Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:11–14
10:11Page 209
۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١
And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّ ابْتِداءَ هَذِهِ السُّورَةِ في ذِكْرِ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها.
فالشُّبْهَةُ الأُولى أنَّ القَوْمَ تَعَجَّبُوا مِن تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنُّبُوَّةِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ التَّعَجُّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] ثُمَّ ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ودَلائِلَ صِحَّةِ المَعادِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ يَقُولُ: إنِّي ما جِئْتُكم إلّا بِالتَّوْحِيدِ والإقْرارِ بِالمَعادِ، وقَدْ دَلَّلْتُ عَلى صِحَّتِها، فَلَمْ يَبْقَ لِلتَّعَجُّبِ مِن نُبُوَّتِي مَعْنًى.
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِلْقَوْمِ: أنَّهم كانُوا أبَدًا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ. فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. فَهَذا هو الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ. ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ فِيهِ وُجُوهًا أُخْرى:
فالأوَّلُ: قالَ القاضِي: لَمّا بَيَّنَ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ الوَعْدَ والوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ مِن حَقِّهِما أنْ يَتَأخَّرا عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّ حُصُولَهُما في الدُّنْيا كالمانِعِ مِن بَقاءِ التَّكْلِيفِ.
والثّانِي ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِأنَّهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها وكانُوا عَنْ آياتِ اللَّهِ غافِلِينَ؛ بَيَّنَ أنَّ مِن غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ جَهْلًا مِنهم وسَفَهًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مَتى خُوِّفُوا بِنُزُولِ العَذابِ في الدُّنْيا اسْتَعْجَلُوا ذَلِكَ العَذابَ كَما قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقالَ تَعالى: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآيَةَ. ثُمَّ إنَّهم لَمّا تُوُعِّدُوا بِعَذابِ الآخِرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ اسْتَعْجَلُوا ذَلِكَ العَذابَ، وقالُوا: مَتى يَحْصُلُ ذَلِكَ ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقالَ في هَذِهِ
صفحة ٤٠
السُّورَةِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١] وقالَ في سُورَةِ الرَّعْدِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا مَصْلَحَةَ لَهم في تَعْجِيلِ إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أوْصَلَ ذَلِكَ العِقابَ إلَيْهِمْ لَماتُوا وهَلَكُوا؛ لِأنَّ تَرْكِيبَهم في الدُّنْيا لا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، ولا صَلاحَ في إماتَتِهِمْ، فَرُبَّما آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ورُبَّما خَرَجَ مِن صُلْبِهِمْ مَن كانَ مُؤْمِنًا، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يُعاجِلَهم بِإيصالِ ذَلِكَ الشَّرِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ قابَلَ التَّعَجُّلَ بِالِاسْتِعْجالِ، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقابِلَ التَّعْجِيلَ بِالتَّعْجِيلِ، والِاسْتِعْجالَ بِالِاسْتِعْجالِ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أصْلُ هَذا الكَلامِ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لَهُمُ الخَيْرَ، إلّا أنَّهُ وضَعَ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطَلَبِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهم.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: حَقِيقَةُ قَوْلِكَ: عَجَّلْتُ فُلانًا: طَلَبْتَ عَجَلَتَهُ، وكَذَلِكَ عَجَّلَتُ الأمْرَ: إذا أتَيْتَ بِهِ عاجِلًا، كَأنَّكَ طَلَبْتَ فِيهِ العَجَلَةَ، والِاسْتِعْجالُ أشْهَرُ وأظْهَرُ في هَذا المَعْنى، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ: لَوْ أرادَ اللَّهُ عَجَلَةَ الشَّرِّ لِلنّاسِ كَما أرادُوا عَجَلَةَ الخَيْرِ لَهم لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم، قالَ صاحِبُ هَذا الوَجْهِ: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى العُدُولِ عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَن عَجَّلَ شَيْئًا فَقَدْ طَلَبَ تَعْجِيلَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن كانَ مُعَجِّلًا كانَ مُسْتَعْجِلًا، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَوِ اسْتَعْجَلَ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِتَكْوِينِ العَجَلَةِ ووَصَفَهم بِطَلَبِها؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِهِ تَعالى هو التَّكْوِينُ، واللّائِقُ بِهِمْ هو الطَّلَبُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى العَذابَ شَرًّا في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ أذًى في حَقِّ المُعاقَبِ ومَكْرُوهٌ عِنْدَهُ، كَما أنَّهُ سَمّاهُ سَيِّئَةً في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”لَقَضى“ بِفَتْحِ اللّامِ والقافِ ”أجَلَهم“ بِالنَّصْبِ، يَعْنِي: لَقَضى اللَّهُ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”لَقَضى إلَيْهِمْ أجَلَهم“ وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الياءِ (أجَلُهم) بِالرَّفْعِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: المُرادُ مِنِ اسْتِعْجالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الخَيْرَ هو أنَّهم كانُوا عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ يَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى بِكَشْفِها، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النمل: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ .
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: كَيْفَ اتَّصَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بِما قَبْلَهُ ؟ وما مَعْناهُ ؟
وجَوابُهُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نَفْيِ التَّعْجِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ، ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجَلَهم فَيَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ؛ أيْ: فَيُمْهِلُهم مَعَ طُغْيانِهِمْ؛ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالطُّغْيانِ والعَمَهِ امْتَنَعَ أنْ لا يَكُونُوا كَذَلِكَ،
صفحة ٤١
وإلّا لَزِمَ أنْ يَنْقَلِبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا وعِلْمُهُ جَهْلًا وحُكْمُهُ باطِلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هَذا كَلَّفَهم، وذَلِكَ يَكُونُ جارِيًا مَجْرى التَّكْلِيفِ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
10:12Page 209
وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢
And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ العَذابَ عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا لَهَلَكَ ولَقُضِيَ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ ضَعْفِهِ ونِهايَةِ عَجْزِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ عَلَيْهِ العَذابَ لَماتَ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ في نُزُولِ العَذابِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ الطَّلَبِ والِاسْتِعْجالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِالإنْسانِ أدْنى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ ويُؤْذِيهِ، فَإنَّهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَتِهِ عَنْهُ وفي دَفْعِهِ عَنْهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ صادِقًا في هَذا الطَّلَبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الإنْسانَ قَلِيلُ الصَّبْرِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، قَلِيلُ الشُّكْرِ عِنْدَ وِجْدانِ النَّعْماءِ والآلاءِ، فَإذا مَسَّهُ الضُّرُّ أقْبَلَ عَلى التَّضَرُّعِ والدُّعاءِ مُضْطَجِعًا أوْ قائِمًا أوْ قاعِدًا، مُجْتَهِدًا في ذَلِكَ الدُّعاءِ، طالِبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إزالَةَ تِلْكَ المِحْنَةِ وتَبْدِيلَها بِالنِّعْمَةِ والمِنحَةِ، فَإذا كَشَفَ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ بِالعافِيَةِ أعْرَضَ عَنِ الشُّكْرِ، ولَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ الضُّرَّ ولَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ الإنْعامِ، وصارَ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَدْعُ اللَّهَ تَعالى لِكَشْفِ ضُرِّهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ طَبِيعَةِ الإنْسانِ وشِدَّةِ اسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ والشَّهْوَةِ عَلَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَذْمُومَةٌ، بَلِ الواجِبُ عَلى الإنْسانِ العاقِلِ أنْ يَكُونَ صابِرًا عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ، شاكِرًا عِنْدَ الفَوْزِ بِالنَّعْماءِ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ كَثِيرَ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ في أوْقاتِ الرّاحَةِ والرَّفاهِيَةِ، حَتّى يَكُونَ مُجابَ الدَّعْوَةِ في وقْتِ المِحْنَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«مَن سَرَّهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ عِنْدَ الكَرْبِ والشَّدائِدِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ عِنْدَ الرَّخاءِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ المُؤْمِنَ إذا ابْتُلِيَ بِبَلِيَّةٍ ومِحْنَةٍ وجَبَ عَلَيْهِ رِعايَةُ أُمُورٍ، فَأوَّلُها: أنْ يَكُونَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مُعْتَرِضٍ بِالقَلْبِ واللِّسانِ عَلَيْهِ. وإنَّما وجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مالِكٌ عَلى الإطْلاقِ ومَلِكٌ بِالِاسْتِحْقاقِ. فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ومِلْكِهِ ما شاءَ كَما يَشاءُ، ولِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ عَلى الإطْلاقِ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ الباطِلِ والعَبَثِ، فَكُلُّ ما فَعَلَهُ فَهو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى إنْ أبْقى عَلَيْهِ تِلْكَ المِحْنَةَ فَهو عَدْلٌ، وإنْ أزالَها عَنْهُ فَهو فَضْلٌ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَرْكُ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. وثانِيها: أنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إنِ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والثَّناءِ عَلَيْهِ بَدَلًا عَنِ الدُّعاءِ كانَ أفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِكايَةً عَنْ رَبِّ العِزَّةِ ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “ ولِأنَّ الِاشْتِغالَ
صفحة ٤٢
بِالذِّكْرِ اشْتِغالٌ بِالحَقِّ، والِاشْتِغالَ بِالدُّعاءِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، ثُمَّ إنِ اشْتَغَلَ بِالدُّعاءِ وجَبَ أنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ أنْ يَكُونَ إزالَتُهُ صَلاحًا في الدِّينِ، وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ راجِحًا عِنْدَهُ عَلى الدُّنْيا. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أزالَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبالِغَ في الشُّكْرِ، وأنْ لا يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ الشُّكْرِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وأحْوالِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فَهَذا هو الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ. وهاهُنا مَقامٌ آخَرُ أعْلى وأفْضَلُ مِمّا ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا: إنَّ مَن كانَ في وقْتِ وِجْدانِ النِّعْمَةِ مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ لا بِالمُنْعِمِ كانَ عِنْدَ البَلِيَّةِ مَشْغُولًا بِالبَلاءِ لا بِالمُبْلِي، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ أبَدًا في البَلاءِ، أمّا في وقْتِ البَلاءِ فَلا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ في البَلاءِ، وأمّا في وقْتِ حُصُولِ النَّعْماءِ فَإنَّ خَوْفَهُ مِن زَوالِها يَكُونُ أشَدَّ أنْواعِ البَلاءِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ كُلَّما كانَتْ أكْمَلَ وألَذَّ وأقْوى وأفْضَلَ كانَ خَوْفُ زَوالِها أشَدَّ إيذاءً وأقْوى إيحاشًا، فَثَبَتَ أنَّ مَن كانَ مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ كانَ أبَدًا في لُجَّةِ البَلِيَّةِ. أمّا مَن كانَ في وقْتِ النِّعْمَةِ مَشْغُولًا بِالمُنْعِمِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ في وقْتِ البَلاءِ مَشْغُولًا بِالمُبْلِي، وإذا كانَ المُنْعِمُ والمُبْلِي واحِدًا كانَ نَظَرُهُ أبَدًا عَلى مَطْلُوبٍ واحِدٍ، وكانَ مَطْلُوبُهُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ مُقَدَّسًا عَنِ التَّبَدُّلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ في وقْتِ البَلاءِ وفي وقْتِ النَّعْماءِ غَرِقًا في بَحْرِ السَّعاداتِ، واصِلًا إلى أقْصى الكَمالاتِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ البَيانِ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في (الإنْسانَ) في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ الكافِرُ، ومِنهم مَن بالَغَ وقالَ: كُلُّ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ ورَدَ فِيهِ ذِكْرُ الإنْسانِ فالمُرادُ هو الكافِرُ، وهَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٦ - ٧] لا شُبْهَةَ في أنَّ المُؤْمِنَ داخِلٌ فِيهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الدهر: ١] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] فالَّذِي قالُوهُ بَعِيدٌ، بَلِ الحَقُّ أنْ نَقُولَ: اللَّفْظُ المُفْرَدُ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ حُكْمُهُ أنَّهُ إذا حَصَلَ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ هُناكَ مَعْهُودٌ سابِقٌ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ صَوْنًا لَهُ عَنِ الإجْمالِ والتَّعْطِيلِ. ولَفْظُ (الإنْسانَ) هاهُنا لائِقٌ بِالكافِرِ؛ لِأنَّ العَمَلَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِ البَتَّةَ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ وجْهانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ذِكْرُ أحْوالِ الدُّعاءِ فَقَوْلُهُ: ﴿لِجَنْبِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِدَلِيلِ عَطْفِ الحالَيْنِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: دَعانا مُضْطَجِعًا أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا.
فَإنْ قالُوا: فَما فائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ ؟
قُلْنا: مَعْناهُ: إنَّ المَضْرُورَ لا يَزالُ داعِيًا لا يَفْتُرُ عَنِ الدُّعاءِ إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ الضُّرُّ، سَواءٌ كانَ مُضْطَجِعًا أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ تَعْدِيدًا لِأحْوالِ الضُّرِّ، والتَّقْدِيرُ: وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا دَعانا، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الدُّعاءِ أقْرَبُ إلى هَذِهِ الأحْوالِ مِن ذِكْرِ الضُّرِّ، ولِأنَّ القَوْلَ بِأنَّ هَذِهِ الأحْوالَ أحْوالٌ لِلدُّعاءِ يَقْتَضِي مُبالَغَةَ الإنْسانِ في الدُّعاءِ، ثُمَّ إذا تَرَكَ الدُّعاءَ بِالكُلِّيَّةِ وأعْرَضَ عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أعْجَبَ.
صفحة ٤٣
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿مَرَّ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ الأُولى قَبْلَ مَسِّ الضُّرِّ ونَسِيَ حالَ الجُهْدِ.
الثّانِي: مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ لا عَهْدَ لَهُ بِهِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا، ثُمَّ أسْقَطَ الضَّمِيرَ عَنْهُ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ [يونس: ٤٥] قالَ الحَسَنُ: نَسِيَ ما دَعا اللَّهَ فِيهِ، وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِ في إزالَةِ ذَلِكَ البَلاءِ عَنْهُ:
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ﴾ (إذا) مَوْضُوعَةٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا﴾ وهَذا لِلْماضِي، فَهَذا النَّظْمُ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ هَكَذا كانَ فِيما مَضى، وهَكَذا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ. فَدَلَّ ما في الآيَةِ مِنَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى ما فِيهِ مِنَ المَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وما فِيهِ مِنَ الفِعْلِ الماضِي عَلى ما فِيهِ مِنَ المَعْنى الماضِي، وأقُولُ: البُرْهانُ العَقْلِيُّ مُساعِدٌ عَلى هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ جُبِلَ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ وقِلَّةِ الصَّبْرِ، وجُبِلَ أيْضًا عَلى الغُرُورِ والبَطَرِ والنِّسْيانِ والتَّمَرُّدِ والعُتُوِّ، فَإذا نَزَلَ بِهِ البَلاءُ حَمَلَهُ ضَعْفُهُ وعَجْزُهُ عَلى كَثْرَةِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وإظْهارِ الخُضُوعِ والِانْقِيادِ، وإذا زالَ البَلاءُ ووَقَعَ في الرّاحَةِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ النِّسْيانُ فَنَسِيَ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ، ووَقَعَ في البَغْيِ والطُّغْيانِ والجُحُودِ والكُفْرانِ. فَهَذِهِ الأحْوالُ مِن نَتائِجِ طَبِيعَتِهِ ولَوازِمِ خِلْقَتِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَؤُلاءِ المَساكِينُ مَعْذُورُونَ ولا عُذْرَ لَهم.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا المُزَيِّنَ هو اللَّهُ تَعالى أوِ النَّفْسُ أوِ الشَّيْطانُ، فَرْعٌ عَلى مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدْرِ وهو مَعْلُومٌ.
البَحْثُ الثّانِي: في بَيانِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ سَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ الكافِرَ مُسْرِفًا. وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: الكافِرُ مُسْرِفٌ في نَفْسِهِ وفي مالِهِ ومُضَيِّعٌ لَهُما؛ أمّا في النَّفْسِ فَلِأنَّهُ جَعَلَها عَبْدًا لِلْوَثَنِ، وأمّا في المالِ فَلِأنَّهم كانُوا يُضَيِّعُونَ أمْوالَهم في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والِحامِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ القاضِي: إنَّ مَن كانَتْ عادَتُهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ كَثِيرَ التَّضَرُّعِ والدُّعاءِ، وعِنْدَ زَوالِ البَلاءِ ونُزُولِ الآلاءِ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مُتَغافِلًا عَنْهُ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِشُكْرِهِ، كانَ مُسْرِفًا في أمْرِ دِينِهِ مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ في الغَفْلَةِ عَنْهُ، ولا شُبْهَةَ في أنَّ المَرْءَ كَما يَكُونُ مُسْرِفًا في الإنْفاقِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ مُسْرِفًا فِيما يَتْرُكُهُ مِن واجِبٍ أوْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ مِن قَبِيحٍ، إذا تَجاوَزَ الحَدَّ فِيهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي خَطَرَ بِالبالِ في هَذا الوَقْتِ، أنَّ المُسْرِفَ هو الَّذِي يُنْفِقُ المالَ الكَثِيرَ لِأجْلِ الغَرَضِ الخَسِيسِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها خَسِيسَةٌ جِدًّا في مُقابَلَةِ سَعاداتِ الدّارِ الآخِرَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْطاهُ الحَواسَّ والعَقْلَ والفَهْمَ والقُدْرَةَ لِاكْتِسابِ تِلْكَ السَّعاداتِ العَظِيمَةِ، فَمَن بَذَلَ هَذِهِ الآلاتِ الشَّرِيفَةَ لِأجْلِ أنْ يَفُوزَ بِهَذِهِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ الخَسِيسَةِ، كانَ قَدْ أنْفَقَ أشْياءَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً لِأجْلِ أنْ يَفُوزَ بِأشْياءَ حَقِيرَةٍ خَسِيسَةٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مِنَ المُسْرِفِينَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ لِلتَّشْبِيهِ. والمَعْنى: كَما زُيِّنَ لِهَذا الكافِرِ هَذا العَمَلُ القَبِيحُ المُنْكَرُ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرِ ومُتابَعَةِ الشَّهَواتِ.
10:13–14Page 209
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣
And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤
Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ. اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ثُمَّ إنَّهُ أجابَ عَنْهُ بِأنْ ذَكَرَ أنَّهُ لا صَلاحَ في إجابَةِ دُعائِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كاذِبُونَ في هَذا الطَّلَبِ لِأنَّهُ لَوْ نَزَلَتْ بِهِمْ آفَةٌ أخَذُوا في التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَتِها والكَشْفِ لَها، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى التَّهْدِيدِ، وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ بِهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ ولا يُزِيلُهُ عَنْهم، والغَرَضُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ: إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهم مَتى سَمِعُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُجِيبُ دُعاءَهم ويُنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ سَمِعُوا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ مِرارًا كَثِيرَةً، صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم وزاجِرًا عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الكَلامِ، فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿لَمّا﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿أهْلَكْنا﴾ والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْهُمْ﴾ لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ. وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالدَّلائِلِ والشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ وهي المُعْجِزاتُ، وقَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ظَلَمُوا﴾ وأنْ يَكُونَ اعْتِراضًا، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ مِنهم أنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أهْلَكَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَكَذَلِكَ يَجْزِي كُلَّ مُجْرِمٍ، وهو وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ، وقُرِئَ (يَجْزِي) بِالياءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ الخِطابُ لِلَّذِينِ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناهم، لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، خَيْرًا أوْ شَرًّا، فَنُعامِلُكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ جازَ النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى وفِيهِ مَعْنى المُقابَلَةِ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ اسْتُعِيرَ لَفْظُ النَّظَرِ لِلْعِلْمِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي لا يَتَطَرَّقُ الشَّكُّ إلَيْهِ، وشُبِّهَ هَذا العِلْمُ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما كانَ عالِمًا بِأحْوالِهِمْ قَبْلَ وُجُودِهِمْ.
والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُ العِبادَ مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ العِلْمَ بِما يَكُونُ مِنهم، لِيُجازِيَهم بِحَسَبِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] وقَدْ مَرَّ نَظائِرُ هَذا. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ
صفحة ٤٥
وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» “ وقالَ قَتادَةُ: صَدَقَ اللَّهُ رَبُّنا، ما جَعَلَنا خُلَفاءَ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ مِن أعْمالِكم خَيْرًا، بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ (كَيْفَ) نَصْبٌ بِقَوْلِهِ: (تَعْمَلُونَ) لِأنَّها حَرْفُ اسْتِفْهامٍ، والِاسْتِفْهامُ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، ولَوْ قُلْتَ: لِنَنْظُرَ خَيْرًا تَعْمَلُونَ أمْ شَرًّا، كانَ العامِلُ في (خَيْرٍ وشَرٍّ) (تَعْمَلُونَ) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences