Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:31–36
10:31–33Page 212
قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١
Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"
فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٣٢
For that is Allāh, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?
كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَضائِحَ عَبَدَةِ الأوْثانِ أتْبَعَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ.
فالحُجَّةُ الأُولى: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ وهو أحْوالُ الرِّزْقِ وأحْوالُ الحَواسِّ وأحْوالُ المَوْتِ والحَياةِ.
أمّا الرِّزْقُ فَإنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أمّا مِنَ السَّماءِ فَبِنُزُولِ الأمْطارِ المُوافِقَةِ، وأمّا مِنَ الأرْضِ؛ فَلِأنَّ الغِذاءَ إمّا أنْ يَكُونَ نَباتًا أوْ حَيَوانًا، أمّا النَّباتُ فَلا يَنْبُتُ إلّا مِنَ الأرْضِ، وأمّا الحَيَوانُ فَهو مُحْتاجٌ أيْضًا إلى الغِذاءِ. ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غِذاءُ كُلِّ حَيَوانٍ حَيَوانًا آخَرَ، وإلّا لَزِمَ الذَّهابُ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ أغْذِيَةَ الحَيَواناتِ يَجِبُ انْتِهاؤُها إلى النَّباتِ، وثَبَتَ أنَّ تَوَلُّدَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ الأرْزاقَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُدَبِّرَ السَّماواتِ والأرَضِينَ لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَثَبَتَ أنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا أحْوالُ الحَواسِّ فَكَذَلِكَ، لِأنَّ أشْرَفَها السَّمْعُ والبَصَرُ. وكانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعَ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ.
وأمّا أحْوالُ المَوْتِ والحَياةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُخْرِجُ الإنْسانَ والطّائِرَ مِنَ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ ﴿ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ أيْ يُخْرِجُ النُّطْفَةَ والبَيْضَةَ مِنَ الإنْسانِ والطّائِرِ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ يُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ، والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ. والأكْثَرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وهو إلى الحَقِيقَةِ أقْرَبُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا التَّفْصِيلَ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَلامًا كُلِّيًّا، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أقْسامَ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى في العالَمِ العُلْوِيِّ وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ وفي عالَمَيِ الأرْواحِ والأجْسادِ أُمُورٌ لا نِهايَةَ لَها، وذِكْرُ كُلِّها كالمُتَعَذِّرِ، فَلَمّا ذَكَرَ بَعْضَ تِلْكَ التَّفاصِيلِ لا جَرَمَ عَقَّبَها بِالكَلامِ الكُلِّيِّ لِيَدُلَّ عَلى الباقِي.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إذا سَألَهم عَنْ مُدَبِّرِ هَذِهِ الأحْوالِ فَسَيَقُولُونَ: إنَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ
صفحة ٧١
وتَعالى، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذا الكَلامِ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويُقِرُّونَ بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا في عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ: إنَّها تُقَرِّبُنا إلى اللَّهِ زُلْفى، وإنَّهم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي أفَلا تَتَّقُونَ أنْ تَجْعَلُوا هَذِهِ الأوْثانَ شُرَكاءَ لِلَّهِ في المَعْبُودِيَّةِ، مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّ كُلَّ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنَّما تَحْصُلُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، واعْتِرافِكم بِأنَّ هَذِهِ الأوْثانَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ ومَعْناهُ أنَّ مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ ورَحْمَتُهُ هو ﴿رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ ثَباتًا لا رَيْبَ فِيهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ هَذا هو الحَقُّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ ما سِواهُ ضَلالًا، لِأنَّ النَّقِيضَيْنِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونا حَقَّيْنِ وأنْ يَكُونا باطِلَيْنِ، فَإذا كانَ أحَدُهُما حَقًّا وجَبَ أنْ يَكُونَ ما سِواهُ باطِلًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ والمَعْنى أنَّكم لَمّا عَرَفْتُمْ هَذا الأمْرَ الواضِحَ الظّاهِرَ ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ وكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ العُدُولَ عَنْ هَذا الحَقِّ الظّاهِرِ.
واعْلَمْ أنَّ الجُبّائِيَّ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ وقالَ: هَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ أنَّهُ تَعالى يَصْرِفُ الكُفّارَ عَنِ الإيمانِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ كَما لا يَقُولُ إذا أعْمى بَصَرَ أحَدِهِمْ إنِّي عَمِيتُ، واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ عَنْهُ سَيَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم خَبَرًا جَزْمًا قَطْعًا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَلَوْ آمَنُوا لَكانَ إمّا أنْ يَبْقى ذَلِكَ الخَبَرُ صِدْقًا أوْ لا يَبْقى، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الخَبَرَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ يَمْتَنِعُ أنْ يَبْقى صِدْقًا حالَ ما يُوجَدُ الإيمانُ مِنهُ.
والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى كَذِبًا مُحالٌ؛ فَثَبَتَ أنَّ صُدُورَ الإيمانِ مِنهم مُحالٌ، والمُحالُ لا يَكُونُ مُرادًا، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما أرادَ الإيمانَ مِن هَذا الكافِرِ، وأنَّهُ أرادَ الكُفْرَ مِنهُ، ثُمَّ نَقُولُ: إنْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ فَهَذِهِ الآيَةُ المَوْضُوعَةُ بِجَنْبِهِ تَدُلُّ عَلى فَسادِهِ، وقَدْ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلى الجُبّائِيِّ مَعَ قُوَّةِ خاطِرِهِ حِينَ اسْتَدَلَّ بِتِلْكَ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ أنْ يَذْكُرَ هَذِهِ الحُجَّةَ ويُجِيبَ عَنْها حَتّى يَحْصُلَ مَقْصُودُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”كَلِماتُ رَبِّكَ“ عَلى الجَمْعِ وبَعْدَهُ ”إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ“ وفي حم المُؤْمِنِ ”كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتُ“ كُلُّهُ بِالألِفِ عَلى الجَمْعِ، والباقُونَ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ في جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى لَفْظِ الوُحْدانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ لِلتَّشْبِيهِ، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَما ثَبَتَ وحَقَّ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
الثّانِي: كَما حَقَّ صُدُورُ العِصْيانِ مِنهم، كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ﴾ أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِفاءُ الإيمانِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ مِن كَلِمَةِ اللَّهِ إمّا إخْبارُهُ عَنْ ذَلِكَ، وخَبَرُهُ صِدْقٌ لا يَقْبَلُ التَّغْيُّرَ والزَّوالَ، أوْ عِلْمُهُ بِذَلِكَ، وعِلْمُهُ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ والجَهْلَ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: عِلْمُ اللَّهِ تَعَلَّقَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ. وخَبَرُهُ
صفحة ٧٢
تَعالى تَعَلَّقَ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وقُدْرَتُهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِخَلْقِ الإيمانِ فِيهِ بَلْ بِخَلْقِ الكُفْرِ فِيهِ، وإرادَتُهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِخَلْقِ الإيمانِ فِيهِ بَلْ بِخَلْقِ الكُفْرِ فِيهِ، وأثْبَتَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وأشْهَدَ عَلَيْهِ مَلائِكَتَهُ، وأنْزَلَهُ عَلى أنْبِيائِهِ وأشْهَدَهم عَلَيْهِ، فَلَوْ حَصَلَ الإيمانُ لَبَطَلَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، فَيَنْقَلِبُ عِلْمُهُ جَهْلًا، وخَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا، وقُدْرَتُهُ عَجْزًا، وإرادَتُهُ كُرْهًا، وإشْهادُهُ باطِلًا، وإخْبارُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ.
10:34Page 213
قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤
Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُجَّةُ الثّانِيَةُ، وتَقْرِيرُها ما شَرَحَ اللَّهُ تَعالى في سائِرِ الآياتِ مِن كَيْفِيَّةِ ابْتِداءِ تَخْلِيقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ والعَلَقَةِ والمُضْغَةِ وكَيْفِيَّةِ إعادَتِهِ، ومِن كَيْفِيَّةِ ابْتِداءِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا فَصَّلَ هَذِهِ المَقاماتِ، لا جَرَمَ اكْتَفى تَعالى بِذِكْرِها هَهُنا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى سَبِيلِ السُّؤالِ والِاسْتِفْهامِ.
والجَوابُ: أنَّ الكَلامَ إذا كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا ثُمَّ ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ وتَفْوِيضِ الجَوابِ إلى المَسْئُولِ، كانَ ذَلِكَ أبْلَغَ وأوْقَعَ في القَلْبِ.
السُّؤالُ الثّانِي: القَوْمُ كانُوا مُنْكِرِينَ الإعادَةَ والحَشْرَ والنَّشْرَ فَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ؟
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو وُجُوبُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُحْسِنِ وبَيْنَ المُسِيءِ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ لا يَتَمَكَّنُ العاقِلُ مِن دَفْعِها، فَلِأجْلِ كَمالِ قُوَّتِها وظُهُورِها تَمْسَكَ بِهِ سَواءٌ ساعَدَ الخَصْمُ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يُساعِدْ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ، والإلْزامُ إنَّما يَحْصُلُ لَوِ اعْتَرَفَ الخَصْمُ بِهِ ؟
والجَوابُ: أنَّ الدَّلِيلَ لَمّا كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا، فَإذا أُورِدَ عَلى الخَصْمِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ - ثُمَّ إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَقُولُ الأمْرُ كَذَلِكَ - كانَ هَذا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ بَلَغَ في الوُضُوحِ إلى حَيْثُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى إقْرارِ الخَصْمِ بِهِ، وأنَّهُ سَواءٌ أقَرَّ أوْ أنْكَرَ، فالأمْرُ مُتَقَرِّرٌ ظاهِرٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فالمُرادُ التَّعَجُّبُ مِنهم في الذَّهابِ عَنْ هَذا الأمْرِ الواضِحِ الَّذِي دَعاهُمُ الهَوى والتَّقْلِيدُ أوِ الشُّبْهَةُ الضَّعِيفَةُ إلى مُخالَفَتِهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ كَوْنِ الأوْثانِ آلِهَةً كَذِبٌ وإفْكٌ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَتِها مَعَ أنَّها لا تَسْتَحِقُّ هَذِهِ العِبادَةَ يُشْبِهُ الإفْكَ.
10:35–36Page 213
قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥
Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"
وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦
And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
صفحة ٧٣
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُجَّةُ الثّالِثَةُ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِالخَلْقِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالهِدايَةِ ثانِيًا، عادَةٌ مُطَّرِدَةٌ في القُرْآنِ، فَحَكى تَعالى عَنِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] وعَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] وأمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] وهو في الحَقِيقَةِ دَلِيلٌ شَرِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ جَسَدٌ ولَهُ رُوحٌ، فالِاسْتِدْلالُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِأحْوالِ الجَسَدِ هو الخَلْقُ، والِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الرُّوحِ هو الهِدايَةُ، فَهَهُنا أيْضًا لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ الخَلْقِ في الآيَةِ الأُولى، وهو قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أتْبَعَهُ بِدَلِيلِ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن خَلْقِ الجَسَدِ حُصُولُ الهِدايَةِ لِلرُّوحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ الجَسَدَ، وإنَّما أعْطى الحَواسَّ لِتَكُونَ آلَةً في اكْتِسابِ المَعارِفِ والعُلُومِ، وأيْضًا فالأحْوالُ الجَسَدِيَّةُ خَسِيسَةٌ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى الِالتِذاذِ بِذَوْقِ شَيْءٍ مِنَ الطُّعُومِ أوْ لَمْسِ شَيْءٍ مِنَ الكَيْفِيّاتِ المَلْمُوسَةِ، أمّا الأحْوالُ الرُّوحانِيَّةُ والمَعارِفُ الإلَهِيَّةُ فَإنَّها كَمالاتٌ باقِيَةٌ أبَدَ الآبادِ، مَصُونَةٌ عَنِ الكَوْنِ والفَسادِ، فَعَلِمْنا أنَّ الخَلْقَ تَبَعٌ لِلْهِدايَةِ، والمَقْصُودَ الأشْرَفَ الأعْلى حُصُولُ الهِدايَةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: العُقُولُ مُضْطَرِبَةٌ والحَقُّ صَعْبٌ، والأفْكارُ مُخْتَلِطَةٌ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الغَلَطِ إلّا الأقَلُّونَ، فَوَجَبَ أنَّ الهِدايَةَ وإدْراكَ الحَقِّ لا يَكُونُ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، ولِصُعُوبَةِ هَذا الأمْرِ قالَ الكَلِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ اسْتِماعِ الكَلامِ القَدِيمِ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وكُلُّ الخَلْقِ يَطْلُبُونَ الهِدايَةَ ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الضَّلالَةِ، مَعَ أنَّ الأكْثَرِينَ وقَعُوا في الضَّلالَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ الهِدايَةِ والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الهِدايَةُ إمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وإمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّها أشْرَفُ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ وأعْلى السَّعاداتِ الحَقِيقِيَّةِ، ودَلَّلْنا عَلى أنَّها لَيْسَتْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها جَماداتٌ لا تَأْثِيرَ لَها في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ ولا في الإرْشادِ إلى الصِّدْقِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى هو المُوصِلُ إلى جَمِيعِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والمُرْشِدُ إلى كُلِّ الكَمالاتِ في النَّفْسِ والجَسَدِ، وأنَّ الأصْنامَ لا تَأْثِيرَ لَها في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِها جَهْلًا مَحْضًا وسَفَهًا صِرْفًا، فَهَذا حاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ هَدَيْتُ إلى الحَقِّ، وهَدَيْتُ لِلْحَقِّ بِمَعْنًى واحِدٍ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ .
صفحة ٧٤
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ سِتُّ قِراءاتٍ:
الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ ”يَهَدِّي“ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ وأبِي حاتِمٍ؛ لِأنَّ أصْلَهُ يَهْتَدِي أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ ونُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ المُدْغَمَةِ إلى الهاءِ.
الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ ساكِنَةَ الهاءِ مُشَدَّدَةَ الدّالِ؛ أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وتُرِكَتِ الهاءُ عَلى حالِها، فَجَمَعَ في قِراءَتِهِ بَيْنَ ساكِنَيْنِ كَما جَمَعُوا في ”يَخْصِّمُونَ“ قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: وهو غَلَطٌ عَلى نافِعٍ.
الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإشارَةِ إلى فَتْحَةِ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ فَهو بَيْنَ الفَتْحِ والجَزْمِ، مُخْتَلَسَةٌ عَلى أصْلِ مَذْهَبِهِ اخْتِيارًا لِلتَّخْفِيفِ، وذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّهُ الصَّحِيحُ مِن قِراءَةِ نافِعٍ.
الرّابِعَةُ: قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ فِرارًا مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والجَزْمُ يُحَرَّكُ بِالكَسْرِ.
الخامِسَةُ: قَرَأ حَمّادٌ ويَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ؛ أتْبَعَ الكَسْرَةَ لِلْكَسْرَةِ، وقِيلَ: هو لُغَةُ مَن قَرَأ ”نِسْتَعِينُ ونِعْبُدُ“ .
السّادِسَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”مَن يَهْدِي“ ساكِنَةَ الهاءِ وبِتَخْفِيفِ الدّالِ عَلى مَعْنى يَهْتَدِي، والعَرَبُ تَقُولُ: يَهْدِي، بِمَعْنى يَهْتَدِي. يُقالُ: هَدَيْتُهُ فَهُدِيَ؛ أيِ اهْتَدى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ المُرادَ مِنَ الشُّرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ الأصْنامُ وأنَّها جَماداتٌ لا تَقْبَلُ الهِدايَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ لا يَلِيقُ بِها.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ هو الأصْنامَ. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ رُؤَساءَ الكُفْرِ والضَّلالَةِ والدُّعاةَ إلَيْها؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَدى الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِواسِطَةِ ما أظْهَرَ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، وأمّا هَؤُلاءِ الدُّعاةُ والرُّؤَساءُ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَهْدُوا غَيْرَهم إلّا إذا هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِدِينِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن قَبُولِ قَوْلِ هَؤُلاءِ الجُهّالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا اتَّخَذُوها آلِهَةً، لا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْلَمُ ويَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] مَعَ أنَّها جَماداتٌ ؟ وقالَ: ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] فَأجْرى اللَّفْظَ عَلى الأوْثانِ عَلى حَسَبِ ما يَجْرِي عَلى مَن يَعْقِلُ ويَعْلَمُ. فَكَذا هَهُنا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِصِفَةِ مَن يَعْقِلُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ.
الثّالِثُ: أنّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيرِ، يَعْنِي أنَّها لَوْ كانَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُها أنْ تَهْدِيَ، فَإنَّها لا تَهْدِي غَيْرَها إلّا بَعْدَ أنْ يَهْدِيَها غَيْرُها، وإذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ.
الرّابِعُ: أنَّ البِنْيَةَ عِنْدَنا لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الحَياةِ والعَقْلِ، فَتِلْكَ الأصْنامُ حالَ كَوْنِها خَشَبًا وحَجَرًا قابِلَةٌ لِلْحَياةِ والعَقْلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَها حَيَّةً عاقِلَةً ثُمَّ إنَّها تَشْتَغِلُ بِهِدايَةِ الغَيْرِ.
الخامِسُ: أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ النَّقْلِ والحَرَكَةِ يُقالُ: هُدِيَتِ المَرْأةُ إلى زَوْجِها هُدًى، إذا نُقِلَتْ إلَيْهِ، والهَدْيُ ما يُهْدى إلى الحَرَمِ مِنَ النَّعَمِ، وسُمِّيَتِ الهَدِيَّةُ هَدِيَّةً لِانْتِقالِها مِن رَجُلٍ إلى غَيْرِهِ، وجاءَ فُلانٌ يُهادِي بَيْنَ اثْنَيْنِ إذا كانَ يَمْشِي بَيْنَهُما مُعْتَمِدًا عَلَيْهِما مِن ضَعْفِهِ وتَمايُلِهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَنْتَقِلُ إلى مَكانٍ إلّا إذا نُقِلَ إلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالمُرادُ الإشارَةُ إلى كَوْنِ هَذِهِ الأصْنامِ جَماداتٍ خالِيَةً عَنِ الحَياةِ
صفحة ٧٥
والقُدْرَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ عَلى الكُفّارِ هَذِهِ الحُجَّةَ الظّاهِرَةَ قالَ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ يُعَجِّبُ مِن مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ ومَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ أرْبابَ العُقُولِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلّا ظَنًّا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ظَنًّا، لِأنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى بُرْهانٍ عِنْدَهم، بَلْ سَمِعُوهُ مِن أسْلافِهِمْ.
الثّانِي: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في قَوْلِهِمُ: الأصْنامُ آلِهَةٌ، وأنَّها شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ -إلّا الظَّنَّ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى؛ لِأنّا في القَوْلِ الثّانِي نَحْتاجُ إلى أنْ نُفَسِّرَ الأكْثَرَ بِالكُلِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَمَسُّكُ نُفاةِ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: العَمَلُ بِالقِياسِ عَمَلٌ بِالظَّنِّ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ .
أجابَ مُثْبِتُو القِياسِ، فَقالُوا: الدَّلِيلُ الَّذِي دَلَّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالقِياسِ دَلِيلٌ قاطِعٌ، فَكانَ وُجُوبُ العَمَلِ بِالقِياسِ مَعْلُومًا، فَلَمْ يَكُنِ العَمَلُ بِالقِياسِ مَظْنُونًا بَلْ كانَ مَعْلُومًا.
أجابَ المُسْتَدِلُّ عَنْ هَذا السُّؤالِ، فَقالَ: لَوْ كانَ الحُكْمُ المُسْتَفادُ مِنَ القِياسِ يُعْلَمُ كَوْنُهُ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ كُفْرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَطُلَ العَمَلُ بِهِ. وقَدْ يَعْدُونَ عَنْ هَذِهِ الحُجَّةِ بِأنَّهم قالُوا: الحُكْمُ المُسْتَفادُ مِنَ القِياسِ إمّا أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى أوْ يُظَنَّ أوْ لا يُعْلَمَ ولا يُظَنَّ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَكانَ مَن لَمْ يَحْكم بِهِ كافِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وبِالِاتِّفاقِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العَمَلَ بِالظَّنِّ لا يَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ .
والثّالِثُ: باطِلٌ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحُكْمُ مَعْلُومًا ولا مَظْنُونًا، كانَ مُجَرَّدَ التَّشَهِّي، فَكانَ باطِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ . [مريم: ٥٩]
وأجابَ مُثْبِتُو القِياسِ: بِأنَّ حاصِلَ هَذا الدَّلِيلِ يَرْجِعُ إلى التَّمَسُّكِ بِالعُمُوماتِ، والتَّمَسُّكُ بِالعُمُوماتِ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ.
فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ العُمُوماتُ دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ التَمَسَكِ بِالظَّنِّ، لَزِمَ كَوْنُها دالَّةً عَلى المَنعِ مِنَ التَمَسُّكِ بِها، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ مَتْرُوكًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ ظانًّا في مَسائِلِ الأُصُولِ، وما كانَ قاطِعًا، فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
فَإنْ قِيلَ: فَقَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ يَمْنَعُ مِنَ القَطْعِ، فَوَجَبَ أنْ يَلْزَمَهُمُ الكُفْرُ.
قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ، والشَّكُّ أصْلٌ في أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ هَلْ هي مُوافِقَةٌ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ؟ والشَّكُّ في أحَدِ أجْزاءِ الماهِيَّةِ لا يُوجِبُ الشَّكَّ في تَمامِ الماهِيَّةِ.
الثّانِي: أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَقاءُ الإيمانِ عِنْدَ الخاتِمَةِ.
الثّالِثُ: الغَرَضُ مِنهُ هَضْمُ النَّفْسِ وكَسْرُها. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences