Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:65–70
10:65–66Page 216
وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٥
And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allāh entirely. He is the Hearing, the Knowing.
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Unquestionably, to Allāh belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allāh do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but misjudging.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا أنْواعَ الشُّبُهاتِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وأجابَ اللَّهُ عَنْها بِالأجْوِبَةِ الَّتِي فَسَّرْناها وقَرَّرْناها، عَدَلُوا إلى طَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهم هَدَّدُوهُ وخَوَّفُوهُ وزَعَمُوا أنّا أصْحابُ التَّبَعِ والمالِ، فَنَسْعى في قَهْرِكَ وفي إبْطالِ أمْرِكَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَحْزَنُ مِن وعِيدِ الغَيْرِ وتَهْدِيدِهِ ومَكْرِهِ وكَيْدِهِ، لَوْ جَوَّزَ كَوْنُهُ مُؤَثِّرًا في حالِهِ، فَإذا عَلِمَ مِن جِهَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ أنَّ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ، خَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِحُزْنِهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى كَما أزالَ عَنِ الرَّسُولِ حُزْنَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] فَكَذَلِكَ أزالَ حُزْنَ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي أرْسَلَهُ إلى الخَلْقِ وهو الَّذِي أمَرَهُ بِدَعْوَتِهِمْ إلى هَذا الدِّينِ كانَ لا مَحالَةَ ناصِرًا لَهُ ومُعِينًا، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ العِزَّةَ والقَهْرَ والغَلَبَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ، فَقَدْ حَصَلَ الأمْنُ وزالَ الخَوْفُ.
صفحة ١٠٥
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ آمَنُهُ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَزَلْ خائِفًا حَتّى احْتاجَ إلى الهِجْرَةِ والهَرَبِ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ يَخافُ حالًا بَعْدَ حالٍ ؟
قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ الظَّفَرَ والنُّصْرَةَ مُطْلَقًا، والوَقْتُ ما كانَ مُعَيَّنًا، فَهو في كُلِّ وقْتٍ كانَ يَخافُ مِن أنْ لا يَكُونَ هَذا الوَقْتُ المُعَيَّنُ ذَلِكَ الوَقْتَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ الِانْكِسارُ والِانْهِزامُ في هَذا الوَقْتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ العِزَّةَ بِالألِفِ المَكْسُورَةِ، وفي فَتْحِها فَسادٌ يُقارِبُ الكُفْرَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُحْزِنُهُ ذَلِكَ.
أمّا إذا كَسَرْتَ الألِفَ كانَ ذَلِكَ اسْتِئْنافًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ عِلْمِ الإعْرابِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ”أنَّ العِزَّةَ“ بِالفَتْحِ عَلى حَذْفِ لامِ العِلَّةِ يَعْنِي: لِأنَّ العِزَّةَ عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ.
البَحْثُ الثّانِي: فائِدَةُ ”﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾“ في هَذا المَقامِ أُمُورٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ جَمِيعَ العِزَّةِ والقُدْرَةِ هي لِلَّهِ تَعالى يُعْطِي ما يَشاءُ لِعِبادِهِ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يُعْطِي الكُفّارَ قُدْرَةً عَلَيْهِ، بَلْ يُعْطِيهِ القُدْرَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَكُونَ هو بِذَلِكَ أعَزَّ مِنهم، فَآمَنَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ مِن إضْرارِ الكُفّارِ بِهِ بِالقَتْلِ والإيذاءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١]
الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّ المُشْرِكِينَ يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ وأمْوالِهِمْ ويُخَوِّفُونَكَ بِها، وتِلْكَ الأشْياءُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى فَهو القادِرُ عَلى أنْ يَسْلُبَ مِنهم كُلَّ تِلْكَ الأشْياءِ وأنْ يَنْصُرَكَ ويَنْقُلَ أمْوالَهم ودِيارَهم إلَيْكَ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كالمُضادَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] .
قُلْنا: لا مُضادَّةَ؛ لِأنَّ عِزَّةَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ كُلَّها بِاللَّهِ فَهي لِلَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيْ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُ ما يَعْزِمُونَ عَلَيْهِ وهو يُكافِئُهم بِذَلِكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا يَعْقِلُ فَهو مُلْكٌ لِلَّهِ تَعالى ومِلْكٌ لَهُ، وأمّا هَهُنا فَكَلِمَةُ ”مَن“ مُخْتَصَّةٌ بِمَن يَعْقِلُ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ العُقَلاءِ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِ اللَّهِ ومِلْكِهِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الآيَتَيْنِ دالًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مُلْكُهُ ومِلْكُهُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾ العُقَلاءُ المُمَيِّزُونَ وهُمُ المَلائِكَةُ والثَّقَلانِ.
وإنَّما خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ إذا كانُوا لَهُ وفي مُلْكِهِ فالجَماداتُ أوْلى بِهَذِهِ العُبُودِيَّةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا في جَعْلِ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ وفي كَلِمَةِ ”ما“ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نَفْيٌ وجَحْدٌ، والمَعْنى أنَّهم ما اتَّبَعُوا شَرِيكَ اللَّهِ تَعالى إنَّما اتَّبَعُوا شَيْئًا ظَنُّوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى.
ومِثالُهُ أنَّ أحَدَنا لَوْ ظَنَّ أنَّ زَيْدًا في الدّارِ وما كانَ فِيها، فَخاطَبَ إنْسانًا في الدّارِ ظَنَّهُ زَيْدًا، فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ خاطَبَ زَيْدًا، بَلْ يُقالُ خاطَبَ مَن ظَنَّهُ زَيْدًا.
الثّانِي: أنَّ ”ما“ اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَتْبَعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، والمَقْصُودُ تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ يَعْنِي أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ.
صفحة ١٠٦
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ والمَعْنى أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا ظُنُونَهُمُ الباطِلَةَ وأوْهامَهُمُ الفاسِدَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الظَّنَّ لا حُكْمَ لَهُ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ وذَكَرْنا مَعْنى الخَرْصِ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
10:67Page 216
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight.1 Indeed in that are signs for a people who listen.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ احْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ اللَّيْلَ لِيَزُولَ التَّعَبُ والكَلالُ بِالسُّكُونِ فِيهِ، وجَعَلَ النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ مُضِيئًا لِتَهْتَدُوا بِهِ في حَوائِجِكم بِالإبْصارِ، والمُبْصِرُ الَّذِي يُبْصِرُ، والنَّهارُ يُبْصَرُ فِيهِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُبْصِرًا عَلى طَرِيقِ نَقْلِ الِاسْمِ مِنَ السَّبَبِ إلى المُسَبِّبِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَهُ إلّا لِهَذا الوَجْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ بِتَخْلِيقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الدَّلائِلِ.
قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (لِتَسْكُنُوا) لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حِكْمَةَ فِيهِ إلّا ذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ تِلْكَ الحِكْمَةِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فالمُرادُ يَتَدَبَّرُونَ ما يَسْمَعُونَ ويَعْتَبِرُونَ بِهِ.
10:68Page 216
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
They1 have said, "Allāh has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority2 for this [claim]. Do you say about Allāh that which you do not know?
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأباطِيلِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ، وهي قَوْلُهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حِكايَةَ قَوْلِ مَن يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلَ مَن يَقُولُ: الأوْثانُ أوْلادُ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ فِيهِمْ قَوْمٌ مِنَ النَّصارى قالُوا ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَنْكَرَ هَذا القَوْلَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا مالِكًا لِكُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وبَيانُ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ مُطْلَقًا عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحْتاجًا لافْتَقَرَ إلى صانِعٍ آخَرَ، وهو مُحالٌ، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا فَإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فَرْدًا مُنَزَّهًا عَنِ الأجْزاءِ
صفحة ١٠٧
والأبْعاضِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ جُزْءٌ مِن أجْزائِهِ، والوَلَدُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَنْفَصِلَ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الإنْسانِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ عَنْ ذَلِكَ الجُزْءِ مِثْلُهُ، وإذا كانَ هَذا مُحالًا ثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الوَلَدِ لَهُ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا كانَ قَدِيمًا أزَلِيًّا باقِيًا سَرْمَدِيًّا، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ، امْتَنَعَ عَلَيْهِ الِانْقِراضُ والِانْقِضاءُ، والوَلَدُ إنَّما يَحْصُلُ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَنْقَضِي، ويَنْقَرِضُ، فَيَكُونُ ولَدُهُ قائِمًا مَقامَهُ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ صاحِبَةٌ ووَلَدٌ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، لِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَكُونُ في حَقِّ مَن يَكُونُ مُحْتاجًا حَتّى يُعِينَهُ ولَدُهُ عَلى المَصالِحِ الحاصِلَةِ والمُتَوَقَّعَةِ، فَمَن كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ولَدُ الحَيَوانِ إنَّما يَكُونُ ولَدًا لَهُ بِشَرْطَيْنِ: إذا كانَ مُساوِيًا لَهُ في الطَّبِيعَةِ والحَقِيقَةِ، ويَكُونُ ابْتِداءُ وُجُودِهِ وتَكَوُّنِهِ مِنهُ، وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ مُطْلَقًا، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَلَوْ كانَ لِواجِبِ الوُجُودِ ولَدٌ، لَكانَ ولَدُهُ مُساوِيًا لَهُ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ولَدُ واجِبِ الوُجُودِ أيْضًا واجِبَ الوُجُودِ، لَكِنَّ كَوْنَهُ واجِبَ الوُجُودِ يَمْنَعُ مِن تَوَلُّدِهِ مِن غَيْرِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِن غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ ولَدًا، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى غَنِيًّا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا ولَدَ لَهُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مَعَ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ في غايَةِ القُوَّةِ.
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ أبٌ وأُمٌّ، وكُلُّ مَن تَقَدَّسَ عَنِ الوالِدَيْنِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُقَدَّسًا عَنِ الأوْلادِ.
فَإنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذا بِالوالِدِ الأوَّلِ ؟
قُلْنا: الوالِدُ الأوَّلُ لا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُ ولَدًا لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الوالِدَ الأوَّلَ مِن أبَوَيْنِ يَقْدُمانِهِ. أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ افْتِقارُهُ إلى أبَوَيْنِ، وإلّا لَما كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا.
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ مُطْلَقًا، وكُلُّ مَن كانَ غَنِيًّا مُطْلَقًا امْتَنَعَ أنْ يَفْتَقِرَ في إحْداثِ الأشْياءِ إلى غَيْرِهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا الوَلَدُ، إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا، فَإنْ كانَ قَدِيمًا فَهو واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنَ الوُجُودِ لافْتَقَرَ إلى المُؤَثِّرِ، وافْتِقارُ القَدِيمِ إلى المُؤَثِّرِ يَقْتَضِي إيجادَ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ، وإذا كانَ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَمْ يَكُنْ ولَدًا لِغَيْرِهِ، بَلْ كانَ مَوْجُودًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وأمّا إنْ كانَ هَذا الوَلَدُ حادِثًا والحَقُّ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ مُطْلَقًا فَكانَ قادِرًا عَلى إحْداثِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَشْرِيكِ شَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ هَذا عَبْدًا مُطْلَقًا، ولَمْ يَكُنْ ولَدًا، فَهَذِهِ جُمْلَةُ الوُجُوهِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.
صفحة ١٠٨
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٩٣ ) وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ، وكُلُّ مُحْتاجٍ مُحْدَثٌ، فَكُلُّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُحْدَثٌ، واللَّهُ تَعالى مُحْدِثُهُ وخالِقُهُ ومُوجِدُهُ.
وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِإثْباتِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. ولَمّا بَيَّنَ تَعالى بِالدَّلِيلِ الواضِحِ امْتِناعَ ما أضافُوا إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِمْ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ مُنَبِّهًا بِهَذا عَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ عِنْدَهم في ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.
ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ الإنْكارِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يُحْتَجُّ بِها في إبْطالِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّياناتِ. ونُفاةُ القِياسِ وأخْبارِ الآحادِ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِها في إبْطالِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيهِ.
10:69–70Page 216
قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩
Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed."
مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ القاهِرِ أنَّ إثْباتَ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى قَوْلٌ باطِلٌ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا القائِلِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ، ونَسَبُهُ لِما لا يَلِيقُ بِهِ إلَيْهِ، فَبَيَّنَ أنَّ مَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ لا يُفْلِحُ ألْبَتَّةَ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٧ ] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ ولَكِنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ بَلْ كُلُّ مَن قالَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وفي صِفاتِهِ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وبِغَيْرِ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ كانَ داخِلًا في هَذا الوَعِيدِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يُفْلِحُ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وبِالجُمْلَةِ فالفَلاحُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى المَقْصُودِ والمَطْلُوبِ، فَمَعْنى أنَّهُ لا يُفْلِحُ هو أنَّهُ لا يَنْجَحُ في سَعْيِهِ ولا يَفُوزُ بِمَطْلُوبِهِ بَلْ خابَ وخَسِرَ، ومِنَ النّاسِ مَن إذا فازَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ والمَقاصِدِ الخَسِيسَةِ، ظَنَّ أنَّهُ قَدْ فازَ بِالمَقْصِدِ الأقْصى، واللَّهُ سُبْحانَهُ أزالَ هَذا الخَيالَ بِأنْ قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَقْصُودَ الخَسِيسَ مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، وعِنْدَ المَوْتِ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ وعِنْدَ هَذا الرُّجُوعِ لا بُدَّ مِن أنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الكُفْرِ المُتَقَدِّمِ، وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الِانْتِظامِ ونِهايَةِ الحُسْنِ والجَزالَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences