Ar-RaziYunus · 10:42–49

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:42–49

10:42–44Page 213

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?

وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ ٤٣

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٤

Indeed, Allāh does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى قَسَّمَ الكُفّارَ إلى قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ قَسَّمَ مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ قِسْمَيْنِ: مِنهم مَن يَكُونُ في غايَةِ البُغْضِ لَهُ والعَداوَةِ لَهُ ونِهايَةِ النَّفْرَةِ عَنْ قَبُولِ دِينِهِ، ومِنهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ. فَوَصَفَ القِسْمَ الأوَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ كَلامَكَ مَعَ أنَّهُ يَكُونُ كالأصَمِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَنْتَفِعُ ألْبَتَّةَ بِذَلِكَ الكَلامِ فَإنَّ الإنْسانَ إذا قَوِيَ بُغْضُهُ لِإنْسانٍ آخَرَ، وعَظُمَتْ نُفْرَتُهُ عَنْهُ، صارَتْ نَفْسُهُ مُتَوَجِّهَةً إلى طَلَبِ مَقابِحِ كَلامِهِ مُعْرِضَةً عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ مَحاسِنِ كَلامِهِ، فالصَّمَمُ في الأُذُنِ مَعْنًى يُنافِي حُصُولَ إدْراكِ الصَّوْتِ، فَكَذَلِكَ حُصُولُ هَذا البُغْضِ الشَّدِيدِ كالمُنافِي لِلْوُقُوفِ عَلى مَحاسِنِ ذَلِكَ الكَلامِ، والعَمى في العَيْنِ مَعْنًى يُنافِي حُصُولَ إدْراكِ الصُّورَةِ، فَكَذَلِكَ البُغْضُ يُنافِي وُقُوفَ الإنْسانِ عَلى مَحاسِنِ مَن يُعادِيهِ والوُقُوفُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الفَضائِلِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ في أُولَئِكَ الكُفّارِ مَن بَلَغَتْ حالَتُهُ في البُغْضِ والعَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ، ثُمَّ كَما أنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُ الأصَمِّ سَمِيعًا ولا جَعْلُ الأعْمى بَصِيرًا، فَكَذَلِكَ لا يُمْكِنُ جَعْلُ العَدُوِّ البالِغِ في العَداوَةِ إلى هَذا الحَدِّ صَدِيقًا تابِعًا لِلرَّسُولِ ﷺ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ قَدْ بَلَغُوا في مَرَضِ العَقْلِ إلى حَيْثُ لا يَقْبَلُونَ العِلاجَ. والطَّبِيبُ إذا رَأى مَرِيضًا لا يَقْبَلُ العِلاجَ أعْرَضَ عَنْهُ، ولَمْ يَسْتَوْحِشْ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ لِلْعِلاجِ، فَكَذَلِكَ وجَبَ عَلَيْكَ أنْ لا تَسْتَوْحِشَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.

صفحة ٨٢

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ بِذَهابِ السَّمْعِ ذَهابَ العَقْلِ، ولَمْ يَقْرِنْ بِذَهابِ النَّظَرِ إذْهابَ البَصَرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ.

وزَيَّفَ ابْنُ الأنْبارِيِّ هَذا الدَّلِيلَ فَقالَ: إنَّ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ مَعَ السَّمْعِ بِمَنزِلَةِ الَّذِي نَفاهُ اللَّهُ مَعَ البَصَرِ لِأنَّهُ تَعالى أرادَ إبْصارَ القُلُوبِ، ولَمْ يُرِدْ إبْصارَ العُيُونِ، والَّذِي يُبْصِرُهُ القَلْبُ هو الَّذِي يَعْقِلُهُ.

واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلى هَذا المَطْلُوبِ بِحُجَّةٍ أُخْرى مِنَ القُرْآنِ، فَقالَ: كُلَّما ذَكَرَ اللَّهُ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإنَّهُ في الأغْلَبِ يُقَدِّمُ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ.

ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في هَذا البابِ دَلائِلَ أُخْرى:

فَأحَدُها: أنَّ العَمى قَدْ وقَعَ في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أمّا الصَّمَمُ فَغَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِأداءِ الرِّسالَةِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا لَمْ يَسْمَعْ كَلامَ السّائِلِينَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الجَوابُ، فَيَعْجَزُ عَنْ تَبْلِيغِ شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ القُوَّةَ السّامِعَةَ تُدْرِكُ المَسْمُوعَ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، والقُوَّةَ الباصِرَةَ لا تُدْرِكُ المَرْئِيَّ إلّا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي المُقابِلُ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَسْتَفِيدُ العِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ مِنَ الأُسْتاذِ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِقُوَّةِ السَّمْعِ، فاسْتِكْمالُ النَّفْسِ بِالكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِقُوَّةِ السَّمْعِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى قُوَّةِ البَصَرِ، فَكانَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والمُرادُ مِنَ القَلْبِ هَهُنا العَقْلُ، فَجَعَلَ السَّمْعَ قَرِينًا لِلْعَقْلِ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] فَجَعَلُوا السَّمْعَ سَبَبًا لِلْخَلاصِ مِن عَذابِ السَّعِيرِ.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ المَعْنى الَّذِي يَمْتازُ بِهِ الإنْسانُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ هو النُّطْقُ والكَلامُ وإنَّما يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ بِالقُوَّةِ السّامِعَةِ، فَمُتَعَلِّقُ السَّمْعِ النُّطْقُ الَّذِي بِهِ حَصَلَ شَرَفُ الإنْسانِ، ومُتَعَلِّقُ البَصَرِ إدْراكُ الألْوانِ والأشْكالِ، وذَلِكَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ سائِرِ الحَيَواناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَراهُمُ النّاسُ ويَسْمَعُونَ كَلامَهم، فَنُبُوَّتُهم ما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ الصِّفاتِ المَرْئِيَّةِ، وإنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ ما مَعَهم مِنَ الأصْواتِ المَسْمُوعَةِ وهو الكَلامُ وتَبْلِيغُ الشَّرائِعِ وبَيانُ الأحْكامِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَسْمُوعُ أفْضَلَ مِنَ المَرْئِيِّ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ. فَهَذا جُمْلَةُ ما تَمَسَّكَ بِهِ القائِلُونَ بِأنَّ السَّمْعَ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: البَصَرُ أفْضَلُ مِنَ السَّمْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهم قالُوا في المَثَلِ المَشْهُورِ لَيْسَ وراءَ العِيانِ بَيانٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أكْمَلَ وُجُوهِ الإدْراكاتِ هو الإبْصارُ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ آلَةَ القُوَّةِ الباصِرَةِ هو النُّورُ وآلَةَ القُوَّةِ السّامِعَةِ هي الهَواءُ، والنُّورُ أشْرَفُ مِنَ الهَواءِ، فالقُوَّةُ الباصِرَةُ أشْرَفُ مِنَ القُوَّةِ السّامِعَةِ.

صفحة ٨٣

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَجائِبَ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَخْلِيقِ العَيْنِ الَّتِي هي مَحَلُّ الإبْصارِ أكْثَرُ مِن عَجائِبِ خِلْقَتِهِ في الأُذُنِ الَّتِي هي مَحَلُّ السَّماعِ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَمامَ رُوحٍ واحِدٍ مِنَ الأرْواحِ السَّبْعَةِ الدِّماغِيَّةِ مِنَ العَصَبِ آلَةً لِلْإبْصارِ، ورَكَّبَ العَيْنَ مِن سَبْعِ طَبَقاتٍ وثَلاثِ رُطُوباتٍ، وخَلَقَ لِتَحْرِيكاتِ العَيْنِ عَضَلاتٍ كَثِيرَةً عَلى صُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، والأُذُنُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وكَثْرَةُ العِنايَةِ في تَخْلِيقِ الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِن غَيْرِهِ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ البَصَرَ يَرى ما حَصَلَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ، والسَّمْعَ لا يُدْرِكُ ما بَعُدَ مِنهُ عَلى فَرْسَخٍ، فَكانَ البَصَرُ أقْوى وأفْضَلَ. وبِهَذا البَيانِ يُدْفَعُ قَوْلُهم إنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ مِن كُلِّ الجَوانِبِ والبَصَرَ لا يُدْرِكُ إلّا مِنَ الجانِبِ الواحِدِ.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ في الدُّنْيا، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ رَآهُ أحَدٌ في الدُّنْيا أمْ لا ؟ وأيْضًا فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَهُ مِن غَيْرِ سَبْقِ سُؤالٍ والتِماسٍ، ولَمّا سَألَ الرُّؤْيَةَ قالَ: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَ الرُّؤْيَةِ أعْلى مِن حالِ السَّماعِ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كَيْفَ يَكُونُ السَّمْعُ أفْضَلَ مِنَ البَصَرِ وبِالبَصَرِ يَحْصُلُ جَمالُ الوَجْهِ، وبِذَهابِهِ عَيْبُهُ، وذَهابُ السَّمْعِ لا يُورِثُ الإنْسانَ عَيْبًا ؟ والعَرَبُ تُسَمِّي العَيْنَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ ولا تَصِفُ السَّمْعَ بِمِثْلِ هَذا؛ ومِنهُ الحَدِيثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ”«مَن أذْهَبْتُ كَرِيمَتَهُ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ؛ لَمْ أرْضَ لَهُ ثَوابًا دُونَ الجَنَّةِ» “ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الكُفّارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ كالأصَمِّ بِالنِّسْبَةِ إلى اسْتِماعِ الكَلامِ، وكالأعْمى بِالنِّسْبَةِ إلى إبْصارِ الأشْياءِ، وكَما أنَّ هَذا مُمْتَنِعٌ فَكَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ.

قالُوا: والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ حُصُولَ العَداوَةِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ، وكَذَلِكَ حُصُولُ المَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ في القَلْبِ لَيْسَ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ العَداوَةِ الشَّدِيدَةِ يَجِدُ وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنَّ القَلْبَ يَصِيرُ كالأصَمِّ والأعْمى في اسْتِماعِ كَلامِ العَدُوِّ وفي مُطالَعَةِ أفْعالِهِ الحَسَنَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وأيْضًا لَمّا حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها حُكْمًا جازِمًا بِعَدَمِ الإيمانِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِن حُصُولِ الإيمانِ انْقِلابُ عِلْمِهِ جَهْلًا وخَبَرِهِ الصِّدْقِ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ: فَقَدِ احْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ، أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما ألْجَأ أحَدًا إلى هَذِهِ القَبائِحِ والمُنْكَراتِ، ولَكِنَّهم بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ يُقْدِمُونَ عَلَيْها ويُباشِرُونَها.

أجابَ الواحِدِيُّ عَنْهُ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى إنَّما نَفى الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ، لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في مُلْكِ نَفْسِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ظالِمًا، وإنَّما قالَ: ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ لِأنَّ الفِعْلَ مَنسُوبٌ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الكَسْبِ.

10:45–46Page 214

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allāh and were not guided.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ ٤٦

And whether We show you some of what We promise them, [O Muḥammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allāh is a witness concerning what they are doing.

صفحة ٨٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِقِلَّةِ الإصْغاءِ وتَرْكِ التَّدَبُّرِ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”يَحْشُرُهم“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُشابِهِينَ مَن لَمْ يَلْبَثْ إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَوْمِ نَحْشُرُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا بَعْدَ حالٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”كَأنْ“ هَذِهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. التَّقْدِيرُ: كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا، فَخُفِّفَتْ كَقَوْلِهِ: وكَأنْ قَدْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قِيلَ: كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ وقِيلَ في قُبُورِهِمْ، والقُرْآنُ وارِدٌ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣] .

قالَ القاضِي: والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ كَحالِ الكافِرِينَ في أنَّهم لا يَعْرِفُونَ مِقْدارَ لُبْثِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ إلى وقْتِ الحَشْرِ، فَيَجِبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ يَخْتَصُّ بِالكُفّارِ، وهو أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُمُرِهِمُ اسْتَقَلُّوهُ، والمُؤْمِنُ لَمّا انْتَفَعَ بِعُمُرِهِ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِلُّهُ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ لِأنَّ التَّعارُفَ إنَّما يُضافُ إلى حالِ الحَياةِ لا إلى حالِ المَماتِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذا الِاسْتِقْلالِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: لَمّا ضَيَّعُوا أعْمارَهم في طَلَبِ الدُّنْيا والحِرْصِ عَلى لَذّاتِها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُمُرِهِمْ ألْبَتَّةَ، فَكانَ وُجُودُ ذَلِكَ العُمُرِ كالعَدَمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ اسْتَقَلُّوهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦]

الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: قَلَّ ذَلِكَ عِنْدَهم لِما شاهَدُوا مِن أهْوالِ الآخِرَةِ، والإنْسانُ إذا عَظُمَ خَوْفُهُ نَسِيَ الأُمُورَ الظّاهِرَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَلَّ عِنْدَهم مُقامُهم في الدُّنْيا في جَنْبِ مُقامِهِمْ في الآخِرَةِ وفي العَذابِ المُؤَبَّدِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ قَلَّ عِنْدَهم مُقامُهم في الدُّنْيا لِطُولِ وُقُوفِهِمْ في الحَشْرِ.

الخامِسُ: المُرادُ أنَّهم عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ يَتَعارَفُونَ كَما كانُوا يَتَعارَفُونَ في الدُّنْيا، وكَأنَّهم لَمْ يَتَعارَفُوا بِسَبَبِ المَوْتِ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً لا تُؤَثِّرُ في ذَلِكَ التَّعارُفِ.

وأقُولُ: تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ، أنَّ عَذابَ الكافِرِ مَضَرَّةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالإهانَةِ والإذْلالِ، والإحْساسُ بِالمَضَرَّةِ أقْوى مِنَ الإحْساسِ بِاللَّذَّةِ بِدَلِيلِ أنَّ أقْوى اللَّذّاتِ هي لَذّاتُ الوِقاعِ، والشُّعُورُ بِألَمِ القُولَنْجِ وغَيْرِهِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أقْوى مِنَ الشُّعُورِ بِلَذَّةِ الوِقاعِ.

وأيْضًا لَذّاتُ الدُّنْيا مَعَ خَساسَتِها ما كانَتْ خالِصَةً، بَلْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِالهُمُوماتِ الكَثِيرَةِ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّذّاتُ مَغْلُوبَةً بِالمُؤْلِماتِ والآفاتِ، وأيْضًا إنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ما حَصَّلَتْ إلّا بَعْضَ أوْقاتِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وآلامُ الآخِرَةِ أبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ لا تَنْقَطِعُ ألْبَتَّةَ ونِسْبَةُ عُمُرِ جَمِيعِ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ الأبَدِيَّةِ أقَلُّ مِنَ الجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ بِالنِّسْبَةِ إلى ألْفِ ألْفِ عالَمٍ مِثْلِ العالَمِ المَوْجُودِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أنَّهُ مَتى قُوبِلَتِ الخَيْراتُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الحَياةِ العاجِلَةِ بِالآفاتِ الحاصِلَةِ

صفحة ٨٥

لِلْكافِرِ وُجِدَتْ أقَلَّ مِنَ اللَّذَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ العالَمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ مِن قِلَّتِها وحَقارَتِها في جَنْبِ ما حَصَلَ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما كانُوا يُعْرَفُونَ في الدُّنْيا.

الثّانِي: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والكُفْرِ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ إذا عايَنُوا العَذابَ وتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تُوافِقُ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم يُوَبِّخُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَقُولُ: كُلُّ فَرِيقٍ لِلْآخَرِ أنْتَ أضْلَلْتَنِي يَوْمَ كَذا وزَيَّنْتَ لِيَ الفِعْلَ الفُلانِيَّ مِنَ القَبائِحِ، فَهَذا تَعارُفُ تَقْبِيحٍ وتَعْنِيفٍ وتَباعُدٍ وتَقاطُعٍ لا تَعارُفُ عَطْفٍ وشَفَقَةٍ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ فالمُرادُ سُؤالُ الرَّحْمَةِ والعَطْفِ.

والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ حَمْلُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى حالَتَيْنِ، وهو أنَّهم يَتَعارَفُونَ إذا بُعِثُوا ثُمَّ تَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ، فَلِذَلِكَ لا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ويَوْمَ يَحْشُرُهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَعارِفِينَ، وحالَ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ .

الثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ كَلامَ اللَّهِ، فَيَكُونَ هَذا شَهادَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالخُسْرانِ، والمَعْنى: أنَّ مَن باعَ آخِرَتَهُ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرَ، لِأنَّهُ أعْطى الكَثِيرَ الشَّرِيفَ الباقِيَ وأخَذَ القَلِيلَ الخَسِيسَ الفانِيَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ فالمُرادُ أنَّهم ما اهْتَدَوْا إلى رِعايَةِ مَصالِحِ هَذِهِ التِّجارَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اغْتَرُّوا بِالظّاهِرِ وغَفَلُوا عَنِ الحَقِيقَةِ، فَصارُوا كَمَن رَأى زُجاجَةً حَسَنَةً فَظَنَّها جَوْهَرَةً شَرِيفَةً فاشْتَراها بِكُلِّ ما مَلَكَهُ، فَإذا عَرَضَها عَلى النّاقِدِينَ خابَ سَعْيُهُ وفاتَ أمَلُهُ ووَقَعَ في حُرْقَةِ الرُّوعِ، وعَذابِ القَلْبِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ جَوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ وجَوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم في الدُّنْيا فَذاكَ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَنَّكَ ذَلِكَ المَوْعِدَ فَإنَّكَ سَتَراهُ في الآخِرَةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِي رَسُولَهُ أنْواعًا مِن ذُلِّ الكافِرِينَ وخِزْيِهِمْ في الدُّنْيا، وسَيَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ وفاتِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ حَصَلَ الكَثِيرُ مِنهُ في زَمانِ حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَصَلَ الكَثِيرُ أيْضًا بَعْدَ وفاتِهِ، والَّذِي سَيَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ عاقِبَةَ المُحِقِّينَ مَحْمُودَةٌ، وعاقِبَةَ المُذْنِبِينَ مَذْمُومَةٌ.

10:47Page 214

وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٤٧

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes,1 it will be judged between them in justice, and they will not be wronged.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، بَيَّنَ أنَّ حالَ كُلِّ الأنْبِياءِ مَعَ أقْوامِهِمْ كَذَلِكَ.

وفِي

صفحة ٨٦

الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ جَماعَةٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا واللَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ قَطُّ، ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا مَعَ ما يَعْلَمُهُ مِن أحْوالِ الفَتْرَةِ ومَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] .

قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ حاضِرًا مَعَ القَوْمِ، لِأنَّ تَقَدُّمَ الرَّسُولِ لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ، كَما لا يَمْنَعُ تَقَدُّمُ رَسُولِنا مَن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَيْنا إلى آخِرِ الأبَدِ. وتُحْمَلُ الفَتْرَةُ عَلى ضَعْفِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ ووُقُوعِ مُوجِباتِ التَّخْلِيطِ فِيها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الكَلامِ إضْمارٌ والتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ رَسُولُهم وبَلَّغَ فَكَذَّبَهُ قَوْمٌ وصَدَّقَهُ آخَرُونَ قَضى بَيْنَهم أيْ حَكَمَ وفَصَلَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا بَيانُ أنَّ الرَّسُولَ إذا بُعِثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ فَإنَّهُ بِالتَّبْلِيغِ وإقامَةِ الحُجَّةِ يُزِيحُ كُلَّ عِلَّةٍ فَلا يَبْقى لَهم عُذْرٌ في مُخالَفَتِهِ أوْ تَكْذِيبِهِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ يَكُونُ عَدْلًا ولا يَكُونُ ظُلْمًا؛ لِأنَّهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ وقَعُوا في ذَلِكَ العِقابِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ القَوْمَ إذا اجْتَمَعُوا في الآخِرَةِ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ في وقْتِ المُحاسَبَةِ، وبانَ الفَصْلُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِما شاهَدَ مِنهم، ولِيَقَعَ مِنهُمُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ بَلَّغَ رِسالاتِ رَبِّهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما يُؤَكِّدُ اللَّهُ بِهِ الزَّجْرَ في الدُّنْيا كالمُساءَلَةِ، وإنْطاقِ الجَوارِحِ، والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِأعْمالِهِمْ والمَوازِينِ وغَيْرِها، وتَمامُ التَّقْرِيرِ عَلى هَذا الوَجْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنِّي أُحْضِرُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهم، حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الأعْمالِ.

والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ في إظْهارِ العَدْلِ.

واعْلَمْ أنَّ دَلِيلَ القَوْلِ الأوَّلِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقَوْلُهُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]؛ ودَلِيلُ القَوْلِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فالتَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في نَفْيِ الظُّلْمِ.

10:48–49Page 214

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٤٩

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allāh should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

صفحة ٨٧

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُلَّما هَدَّدَهم بِنُزُولِ العَذابِ ومَرَّ زَمانٌ ولَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ العَذابُ، قالُوا مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، واحْتَجُّوا بِعَدَمِ ظُهُورِهِ عَلى القَدْحِ في نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ المُرادَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ القَضاءُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولُوا مَتى هَذا الوَعْدُ عِنْدَ حُضُورِهِمْ في الدّارِ الآخِرَةِ، لِأنَّ الحالَ في الآخِرَةِ حالُ يَقِينٍ ومَعْرِفَةٍ لِحُصُولِ كُلِّ وعْدٍ ووَعِيدٍ وإلّا ظَهَرَ أنَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيما أخْبَرَهم مِن نُزُولِ العَذابِ لِلْأعْداءِ والنُّصْرَةِ لِلْأوْلِياءِ أوْ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْعادِ لِكَوْنِهِ مُحِقًّا في ذَلِكَ الإخْبارِ، ويَدُلُّ هَذا القَوْلُ عَلى أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ قالَتْ لِرَسُولِها مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وذَلِكَ لَفْظُ جَمْعٍ، وهو مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِجَوابٍ يَحْسِمُ المادَّةَ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ والمُرادُ أنَّ إنْزالَ العَذابِ عَلى الأعْداءِ وإظْهارَ النُّصْرَةِ لِلْأوْلِياءِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ تَعالى ما عَيَّنَ لِذَلِكَ الوَعْدِ والوَعِيدِ وقْتًا مُعَيَّنًا حَتّى يُقالَ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ المَوْعُودُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، دَلَّ عَلى حُصُولِ الخُلْفِ فَكانَ تَعْيِينُ الوَقْتِ مُفَوَّضًا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إمّا بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وإلَهِيَّتِهِ عِنْدَ مَن لا يُعَلِّلُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، وإمّا بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ المُقَدَّرَةِ عِنْدَ مَن يُعَلِّلُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ بِرِعايَةِ المَصالِحِ، ثُمَّ إذا حَضَرَ الوَقْتُ الَّذِي وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِحُدُوثِ ذَلِكَ الحادِثِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحْدُثَ فِيهِ، ويَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَقالُوا: هَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا الطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ، فَهَذا الِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِهِما.

والجَوابُ: قالَ أصْحابُنا: هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ”فَإذا جاءَ أجَلُهم“ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَمُوتُ إلّا بِانْقِضاءِ أجَلِهِ، وكَذَلِكَ المَقْتُولُ لا يُقْتَلُ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ طَوِيلَةٌ وقَدْ ذَكَرْناها في هَذا الكِتابِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ شَرْطٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ جَزاءٌ، والفاءُ حَرْفُ الجَزاءِ، فَوَجَبَ إدْخالُهُ عَلى الجَزاءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ يَحْصُلُ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ لا مُتَأخِّرًا عَنْهُ وأنَّ حَرْفَ الفاءِ لا يَدُلُّ عَلى التَّراخِي، وإنَّما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ جَزاءً.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ إنْ نَكَحْتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يَصِحُّ هَذا التَّعْلِيقُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَصِحُّ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى

صفحة ٨٨

أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ حالَ حُصُولِ الشَّرْطِ، فَلَوْ صَحَّ هَذا التَّعْلِيقُ لَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ الطَّلاقُ مُقارَنًا لِلنِّكاحِ، لِما ثَبَتَ أنَّ الجَزاءَ يَجِبُ حُصُولُهُ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، ولَمّا كانَ هَذا اللّازِمُ باطِلًا وجَبَ أنْ لا يَصِحَّ هَذا التَّعْلِيقُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском