Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:17–23
11:17Page 223
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٧
So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness1 from Him follows it,2 and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in it [i.e., the Qur’ān]. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، ولَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ الجَوابَ لِظُهُورِهِ، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ [فاطِرٍ: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزُّمَرِ: ٩] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] .
واعْلَمْ أنَّ أوَّلَ هَذِهِ الآيَةِ مُشْتَمِلٌ عَلى ألْفاظٍ أرْبَعَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مُحْتَمَلٌ.
فالأوَّلُ: أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مَن هو ؟
والثّانِي: أنَّهُ ما المُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ ؟
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾
صفحة ١٦١
القُرْآنُ أوْ كَوْنُهُ حاصِلًا عَقِيبَ غَيْرِهِ ؟
والرّابِعُ: أنَّ هَذا الشّاهِدَ ما هو ؟ فَهَذِهِ الألْفاظُ الأرْبَعَةُ مُجْمَلَةٌ، فَلِهَذا كَثُرَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.
أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وهَذا صِيغَةُ جَمْعٍ، فَلا يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ هو البَيانُ والبُرْهانُ الَّذِي عُرِفَ بِهِ صِحَّةُ الدِّينِ الحَقِّ، والضَّمِيرُ في ﴿ويَتْلُوهُ﴾ يَرْجِعُ إلى مَعْنى البَيِّنَةِ، وهو البَيانُ والبُرْهانُ، والمُرادُ بِالشّاهِدِ هو القُرْآنُ، ومِنهُ أيْ مِنَ اللَّهِ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى، أيْ ويَتْلُو ذَلِكَ البُرْهانَ مِن قَبْلِ مَجِيءِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى.
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ كِتابِ مُوسى تابِعًا لِلْقُرْآنِ لَيْسَ في الوُجُودِ، بَلْ في دَلالَتِهِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ، و﴿إمامًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، فالحاصِلُ أنَّهُ يَقُولُ: اجْتَمَعَ في تَقْرِيرِ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
أوَّلُها: دَلالَةُ البَيِّناتِ العَقْلِيَّةِ عَلى صِحَّتِهِ.
وثانِيها: شَهادَةُ القُرْآنِ بِصِحَّتِهِ.
وثالِثُها: شَهادَةُ التَّوْراةِ بِصِحَّتِهِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا يَبْقى في صِحَّتِهِ شَكٌّ ولا ارْتِيابٌ، فَهَذا القَوْلُ أحْسَنُ الأقاوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأقْرَبُها إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ، وفِيها أقْوالٌ أُخَرُ:
فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَيِّنَةُ هو القُرْآنُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ هو التِّلاوَةُ بِمَعْنى القِراءَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الشّاهِدِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْرَأُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثانِيها: أنَّ ذَلِكَ الشّاهِدَ هو لِسانُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ورِوايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قُلْتُ لِأبِي: أنْتَ التّالِي، قالَ: وما مَعْنى التّالِي ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ قالَ ودِدْتُ أنِّي هو ولَكِنَّهُ لِسانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولَمّا كانَ الإنْسانُ إنَّما يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَتْلُوهُ بِلِسانِهِ لا جَرَمَ جُعِلَ اللِّسانُ تالِيًا عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما يُقالُ: عَيْنٌ باصِرَةٌ وأُذُنٌ سامِعَةٌ ولِسانٌ ناطِقٌ.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والمَعْنى أنَّهُ يَتْلُو تِلْكَ البَيِّنَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ﴾ أيْ هَذا الشّاهِدُ مِن مُحَمَّدٍ وبَعْضٌ مِنهُ، والمُرادُ مِنهُ تَشْرِيفُ هَذا الشّاهِدِ بِأنَّهُ بَعْضٌ مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ورابِعُها: أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ القُرْآنَ، بَلْ حُصُولَ هَذا الشّاهِدِ عَقِيبَ تِلْكَ البَيِّنَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالُوا: إنَّ المُرادَ أنَّ صُورَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَجْهَهُ ومَخايِلَهُ كُلُّ ذَلِكَ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ؛ لِأنَّ مَن نَظَرَ إلَيْهِ بِعَقْلِهِ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ ولا كاهِنٍ ولا ساحِرٍ ولا كَذّابٍ، والمُرادُ بِكَوْنِ هَذا الشّاهِدِ مِنهُ كَوْنُ هَذِهِ الأحْوالِ مُتَعَلِّقَةً بِذاتِ النَّبِيِّ ﷺ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنُ، ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ ويَتْلُو الكِتابَ الَّذِي هو الحُجَّةُ، يَعْنِي ويَعْقُبُهُ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الشّاهِدِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الشّاهِدُ هو كَوْنُ القُرْآنِ واقِعًا عَلى وجْهٍ يَعْرِفُ كُلُّ مَن نَظَرَ فِيهِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ، وذَلِكَ الوَجْهُ هو اشْتِمالُهُ عَلى الفَصاحَةِ التّامَّةِ والبَلاغَةِ الكامِلَةِ، وكَوْنُهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿شاهِدٌ مِنهُ﴾ أيْ مِن تِلْكَ البَيِّنَةِ؛ لِأنَّ أحْوالَ القُرْآنِ وصِفاتِهِ مِنَ القِراءاتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.
وثالِثُها: قالَ الفَرّاءُ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ يَعْنِي: الإنْجِيلُ يَتْلُو القُرْآنَ وإنْ
صفحة ١٦٢
كانَ قَدْ أُنْزِلَ قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّهُ يَتْلُوهُ في التَّصْدِيقِ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مُحَمَّدًا ﷺ في الإنْجِيلِ، وأمَرَ بِالإيمانِ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانا مُحْتَمَلَيْنِ إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أقْوى وأتَمُّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ كِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَوْنِهِ إمامًا ورَحْمَةً، ومَعْنى كَوْنِهِ إمامًا أنَّهُ كانَ مُقْتَدى العالِمِينَ، وإمامًا لَهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ الدِّينِ والشَّرائِعِ، وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً فَلِأنَّهُ يَهْدِي إلى الحَقِّ في الدُّنْيا والدِّينِ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ، فَلَمّا كانَ سَبَبًا لِلرَّحْمَةِ أطْلَقَ اسْمَ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ في صِحَّةِ هَذا الدِّينِ يُؤْمِنُونَ.
واعْلَمْ أنَّ المَطالِبَ عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يُعْلَمُ صِحَّتُها بِالبَدِيهَةِ، ومِنها ما يُحْتاجُ في تَحْصِيلِ العِلْمِ بِها إلى طَلَبٍ واجْتِهادٍ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي عَلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ تَحْصِيلِ المَعارِفِ إمّا الحُجَّةُ والبُرْهانُ المُسْتَنْبَطُ بِالعَقْلِ، وإمّا الِاسْتِفادَةُ مِنَ الوَحْيِ والإلْهامِ، فَهَذانِ الطَّرِيقانِ هُما الطَّرِيقانِ اللَّذانِ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَيْهِما في تَعْرِيفِ المَجْهُولاتِ، فَإذا اجْتَمَعا واعْتَضَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ بَلَغا الغايَةَ في القُوَّةِ والوُثُوقِ، ثُمَّ إنَّ في أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى كَثْرَةً، فَإذا تَوافَقَتْ كَلِماتُ الأنْبِياءِ عَلى صِحَّتِهِ، وكانَ البُرْهانُ اليَقِينِيُّ قائِمًا عَلى صِحَّتِهِ، فَهَذِهِ المَرْتَبَةُ قَدْ بَلَغَتْ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ اليَقِينِيَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ الَّذِي حَصَلَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ الَّذِي حَصَلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ قَدْ بَلَغَ هَذا اليَقِينُ في القُوَّةِ والظُّهُورِ والجَلاءِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ والمُرادُ مِنَ الأحْزابِ أصْنافُ الكُفّارِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ. رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«لا يَسْمَعُ بِي يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ فَلا يُؤْمِنُ بِي إلّا كانَ مِن أهْلِ النّارِ» “ قالَ أبُو مُوسى: فَقُلْتُ في نَفْسِي: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَقُولُ مِثْلَ هَذا إلّا عَنِ القُرْآنِ، فَوَجَدْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: (﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: لَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ مَن يَكْفُرُ بِهِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ، دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن لا يَكْفُرُ بِهِ لَمْ تَكُنِ النّارُ مَوْعِدَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِن صِحَّةِ هَذا الدِّينِ، ومِن كَوْنِ القُرْآنِ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مُتَعَلِّقًا بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ .
الثّانِي: فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِن أنَّ مَوْعِدَ الكافِرِ النّارُ. وقُرِئَ: ”مُرْيَةٍ“ بِضَمِّ المِيمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: لَمّا ظَهَرَ الحَقُّ ظُهُورًا في الغايَةِ، فَكُنْ أنْتَ مُتابِعًا لَهُ ولا تُبالِ بِالجُهّالِ، سَواءٌ آمَنُوا أوْ لَمْ يُؤْمِنُوا، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يُؤْمِنُونَ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن وصْفِ القُرْآنِ.
11:18–22Page 223
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨
And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١
Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢
Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم عاداتٌ كَثِيرَةٌ وطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنها شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا ورَغْبَتُهم في تَحْصِيلِها، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ومِنها أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، ويَقْدَحُونَ في مُعْجِزاتِهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، ومِنها أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ في الأصْنامِ أنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا الكَلامَ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا بَيَّنَ وعِيدَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ إنَّما يُورَدُ في مَعْرِضِ المُبالَغَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ أنْواعِ الظُّلْمِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ وعِيدَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ وما وصَفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ العَرْضِ؛ لِأنَّ العَرْضَ عامٌّ في كُلِّ العِبادِ كَما قالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكَهْفِ: ٤٨] وإنَّما أرادَ بِهِ أنَّهم يُعْرَضُونَ فَيُفْتَضَحُونَ بِأنْ يَقُولَ الأشْهادُ عِنْدَ عَرْضِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ فَحَصَلَ لَهم مِنَ الخِزْيِ والنَّكالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ. وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: إذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى في مَكانٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؟ والجَوابُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْحِسابِ والسُّؤالِ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَرْضًا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ مِنَ الخَلْقِ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.
السُّؤالُ الثّانِي: مَنِ الأشْهادُ الَّذِينَ أُضِيفَ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ ؟
الجَوابُ: قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ كانُوا يَحْفَظُونَ أعْمالَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: الأشْهادُ: النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، يَعْنِي عَلى رُءُوسِ النّاسِ. وقالَ الآخَرُونَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٦] والفائِدَةُ في اعْتِبارِ قَوْلِ الأشْهادِ المُبالَغَةُ في إظْهارِ الفَضِيحَةِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: الأشْهادُ جَمْعٌ فَما واحِدُهُ ؟
والجَوابُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شاهِدٍ، مِثْلُ: صاحِبٍ وأصْحابٍ، وناصِرٍ وأنْصارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ شَهِيدٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وأشْرافٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهَذا كَأنَّهُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ ما جاءَ مِن ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ جاءَ
صفحة ١٦٤
عَلى فَعِيلٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] . ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في عَذابِ القِيامَةِ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الحالِ فَقالَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وبَيَّنَ أنَّهم في الحالِ لَمَلْعُونُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنَّهم يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا، يَعْنِي أنَّهم كَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتِزامِ الكُفْرِ والضَّلالِ، فَقَدْ أضافُوا إلَيْهِ المَنعَ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجَ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ في العاصِي: يَبْغِي عِوَجًا، وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ فِيمَن يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِقامَةِ وكَيْفِيَّةَ العِوَجِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الشُّبُهاتِ وتَقْرِيرِ الضَّلالاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”هم“ كُرِّرَتْ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِثَباتِهِمْ في الكُفْرِ.
* * *
( أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ الجاحِدِينَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَعْرِضِ الذَّمِّ.
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُهم مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ في مَوْقِفِ الذُّلِّ والهَوانِ والخِزْيِ والنَّكالِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ .
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: حُصُولُ الخِزْيِ والنَّكالِ والفَضِيحَةِ العَظِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ .
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ .
والصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مانِعِينَ عَنْ مُتابَعَةِ الحَقِّ، وهي قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
والصِّفَةُ السّادِسَةُ: سَعْيُهم في إلْقاءِ الشُّبُهاتِ، وتَعْوِيجِ الدَّلائِلِ المُسْتَقِيمَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ .
والصِّفَةُ السّابِعَةُ: كَوْنُهم كافِرِينَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ .
والصِّفَةُ الثّامِنَةُ: كَوْنُهم عاجِزِينَ عَنِ الفِرارِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي﴾
صفحة ١٦٥
﴿الأرْضِ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى الإعْجازِ المَنعُ مِن تَحْصِيلِ المُرادِ. يُقالُ: أعْجَزَنِي فُلانٌ، أيْ: مَنَعَنِي عَنْ مُرادِي، ومَعْنى مُعْجِزِينَ في الأرْضِ أيْ: لا يُمْكِنُهم أنْ يَهْرُبُوا مِن عَذابِنا،؛ فَإنَّ هَرَبَ العَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ولا تَتَفاوَتُ قُدْرَتُهُ بِالبُعْدِ والقُرْبِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ.
والصِّفَةُ التّاسِعَةُ: أنَّهم لَيْسَ لَهم أوْلِياءُ يَدْفَعُونَ عَذابَ اللَّهِ عَنْهم، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في وصْفِهِمُ الأصْنامَ بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، والمَقْصُودُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الفِرارِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ هو أنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى تَخْلِيصِهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ، فَجَمَعَ تَعالى بَيْنَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وبَيْنَ ما يَرْجِعُ إلى غَيْرِهِمْ، وبَيَّنَ بِذَلِكَ انْقِطاعَ حِيَلِهِمْ في الخَلاصِ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ أنَّ عَدَمَ نُزُولِ العَذابِ لَيْسَ لِأجْلِ أنَّهم قَدَرُوا عَلى مَنعِ اللَّهِ مِن إنْزالِ العَذابِ ولا لِأجْلِ أنَّ لَهم ناصِرًا يَمْنَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم، بَلْ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الإمْهالُ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمْهَلَهم كَيْ يَتُوبُوا فَيَزُولُوا عَنْ كُفْرِهِمْ، فَإذا أبَوْا إلّا الثَّباتَ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ مِن مُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ لِلَّهِ عَمّا يُرِيدُ إنْزالَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا، ولا يَجِدُونَ ولِيًّا يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهم.
والصِّفَةُ العاشِرَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ قِيلَ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ في حَقِّهِمْ أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنُّشُورِ، فَكُفْرُهم بِالمَبْدَأِ والمَعادِ صارَ سَبَبًا لِتَضْعِيفِ العَذابِ، والأصْوَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهم مَعَ ضَلالِهِمُ الشَّدِيدِ، سَعَوْا في الإضْلالِ ومَنعِ النّاسِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، فَلِهَذا المَعْنى حَصَلَ هَذا التَّضْعِيفُ عَلَيْهِمْ.
الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ.
صفحة ١٦٦
والجَوابُ: أمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِ الحاسَّةِ وعَلى خَلْقِ المَعْنى فِيها فَباطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ورَدَتْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَصًّا بِهِمْ، والمَعْنى الَّذِي قالُوهُ حاصِلٌ في المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ مِنهُ البَصِيرَةُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنَّهم عَدَلُوا عَنْ إبْصارِ ما يَكُونُ حُجَّةً لَهم.
الصِّفَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ هَذا الخُسْرانُ أعْظَمَ وُجُوهِ الخُسْرانِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا باعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيا فَقَدْ خَسِرُوا؛ لِأنَّهم أعْطَوُا الشَّرِيفَ، ورَضُوا بِأخْذِ الخَسِيسِ، وهَذا عَيْنُ الخُسْرانِ في الدُّنْيا ثُمَّ في الآخِرَةِ، فَهَذا الخَسِيسُ يَضِيعُ ويَهْلَكُ ولا يَبْقى مِنهُ أثَرٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
الصِّفَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما تَقَدَّمَ، وهو أنَّهُ لَمّا أعْطى الشَّرِيفَ الرَّفِيعَ ورَضِيَ بِالخَسِيسِ الوَضِيعِ فَقَدْ خَسِرَ في التِّجارَةِ. ثُمَّ لَمّا كانَ هَذا الخَسِيسُ بِحَيْثُ لا يَبْقى بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَهْلَكَ ويَفْنى انْقَلَبَتْ تِلْكَ التِّجارَةُ إلى النِّهايَةِ في صِفَةِ الخَسارَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿لا جَرَمَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِنا: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ حَقًّا، تَقُولُ العَرَبُ: لا جَرَمَ أنَّكَ مُحْسِنٌ، عَلى مَعْنى حَقًّا إنَّكَ مُحْسِنٌ، وأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلَهم فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ وجَزْمٍ، أيْ قَطْعٍ، فَإذا قُلْنا: لا جَرَمَ مَعْناهُ أنَّهُ لا قَطْعَ قاطِعٍ عَنْهم أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ.
الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ كَلِمَةَ ”لا“ نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهم، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ، والمَعْنى: لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ وكَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَكَرْنا ”جَرَمَ“ بِمَعْنى كَسَبَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائِدَةِ: ٢] قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا البابِ.
الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ: ”لا“ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكُفْرِ كَما ذَكَرْنا، و”جَرَمَ“ مَعْناهُ حَقَّ وصَحَّ، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ حَقُّ كُفْرِهِمْ وُقُوعُ العَذابِ والخُسْرانِ بِهِمْ. واحْتَجَّ سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
صفحة ١٦٧
ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
أرادَ حَقَّتِ الطَّعْنَةُ فَزارَةَ أنْ يَغْضَبُوا.
11:23Page 224
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣
Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عُقُوبَةَ الكافِرِينَ وخُسْرانَهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ. والإخْباتُ هو الخُشُوعُ والخُضُوعُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبْتِ وهو الأرْضُ المُطْمَئِنَّةُ، وخَبَتَ ذِكْرُهُ أيْ خَفِيَ، فَقَوْلُهُ: أخْبَتَ أيْ دَخَلَ في الخَبْتِ، كَما يُقالُ فِيمَن صارَ إلى نَجْدٍ: أنْجَدَ، وإلى تِهامَةَ: أتْهَمَ، ومِنهُ المُخْبِتُ مِنَ النّاسِ الَّذِي أخْبَتَ إلى رَبِّهِ، أيِ: اطْمَأنَّ إلَيْهِ. ولَفْظُ الإخْباتِ يَتَعَدّى بِإلى وبِاللّامِ، فَإذا قُلْنا: أخْبَتَ فُلانٌ إلى كَذا فَمَعْناهُ اطْمَأنَّ إلَيْهِ، وإذا قُلْنا: أخْبَتَ لَهُ فَمَعْناهُ خَشَعَ لَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وأخْبَتُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَنْفَعُ في الآخِرَةِ إلّا مَعَ الأحْوالِ القَلْبِيَّةِ، ثُمَّ إنْ فَسَرَّنا الإخْباتَ بِالطُّمَأْنِينَةِ كانَ المُرادُ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ وكانَتْ قُلُوبُهم عِنْدَ أداءِ العِباداتِ مُطْمَئِنَّةً بِذِكْرِ اللَّهِ، فارِغَةً عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى. أوْ يُقالُ: إنَّما قُلُوبُهم صارَتْ مُطْمَئِنَّةً إلى صِدْقِ اللَّهِ بِكُلِّ ما وعَدَهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، وأمّا إنْ فَسَّرْنا الإخْباتَ بِالخُشُوعِ كانَ مَعْناهُ أنَّهم يَأْتُونَ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ خائِفِينَ وجِلِينَ مِن أنْ يَكُونُوا أتَوْا بِها مَعَ وُجُودِ الإخْلالِ والتَّقْصِيرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَن حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثَةُ فَهم أصْحابُ الجَنَّةِ، ويَحْصُلُ لَهُمُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences