Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kawthar 108:1, continued
والقَوْلُ الثّالِثُ: الكَوْثَرُ أوْلادُهُ قالُوا: لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ إنَّما نَزَلَتْ رَدًّا عَلى مَن عابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَدَمِ الأوْلادِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْطِيهِ نَسْلًا يَبْقَوْنَ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، فانْظُرْ كَمْ قُتِلَ مِن أهْلِ البَيْتِ، ثُمَّ العالَمُ مُمْتَلِئٌ مِنهم، ولَمْ يَبْقَ مِن بَنِي أُمَيَّةَ في الدُّنْيا أحَدٌ يُعْبَأُ بِهِ، ثُمَّ انْظُرْ كَمْ كانَ فِيهِمْ مِنَ الأكابِرِ مِنَ العُلَماءِ كالباقِرِ والصّادِقِ والكاظِمِ والرِّضا عَلَيْهِمُ السَّلامُ والنَّفْسُ الزَّكِيَّةُ وأمْثالُهم.
القَوْلُ الرّابِعُ: الكَوْثَرُ عُلَماءُ أُمَّتِهِ وهو لَعَمْرِي الخَيْرُ الكَثِيرِ؛ لِأنَّهم كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم يُحِبُّونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَنْشُرُونَ آثارَ دِينِهِ وأعْلامَ شَرْعِهِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى أُصُولِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ مُخْتَلِفِينَ في الشَّرِيعَةِ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ لِيَصِلَ كُلُّ أحَدٍ إلى ما هو صَلاحُهُ، كَذا عُلَماءُ أُمَّتِهِ مُتَّفِقُونَ بِأسْرِهِمْ عَلى أُصُولِ شَرْعِهِ، لَكِنَّهم مُخْتَلِفُونَ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ رَحْمَةً عَلى الخَلْقِ، ثُمَّ الفَضِيلَةُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُرْوى أنَّهُ يُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِكُلِّ نَبِيٍّ ويَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ فَرُبَّما يَجِيءُ الرَّسُولُ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ، ويُجاءُ بِكُلِّ عالِمٍ مِن عُلَماءِ أُمَّتِهِ ومَعَهُ الأُلُوفُ الكَثِيرَةُ فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ الرَّسُولِ فَرُبَّما يَزِيدُ عَدَدُ مُتَّبِعِي بَعْضِ العُلَماءِ عَلى عَدَدِ مُتَّبِعِي ألْفٍ مِنَ الأنْبِياءِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم كانُوا مُصِيبِينَ لِاتِّباعِهِمُ النُّصُوصَ المَأْخُوذَةَ مِنَ الوَحْيِ، وعُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ يَكُونُونَ مُصِيبِينَ مَعَ كَدِّ الِاسْتِنْباطِ والِاجْتِهادِ، أوْ عَلى قَوْلِ البَعْضِ: إنْ كانَ بَعْضُهم مُخْطِئًا لَكِنَّ المُخْطِئَ يَكُونُ أيْضًا مَأْجُورًا
القَوْلُ الخامِسُ: الكَوْثَرُ هي النُّبُوَّةُ، ولا شَكَّ أنَّها الخَيْرُ الكَثِيرُ؛ لِأنَّها المَنزِلَةُ الَّتِي هي ثانِيَةُ الرُّبُوبِيَّةِ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وهو شَطْرُ الإيمانِ بَلْ هي كالغُصْنِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ النُّبُوَّةِ لا بُدَّ وأنْ يَتَقَدَّمَها مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ مَعْرِفَةُ النُّبُوَّةِ فَحِينَئِذٍ يُسْتَفادُ مِنها مَعْرِفَةُ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ كالسَّمْعِ والبَصَرِ والصِّفاتِ الخَيْرِيَّةِ، والوِجْدانِيَّةِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، تَمَّ لِرَسُولِنا الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذِهِ المَنقَبَةِ؛ لِأنَّهُ المَذْكُورُ قَبْلَ سائِرِ الأنْبِياءِ والمَبْعُوثُ بَعْدَهم، ثُمَّ هو مَبْعُوثٌ إلى الثَّقَلَيْنِ، وهو الَّذِي يُحْشَرُ قَبْلَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ولا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ عَلى نَسْخِهِ، وفَضائِلُهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُعَدَّ وتُحْصى، ولْنَذْكُرْ هَهُنا قَلِيلًا مِنها، فَنَقُولُ:
* * *
إنَّ كِتابَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَلِماتٍ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وكِتابَ إبْراهِيمَ أيْضًا كانَ كَلِماتٍ عَلى ما قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] وكِتابَ مُوسى كانَ صُحُفًا، كَما قالَ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] أمّا كِتابُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ هو الكِتابُ المُهَيْمِنُ عَلى الكُلِّ، قالَ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وأيْضًا فَإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَحَدّى بِالأسْماءِ المَنثُورَةِ فَقالَ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَحَدّى بِالمَنظُومِ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] وأمّا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ بِأنْ أمْسَكَ سَفِينَتَهُ عَلى الماءِ، وفَعَلَ في مُحَمَّدٍ ﷺ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كانَ عَلى شَطِّ ماءٍ، ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، فَقالَ: لَئِنْ كُنْتَ صادِقًا فادْعُ ذَلِكَ الحَجَرَ الَّذِي هو في الجانِبِ الآخَرِ فَلْيَسْبَحْ ولا يَغْرَقْ، فَأشارَ الرَّسُولُ إلَيْهِ، فانْقَلَعَ الحَجَرُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مِن مَكانِهِ، وسَبَحَ حَتّى صارَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وشَهِدَ لَهُ بِالرِّسالَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَكْفِيكَ هَذا ؟ قالَ: حَتّى يَرْجِعَ إلى مَكانِهِ، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَرَجَعَ إلى مَكانِهِ»، وأكْرَمَ إبْراهِيمَ فَجَعَلَ النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وفَعَلَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: ”«كُنْتُ طِفْلًا فانْصَبَّ القِدْرُ عَلَيَّ مِنَ النّارِ، فاحْتَرَقَ جِلْدِي كُلُّهُ فَحَمَلَتْنِي أُمِّي إلى الرَّسُولِ ﷺ وقالَتْ: هَذا ابْنُ حاطِبٍ احْتَرَقَ كَما تَرى فَتَفَلَ
صفحة ١١٨
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جِلْدِي ومَسَحَ بِيَدِهِ عَلى المُحْتَرِقِ مِنهُ، وقالَ: أذْهِبِ الباسَ، رَبَّ النّاسِ، فَصِرْتُ صَحِيحًا لا بَأْسَ بِي» “ وأكْرَمَ مُوسى فَفَلَقَ لَهُ البَحْرَ في الأرْضِ، وأكْرَمَ مُحَمَّدًا فَفَلَقَ لَهُ القَمَرَ في السَّماءِ، ثُمَّ انْظُرْ إلى فَرْقِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وفَجَّرَ لَهُ الماءَ مِنَ الحَجَرِ، وفَجَّرَ لِمُحَمَّدٍ أصابِعَهُ عُيُونًا، وأكْرَمَ مُوسى بِأنْ ظَلَّلَ عَلَيْهِ الغَمامَ، وكَذا أكْرَمَ مُحَمَّدًا بِذَلِكَ فَكانَ الغَمامُ يُظَلِّلُهُ، وأكْرَمَ مُوسى بِاليَدِ البَيْضاءِ، وأكْرَمَ مُحَمَّدًا بِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، الَّذِي وصَلَ نُورُهُ إلى الشَّرْقِ والغَرْبِ، وقَلَبَ اللَّهُ عَصا مُوسى ثُعْبانًا، ولَمّا أرادَ أبُو جَهْلٍ أنْ يَرْمِيَهُ بِالحَجَرِ رَأى عَلى كَتِفَيْهِ ثُعْبانَيْنِ، فانْصَرَفَ مَرْعُوبًا، وسَبَّحَتِ الجِبالُ مَعَ داوُدَ وسَبَّحَتِ الأحْجارُ في يَدِهِ ويَدِ أصْحابِهِ، وكانَ داوُدُ إذا مَسَكَ الحَدِيدَ لانَ، وكانَ هو لَمّا مَسَحَ الشّاةَ الجَرْباءَ دَرَّتْ، وأكْرَمَ داوُدَ بِالطَّيْرِ المَحْشُورَةِ ومُحَمَّدًا بِالبُراقِ، وأكْرَمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأكْرَمَهُ بِجِنْسِ ذَلِكَ حِينَ أضافَهُ اليَهُودُ بِالشّاةِ المَسْمُومَةِ، فَلَمّا وضَعَ اللُّقْمَةَ في فَمِهِ أخْبَرَتْهُ، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، رُوِيَ «أنَّ امْرَأةَ مُعاذِ بْنِ عَفْراءَ أتَتْهُ وكانَتْ بَرْصاءَ، وشَكَتْ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ ﷺ فَمَسَحَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ بِغُصْنٍ فَأذْهَبَ اللَّهُ البَرَصَ»، وحِينَ سَقَطَتْ حَدَقَةُ الرَّجُلِ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَرَفَها وجاءَ بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّها إلى مَكانِها، وكانَ عِيسى يَعْرِفُ ما يُخْفِيهِ النّاسُ في بُيُوتِهِمْ، والرَّسُولُ عَرَفَ ما أخَفاهُ عَمُّهُ مَعَ أُمِّ الفَضْلِ، فَأخْبَرَهُ فَأسْلَمَ العَبّاسُ لِذَلِكَ، وأمّا سُلَيْمانُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ لَهُ الشَّمْسَ مَرَّةً، وفَعَلَ ذَلِكَ أيْضًا لِلرَّسُولِ حِينَ نامَ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عَلِيٍّ فانْتَبَهَ وقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَرَدَّها حَتّى صَلّى، ورَدَّها مَرَّةً أُخْرى لِعَلِيٍّ فَصَلّى العَصْرَ في وقْتِهِ، وعَلَّمَ سُلَيْمانَ مَنطِقَ الطَّيْرِ، وفَعَلَ ذَلِكَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ، رُوِيَ «أنَّ طَيْرًا فُجِعَ بِوَلَدِهِ فَجَعَلَ يُرَفْرِفُ عَلى رَأْسِهِ ويُكَلِّمُهُ فَقالَ: أيُّكم فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِها ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنا، فَقالَ: ارْدُدْ إلَيْها ولَدَها»، وكَلامُ الذِّئْبِ مَعَهُ مَشْهُورٌ، وأكْرَمَ سُلَيْمانَ بِمَسِيرِهِ غُدْوَةً شَهْرًا وأكْرَمَهُ بِالمَسِيرِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في ساعَةٍ، وكانَ حِمارُهُ يَعْفُورُ يُرْسِلُهُ إلى مَن يُرِيدُ فَيَجِيءُ بِهِ، وقَدْ شَكَوْا إلَيْهِ مِن ناقَةٍ أنَّها أُغِيلَتْ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها فَذَهَبَ إلَيْها، فَلَمّا رَأتْهُ خَضَعَتْ لَهُ، وأرْسَلَ مُعاذًا إلى بَعْضِ النَّواحِي، فَلَمّا وصَلَ إلى المَفازَةِ، فَإذا أسَدٌ جاثِمٌ فَهالَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْتَجْرِئْ أنْ يَرْجِعَ، فَتَقَدَّمَ وقالَ: إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ فَتَبَصْبَصَ، وكَما انْقادَ الجِنُّ لِسُلَيْمانَ، فَكَذَلِكَ انْقادُوا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحِينَ جاءَ الأعْرابِيُّ بِالضَّبِّ، وقالَ: لا أُؤْمِنُ بِكَ حَتّى يُؤْمِنَ بِكَ هَذا الضَّبُّ، فَتَكَلَّمَ الضَّبُّ مُعْتَرِفًا بِرِسالَتِهِ، وحِينَ كَفَلَ الظَّبْيَةَ حِينَ أرْسَلَها الأعْرابِيُّ رَجَعَتْ تَعْدُو حَتّى أخْرَجَتْهُ مِنَ الكَفالَةِ وحَنَّتِ الحِنايَةُ لِفِراقِهِ، وحِينَ لَسَعَتِ الحَيَّةُ عَقِبَ الصِّدِّيقِ في الغارِ، قالَتْ: كُنْتُ مُشْتاقَةً إلَيْهِ مُنْذُ كَذا سِنِينَ فَلِمَ حَجَبْتَنِي عَنْهُ ؟ .
وأطْعَمَ الخَلْقَ الكَثِيرَ، مِنَ الطَّعامِ القَلِيلِ، ومُعْجِزاتُهُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى وتُعَدَّ، فَلِهَذا قَدَّمَهُ اللَّهُ عَلى الَّذِينَ اصْطَفاهم فَقالَ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فَلَمّا كانَتْ رِسالَتُهُ كَذَلِكَ جازَ أنْ يُسَمِّيَها اللَّهُ تَعالى كَوْثَرًا، فَقالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
* * *
القَوْلُ السّادِسُ: الكَوْثَرُ هو القُرْآنُ، وفَضائِلُهُ لا تُحْصى ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] .
القَوْلُ السّابِعُ: الكَوْثَرُ الإسْلامُ، وهو لَعَمْرِي الخَيْرُ الكَثِيرُ، فَإنَّ بِهِ يَحْصُلُ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِفَواتِهِ يَفُوتُ خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ، وكَيْفَ لا والإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْرِفَةِ ؟ أوْ ما لا بُدَّ فِيهِ مِنَ المَعْرِفَةِ، قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وإذا كانَ الإسْلامُ خَيْرًا كَثِيرًا فَهو الكَوْثَرُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّهُ بِالإسْلامِ، مَعَ أنَّ نِعَمَهُ عَمَّتِ الكُلَّ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الإسْلامَ وصَلَ مِنهُ إلى غَيْرِهِ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالأصْلِ فِيهِ.
القَوْلُ الثّامِنُ:
صفحة ١١٩
الكَوْثَرُ كَثْرَةُ الأتْباعِ والأشْياعِ، ولا شَكَّ أنَّ لَهُ مِنَ الأتْباعِ ما لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ: «أنا دَعْوَةُ خَلِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمَ، وأنا بُشْرى عِيسى، وأنا مَقْبُولُ الشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَبَيْنا أكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ، إذْ تَظْهَرُ لَنا أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ فَنَبْتَدِرُهم بِأبْصارِنا ما مِنّا مِن نَبِيٍّ إلّا وهو يَرْجُو أنْ تَكُونَ أُمَّتَهُ، فَإذا هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ، فَأقُولُ: أُمَّتِي ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَنا مِثْلُ ما ظَهَرَ أوَّلًا فَنَبْتَدِرُهم بِأبْصارِنا ما مِن نَبِيٍّ إلّا ويَرْجُو أنْ تَكُونَ أُمَّتَهُ، فَإذا هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ فَأقُولُ: أُمَّتِي ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يُرْفَعُ لَنا ثَلاثَةُ أمْثالِ ما قَدْ رُفِعَ فَنَبْتَدِرُهم، وذَكَرَ كَما ذَكَرَ في المَرَّةِ الأُولى والثّانِيَةِ، ثُمَّ قالَ: لَتَدْخُلَنَّ ثَلاثُ فِرَقٍ مِن أُمَّتِي الجَنَّةَ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها أحَدٌ مِنَ النّاسِ» ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ ولَوْ بِالسِّقْطِ» .
فَإذا كانَ يُباهِي بِمَن لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا الجَمِّ الغَفِيرِ ؟ فَلا جَرَمَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يُذَكِّرَهُ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، فَقالَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
القَوْلُ التّاسِعُ: (الكَوْثَرَ) الفَضائِلُ الكَثِيرَةُ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّهُ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ، قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: يُقالُ رَجُلٌ كَوْثَرٌ إذا كانَ سَخِيًّا كَثِيرَ الخَيْرِ، وفي صِحاحِ اللُّغَةِ: (الكَوْثَرُ) السَّيِّدُ الكَثِيرُ الخَيْرِ، فَلَمّا رَزَقَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا هَذِهِ الفَضائِلَ العَظِيمَةَ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يُذَكِّرَهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ، فَيَقُولَ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ .
القَوْلُ العاشِرُ: الكَوْثَرُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ .
القَوْلُ الحادِيَ عَشَرَ: أنَّهُ العِلْمُ قالُوا: وحَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى هَذا أوْلى لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ العِلْمَ هو الخَيْرُ الكَثِيرُ قالَ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وأمَرَهُ بِطَلَبِ العِلْمِ، فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وسَمّى الحِكْمَةَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَقالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
وثانِيها: أنّا إمّا أنْ نَحْمِلَ الكَوْثَرَ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ، أوْ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: أعْطَيْنا، ونِعَمُ الجَنَّةِ سَيُعْطِيها لا أنَّهُ أعْطاها، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى ما وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأشْرَفُ الأُمُورِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في الدُّنْيا هو العِلْمُ والنُّبُوَّةُ داخِلَةٌ في العِلْمِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلى العِبادَةِ هو المَعْرِفَةُ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فَقَدَّمَ في السُّورَتَيْنِ المَعْرِفَةَ عَلى العِبادَةِ؛ ولِأنَّ فاءَ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ) تَدُلُّ عَلى أنَّ إعْطاءَ الكَوْثَرِ كالمُوجِبِ لِهَذِهِ العِبادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ لَيْسَ إلّا العِلْمَ.
القَوْلُ الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّ الكَوْثَرَ هو الخُلُقُ الحَسَنُ، قالُوا: الِانْتِفاعُ بِالخُلُقِ الحَسَنِ عامٌّ يَنْتَفِعُ بِهِ العالِمُ والجاهِلُ والبَهِيمَةُ والعاقِلُ، فَأمّا الِانْتِفاعُ بِالعِلْمِ، فَهو مُخْتَصٌّ بِالعُقَلاءِ، فَكانَ نَفْعُ الخُلُقِ الحَسَنِ أعَمَّ، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ كانَ لِلْأجانِبِ كالوالِدِ يَحُلُّ عُقَدَهم ويَكْفِي مُهِمَّهَمُ، وبَلَغَ حُسْنُ خُلُقِهِ إلى أنَّهم لَمّا كَسَرُوا سِنَّهُ، قالَ: ”«اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ» “ .
القَوْلُ الثّالِثَ عَشَرَ: الكَوْثَرُ هو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي هو الشَّفاعَةُ، فَقالَ في الدُّنْيا: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقالَ في الآخِرَةِ: «شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً وإنِّي خَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» .
القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَوْثَرِ هو هَذِهِ السُّورَةُ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّها مَعَ قِصَرِها وافِيَةٌ بِجَمِيعِ مَنافِعِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى المُعْجِزِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنّا إذا حَمَلْنا
صفحة ١٢٠
الكَوْثَرَ عَلى كَثْرَةِ الأتْباعِ، أوْ عَلى كَثْرَةِ الأوْلادِ، وعَدَمِ انْقِطاعِ النَّسْلِ كانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، وقَدْ وقَعَ مُطابِقًا لَهُ، فَكانَ مُعْجِزًا.
وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى زَوالِ الفَقْرِ حَتّى يَقْدِرَ عَلى النَّحْرِ، وقَدْ وقَعَ فَيَكُونُ هَذا أيْضًا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وكانَ الأمْرُ عَلى ما أخْبَرَ فَكانَ مُعْجِزًا.
ورابِعُها: أنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها، فَثَبَتَ أنَّ وجْهَ الإعْجازِ في كَمالِ القُرْآنِ، إنَّما تَقَرَّرَ بِها لِأنَّهم لَمّا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها فَبِأنْ يَعْجِزُوا عَنْ مُعارَضَةِ كُلِّ القُرْآنِ أوْلى، ولَمّا ظَهَرَ وجْهُ الإعْجازِ فِيها مِن هَذِهِ الوُجُوهِ فَقَدْ تَقَرَّرَتِ النُّبُوَّةُ، وإذا تَقَرَّرَتِ النُّبُوَّةُ فَقَدْ تَقَرَّرَ التَّوْحِيدُ ومَعْرِفَةُ الصّانِعِ، وتَقَرَّرَ الدَّيْنُ والإسْلامُ، وتَقَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، وإذا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الأشْياءُ تَقَرَّرَ جَمِيعُ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَهَذِهِ السُّورَةُ جارِيَةٌ مُجْرى النُّكْتَةِ المُخْتَصَرَةِ القَوِيَّةِ الوافِيَةِ بِإثْباتِ جَمِيعِ المَقاصِدِ، فَكانَتْ صَغِيرَةً في الصُّورَةِ كَبِيرَةً في المَعْنى، ثُمَّ لَها خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِها، وهي أنَّها ثَلاثُ آياتٍ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُعْجِزٌ فَهي بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِها مُعْجِزٌ وبِمَجْمُوعِها مُعْجِزٌ وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ لا تُوجَدُ في سائِرِ السُّوَرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَوْثَرِ هو هَذِهِ السُّورَةُ.
القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَوْثَرِ جَمِيعُ نِعَمِ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ لَفْظَ الكَوْثَرِ يَتَناوَلُ الكَثْرَةَ الكَثِيرَةَ، فَلَيْسَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ النِّعَمِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الباقِي فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى الكُلِّ، ورُوِيَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، لَمّا رَوى هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَهُ بَعْضُهم: إنْ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ الكَوْثَرَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الأقْرَبُ حَمْلَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، وأمّا الحَوْضُ وسائِرُ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ الثَّوابِ فَهو وإنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ داخِلٌ فِيهِ لِأنَّ ما ثَبَتَ بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ فَهو كالواقِعِ إلّا أنَّ الحَقِيقَةَ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ أُعِدَّ لَهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّهُ أعْطاهُ في حالِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن أقَرَّ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِضَيْعَةٍ لَهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أعْطاهُ تِلْكَ الضَّيْعَةَ مَعَ أنَّ الصَّبِيَّ في تِلْكَ الحالِ لا يَكُونُ أهْلًا لِلتَّصَرُّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences