Ar-RaziHud · 11:34–39

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:34–39

11:34Page 225

وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يانُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أوْرَدُوا تِلْكَ الشُّبْهَةَ وأجابَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِالجَواباتِ المُوافِقَةِ الصَّحِيحَةِ، أوْرَدَ الكُفّارُ عَلى نُوحٍ كَلامَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم وصَفُوهُ بِكَثْرَةِ المُجادَلَةِ فَقالُوا: يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أكْثَرَ في الجِدالِ مَعَهم، وذَلِكَ الجِدالُ ما كانَ إلّا في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِدالَ في تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ وفي إزالَةِ الشُّبُهاتِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ، وعَلى أنَّ التَّقْلِيدَ والجَهْلَ والإصْرارَ عَلى الباطِلِ حِرْفَةُ الكُفّارِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ عَنْهُ بِجَوابٍ صَحِيحٍ فَقالَ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ إنْزالَ العَذابِ لَيْسَ إلَيَّ، وإنَّما هو خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، فَيَفْعَلُهُ إنْ شاءَ كَما شاءَ، وإذا أرادَ إنْزالَ العَذابِ فَإنَّ أحَدًا لا يُعْجِزُهُ، أيْ: لا يَمْنَعُهُ مِنهُ، والمُعْجِزُ هو الَّذِي يَفْعَلُ ما عِنْدَهُ لِتَعَذُّرِ مُرادِ الغَيْرِ، فَيُوَصَفُ بِأنَّهُ أعْجَزَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ لا سَبِيلَ لَكم إلى فِعْلِ ما عِنْدَهُ، فَلا يَمْتَنِعُ عَلى اللَّهِ تَعالى ما يَشاءُ مِنَ العَذابِ إنْ أرادَ إنْزالَهُ بِكم، وقَدْ قِيلَ: مَعْناهُ: وما أنْتُمْ بِمانِعِينَ، وقِيلَ: وما أنْتُمْ بِمَصُونِينَ، وقِيلَ: وما أنْتُمْ بِسابِقِينَ إلى الخَلاصِ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ.

صفحة ١٧٥

واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أجابَ عَنْ شُبُهاتِهِمْ خَتَمَ الكَلامَ بِخاتِمَةٍ قاطِعَةٍ، فَقالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَإنَّهُ لا يَنْفَعُكم نُصْحِي البَتَّةَ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ العَبْدِ، وأنَّهُ إذا أرادَ مِنهُ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، قالُوا: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم ويُضِلَّكم، وهَذا صَرِيحٌ في مَذْهَبِنا، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم قالُوا: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنْ أرادَ إغْواءَ القَوْمِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِنُصْحِ الرَّسُولِ، وهَذا مُسَلَّمٌ، فَإنّا نَعْرِفُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ أرادَ إغْواءَ عَبْدٍ فَإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ نُصْحُ النّاصِحِينَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ تَعالى أرادَ هَذا الإغْواءَ؛ فَإنَّ النِّزاعَ ما وقَعَ إلّا فِيهِ ؟ بَلْ نَقُولُ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أغْواهم، بَلْ فَوَّضَ الِاخْتِيارَ إلَيْهِمْ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ إغْواءَهم لَما بَقِيَ في النُّصْحِ فائِدَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ لَما أمَرَهُ بِأنْ يَنْصَحَ الكُفّارَ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الكُفّارِ ونَصِيحَتِهِمْ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا النُّصْحَ غَيْرُ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى ما أغْواهم، فَهَذا صارَ حُجَّةً لَنا مِن هَذا الوَجْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْواهم، لَصارَ هَذا عُذْرًا لَهم في عَدَمِ إتْيانِهِمْ بِالإيمانِ، ولَصارَ نُوحٌ مُنْقَطِعًا في مُناظَرَتِهِمْ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لَهُ: إنَّكَ سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ أغْوانا، فَإنَّهُ لا يَبْقى في نُصْحِكَ ولا في جِدِّنا واجْتِهادِنا فائِدَةٌ، فَإذا ادَّعَيْتَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أغْوانا فَقَدْ جَعَلْتَنا مَعْذُورِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قالَهُ الخَصْمُ، لَصارَ هَذا حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَجُوزُ أنْ يَذْكُرَ كَلامًا يَصِيرُ بِسَبَبِهِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا عاجِزًا عَنْ تَقْرِيرِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، ثُمَّ إنَّهم ذَكَرُوا وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلاتِ:

الأوَّلُ: أُولَئِكَ الكُفّارُ كانُوا مُجَبِّرَةً، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ كُفْرَهم بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ نُصْحَهُ لا يَنْفَعُهم، إنْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا، ومِثالُهُ أنْ يُعاقِبَ الرَّجُلُ ولَدَهُ عَلى ذَنْبِهِ فَيَقُولُ الوَلَدُ: لا أقْدِرُ عَلى غَيْرِ ما أنا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ الوالِدُ: فَلَنْ يَنْفَعَكَ إذًا نُصْحِي ولا زَجْرِي، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ، بَلْ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِذَلِكَ.

الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَكم، والمَعْنى: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي اليَوْمَ إذا نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ فَآمَنتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ لا يُقْبَلُ، وإنَّما يَنْفَعُكم نُصْحِي إذا آمَنتُمْ قَبْلَ مُشاهَدَةِ العَذابِ.

الثّالِثُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الغَوايَةُ هي الخَيْبَةُ مِنَ الطَّلَبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيمَ: ٥٩] أيْ: خَيْبَةً مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، قالَ الشّاعِرُ:

ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

الرّابِعُ: أنَّهُ إذا أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وتَمادى فِيهِ، مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى الألْطافَ وفَوَّضَهُ إلى نَفْسِهِ، فَهَذا شَبِيهُ ما إذا أرادَ إغْواءَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْواهُ. هَذا جُمْلَةُ كَلِماتِ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ. والجَوابُ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا وأطْوارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاءٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ بَعْدَهُ شَرْطٌ آخَرُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ المُؤَخَّرُ في اللَّفْظِ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ؛ وذَلِكَ

صفحة ١٧٦

لِأنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ، كانَ المَفْهُومُ كَوْنَ ذَلِكَ الطَّلاقِ مِن لَوازِمِ ذَلِكَ الدُّخُولِ، فَإذا ذَكَرَ بَعْدَهُ شَرْطًا آخَرَ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنْ أكَلْتِ الخُبْزَ، كانَ المَعْنى أنَّ تَعَلُّقَ ذَلِكَ الجَزاءِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الأوَّلِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ هَذا الشَّرْطِ الثّانِي، والشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلى المَشْرُوطِ في الوُجُودِ، فَعَلى هَذا إنْ حَصَلَ الشَّرْطُ الثّانِي تَعَلَّقَ ذَلِكَ الجَزاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الأوَّلِ، أمّا إنْ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ المَذْكُورُ ثانِيًا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ الجَزاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الأوَّلِ، هَذا هو التَّحْقِيقُ في هَذا التَّرْكِيبِ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ الفُقَهاءُ: إنَّ الشَّرْطَ المُؤَخَّرَ في اللَّفْظِ مُقَدَّمٌ في المَعْنى، والمُقَدَّمَ في اللَّفْظِ مُؤَخَّرٌ في المَعْنى.

واعْلَمْ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ قالَ: ﴿هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وهَذا نِهايَةُ الوَعِيدِ؛ أيْ: هو إلَهُكُمُ الَّذِي خَلَقَكم ورَبّاكم ويَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في ذَواتِكم وفي صِفاتِكم قَبْلَ المَوْتِ وعِنْدَ المَوْتِ، وبَعْدَ المَوْتِ مَرْجِعُكم إلَيْهِ، وهَذا يُفِيدُ نِهايَةَ التَّحْذِيرِ.

11:35–36Page 225

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥

Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ مَعْنى افْتَراهُ اخْتَلَقَهُ وافْتَعَلَهُ، وجاءَ بِهِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، والهاءُ تَرْجِعُ إلى الوَحْيِ الَّذِي بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ الإجْرامُ اقْتِراحُ المَحْظُوراتِ واكْتِسابُها، وهَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ؛ لِأنَّ المَعْنى: فَعَلَيَّ عِقابُ إجْرامِي، وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ عِقابُ جُرْمِي، وإنْ كُنْتُ صادِقًا وكَذَّبْتُمُونِي فَعَلَيْكم عِقابُ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ هَذِهِ البَقِيَّةَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمَّ منْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] ولَمْ يَذْكُرِ البَقِيَّةَ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ أنا بَرِيءٌ مِن عِقابِ جُرْمِكم، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وقَعَتْ في قِصَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أثْناءِ حِكايَةِ نُوحٍ. وقَوْلُهم بَعِيدٌ جِدًّا، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ شاكًّا، إلّا أنَّهُ قَوْلٌ يُقالُ عَلى وجْهِ الإنْكارِ عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ القَبُولِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا جاءَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دَعا عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ لا تَحْزَنْ، قالَ أبُو زَيْدٍ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

ما يَقْسِمُ اللَّهُ أقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ بِهِ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ

أيْ غَيْرَ حَزِينٍ ولا كارِهٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في القَضاءِ والقَدَرِ، وقالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ

صفحة ١٧٧

عَنْ قَوْمِهِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْ حَصَلَ إيمانُهم لَكانَ إمّا مَعَ بَقاءِ هَذا الخَبَرِ صِدْقًا، ومَعَ بَقاءِ هَذا العِلْمِ عِلْمًا، أوْ مَعَ انْقِلابِ هَذا الخَبَرِ كَذِبًا، ومَعَ انْقِلابِ هَذا العَلَمِ جَهْلًا، والأوَّلُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الإيمانِ مَعَ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ صِدْقًا، ومَعَ كَوْنِ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ حاصِلًا حالَ وُجُودِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ كَذِبًا وعِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا مُحالٌ، ولَمّا كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ وثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مُحالٌ كانَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، مَعَ أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ، وأيْضًا القَوْمُ كانُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ، ومِنَ الإيمانِ تَصْدِيقُ اللَّهِ تَعالى في كُلِّ ما أخْبَرَ عَنْهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ البَتَّةَ. وذَلِكَ تَكْلِيفُ الجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وتَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ مِرارًا وأطْوارًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُعْتَزِلَةُ في أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَ الِاسْتِئْصالِ عَلى قَوْمٍ كانَ في المَعْلُومِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ أوْ كانَ في أوْلادِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ لا يَجُوزُ. واحْتَجُّوا بِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦، ٢٧]، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ تَعالى إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَلَيْهِمْ؛ لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مَن يُؤْمِنُ، ولا في أوْلادِهِمْ أحَدٌ يُؤْمِنُ. قالَ القاضِي وقالَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا: إنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنهم مَن يُؤْمِنُ. وأمّا قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما سَألَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يُضِلُّونَ عِبادَهُ ولا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كانَ قَوْلًا بِمَجْمُوعِ هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ، وأيْضًا فَلا دَلِيلَ فِيهِ عَلى أنَّهُما لَوْ لَمْ يَحْصُلا لَما جازَ إنْزالُ الإهْلاكِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِإيمانِهِمْ كانَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُبْقِيَهم، فَأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم أحَدٌ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِ ما كانَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَحَبَّةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى مِن بَعْدُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ مِن ذَلِكَ ولا تَغْتَمَّ، ولا تَظُنَّ أنَّ في ذَلِكَ مَذَلَّةً؛ فَإنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ، وإنْ قَلَّ عَدَدُ مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ، والباطِلَ ذَلِيلٌ وإنْ كَثُرَ عَدَدُ مَن يَقُولُ بِهِ.

11:37Page 225

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ يَقْتَضِي تَعْرِيفَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مُعَذِّبُهم ومُهْلِكُهم، فَكانَ يَحْتَمِلُ أنْ يُعَذِّبَهم بِوُجُوهِ التَّعْذِيبِ، فَعَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِهَذا الجِنْسِ الَّذِي هو الغَرَقُ، ولَمّا كانَ السَّبِيلُ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ النَّجاةُ مِنَ الغَرَقِ تَكْوِينَ السَّفِينَةِ، لا جَرَمَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِإصْلاحِ السَّفِينَةِ وإعْدادِها، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها عَلى مِثالِ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أمْرُ إيجابٍ أوْ أمْرُ إباحَةٍ ؟

صفحة ١٧٨

قُلْنا: الأظْهَرُ أنَّهُ أمْرُ إيجابٍ؛ لِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى صَوْنِ رُوحِ نَفْسِهِ وأرْواحِ غَيْرِهِ عَنِ الهَلاكِ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ، وصَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ واجِبٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ الأمْرُ أمْرَ إيجابٍ، بَلْ كانَ أمْرَ إباحَةٍ، وهو بِمَنزِلَةِ أنْ يَتَّخِذَ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ دارًا لِيَسْكُنَها ويُقِيمَ بِها.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ فَهَذا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى أعْيُنٌ كَثِيرَةٌ. وهَذا يُناقِضُ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَصْنَعَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ الفُلْكَ بِتِلْكَ الأعْيُنِ، كَما يُقالُ: قَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، وكَتَبْتُ بِالقَلَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.

وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ والأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِعَيْنِ المَلَكِ الَّذِي كانَ يُعَرِّفُهُ كَيْفَ يَتَّخِذُ السَّفِينَةَ، يُقالُ: فُلانٌ عَيْنٌ عَلى فُلانٍ؛ نُصِّبَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مُتَفَحِّصًا عَنْ أحْوالِهِ ولا تُحَوَّلُ عَنْهُ عَيْنُهُ.

الثّانِي: أنَّ مَن كانَ عَظِيمَ العِنايَةِ بِالشَّيْءِ، فَإنَّهُ يَضَعُ عَيْنَهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ العَيْنِ عَلى الشَّيْءِ سَبَبًا لِمُبالَغَةِ الِاحْتِياطِ والعِنايَةِ جَعَلَ العَيْنَ كِنايَةً عَنِ الِاحْتِياطِ، فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ بِحِفْظِنا إيّاكَ حِفْظَ مَن يَراكَ ويَمْلِكُ دَفْعَ السُّوءِ عَنْكَ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ إقْدامَهُ عَلى عَمَلِ السَّفِينَةِ مَشْرُوطٌ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ لا يَمْنَعَهُ أعْداؤُهُ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِأنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي تَأْلِيفُ السَّفِينَةِ وتَرْكِيبُها ودَفْعُ الشَّرِّ عَنْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ووَحْيِنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى يُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي عَمَلُ السَّفِينَةِ حَتّى يَحْصُلَ مِنهُ المَطْلُوبُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: يَعْنِي لا تَطْلُبْ مِنِّي تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم؛ فَإنِّي قَدْ حَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ، فَلَمّا عَلِمَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] .

الثّانِي: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ في تَعْجِيلِ ذَلِكَ العِقابِ عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، فَإنِّي لَمّا قَضَيْتُ إنْزالَ ذَلِكَ العَذابِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ كانَ تَعْجِيلُهُ مُمْتَنِعًا.

الثّالِثُ: المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ.

11:38–39Page 226

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصْنَعُ الفُلْكَ.

الثّانِي: التَّقْدِيرُ: وأقْبَلَ يَصْنَعُ الفُلْكَ فاقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ .

صفحة ١٧٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في صِفَةِ السَّفِينَةِ أقْوالًا كَثِيرَةً:

فَأحَدُها: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّخَذَ السَّفِينَةَ في سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: في أرْبَعِ سِنِينَ، وكانَ طُولُها ثَلْثَمِائَةِ ذِراعٍ، وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَّماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، وكانَتْ مِن خَشَبِ السّاجِ، وجَعَلَ لَها ثَلاثَ بُطُونٍ، فَحَمَلَ في البَطْنِ الأسْفَلِ الوُحُوشَ والسِّباعَ والهَوامَّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابَّ والأنْعامَ، وفي البَطْنِ الأعْلى جَلَسَ هو ومَن كانَ مَعَهُ مَعَ ما احْتاجُوا إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ.

واعْلَمْ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَباحِثِ لا تُعْجِبُنِي؛ لِأنَّها أُمُورٌ لا حاجَةَ إلى مَعْرِفَتِها البَتَّةَ، ولا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَتِها فائِدَةٌ أصْلًا، وكانَ الخَوْضُ فِيها مِن بابِ الفُضُولِ، لا سِيَّما مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَيْسَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى الجانِبِ الصَّحِيحِ، والَّذِي نَعْلَمُهُ أنَّهُ كانَ في السَّعَةِ بِحَيْثُ يَتَّسِعُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِ ولِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، ولِحُصُولِ زَوْجَيْنِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ هَذا القَدْرَ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، فَأمّا غَيْرُ ذَلِكَ القَدْرِ فَغَيْرُ مَذْكُورٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ فَفي تَفْسِيرِ المَلَأِ وجْهانِ: قِيلَ: جَماعَةٌ، وقِيلَ: طَبَقَةٌ مِن أشْرافِهِمْ وكُبَرائِهِمْ. واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ كانُوا يَسْخَرُونَ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: يا نُوحُ، كُنْتَ تَدَّعِي رِسالَةَ اللَّهِ تَعالى، فَصِرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ نَجّارًا.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ صادِقًا في دَعْواكَ لَكانَ إلَهُكَ يُغْنِيكَ عَنْ هَذا العَمَلِ الشّاقِّ.

وثالِثُها: أنَّهم ما رَأوُا السَّفِينَةَ قَبْلَ ذَلِكَ وما عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ الِانْتِفاعِ بِها، وكانُوا يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ ويَسْخَرُونَ.

ورابِعُها: أنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كانَتْ كَبِيرَةً، وهو كانَ يَصْنَعُها في مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنِ الماءِ جِدًّا، وكانُوا يَقُولُونَ: لَيْسَ هَهُنا ماءٌ ولا يُمْكِنُكَ نَقْلُها إلى الأنْهارِ العَظِيمَةِ وإلى البِحارِ، فَكانُوا يَعُدُّونَ ذَلِكَ مِن بابِ السَّفَهِ والجُنُونِ.

وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا طالَتْ مُدَّتُهُ مَعَ القَوْمِ وكانَ يُنْذِرُهم بِالغَرَقِ وما شاهَدُوا مِن ذَلِكَ المَعْنى خَبَرًا ولا أثَرًا غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ كَوْنُهُ كاذِبًا في ذَلِكَ المَقالِ، فَلَمّا اشْتَغَلَ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ لا جَرَمَ سَخِرُوا مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في هَذِهِ السّاعَةِ فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم سُخْرِيَةً مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا وقَعَ عَلَيْكُمُ الغَرَقُ في الدُّنْيا والخِزْيُ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: إنْ حَكَمْتُمْ عَلَيْنا بِالجَهْلِ فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَحْكُمُ عَلَيْكم بِالجَهْلِ فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّعَرُّضِ لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالسُّخْرِيَةِ مِنّا.

الثّالِثُ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم، واسْتِجْهالُكم أقْبَحُ وأشَدُّ؛ لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا لِأجْلِ الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ والِاغْتِرارِ بِظاهِرِ الحالِ كَما هو عادَةُ الأطْفالِ والجُهّالِ.

فَإنْ قِيلَ: السُّخْرِيَةُ مِن آثارِ المَعاصِي، فَكَيْفَ يَلِيقُ ذَلِكَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟

قُلْنا: إنَّهُ تَعالى سَمّى المُقابَلَةَ سُخْرِيَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالسُّخْرِيَةِ ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى أيْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَمَحَلُّ ”مَن“ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي ويَكُونُ في مَحَلِّ النَّصْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ يَجِبُ عَلَيْهِ ويَنْزِلُ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском