Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:83–87
10:83Page 218
فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣
But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ ما كانَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ وما ظَهَرَ مِن تَلَقُّفِ العَصا لِكُلِّ ما أحْضَرُوهُ مِن آلاتِ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم مَعَ مُشاهَدَةِ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ ما آمَنَ بِهِ مِنهم إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ كانَ يَغْتَمُّ بِسَبَبِ إعْراضِ القَوْمِ عَنْهُ
صفحة ١١٦
واسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَبَيَّنَ أنَّ لَهُ في هَذا البابِ بِسائِرِ الأنْبِياءِ أُسْوَةً؛ لِأنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الإعْجازِ في مَرْأى العَيْنِ أعْظَمَ، ومَعَ ذَلِكَ فَما آمَنَ بِهِ مِنهم إلّا ذُرِّيَّةٌ.
واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالذُّرِّيَّةِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ هَهُنا مَعْناها تَقْلِيلُ العَدَدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَفْظُ الذُّرِّيَّةِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ القَوْمِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ، ولا سَبِيلَ إلى حَمْلِهِ عَلى التَّقْدِيرِ عَلى وجْهِ الإهانَةِ في هَذا المَوْضِعِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّصْغِيرِ بِمَعْنى قِلَّةِ العَدَدِ.
الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أوْلادُ مَن دَعاهم؛ لِأنَّ الآباءَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ؛ إمّا لِأنَّ قُلُوبَ الأوْلادِ ألْيَنُ أوْ دَواعِيهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ أخَفُّ.
الثّالِثُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ قَوْمٌ كانَ آباؤُهم مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
الرّابِعُ: الذُّرِّيَّةُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وخازِنُهُ وامْرَأةُ خازِنِهِ وماشِطَتُها.
وأمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أنَّ المُرادَ مِن قَوْمِ مُوسى أوْ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُما جَمِيعًا قَدْ تَقَدَّمَ والأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى مُوسى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّهُ نُقِلَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ كانُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى كانُوا خائِفِينَ مِن فِرْعَوْنَ جِدًّا؛ لِأنَّهُ كانَ شَدِيدَ البَطْشِ، وكانَ قَدْ أظْهَرَ العَداوَةَ مَعَ مُوسى، فَإذا عَلِمَ مَيْلَ القَوْمِ إلى مُوسى كانَ يُبالِغُ في إيذائِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانُوا خائِفِينَ مِنهُ.
البَحْثُ الثّانِي: إنَّما قالَ: ﴿ومَلَئِهِمْ﴾ مَعَ أنَّ فِرْعَوْنَ واحِدٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، والمُرادُ التَّعْظِيمُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ آلُ فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ كَأنَّهُ أُرِيدَ بِفِرْعَوْنَ آلُ فِرْعَوْنَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِتَسْلِيطِ أنْواعِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ لَغالِبٌ فِيها قاهِرٌ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ قِيلَ: المُرادُ أنَّهُ كَثِيرُ القَتْلِ كَثِيرُ التَّعْذِيبِ لِمَن يُخالِفُهُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ في كَوْنِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ خائِفِينَ، وقِيلَ: إنَّما كانَ مُسْرِفًا لِأنَّهُ كانَ مِن أخَسِّ العَبِيدِ، فادَّعى الإلَهِيَّةَ.
10:84–86Page 218
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤
And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."
فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥
So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people
وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦
And save us by Your mercy from the disbelieving people."
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطَيْنِ:
أحَدُهُما مُتَقَدِّمٌ والآخَرُ مُتَأخِّرٌ، والفُقَهاءُ قالُوا: المُتَأخِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا، والمُتَقَدِّمُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا. ومِثالُهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، وإنَّما كانَ الأمْرُ
صفحة ١١٧
كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، صارَ مَشْرُوطًا بِقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا، والمَشْرُوطُ مُتَأخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ في اللَّفْظِ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ المُتَقَدِّمُ في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ حالَ ما كَلَّمْتِ زَيْدًا إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَلَوْ حَصَلَ هَذا التَّعْلِيقُ قَبْلَ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كَوْنُهم مُسْلِمِينَ شَرْطًا لِأنْ يَصِيرُوا مُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْمُسْلِمِ حالَ إسْلامِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الإسْلامَ عِبارَةٌ عَنِ الِاسْتِسْلامِ، وهو إشارَةٌ إلى الِانْقِيادِ لِلتَّكالِيفِ الصّادِرَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإظْهارِ الخُضُوعِ، وتَرْكِ التَّمَرُّدِ، وأمّا الإيمانُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ صَيْرُورَةِ القَلْبِ عارِفًا بِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ، وأنَّ ما سِواهُ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وقَهْرِهِ وتَصَرُّفِهِ، وإذا حَصَلَتْ هاتانِ الحالَتانِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُفَوِّضُ العَبْدُ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَحْصُلُ في القَلْبِ نُورُ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِن لَطائِفِ الأسْرارِ، والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ تَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، والِاعْتِمادِ في كُلِّ الأحْوالِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في كُلِّ المُهِمّاتِ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُلِمّاتِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذا الَّذِي أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ بِهِ وهو التَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: ٧١] وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ؛ لِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تامًّا، وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوْقَ التَّمامِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ الحَصْرَ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ونَهاهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى الغَيْرِ، والأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وتَسْخِيرِهِ وتَحْتَ حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ يَتَوَكَّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جاءَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَبِلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ، ولا نَلْتَفِتُ إلى أحَدٍ سِواهُ، ثُمَّ لَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ اشْتَغَلُوا بِالدُّعاءِ، فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ لا تَفْتِنْ بِنا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ؛ لِأنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنّا لَوْ كُنّا عَلى الحَقِّ لَما سَلَّطْتَهم عَلَيْنا، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَيَصِيرُ تَسْلِيطُهم عَلَيْنا فِتْنَةً لَهم.
الثّانِي: أنَّكَ لَوْ سَلَّطْتَهم عَلَيْنا لاسْتَوْجَبُوا العِقابَ الشَّدِيدَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَكُونُ فِتْنَةً لَهم.
الثّالِثُ: ﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لَهم، أيْ مَوْضِعَ عَذابٍ لَهم.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفِتْنَةِ المَفْتُونَ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ جائِزٌ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، والتَّكْوِينِ بِمَعْنى المُكَوَّنِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، أيْ لا تُمَكِّنَهم مِن أنْ يَحْمِلُونا بِالظُّلْمِ والقَهْرِ عَلى أنْ نَنْصَرِفَ عَنْ هَذا الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي قَبِلْناهُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَأكِّدٌ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ﴾
صفحة ١١٨
﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ .
وأمّا المَطْلُوبُ الثّانِي في هَذا الدُّعاءِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ اهْتِمامُ هَؤُلاءِ بِأمْرِ دِينِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِأمْرِ دُنْياهم، وذَلِكَ لِأنّا إنْ حَمَلْنا قَوْلَهم: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَلى أنَّهم إنْ سُلِّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ صارَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهم في أنَّ هَذا الدِّينَ باطِلٌ فَتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى في أنْ يَصُونَ أُولَئِكَ الكُفّارَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدَّمُوا هَذا الدُّعاءَ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ لِأنْفُسِهِمْ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنايَتَهم بِمَصالِحِ دِينِ أعْدائِهِمْ فَوْقَ عِنايَتِهِمْ بِمَصالِحِ أنْفُسِهِمْ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى أنْ لا يُمَكِّنَ اللَّهُ تَعالى أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْ يَحْمِلُوهم عَلى تَرْكِ هَذا الدِّينِ كانَ ذَلِكَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى أنَّ اهْتِمامَهم بِمَصالِحِ أدْيانِهِمْ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِمَصالِحِ أبْدانِهِمْ، وعَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ فَهَذِهِ لَطِيفَةٌ شَرِيفَةٌ.
10:87Page 218
وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧
And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا شَرَحَ خَوْفَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِينَ وما ظَهَرَ مِنهم مَنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى أتْبَعَهُ بِأنْ أمَرَ مُوسى وهارُونَ بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والإقْبالِ عَلى الصَّلَواتِ، يُقالُ: تَبَوَّأ المَكانَ، أيِ اتَّخَذَهُ مُبَوَّأً، كَقَوْلِهِ تَوَطَّنَهُ إذا اتَّخَذَهُ مَوْطِنًا، والمَعْنى: اجْعَلا بِمِصْرَ بُيُوتًا لِقَوْمِكُما ومَرْجِعًا تَرْجِعُونَ إلَيْهِ لِلْعِبادَةِ والصَّلاةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مِنَ البُيُوتِ المَساجِدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مُطْلَقُ البُيُوتِ، أمّا الأوَّلُونَ فَقَدْ فَسَّرُوا القِبْلَةَ بِالجانِبِ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ في الصَّلاةِ، ثُمَّ قالُوا: والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيِ اجْعَلُوا بُيُوتَكم مَساجِدَ تَسْتَقْبِلُونَها لِأجْلِ الصَّلاةِ، وقالَ الفَرّاءُ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً، أيْ إلى القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً أيْ قِبَلًا يَعْنِي مَساجِدَ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الوُحْدانِ، والمُرادُ الجَمْعُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ أيْنَ كانَتْ ؟ فَظاهِرٌ أنَّ لَفْظَ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِهِ، إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: الكَعْبَةُ قِبْلَةُ كُلِّ الأنْبِياءِ، وإنَّما وقَعَ العُدُولُ عَنْها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى في أيّامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وقالَ آخَرُونَ: كانَتْ تِلْكَ القِبْلَةُ جِهَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مُطْلَقُ البَيْتِ، فَهَؤُلاءِ لَهم في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (قِبْلَةً) وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِجَعْلِ تِلْكَ البُيُوتِ قِبْلَةً أيْ مُتَقابِلَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ حُصُولُ الجَمْعِيَّةِ واعْتِضادُ البَعْضِ بِالبَعْضِ.
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ واجْعَلُوا دُورَكم قِبْلَةً، أيْ صَلُّوا في بُيُوتِكم.
صفحة ١١٩
البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّ مُوسى وهارُونَ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ بِالخِطابِ فَقالَ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ثُمَّ عَمَّمَ هَذا الخِطابَ فَقالَ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى وهارُونَ أنْ يَتَبَوَّءا لِقَوْمِهِما بُيُوتًا لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُفَوَّضُ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جاءَ الخِطابُ بَعْدَ ذَلِكَ عامًّا لَهُما ولِقَوْمِهِما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ والصَّلاةِ فِيها؛ لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الكُلِّ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ الكَلامِ بِالخِطابِ فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِن جَمِيعِ العِباداتِ حُصُولُ هَذِهِ البِشارَةِ، فَخَصَّ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِها، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الرِّسالَةِ هو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ هارُونَ تَبَعٌ لَهُ.
البَحْثُ الثّالِثُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الواقِعَةِ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ كانُوا في أوَّلِ أمْرِهِمْ مَأْمُورِينَ بِأنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ خُفْيَةً مِنَ الكَفَرَةِ؛ لِئَلّا يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، كَما كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ في مَكَّةَ.
الثّانِي: قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِمْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِتَخْرِيبِ مَساجِدِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَنعِهِمْ مِنَ الصَّلاةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَتَّخِذُوا مَساجِدَ في بُيُوتِهِمْ ويُصَلُّوا فِيها خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِمْ وأظْهَرَ فِرْعَوْنُ تِلْكَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى وهارُونَ وقَوْمَهُما بِاتِّخاذِ المَساجِدِ عَلى رَغْمِ الأعْداءِ، وتَكَفَّلَ تَعالى أنَّهُ يَصُونُهم عَنْ شَرِّ الأعْداءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences