوى اللَّهِ مُقْبِلًا بِكُلِّيَّةِ قَلْبِهِ وفِكْرِهِ وذِكْرِهِ عَلى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُرادُ أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، مِثالُهُ: أنْ يَصِيرَ بِحَيْثُ لَوْ أُمِرَ بِذَبْحِ ولَدِهِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَنْقادَ لِيَذْبَحَهُ غَيْرُهُ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَرْمِيَ نَفْسَهُ في البَحْرِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَتَّلْمَذَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ في المَنصِبِ إلى أعْلى الغاياتِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَوْ أُمِرَ بِأنْ يَصْبِرَ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى القَتْلِ والتَّفْرِيقِ نِصْفَيْنِ لَأطاعَ كَما فَعَلَهُ يَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ هو الِاقْتِداءُ بِأنْبِياءِ اللَّهِ في الصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ والثَّباتِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مَقامٌ شَدِيدٌ هائِلٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ لا طاقَةَ لَهم بِهِ، إلّا أنّا نَقُولُ: أيُّها النّاسُ، لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّهُ لا يَضِيقُ أمْرٌ في دِينِ اللَّهِ إلّا اتَّسَعَ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى اليُسْرِ والسُّهُولَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ صِراطَ الَّذِينَ ضَرَبُوا وقَتَلُوا بَلْ قالَ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فَلْتَكُنْ نِيَّتُكَ عِنْدَ قِراءَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَقُولَ: يا إلَهِي، إنَّ والِدِي رَأيْتُهُ ارْتَكَبَ الكَبائِرَ كَما ارْتَكَبْتُها، وأقْدَمَ عَلى المَعاصِي كَما أقْدَمْتُ عَلَيْها، ثُمَّ رَأيْتُهُ لَمّا قَرُبَ مَوْتُهُ تابَ وأنابَ فَحَكَمْتَ لَهُ بِالنَّجاةِ مِنَ النّارِ والفَوْزِ بِالجَنَّةِ فَهو مِمَّنْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأنْ وفَّقْتَهُ لِلتَّوْبَةِ، ثُمَّ أنْعَمْتَ عَلَيْهِ بِأنْ قَبِلْتَ تَوْبَتَهُ، فَأنا أقُولُ: اهْدِنا إلى مِثْلِ ذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طَلَبًا لِمَرْتَبَةِ التّائِبِينَ، فَإذا وجَدْتَها فاطْلُبِ الِاقْتِداءَ بِدَرَجاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ .

الوَجْهُ الخامِسُ: كَأنَّ الإنْسانَ يَقُولُ في الطَّرِيقِ: كَثْرَةُ الأحْبابِ يَجُرُّونَنِي إلى طَرِيقٍ، والأعْداءُ إلى طَرِيقٍ ثانٍ، والشَّيْطانُ إلى طَرِيقٍ ثالِثٍ، وكَذا القَوْلُ في الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِقْدِ والحَسَدِ، وكَذا القَوْلُ في التَّعْطِيلِ والتَّشْبِيهِ والجَبْرِ والقَدَرِ والإرْجاءِ والوَعِيدِ والرَّفْضِ والخُرُوجِ، والعَقْلُ ضَعِيفٌ، والعُمْرُ قَصِيرٌ، والصِّناعَةُ طَوِيلَةٌ، والتَّجْرِبَةُ خَطِرَةٌ، والقَضاءُ عَسِيرٌ، وقَدْ تَحَيَّرْتُ في الكُلِّ فاهْدِنِي إلى طَرِيقٍ أخْرُجُ مِنهُ إلى الجَنَّةِ. والمُسْتَقِيمُ: السَّوِيُّ الَّذِي لا غِلَظَ فِيهِ.

يُحْكى عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ أنَّهُ كانَ يَسِيرُ إلى بَيْتِ اللَّهِ، فَإذا أعْرابِيٌّ عَلى ناقَةٍ لَهُ فَقالَ: يا شَيْخُ إلى

صفحة ٢٠٧

أيْنَ ؟ فَقالَ إبْراهِيمُ: إلى بَيْتِ اللَّهِ، قالَ كَأنَّكَ مَجْنُونٌ لا أرى لَكَ مَرْكَبًا ولا زادًا، والسَّفَرُ طَوِيلٌ، فَقالَ إبْراهِيمُ: إنَّ لِي مَراكِبَ كَثِيرَةً ولَكِنَّكَ لا تَراها، قالَ: وما هي ؟ قالَ: إذا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الصَّبْرِ، وإذا نَزَلَ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الشُّكْرِ، وإذا نَزَلَ بِيَ القَضاءُ رَكِبْتُ مَرْكَبَ الرِّضا، وإذا دَعَتْنِي النَّفْسُ إلى شَيْءٍ عَلِمْتُ أنَّ ما بَقِيَ مِنَ العُمُرِ أقَلُّ مِمّا مَضى، فَقالَ الأعْرابِيُّ: سِرْ بِإذْنِ اللَّهِ فَأنْتَ الرّاكِبُ وأنا الرّاجِلُ.

الوَجْهُ السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الإسْلامُ، وقالَ بَعْضُهم: القُرْآنُ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: اهْدِنا صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ومَن تَقَدَّمَنا مِنَ الأُمَمِ ما كانَ لَهُمُ القُرْآنُ والإسْلامُ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ اهْدِنا صِراطَ المُحِقِّينَ المُسْتَحِقِّينَ لِلْجَنَّةِ، وإنَّما قالَ الصِّراطَ ولَمْ يَقُلِ السَّبِيلَ ولا الطَّرِيقَ وإنْ كانَ الكُلُّ واحِدًا لِيَكُونَ لَفْظُ الصِّراطِ مُذَكِّرًا لِصِراطِ جَهَنَّمَ فَيَكُونُ الإنْسانُ عَلى مَزِيدِ خَوْفٍ وخَشْيَةٍ.

القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ (اهْدِنا): أيْ ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ الَّتِي وهَبْتَها مِنّا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] أيْ: ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ فَكَمْ مِن عالِمٍ وقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ في خاطِرِهِ فَزاغَ وذَلَّ وانْحَرَفَ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ قالَ: اهْدِنا ولَمْ يَقُلْ: اهْدِنِي ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ أنَّ الدُّعاءَ كُلَّما كانَ أعَمَّ كانَ إلى الإجابَةِ أقْرَبُ. كانَ بَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ لِتَلامِذَتِهِ: إذا قَرَأْتُمْ في خُطْبَةِ السّابِقِ ”ورَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ“ إنْ نَوَيْتَنِي في قَوْلِكَ ”رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ“ فَحَسَنٌ، وإلّا فَلا حَرَجَ، ولَكِنْ إيّاكَ وأنْ تَنْسانِي في قَوْلِكَ ”وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ“ لِأنَّ قَوْلَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ تَخْصِيصٌ بِالدُّعاءِ فَيَجُوزُ أنْ لا يُقْبَلَ، وأمّا قَوْلُهُ وعَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في المُسْلِمِينَ مَن يَسْتَحِقُّ الإجابَةَ، وإذا أجابَ اللَّهُ الدُّعاءَ في البَعْضِ فَهو أكْرَمُ مِن أنْ يَرُدَّهُ في الباقِي، ولِهَذا السَّبَبِ فَإنَّ السُّنَّةَ إذا أرادَ أنْ يَذْكُرَ دُعاءً أنْ يُصَلِّيَ أوَّلًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يَخْتِمُ الكَلامَ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ثانِيًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُجِيبُ الدّاعِيَ في صَلاتِهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ إذا أُجِيبَ في طَرَفَيْ دُعائِهِ امْتَنَعَ أنْ يُرَدَّ في وسَطِهِ.

الثّانِي: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ادْعُوا اللَّهَ بِألْسِنَةٍ ما عَصَيْتُمُوهُ بِها، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن لَنا بِتِلْكَ الألْسِنَةِ ؟ قالَ يَدْعُو بَعْضُكم لِبَعْضٍ؛ لِأنَّكَ ما عَصَيْتَ بِلَسانِهِ وهو ما عَصى بِلِسانِكَ» .

والثّالِثُ: كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّها العَبْدُ، ألَسْتَ قُلْتَ في أوَّلِ السُّورَةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وما قُلْتَ: أحْمَدُ اللَّهَ فَذَكَرْتَ أوَّلًا حَمْدَ جَمِيعِ الحامِدِينَ فَكَذَلِكَ في وقْتِ الدُّعاءِ أشْرِكْهم فَقُلِ اهْدِنا.

الرّابِعُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَكَ يَقُولُ: الجَماعَةُ رَحْمَةٌ، والفُرْقَةُ عَذابٌ، فَلَمّا أرَدْتُ تَحْمِيدَكَ ذَكَرْتُ حَمْدَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ الحَمْدُ لِلَّهِ، ولَمّا ذَكَرْتُ العِبادَةَ ذَكَرْتُ عِبادَةَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ إيّاكَ نَعْبُدُ، ولَمّا ذَكَرْتُ الِاسْتِعانَةَ ذَكَرْتُ اسْتِعانَةَ الجَمِيعِ فَقُلْتُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، فَلا جَرَمَ لَمّا طَلَبْتُ الهِدايَةَ طَلَبْتُها لِلْجَمِيعِ فَقُلْتُ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، ولَمّا طَلَبْتُ الِاقْتِداءَ بِالصّالِحِينَ طَلَبْتُ الِاقْتِداءَ بِالجَمِيعِ فَقُلْتُ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، ولَمّا طَلَبْتُ الفِرارَ مِنَ المَرْدُودِينَ فَرَرْتُ مِنَ الكُلِّ فَقُلْتُ: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ، فَلَمّا لَمْ أُفارِقِ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ في الدُّنْيا فَأرْجُو أنْ لا أُفارِقَهم في القِيامَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٩] .

صفحة ٢٠٨

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أهْلَ الهَنْدَسَةِ قالُوا: الخَطُّ المُسْتَقِيمُ هو أقْصَرُ خَطٍّ يَصِلُ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، فالحاصِلُ أنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ أقْصَرُ مِن جَمِيعِ الخُطُوطِ المُعْوَجَّةِ، فَكَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أقْرَبُ الخُطُوطِ وأقْصَرُها، وأنا عاجِزٌ فَلا يَلِيقُ بِضَعْفِي إلّا الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ.

الثّانِي: أنَّ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ وما عَداهُ مُعْوَجَّةٌ وبَعْضُها يُشْبِهُ بَعْضًا في الِاعْوِجاجِ فَيَشْتَبِهُ الطَّرِيقُ عَلَيَّ، أمّا المُسْتَقِيمُ فَلا يُشابِهُهُ غَيْرُهُ فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الخَوْفِ والآفاتِ وأقْرَبَ إلى الأمانِ.

الثّالِثُ: الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ يُوصِلُ إلى المَقْصُودِ، والمُعْوَجُّ لا يُوصِلُ إلَيْهِ.

والرّابِعُ: المُسْتَقِيمُ لا يَتَغَيَّرُ، والمُعْوَجُّ يَتَغَيَّرُ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ سَألَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском