Ar-RaziYunus · 10:57–60

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:57–60

10:57Page 215

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧

O mankind, there has come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الطَّرِيقَ إلى إثْباتِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أمْرانِ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ إنَّ هَذا الشَّخْصَ قَدِ ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَهو رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا وصِدْقًا، وهَذا الطَّرِيقُ مِمّا قَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وقَرَّرَهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧، ٣٨] وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما يُقَوِّي الدِّينَ، ويُورِثُ اليَقِينَ، ويُزِيلُ الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ، ويُبْطِلُ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ.

وأمّا الطَّرِيقُ الثّانِي فَهو أنْ نَعْلَمَ بِعُقُولِنا أنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ والعَمَلَ الصّالِحَ ما هو ؟ فَكُلُّ مَن جاءَ ودَعا الخَلْقَ إلَيْهِمْ وحَمَلَهم عَلَيْهِ وكانَتْ لِنَفْسِهِ قُوَّةٌ قَوِيَّةٌ في نَقْلِ النّاسِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، ومِنَ الِاعْتِقادِ الباطِلِ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ، ومِنَ الأعْمالِ الدّاعِيَةِ إلى الدُّنْيا إلى الأعْمالِ الدّاعِيَةِ إلى الآخِرَةِ فَهو النَّبِيُّ الحَقُّ الصّادِقُ

صفحة ٩٣

المُصَدَّقُ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ نُفُوسَ الخَلْقِ قَدِ اسْتَوْلى عَلَيْها أنْواعُ النَّقْصِ والجَهْلِ وحُبِّ الدُّنْيا، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِعُقُولِنا أنَّ سَعادَةَ الإنْسانِ لا تَحْصُلُ إلّا بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الصّالِحِ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ كُلَّ ما قَوّى نُفْرَتَكَ عَنِ الدُّنْيا ورَغْبَتَكَ في الآخِرَةِ فَهو العَمَلُ الصّالِحُ، وكُلُّ ما كانَ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ فَهو العَمَلُ الباطِلُ والمَعْصِيَةُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى إنْسانٍ كامِلٍ، قَوِيِّ النَّفْسِ، مُشْرِقِ الرُّوحِ، عُلْوِيِّ الطَّبِيعَةِ، ويَكُونُ بِحَيْثُ يَقْوى عَلى نَقْلِ هَؤُلاءِ النّاقِصِينَ مِن مُقامِ النُّقْصانِ إلى مُقامِ الكَمالِ، وذَلِكَ هو النَّبِيُّ.

فالحاصِلُ أنَّ النّاسَ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ: النّاقِصُونَ والكامِلُونَ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، والقِسْمُ الثّالِثُ هو الكامِلُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ، فالقِسْمُ الأوَّلُ هو عامَّةُ الخَلْقِ، والقِسْمُ الثّانِي هُمُ الأوْلِياءُ، والقِسْمُ الثّالِثُ هُمُ الأنْبِياءُ، ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ عَلى نَقْلِ النّاقِصِينَ مِن دَرَجَةِ النُّقْصانِ إلى دَرَجَةِ الكَمالِ مَراتِبُها مُخْتَلِفَةً ودَرَجاتُها مُتَفاوِتَةً، لا جَرَمَ كانَتْ دَرَجاتُ الأنْبِياءِ في قُوَّةِ النُّبُوَّةِ مُخْتَلِفَةً.

ولِهَذا السِّرِّ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» “ .

إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِطَرِيقِ المُعْجِزَةِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الثّانِي، وهَذا الطَّرِيقُ طَرِيقٌ كاشِفٌ عَنْ حَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ، مُعَرِّفٌ لِماهِيَّتِها، فالِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزِ هو الَّذِي تُسَمِّيهِ المَنطِقِيُّونَ بُرْهانَ الإنْ، وهَذا الطَّرِيقُ هو الطَّرِيقُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بُرْهانَ اللَّمْ، وهو أشْرَفُ وأعْلى وأكْمَلُ وأفْضَلُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفاتٍ أرْبَعَةٍ:

أوَّلُها: كَوْنُهُ مَوْعِظَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وثانِيها: كَوْنُهُ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ.

وثالِثُها: كَوْنُهُ هُدًى.

ورابِعُها: كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

ولا بُدَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ مِن فائِدَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَنَقُولُ: إنَّ الأرْواحَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِالأجْسادِ كانَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ عِشْقٍ طَبِيعِيٍّ وجَبَ لِلرُّوحِ عَلى الجَسَدِ، ثُمَّ إنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ التَذَّ بِمُشْتَهَياتِ هَذا العالَمِ الجَسَدانِيِّ وطَيِّباتِهِ بِواسِطَةِ الحَواسِّ الخَمْسِ، وتَمَرَّنَ عَلى ذَلِكَ، وألِفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ واعْتادَها.

ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نُورَ العَقْلِ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ الدَّرَجَةِ، حَيْثُ قَوِيَتِ العَلائِقُ الحِسِّيَّةُ والحَوادِثُ الجَسَدانِيَّةُ، فَصارَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقُ سَبَبًا لِحُصُولِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ في جَوْهَرِ الرُّوحِ، وهَذِهِ الأحْوالُ تَجْرِي مَجْرى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ، فَلا بُدَّ لَها مِن طَبِيبٍ حاذِقٍ، فَإنَّ مَن وقَعَ في المَرَضِ الشَّدِيدِ، فَإنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ طَبِيبٌ حاذِقٌ يُعالِجُهُ بِالعِلاجاتِ الصّائِبَةِ ماتَ لا مَحالَةَ، وإنِ اتَّفَقَ أنْ صادَفَهُ مِثْلُ هَذا الطَّبِيبِ، وكانَ هَذا البَدَنُ قابِلًا لِلْعِلاجاتِ الصّائِبَةِ فَرُبَّما حَصَلَتِ الصِّحَّةُ وزالَ السُّقْمُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ كالطَّبِيبِ الحاذِقِ، وهَذا القُرْآنُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أدْوِيَتِهِ الَّتِي بِتَرْكِيبِها تُعالَجُ القُلُوبُ المَرِيضَةُ. ثُمَّ إنَّ الطَّبِيبَ إذا وصَلَ إلى المَرِيضِ فَلَهُ مَعَهُ مَراتِبُ أرْبَعَةٌ:

المَرْتَبَةُ الأُولى: أنْ يَنْهاهُ عَنْ تَناوُلِ ما لا يَنْبَغِي ويَأْمُرَهُ بِالِاحْتِرازِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي بِسَبَبِها وقَعَ في ذَلِكَ المَرَضِ، وهَذا هو المَوْعِظَةُ فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْوَعْظِ إلّا الزَّجْرُ عَنْ كُلِّ ما يَبْعُدُ عَنْ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، والمَنعُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ القَلْبَ بِغَيْرِ اللَّهِ.

المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الشِّفاءُ وهو أنْ يَسْقِيَهُ أدْوِيَةً تُزِيلُ عَنْ باطِنِهِ تِلْكَ الأخْلاطَ الفاسِدَةَ المُوجِبَةَ لِلْمَرَضِ، فَكَذَلِكَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا مَنَعُوا الخَلْقَ عَنْ فِعْلِ المَحْظُوراتِ صارَتْ ظَواهِرُهم مُطَهَّرَةً عَنْ فِعْلِ ما لا

صفحة ٩٤

يَنْبَغِي، فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُونَهم بِطَهارَةِ الباطِنِ، وذَلِكَ بِالمُجاهَدَةِ في إزالَةِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وتَحْصِيلِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وأوائِلُها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] وذَلِكَ لِأنّا ذَكَرْنا أنَّ العَقائِدَ الفاسِدَةَ والأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ جارِيَةٌ مَجْرى الأمْراضِ، فَإذا زالَتْ فَقَدْ حَصَلَ الشِّفاءُ لِلْقَلْبِ، وصارَ جَوْهَرُ الرُّوحِ مُطَهَّرًا عَنْ جَمِيعِ النُّقُوشِ المانِعَةِ عَنْ مُطالَعَةِ عالَمِ المَلَكُوتِ.

والمَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الهُدى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بَعْدَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ النّاطِقَةِ قابِلٌ لِلْجَلايا القُدْسِيَّةِ والأضْواءِ الإلَهِيَّةِ، وفَيْضُ الرَّحْمَةِ عامٌّ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لَها» “ وأيْضًا فالمَنعُ إنَّما يَكُونُ إمّا لِلْعَجْزِ أوْ لِلْجَهْلِ أوْ لِلْبُخْلِ، والكُلُّ في حَقِّ الحَقِّ مُمْتَنِعٌ، فالمَنعُ في حَقِّهِ مُمْتَنِعٌ، فَعَلى هَذا عَدَمُ حُصُولِ هَذِهِ الأضْواءِ الرُّوحانِيَّةِ إنَّما كانَ لِأجْلِ أنَّ العَقائِدَ الفاسِدَةَ والأخْلاقَ الذَّمِيمَةَ طَبْعُها طَبْعُ الظُّلْمَةِ، وعِنْدَ قِيامِ الظُّلْمَةِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ النُّورِ، فَإذا زالَتْ تِلْكَ الأحْوالُ، فَقَدْ زالَ العائِقُ، فَلا بُدَّ وأنْ يَقَعَ ضَوْءُ عالَمِ القُدْسِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ، ولا مَعْنى لِذَلِكَ الضَّوْءِ إلّا الهُدى، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ تَصِيرُ هَذِهِ النَّفْسُ بِحَيْثُ قَدِ انْطَبَعَ فِيها نَقْشُ المَلَكُوتِ وتَجَلّى لَها قُدْسُ اللّاهُوتِ، وأوَّلُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٧] وأوْسَطُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] وآخِرُها قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] ومَجْمُوعُها قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] وسَيَجِيءُ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآياتِ في مَواضِعِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وهُدًى﴾ .

وأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ البالِغَةُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِجِ الرَّبّانِيَّةِ بِحَيْثُ تَفِيضُ أنْوارُها عَلى أرْواحِ النّاقِصِينَ فَيْضَ النُّورِ مِن جَوْهَرِ الشَّمْسِ عَلى أجْرامِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ أرْواحَ المُعانِدِينَ لا تَسْتَضِيءُ بِأنْوارِ أرْواحِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ لِأنَّ الجِسْمَ القابِلَ لِلنُّورِ عَنْ قُرْصِ الشَّمْسِ هو الَّذِي يَكُونُ وجْهُهُ مُقابِلًا لِوَجْهِ الشَّمْسِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ المُقابَلَةُ لَمْ يَقَعْ ضَوْءُ الشَّمْسِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ كَلُّ رُوحٍ لَمّا لَمْ تَتَوَجَّهْ إلى خِدْمَةِ أرْواحِ الأنْبِياءِ المُطَهَّرِينَ، لَمْ تَنْتَفِعْ بِأنْوارِهِمْ، ولَمْ يَصِلْ إلَيْها آثارُ تِلْكَ الأرْواحِ المُطَهَّرَةِ المُقَدَّسَةِ، وكَما أنَّ الأجْسامَ الَّتِي لا تَكُونُ مُقابِلَةً لِقُرْصِ الشَّمْسِ مُخْتَلِفَةُ الدَّرَجاتِ والمَراتِبِ في البُعْدِ عَنْ هَذِهِ المُقابَلَةِ، ولا تَزالُ تَتَزايَدُ دَرَجاتُ هَذا البُعْدِ حَتّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ الجِسْمُ إلى غايَةِ بُعْدِهِ عَنْ مُقابَلَةِ قُرْصِ الشَّمْسِ، فَلا جَرَمَ يَبْقى خالِصَ الظُّلْمَةِ، فَكَذَلِكَ تَتَفاوَتُ مَراتِبُ النُّفُوسِ في قَبُولِ هَذِهِ الأنْوارِ عَنْ أرْواحِ الأنْبِياءِ ولا تَزالُ تَتَزايَدُ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى النَّفْسِ الَّتِي كَمُلَتْ ظُلْمَتُها، وعَظُمَتْ شَقاوَتُها، وانْتَهَتْ في العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ إلى أقْصى الغاياتِ، وأبْعَدِ النِّهاياتِ، فالحاصِلُ أنَّ المَوْعِظَةَ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ، والشِّفاءُ إشارَةٌ إلى تَطْهِيرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهو الطَّرِيقَةُ، والهُدى وهو إشارَةٌ إلى ظُهُورِ نُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ، والرَّحْمَةُ وهي إشارَةٌ إلى كَوْنِها بالِغَةً في الكَمالِ والإشْراقِ إلى حَيْثُ تَصِيرُ مُكَمِّلَةً لِلنّاقِصِينَ وهي النُّبُوَّةُ، فَهَذِهِ دَرَجاتٌ عَقْلِيَّةٌ ومَراتِبُ بُرْهانِيَّةٌ، مَدْلُولٌ عَلَيْها بِهَذِهِ

صفحة ٩٥

الألْفاظِ القُرْآنِيَّةِ لا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ولا تَقْدِيمُ ما تَأخَّرَ ذِكْرُهُ، ولَمّا نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ قالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الإشارَةُ إلى ما قَرَّرَهُ حُكَماءُ الإسْلامِ مِن أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ أفْضَلُ مِنَ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ وقَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبالَغَةُ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ؛ انْتَهى.

10:58Page 215

قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٥٨

Say, "In the bounty of Allāh and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وتَقْدِيرُهُ: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: ”بِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا“ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ. وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، يَعْنِي يَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ إلّا بِذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَجِبُ أنْ لا يَفْرَحَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُحَقِّقِينَ قالُوا: لا مَعْنى لِهَذِهِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ إلّا دَفْعُ الآلامِ، والمَعْنى العَدَمِيُّ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَحَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّذّاتُ صِفاتٍ ثُبُوتِيَّةً، لَكِنَّها مَعْنَوِيَّةٌ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّضَرُّرَ بِآلامِها أقْوى مِنَ الِانْتِفاعِ بِلَذّاتِها ألا تَرى أنَّ أقْوى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ لَذَّةَ الوِقاعِ، ولا شَكَّ أنَّ الِالتِذاذَ بِها أقَلُّ مَرْتَبَةً مِنَ الِاسْتِضْرارِ بِألَمِ القُولَنْجِ وسائِرِ الآلامِ القَوِيَّةِ.

والثّانِي: أنَّ مَداخِلَ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ قَلِيلَةٌ، فَإنَّهُ لا سَبِيلَ إلى تَحْصِيلِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ إلّا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أعْنِي لَذَّةَ البَطْنِ والفَرْجِ.

وأمّا الآلامُ: فَإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ بَدَنِ الإنْسانِ مَعَهُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الآلامِ، ولِكُلِّ نَوْعٍ مِنها خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِلنَّوْعِ الآخَرِ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لا تَكُونُ خالِصَةً ألْبَتَّةَ بَلْ تَكُونُ مَمْزُوجَةً بِأنْواعٍ مِنَ المَكارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ في لَذَّةِ الأكْلِ والوِقاعِ إلّا إتْعابُ النَّفْسِ في مُقَدِّماتِها وفي لَواحِقِها لَكَفى.

الرّابِعُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ لا تَكُونُ باقِيَةً، فَكُلَّما كانَ الِالتِذاذُ بِها أكْثَرَ كانَتِ الحَسَراتُ الحاصِلَةُ مِن خَوْفِ فَواتِها أكْثَرَ وأشَدَّ، ولِذَلِكَ قالَ المَعَرِّيُّ:

إنَّ حُزْنًا في ساعَةِ المَوْتِ أضْعا فُ سُرُورٍ في ساعَةِ المِيلادِ

فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ الفَرَحَ الحاصِلَ عِنْدَ حُدُوثِ الوَلَدِ لا يُعادِلُ الحُزْنَ الحاصِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ.

الخامِسُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ حالَ حُصُولِها تَكُونُ مُمْتَنِعَةَ البَقاءِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ الأكْلِ لا تَبْقى بِحالِها، بَلْ كُلَّما زالَ ألَمُ الجُوعِ زالَ الِالتِذاذُ بِالأكْلِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِبْقاءُ تِلْكَ اللَّذَّةِ.

السّادِسُ: أنَّ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةَ التِذاذٌ بِأشْياءٍ خَسِيسَةٍ، فَإنَّها التِذاذٌ بِكَيْفِيّاتٍ حاصِلَةٍ في أجْسامٍ رَخْوَةٍ، سَرِيعَةِ الفَسادِ، مُسْتَعِدَّةٍ لِلتَّغَيُّرِ، فَأمّا اللَّذّاتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها بِالضِّدِّ في جَمِيعِ هَذِهِ الجِهاتِ، فَثَبَتَ أنَّ الفَرَحَ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ فَرَحٌ باطِلٌ، وأمّا الفَرَحُ الكامِلُ فَهو الفَرَحُ بِالرُّوحانِيّاتِ والجَواهِرِ المُقَدَّسَةِ وعالَمِ الجَلالِ ونُورِ الكِبْرِياءِ.

والبَحْثُ الثّانِي مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ إذا حَصَلَتِ اللَّذّاتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَفْرَحَ بِها مِن حَيْثُ هي هي، بَلْ يَجِبُ أنْ يَفْرَحَ بِها مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ الصِّدِّيقُونَ: مَن فَرِحَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها تِلْكَ النِّعْمَةُ فَهو مُشْرِكٌ، أمّا مَن فَرِحَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ اللَّهِ كانَ فَرَحُهُ بِاللَّهِ، وذَلِكَ هو غايَةُ الكَمالِ ونِهايَةُ السَّعادَةِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ يَعْنِي فَلْيَفْرَحُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ لا مِن حَيْثُ هي هي، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَةِ اللَّهِ، فَهَذِهِ أسْرارٌ عالِيَةٌ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ الألْفاظُ الَّتِي ظَهَرَتْ مِن عالَمِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، هَذا ما تَلَخَّصَ عِنْدَنا في هَذا البابِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَقالُوا: فَضْلُ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ

صفحة ٩٦

الخُدْرِيُّ: فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”فَلْتَفْرَحُوا“ بِالتّاءِ، قالَ الفَرّاءُ: وقَدْ ذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ وقالَ: مَعْناهُ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرِحُوا يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُ الكُفّارُ، قالَ: وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ القِراءَةِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا“ والأصْلُ في الأمْرِ لِلْمُخاطَبِ والغائِبِ اللّامُ، نَحْوَ لِتَقُمْ يا زَيْدُ، ولْيَقُمْ زَيْدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُكْمَ الأمْرِ في الصُّورَتَيْنِ واحِدٌ، إلّا أنَّ العَرَبَ حَذَفُوا اللّامَ مِن فِعْلِ المَأْمُورِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ، وحَذَفُوا التّاءَ أيْضًا وأدْخَلُوا ألِفَ الوَصْلِ، نَحْوَ اضْرِبْ واقْتُلْ، لِيَقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَعِيبُ قَوْلَهم فَلْيَفْرَحُوا لِأنَّهُ وجَدَهُ قَلِيلًا فَجَعَلَهُ عَيْبًا إلّا أنَّ ذَلِكَ هو الأصْلُ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قالَ في بَعْضِ المَشاهِدِ: ”لِتَأْخُذُوا مَصافَّكم» “ يُرِيدُ بِهِ خُذُوا، هَذا كُلُّهُ كَلامُ الفَرّاءِ.

وقُرِئَ ”تَجْمَعُونَ“ بِالتّاءِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ تَعالى عَنى المُخاطَبِينَ والغائِبِينَ إلّا أنَّهُ غَلَّبَ المُخاطَبَ عَلى الغائِبِ كَما يُغَلَّبُ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْنِيثِ، فَكَأنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، هَكَذا قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ وفِيهِ دَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ وهو أنَّ الإنْسانَ حَصَلَ فِيهِ مَعْنًى يَدْعُوهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى الِاتِّصالِ بِعالَمِ الغَيْبِ ومَعارِجِ الرُّوحانِيّاتِ، وفِيهِ مَعْنًى آخَرُ يَدْعُوهُ إلى عالَمِ الحِسِّ والجِسْمِ واللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ، وما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِهَذا الجَسَدِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ حُبِّ الجَسَدِ، وعَنْ طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى خاطَبَ الصِّدِّيقِينَ العارِفِينَ، وقالَ: حَصَلَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ الحَوادِثِ العَقْلِيَّةِ الإلَهِيَّةِ وبَيْنَ النَّوازِعِ النَّفْسانِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ، والتَّرْجِيحُ لِجانِبِ العَقْلِ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ والنَّفْسُ تَدْعُو إلى جَمْعِ الدُّنْيا وشَهَواتِها، وفَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَكم مِمّا تَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ وأبْقى، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو أوْلى بِالطَّلَبِ والتَّحْصِيلِ.

10:59–60Page 215

قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ ٥٩

Say, "Have you seen what Allāh has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allāh permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allāh?"

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٦٠

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allāh on the Day of Resurrection?1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا، ولا أسْتَحْسِنُ واحِدًا مِنها.

والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ طَرِيقٍ ثالِثٍ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ. وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِلْقَوْمِ: ”إنَّكم تَحْكُمُونَ بِحِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ وحُرْمَةِ بَعْضِها، فَهَذا الحُكْمُ تَقُولُونَهُ عَلى سَبِيلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ حُكْمٌ حَكَمَ اللَّهُ بِهِ“ والأوَّلُ طَرِيقٌ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّانِي، ثُمَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى ما خاطَبَكم بِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، ولَمّا بَطُلَ هَذا، ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ إنَّما وصَلَتْ إلَيْكم بِقَوْلِ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْكم، ونَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْكم، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ

صفحة ٩٧

حُكْمَهم بِحِلِّ بَعْضِ الأشْياءِ وحُرْمَةِ بَعْضِها مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الصِّفاتِ المَحْسُوسَةِ والمَنافِعِ المَحْسُوسَةِ، يَدُلُّ عَلى اعْتِرافِكم بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تُبالِغُوا هَذِهِ المُبالَغاتِ العَظِيمَةَ في إنْكارِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ وحَمْلِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ طَرِيقٌ حَسَنٌ مَعْقُولٌ.

الطَّرِيقُ الثّانِي: في حُسْنِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ وبَيَّنَ فَسادَ سُؤالاتِهِمْ وشُبُهاتِهِمْ في إنْكارِها، أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَسادِ طَرِيقَتِهِمْ في شَرائِعِهِمْ وأحْكامِهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ لا عَقْلٌ ولا نَقْلٌ -طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، والمَقْصُودُ إبْطالُ مَذاهِبِ القَوْمِ في أدْيانِهِمْ، وفي أحْكامِهِمْ، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ في بابٍ مِنَ الأبْوابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالشَّيْءِ الَّذِي جَعَلُوهُ حَرامًا ما ذَكَرُوهُ مِن تَحْرِيمِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ تَقَدَّمَ مِنهم، ولَمْ يَحْكِ اللَّهُ تَعالى عَنْهم إلّا هَذا، فَوَجَبَ تَوَجُّهُ هَذا الكَلامِ إلَيْهِ، ثُمَّ لَمّا حَكى تَعالى عَنْهم ذَلِكَ قالَ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وهَذِهِ القِسْمَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأحْكامَ إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ لَمْ تَكُنْ مِنَ اللَّهِ، فَإنْ كانَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ وإنْ كانَتْ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وهَذا وإنْ كانَ في صُورَةِ الِاسْتِعْلامِ فالمُرادُ مِنهُ تَعْظِيمُ وعِيدِ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ”وما ظَنَّ“عَلى لَفْظِ الفِعْلِ ومَعْناهُ أيْ ظَنٌّ ظَنُّوهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي لِما ذَكَرْنا أنَّ أحْوالَ القِيامَةِ وإنْ كانَتْ آتِيَةً إلّا أنَّها لَمّا كانَتْ واجِبَةَ الوُقُوعِ في الحِكْمَةِ ولا جَرَمَ عَبَّرَ اللَّهُ عَنْها بِصِيغَةِ الماضِي.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ بِإعْطاءِ العَقْلِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَلا يَسْتَعْمِلُونَ العَقْلَ في التَّأمُّلِ في دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى ولا يَقْبَلُونَ دَعْوَةَ أنْبِياءِ اللَّهِ ولا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِ كُتُبِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي فَيَنْتَصِبُ بِ ”رَأيْتُمْ“ والآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”أيٍّ“ في الِاسْتِفْهامِ، فَيَنْتَصِبُ بِ ”أنْزَلَ“ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، ومَعْنى أنْزَلَ هَهُنا خَلَقَ وأنْشَأ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] وجازَ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الخَلْقِ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ مِن رِزْقٍ فَمِمّا أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ مِن ضَرْعٍ وزَرْعٍ وغَيْرِهِما، فَلَمّا كانَ إيجادُهُ بِالإنْزالِ سُمِّيَ إنْزالًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском