Ar-RaziYunus · 10:61–64

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:61–64

10:61Page 215

وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١

And, [O Muḥammad], you are not [engaged] in any matter and do not recite any of the Qur’ān and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight1 within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.

صفحة ٩٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا أطالَ الكَلامَ في أمْرِ الرَّسُولِ بِإيرادِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ مَذاهِبِ الكُفّارِ، وفي أمْرِهِ بِإيرادِ الجَوابِ عَنْ شُبُهاتِهِمْ، وفي أمْرِهِ بِتَحَمُّلِ أذاهم، وبِالرِّفْقِ مَعَهم، ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَحْصُلَ بِهِ تَمامُ السَّلْوَةِ والسُّرُورِ لِلْمُطِيعِينَ، وتَمامُ الخَوْفِ والفَزَعِ لِلْمُذْنِبِينَ، وهو كَوْنُهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِعَمَلِ كُلِّ واحِدٍ، وبِما في قَلْبِهِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ نُسُكًا وطاعَةً وزُهْدًا وتَقْوى، ويَكُونُ باطِنُهُ مَمَلُوءًا مِنَ الخَبَثِ، ورُبَّما كانَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ. فَإذا كانَ الحَقُّ سُبْحانَهُ عالِمًا بِما في البَواطِنِ كانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ السُّرُورِ لِلْمُطِيعِينَ ومِن أعْظَمِ أنْواعِ التَّهْدِيدِ لِلْمُذْنِبِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَصَّصَ الرَّسُولَ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ بِالخِطابِ في أمْرَيْنِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ مَعَ كُلِّ المُكَلَّفِينَ في شَيْءٍ واحِدٍ.

أمّا الأمْرانِ المَخْصُوصانِ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

فالأوَّلُ مِنهُما قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ واعْلَمْ أنَّ ”ما“ هَهُنا جَحْدٌ، والشَّأْنُ الخَطْبُ والجَمْعُ الشُّئُونُ، تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأْنُ فُلانٍ؛ أيْ ما حالُهُ.

قالَ الأخْفَشُ: وتَقُولُ ما شَأنْتُ شَأْنَهُ أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ في شَأْنِ مَن يُرِيدُ أعْمالَ البِرِّ.

وقالَ الحَسَنُ: في شَأْنٍ مِن شَأْنِ الدُّنْيا وحَوائِجِكَ فِيها.

والثّانِي مِنهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”مِنهُ“ إلى ماذا يَعُودُ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّأْنِ، لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ شَأْنٌ مِن شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ هو مُعْظَمُ شَأْنِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَكانَ هَذا داخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ إلّا أنَّهُ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وكَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧]

الثّانِي: أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَتْلُو مِنَ القُرْآنِ مِن قُرْآنٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أنَّ القُرْآنَ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، فَكَذَلِكَ هو اسْمٌ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ القُرْآنِ، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما تَتْلُو مِن قُرْآنٍ مِنَ اللَّهِ أيْ نازِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وأقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ أمْرانِ مَخْصُوصانِ بِالرَّسُولِ ﷺ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فَهَذا خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ومَعَ جَمِيعِ الأُمَّةِ.

والسَّبَبُ في أنْ خَصَّ الرَّسُولَ بِالخِطابِ أوَّلًا، ثُمَّ عَمَّمَ الخِطابَ مَعَ الكُلِّ، هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ خِطابًا مُخْتَصًّا بِالرَّسُولِ، إلّا أنَّ الأُمَّةَ داخِلُونَ فِيهِ ومُرادُونَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إذا خُوطِبَ رَئِيسُ القَوْمِ كانَ القَوْمُ داخِلِينَ في ذَلِكَ الخِطابِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [ الطَّلاقِ: ١ ) ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ خَصَّ الرَّسُولَ بِذَيْنِكَ الخِطابَيْنِ عَمَّمَ الكُلَّ بِالخِطابِ الثّالِثِ فَقالَ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في الخِطابَيْنِ الأوَّلَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شاهِدٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وعالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ،

صفحة ٩٩

أمّا عَلى أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، لِأنَّهُ لا مُحْدِثَ ولا خالِقَ ولا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ تَعالى.

فَكُلُّ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ مِن أفْعالِ العِبادِ وأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَكُلُّها حَصَلَتْ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى وإحْداثِهِ.

والمُوجِدُ لِلشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عالِمًا بِهِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.

وأمّا عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى حَيٌّ، وكُلُّ مَن كانَ حَيًّا، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْلُوماتِ، والمُوجِبُ لِتِلْكَ العالِمِيَّةِ، هو ذاتُهُ سُبْحانَهُ.

فَنِسْبَةُ ذاتِهِ إلى اقْتِضاءِ حُصُولِ العالِمِيَّةِ بِبَعْضِ المَعْلُوماتِ كَنِسْبَةِ ذاتِهِ إلى اقْتِضاءِ حُصُولِ العالِمِيَّةِ بِسائِرِ المَعْلُوماتِ، فَلَمّا اقْتَضَتْ ذاتُهُ حُصُولَ العالِمِيَّةِ بِبَعْضِ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ تَقْتَضِيَ حُصُولَ العالِمِيَّةِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإفاضَةَ هَهُنا الدُّخُولُ في العَمَلِ عَلى جِهَةِ الِانْصِبابِ إلَيْهِ، وهو الِانْبِساطُ في العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ إذا انْدَفَعُوا فِيهِ، وقَدْ أفاضُوا مِن عَرَفَةَ إذا دَفَعُوا مِنهُ بِكَثْرَتِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا.

فَإنْ قِيلَ: ”إذْ“ هَهُنا بِمَعْنى حِينَ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا حِينَ تُفِيضُونَ فِيهِ، وشَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى ما عَلِمَ الأشْياءَ إلّا عِنْدَ وُجُودِها، وذَلِكَ باطِلٌ.

قُلْنا: هَذا السُّؤالُ بِناءً عَلى أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عِبادَةٌ عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ الشَّهادَةَ لا تَكُونُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وأمّا العِلْمُ فَلا يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُهُ عَلى الشَّيْءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ أخْبَرَنا عَنْ زَيْدٍ أنَّهُ يَأْكُلُ غَدًا كُنّا مِن قَبْلِ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ عالِمِينَ بِها ولا نُوصَفُ بِكَوْنِنا شاهِدِينَ لَها.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الكَلِماتِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ شَيْءٌ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الكَلامَ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ العُزُوبِ مِنَ البُعْدِ، يُقالُ: كَلَأٌ عازِبٌ إذا كانَ بَعِيدَ المَطْلَبِ، وعَزَبَ الرَّجُلُ بِإبِلِهِ إذا أرْسَلَها إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنَ المَنزِلِ، والرَّجُلُ سُمِّيَ عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنِ الأهْلِ، وعَزَبَ الشَّيْءُ عَنْ عِلْمِي إذا بَعُدَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ ”وما يَعْزِبُ“ بِكَسْرِ الزّايِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وفِيهِ لُغَتانِ: عَزَبَ يَعْزُبُ، وعَزَبَ يَعْزِبُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ أيْ وزْنِ ذَرَّةٍ، ومِثْقالُ الشَّيْءِ ما يُساوِيهِ في الثِّقَلِ، والمَعْنى: ما يُساوِي ذَرَّةً، والذَّرُّ صِغارُ النَّمْلِ واحِدُها ذَرَّةٌ، وهي تَكُونُ خَفِيفَةَ الوَزْنِ جِدًّا، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ الأرْضِ هَهُنا عَلى ذِكْرِ السَّماءِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سبأ: ٣] .

قُلْنا: حَقُّ السَّماءِ أنْ تُقَدَّمَ عَلى الأرْضِ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ شَهادَتَهُ عَلى أحْوالِ أهْلِ الأرْضِ وأعْمالِهِمْ، ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ لا يَعْزُبُ عَنْهُ، ناسَبَ أنْ تُقَدَّمَ الأرْضُ عَلى السَّماءِ في هَذا المَوْضِعِ.

* * *

صفحة ١٠٠

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ وفِيهِ قِراءَتانِ؛ قَرَأ حَمْزَةُ ”ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ“ بِالرَّفْعِ فِيهِما، والباقُونَ بِالنَّصْبِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، فَلَفْظُ ”مِثْقالٍ“ عِنْدَ دُخُولِ كَلِمَةِ ”مِن“ عَلَيْهِ مَجْرُورٌ، بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ مَرْفُوعٌ في المَعْنى، فالمَعْطُوفُ عَلَيْهِ إنْ عُطِفَ عَلى الظّاهِرِ كانَ مَجْرُورًا، إلّا أنَّ لَفْظَ أصْغَرَ وأكْبَرَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، فَكانَ مَفْتُوحًا، وإنْ عُطِفَ عَلى المَحَلِّ، وجَبَ كَوْنُهُ مَرْفُوعًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ما أتانِي مِن أحَدٍ عاقِلٍ وعاقِلٍ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وغَيْرُهُ.

وقالَ الشّاعِرُ:

فَلَسْنا بِالجِبالِ ولا الحَدِيدا

هَذا ما ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَوْ صَحَّ هَذا العَطْفُ لَصارَ تَقْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وما يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ. وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الَّذِي في الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّهُ باطِلٌ.

وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ العُزُوبَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الأشْياءُ المَخْلُوقَةُ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالمَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ اللَّهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ، مِثْلُ الحَوادِثِ الحادِثَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ قَدْ يَتَباعَدُ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ والمَعْلُولِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، وهو كِتابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى وأثْبَتَ صُوَرَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فِيهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ كانَ عالِمًا بِها مُحِيطًا بِأحْوالِها، والغَرَضُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّهُ تَعالى غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] .

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنْ نَجْعَلَ كَلِمَةَ ”إلّا“ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، لَكِنْ بِمَعْنى هو في كِتابٍ مُبِينٍ.

وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ صاحِبُ ”النَّظْمِ“ عَنْهُ جَوابًا آخَرَ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ هَهُنا تَمَّ الكَلامُ وانْقَطَعَ. ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِكَلامٍ آخَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.

قالَ: والعَرَبُ تَضَعُ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”واوِ النَّسَقِ“ كَثِيرًا عَلى مَعْنى الِابْتِداءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [ النَّمْلِ: ١٠ - ١١] يَعْنِي، ومَن ظَلَمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] يَعْنِي والَّذِينَ ظَلَمُوا. وهَذا الوَجْهُ في غايَةِ التَّعَسُّفِ.

وأجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ بِوَجْهٍ رابِعٍ فَقالَ: الإشْكالُ إنَّما جاءَ إذا عَطَفْنا قَوْلَهُ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ إمّا بِحَسَبِ الظّاهِرِ أوْ بِحَسَبِ المَحَلِّ، لَكِنّا

صفحة ١٠١

لا نَقُولُ ذَلِكَ، بَلْ نَقُولُ: الوَجْهُ في القِراءَةِ بِالنَّصْبِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ﴾ الحَمْلُ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، وفي القِراءَةِ بِالرَّفْعِ الحَمْلُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وهَذا الوَجْهُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

10:62–64Page 216

أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Unquestionably, [for] the allies of Allāh there will be no fear concerning them, nor will they grieve -

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣

Those who believed and were fearing Allāh.

لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٤

For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words [i.e., decrees] of Allāh. That is what is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] مِمّا يُقَوِّي قُلُوبَ المُطِيعِينَ، ومِمّا يَكْسِرُ قُلُوبَ الفاسِقِينَ، فَأتْبَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِشَرْحِ أحْوالِ المُخْلِصِينَ الصّادِقِينَ الصِّدِّيقِينَ، وهو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا نَحْتاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى أنْ نُبَيِّنَ أنَّ الوَلِيَّ مَن هو ؟ ثُمَّ نُبَيِّنَ تَفْسِيرَ نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهُ.

فَنَقُولُ: أمّا إنَّ الوَحْيَ مَن هو ؟ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والأثَرُ والمَعْقُولُ.

أمّا القُرْآنُ، فَهو قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ”آمَنُوا“ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ.

وفِيهِ مَقامٌ آخَرُ، وهو أنْ يُحْمَلَ الإيمانُ عَلى مَجْمُوعِ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، ثُمَّ نَصِفَ الوَلِيَّ بِأنَّهُ كانَ مُتَّقِيًا في الكُلِّ.

أمّا التَّقْوى في مَوْقِفِ العِلْمِ فَلِأنَّ جَلالَ اللَّهِ أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عَقْلُ البَشَرِ، فالصِّدِّيقُ إذا وصَفَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الجَلالِ، فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ عَنْ أنْ يَكُونَ كَمالُهُ وجَلالُهُ مُقْتَصِرًا عَلى ذَلِكَ المِقْدارِ الَّذِي عَرَفَهُ ووَصَفَهُ بِهِ، وإذا عَبَدَ اللَّهَ تَعالى فَهو يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ الخِدْمَةُ اللّائِقَةُ بِكِبْرِيائِهِ مُتَقَدِّرَةً بِذَلِكَ المِقْدارِ. فَثَبَتَ أنَّهُ أبَدًا يَكُونُ في مَقامِ الخَوْفِ والتَّقْوى.

وأمّا الأخْبارُ فَكَثِيرَةٌ: رَوى عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«هم قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ» “ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ تَعالى بِرُؤْيَتِهِمْ» “ .

قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: السَّبَبُ فِيهِ أنَّ مُشاهَدَتَهم تُذَكِّرُ أمْرَ الآخِرَةِ لِما يُشاهَدُ فِيهِمْ مِن آياتِ الخُشُوعِ والخُضُوعِ، ولِما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] .

وأمّا الأثَرُ: فَقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم بِالبُرْهانِ، وتَوَلَّوُا القِيامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والدَّعْوَةِ إلَيْهِ.

وأمّا المَعْقُولُ فَنَقُولُ: ظَهَرَ في عِلْمِ الِاشْتِقاقِ أنَّ تَرْكِيبَ الواوِ واللّامِ والياءِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى القُرْبِ، فَوَلِيُّ كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي يَكُونُ قَرِيبًا مِنهُ، والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمَكانِ والجِهَةِ مُحالٌ، فالقُرْبُ مِنهُ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ القَلْبُ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى سُبْحانَهُ، فَإنْ رَأى رَأى دَلائِلَ قُدْرَةِ اللَّهِ، وإنْ سَمِعَ سَمِعَ آياتِ اللَّهِ، وإنْ نَطَقَ نَطَقَ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ، وإنْ تَحَرَّكَ تَحَرَّكَ في خِدْمَةِ اللَّهِ، وإنِ اجْتَهَدَ اجْتَهَدَ في طاعَةِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الشَّخْصُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ تَعالى، وإذا كانَ

صفحة ١٠٢

كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ تَعالى ولِيًّا لَهُ أيْضًا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ويَجِبُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ القُرْبَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ الجانِبَيْنِ.

وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: ولِيُّ اللَّهِ مَن يَكُونُ آتِيًا بِالِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ المَبْنِيِّ عَلى الدَّلِيلِ ويَكُونُ آتِيًا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى وفْقِ ما ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَهَذا كَلامٌ مُخْتَصَرٌ في تَفْسِيرِ الوَلِيِّ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الخَوْفَ إنَّما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى أنَّهُ يَخافُ حُدُوثَ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَخُوفِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ عَلى الماضِي إمّا لِأجْلِ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في الماضِي ما كَرِهَهُ أوْ لِأنَّهُ فاتَ شَيْءٌ أحَبَّهُ.

البَحْثُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ نَفْيَ الحُزْنِ والخَوْفِ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْأوْلِياءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا أوْ حالَ انْتِقالِهِمْ إلى الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا لا يَحْصُلُ في دارِ الدُّنْيا لِأنَّها دارُ خَوْفٍ وحُزْنٍ والمُؤْمِنُ خُصُوصًا لا يَخْلُو مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وعَلى ما قالَ: ”«حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» “

وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ، وإنْ صَفا عَيْشُهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن هَمٍّ بِأمْرِ الآخِرَةِ شَدِيدٍ، وحُزْنٍ عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ القِيامِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطُلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ، فَهَذا كَلامٌ مُحَقَّقٌ.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ الوِلايَةَ عِبارَةٌ عَنِ القُرْبِ، فَوَلِيُّ اللَّهِ تَعالى هو الَّذِي يَكُونُ في غايَةِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا التَّقْرِيرُ قَدْ فَسَّرْناهُ بِاسْتِغْراقِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَيْءٌ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَفي هَذِهِ السّاعَةِ تَحْصُلُ الوِلايَةُ التّامَّةُ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ حاصِلَةً، فَإنَّ صاحِبَها لا يَخافُ شَيْئًا، ولا يَحْزَنُ بِسَبَبِ شَيْءٍ، وكَيْفَ يُعْقَلُ ذَلِكَ والخَوْفُ مِنَ الشَّيْءِ والحُزْنُ عَلى الشَّيْءِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ الشُّعُورِ بِهِ، والمُسْتَغْرِقُ في نُورِ جَلالِ اللَّهِ غافِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ خَوْفٌ أوْ حُزْنٌ ؟ وهَذِهِ دَرَجَةٌ عالِيَةٌ، ومَن لَمْ يَذُقْها لَمْ يَعْرِفْها.

ثُمَّ إنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالَةِ قَدْ تَزُولُ عَنْهُ الحالَةُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحُزْنُ والرَّجاءُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ بِسَبَبِ الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ، كَما يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ. وسَمِعْتُ أنَّ إبْراهِيمَ الخَوّاصَ كانَ بِالبادِيَةِ ومَعَهُ واحِدٌ يَصْحَبُهُ، فاتَّفَقَ في بَعْضِ اللَّيالِي ظُهُورُ حالَةٍ قَوِيَّةٍ وكَشْفٍ تامٍّ لَهُ، فَجَلَسَ في مَوْضِعِهِ وجاءَتِ السُّباعُ ووَقَفُوا بِالقُرْبِ مِنهُ، والمُرِيدُ تَسَلَّقَ عَلى رَأْسِ شَجَرَةِ خَوْفًا مِنها والشَّيْخُ ما كانَ فازِعًا مِن تِلْكَ السِّباعِ، فَلَمّا أصْبَحَ وزالَتْ تِلْكَ الحالَةُ، فَفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ وقَعَتْ بَعُوضَةٌ عَلى يَدِهِ فَأظْهَرَ الجَزَعَ مِن تِلْكَ البَعُوضَةِ، فَقالَ المُرِيدُ: كَيْفَ تَلِيقُ هَذِهِ الحالَةُ بِما قَبْلَها ؟ فَقالَ الشَّيْخُ: إنّا إنَّما تَحَمَّلْنا البارِحَةَ ما تَحَمَّلْناهُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الوارِدِ الغَيْبِيِّ، فَلَمّا غابَ ذَلِكَ الوارِدُ فَأنا أضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أهْلَ الثَّوابِ لا يَحْصُلُ لَهم خَوْفٌ في مَحْفِلِ القِيامَةِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وأيْضًا فالقِيامَةُ دارُ الجَزاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إيصالُ الخَوْفِ، ومِنهم مَن قالَ: بَلْ يَحْصُلُ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الخَوْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ أخْبارًا تَدُلُّ عَلَيْهِ إلّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ أوْلى مِن خَبَرِ الواحِدِ.

* * *

صفحة ١٠٣

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: النَّصْبُ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْأوْلِياءِ.

والثّانِي: النَّصْبُ عَلى المَدْحِ.

والثّالِثُ: الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ لَهُمُ البُشْرى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ قالَ: ”«البُشْرى هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ» “ وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا حَلَمَ أحَدُكم حُلْمًا يَخافُهُ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنهُ ولْيَبْصُقْ عَنْ شِمالِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَإنَّهُ لا يَضُرُّهُ» “ وعَنْهُ ﷺ: ”«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءً مِنَ النُّبُوَّةِ» “ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: الهَمُّ يُهَمُّ بِهِ الرَّجُلُ مِنَ النَّهارِ فَيَراهُ في اللَّيْلِ، وحُضُورُ الشَّيْطانِ، والرُّؤْيا الَّتِي هي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ.

وعَنْ إبْراهِيمَ الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: فالمُبَشِّرَةُ مِنَ اللَّهِ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، والشَّيْءُ يُهَمُّ بِهِ أحَدُكم بِالنَّهارِ فَلَعَلَّهُ يَراهُ بِاللَّيْلِ، والتَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإذا رَأى أحَدُكم ما يُحْزِنُهُ فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِما عاذَتْ بِهِ مَلائِكَةُ اللَّهِ مِن شَرِّ رُؤْيايَ الَّتِي رَأيْتُها أنْ تَضُرَّنِي في دُنْيايَ أوْ في آخِرَتِي.

واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾ عَلى الرُّؤْيا الصّادِقَةِ فَظاهِرُ هَذا النَّصِّ يَقْتَضِي أنْ لا تَحْصُلَ هَذِهِ الحالَةُ إلّا لَهم، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ولِيَّ اللَّهِ هو الَّذِي يَكُونُ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ والرُّوحِ بِذِكْرِ اللَّهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو عِنْدَ النَّوْمِ لا يَبْقى في رُوحِهِ إلّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ ونُورَ جَلالِ اللَّهِ لا يُفِيدُهُ إلّا الحَقُّ والصِّدْقُ، وأمّا مَن يَكُونُ مُتَوَزِّعَ الفِكْرِ عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ الكَدِرِ المُظْلِمِ، فَإنَّهُ إذا نامَ يَبْقى كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ لا اعْتِمادَ عَلى رُؤْياهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ البُشْرى، أنَّها عِبارَةٌ عَنْ مَحَبَّةِ النّاسِ لَهُ وعَنْ ذِكْرِهِمْ إيّاهُ بِالثَّناءِ الحَسَنِ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ ! فَقالَ: ”تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ“» .

واعْلَمْ أنَّ المَباحِثَ العَقْلِيَّةَ تُقَوِّي هَذا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ لا لِغَيْرِهِ، وكُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، صارَ مَحْبُوبًا لِكُلِّ أحَدٍ، ولا كَمالَ لِلْعَبْدِ أعْلى وأشْرَفَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَغْرِقَ القَلْبِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ اللِّسانِ بِذِكْرِ اللَّهِ، مُسْتَغْرِقَ الجَوارِحِ والأعْضاءِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ، فَإذا ظَهَرَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِن هَذا البابِ، صارَتِ الألْسِنَةُ جارِيَةً بِمَدْحِهِ، والقُلُوبُ مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ، وكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ الشَّرِيفَةُ أكْثَرَ، كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ أقْوى، وأيْضًا فَنُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ مَخْدُومٌ بِالذّاتِ، فَفي أيِّ قَلْبٍ حَضَرَ صارَ ذَلِكَ الإنْسانُ مَخْدُومًا بِالطَّبْعِ، ألا تَرى أنَّ البَهائِمَ والسِّباعَ قَدْ تَكُونُ أقْوى مِنَ الإنْسانِ، ثُمَّ إنَّها إذا شاهَدَتِ الإنْسانَ هابَتْهُ وفَرَّتْ مِنهُ وما ذاكَ إلّا لِمَهابَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ البُشْرى أنَّها عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ البُشْرى لَهم عِنْدَ المَوْتِ قالَ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَسَلامُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] وسَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويَنْدَرِجُ في هَذا البابِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذا الكِتابِ

صفحة ١٠٤

الكَرِيمِ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَلْقُونَ فِيها مِنَ الأحْوالِ السّارَّةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المُبَشِّراتِ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَمّا بَشَّرَ اللَّهُ عِبادَهُ المُتَّقِينَ في كِتابِهِ وعَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ مِن جَنَّتِهِ وكِرِيمِ ثَوابِهِ. ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ [التوبة: ٢١] .

واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ البِشارَةِ مُشْتَقٌّ مِن خَبَرٍ سارٍّ يَظْهَرُ أثَرُهُ في بَشَرَةِ الوَجْهِ، فَكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ دَخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ، ومَجْمُوعُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مُشْتَرِكَةٌ في هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ بِالدُّنْيا فَهو داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صِفَةَ أوْلِياءِ اللَّهِ وشَرَحَ أحْوالَهم قالَ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ لا خُلْفَ فِيها، والكَلِمَةُ والقَوْلُ سَواءٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وهَذا أحَدُ ما يُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى وعْدُ اللَّهِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ لِمَن أطاعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] ثُمَّ قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّها قابِلَةٌ لِلتَّبْدِيلِ، وكُلُّ ما قَبِلَ العَدَمَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ النَّسْخِ عَلى أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ قَدِيمًا وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى أمْثالِ هَذِهِ الوُجُوهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском