Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:40–43
11:40Page 226
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠
[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ (حَتّى) هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بَعْدَها الكَلامُ أُدْخِلَتْ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ ووَقَعَتْ غايَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ أيْ: فَكانَ يَصْنَعُها إلى أنْ جاءَ وقْتُ المَوْعِدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] فَكانَ المُرادُ هَذا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ هَهُنا هو العَذابَ المُوعَدَ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في التَّنُّورِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ.
والثّانِي: أنَّهُ غَيْرُهُ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ التَّنُّورُ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ فَهو قَوْلُ جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ كابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ. وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَنُّورٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، قالَ الحَسَنُ: كانَ تَنُّورًا مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِهِ فَقالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّهُ كانَ بِناحِيَةِ الكُوفَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ في مَسْجِدِ الكُوفَةِ. قالَ: وقَدْ صَلّى فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيًّا، وقِيلَ: بِالشّامِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: عَيْنُ ورْدانَ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقِيلَ: فارَ التَّنُّورُ بِالهِنْدِ، وقِيلَ: إنَّ امْرَأتَهُ كانَتْ تَخْبِزُ في ذَلِكَ التَّنُّورِ فَأخْبَرَتْهُ بِخُرُوجِ الماءِ مِن ذَلِكَ التَّنُّورِ فاشْتَغَلَ في الحالِ بِوَضْعِ تِلْكَ الأشْياءِ في السَّفِينَةِ.
القَوْلُ الثّانِي: لَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّنُّورِ تَنُّورَ الخُبْزِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ انْفَجَرَ الماءُ مِن وجْهِ الأرْضِ كَما قالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القَمَرِ: ١١] والعَرَبُ تُسَمِّي وجْهَ الأرْضِ تَنُّورًا.
الثّانِي: أنَّ التَّنُّورَ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ وأعْلى مَكانٍ فِيها، وقَدْ أخْرَجَ إلَيْهِ الماءَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، وأيْضًا المَعْنى أنَّهُ لَمّا نَبَعَ الماءُ مِن أعالِي الأرْضِ، ومِنَ الأمْكِنَةِ المُرْتَفِعَةِ فَشُبِّهَتْ لِارْتِفاعِها بِالتَّنانِيرِ.
الثّالِثُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ أيْ طَلَعَ الصُّبْحُ، وهو مَنقُولٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الرّابِعُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أشَدَّ الأمْرِ كَما يُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ، ومَعْنى الآيَةِ إذا رَأيْتَ الأمْرَ يَشْتَدُّ والماءَ يَكْثُرُ فانْجُ بِنَفْسِكَ ومَن مَعَكَ إلى السَّفِينَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما الأصَحُّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ ؟
قُلْنا: الأصْلُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَفْظُ التَّنُّورِ حَقِيقَةٌ في المَوْضِعِ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، ولا امْتِناعَ في العَقْلِ في أنْ يُقالَ: إنَّ الماءَ نَبَعَ أوَّلًا مِن مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وكانَ ذَلِكَ المَوْضِعُ تَنُّورًا.
فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ التَّنُّورَ بِالألِفِ واللّامِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ مَعْهُودٌ سابِقٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِ، ولَيْسَ في الأرْضِ تَنُّورٌ هَذا شَأْنُهُ، فَوَجَبَ أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ إذا رَأيْتَ الماءَ يَشْتَدُّ نُبُوعُهُ والأمْرَ يَقْوى فانْجُ
صفحة ١٨١
بِنَفْسِكَ وبِمَن مَعَكَ.
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ التَّنُّورَ كانَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ كانَ تَنُّورَ آدَمَ أوْ حَوّاءَ أوْ كانَ تَنُّورًا عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَرَّفَهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ فاعْلَمْ أنَّ الأمْرَ قَدْ وقَعَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى صَرْفِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى (فارَ) نَبَعَ عَلى قُوَّةٍ وشِدَّةٍ تَشْبِيهًا بِغَلَيانِ القِدْرِ عِنْدَ قُوَّةِ النّارِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ نَفْسَ التَّنُّورِ لا يَفُورُ، فالمُرادُ فارَ الماءُ مِنَ التَّنُّورِ، والَّذِي رُوِيَ أنَّ فَوْرَ التَّنُّورِ كانَ عَلامَةً لِهَلاكِ القَوْمِ لا يَمْتَنِعُ؛ لِأنَّ هَذِهِ واقِعَةٌ عَظِيمَةٌ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ النَّجاةَ، فَلا بُدَّ وأنْ يَجْعَلَ لَهم عَلامَةً بِها يَعْرِفُونَ الوَقْتَ المُعَيَّنَ، فَلا يَبْعُدُ جَعَلَ هَذِهِ الحالَةَ عَلامَةً لِحُدُوثِ هَذِهِ الواقِعَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ اللَّيْثُ: التَّنُّورُ لَفْظَةٌ عَمَّتْ بِكُلِّ لِسانٍ وصاحِبُهُ تَنّارٌ، قالَ الأزْهَرِيُّ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْمَ قَدْ يَكُونُ أعْجَمِيًّا فَتُعَرِّبُهُ العَرَبُ فَيَصِيرُ عَرَبِيًّا، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ الأصْلَ تَنّارٌ ولا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ تَنُّورٌ قَبْلَ هَذا، ونَظِيرُهُ ما دَخَلَ في كَلامِ العَرَبِ مِن كَلامِ العَجَمِ الدِّيباجُ والدِّينارُ والسُّنْدُسُ والإسْتَبْرَقُ، فَإنَّ العَرَبَ لَمّا تَكَلَّمُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ صارَتْ عَرَبِيَّةً.
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا فارَ التَّنُّورُ فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَحْمِلَ في السَّفِينَةِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ مِنَ الأشْياءِ.
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ: الِاثْنانِ هُما زَوْجانِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذّارِياتِ: ٤٩] فالسَّماءُ زَوْجٌ والأرْضُ زَوْجٌ والشِّتاءُ زَوْجٌ والصَّيْفُ زَوْجٌ والنَّهارُ زَوْجٌ واللَّيْلُ زَوْجٌ، وتَقُولُ لِلْمَرْأةِ: هي زَوْجٌ وهو زَوْجُها، قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النِّساءِ: ١] يَعْنِي المَرْأةَ، وقالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النَّجْمِ: ٤٥] فَثَبَتَ أنَّ الواحِدَ قَدْ يُقالُ لَهُ: زَوْجٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الزَّوْجانِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْئَيْنِ يَكُونُ أحَدُهُما ذَكَرًا والآخَرُ أُنْثى، والتَّقْدِيرُ كُلُّ شَيْئَيْنِ هُما كَذَلِكَ، فاحْمِلْ مِنهُما في السَّفِينَةِ اثْنَيْنِ، واحِدٌ ذَكَرٌ والآخَرُ أُنْثى، ولِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ﴾ بِالتَّنْوِينِ، وأرادُوا حَمَلَ مِن كُلِّ شَيْءِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، الذَّكَرُ زَوْجٌ والأُنْثى زَوْجٌ، لا يُقالُ عَلَيْهِ: إنَّ الزَّوْجَيْنِ لا يَكُونانِ إلّا اثْنَيْنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا عَلى مِثالِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْلِ: ٥١]، وقَوْلِهِ: ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٣]، وأمّا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، فَهَذا السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ غَيْرُ الحَيَوانِ أمْ لا ؟ فَنَقُولُ: أمّا الحَيَوانُ فَداخِلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ الحَيَواناتِ، وأمّا النَّباتُ فاللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ قَرِينَةِ الحالِ لا يَبْعُدُ بِسَبَبِ أنَّ النّاسَ مُحْتاجُونَ إلى النَّباتِ بِجَمِيعِ أقْسامِهِ، وجاءَ في الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْمِلَ الأسَدَ حَتّى أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الحُمّى؛ وذَلِكَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، فَمِن أيْنَ أُطْعِمُ الأسَدَ إذا حَمَلْتُهُ ؟ قالَ تَعالى: فَسَوْفَ أشْغَلُهُ عَنِ الطَّعامِ. فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الحُمّى. وأمْثالُ هَذِهِ الكَلِماتِ الأوْلى تَرْكُها؛ فَإنَّ حاجَةَ الفِيلِ إلى الطَّعامِ أكْثَرُ ولَيْسَ بِهِ حُمّى.
الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِها في السَّفِينَةِ:
صفحة ١٨٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ قالُوا: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وثَلاثَةُ أبْناءٍ لَهُ، وهم: سامٌ، وحامٌ، ويافِثُ، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم زَوْجَةٌ، وقِيلَ أيْضًا: كانُوا ثَمانِيَةً؛ هَؤُلاءِ وزَوْجَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾، فالمُرادُ ابْنُهُ وامْرَأتُهُ، وكانا كافِرَيْنِ، حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ.
فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ أشْرَفُ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَما السَّبَبُ أنَّهُ وقَعَ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ الحَيَواناتِ ؟
قُلْنا: الإنْسانُ عاقِلٌ، وهو لِعَقْلِهِ كالمُضْطَرِّ إلى دَفْعِ أسْبابِ الهَلاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلا حاجَةَ فِيهِ إلى المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، بِخِلافِ السَّعْيِ في تَخْلِيصِ سائِرِ الحَيَواناتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ وقَعَ الِابْتِداءُ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ في إثْباتِ القَضاءِ اللّازِمِ والقَدَرِ الواجِبِ، قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ كُلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ عَنْ حالِهِ، وهو كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«السَّعِيدُ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ» “ .
النَّوْعُ الثّالِثُ مِن تِلْكَ الأشْياءِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ قالُوا: كانُوا ثَمانِينَ. قالَ مُقاتِلٌ: في ناحِيَةِ المَوْصِلِ قَرْيَةٌ يُقالُ لَها: قَرْيَةُ الثَّمانِينَ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْها، فَسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، وذَكَرُوا ما هو أزْيَدُ مِنهُ وما هو أنْقَصُ مِنهُ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِالقِلَّةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودَخَلُوا في السَّفِينَةِ كانُوا جَماعَةً فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: قَلِيلُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥٤] .
قُلْنا: كِلا اللَّفْظَيْنِ جائِزٌ، والتَّقْدِيرُ هَهُنا: وما آمَنَ مَعَهُ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، فَأمّا الَّذِي يُرْوى أنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ السَّفِينَةَ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الجِنِّ، وهو جِسْمٌ نارِيٌّ أوْ هَوائِيٌّ، وكَيْفَ يُؤَثِّرُ الغَرَقُ فِيهِ، وأيْضًا كِتابُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وخَبَرٌ صَحِيحٌ ما ورَدَ فِيهِ، فالأوْلى تَرْكُ الخَوْضِ فِيهِ.
11:41Page 226
۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١
And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالَ﴾ يَعْنِي: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿ارْكَبُوا﴾ والرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى ظَهْرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ رُكُوبُ الدّابَّةِ ورُكُوبُ السَّفِينَةِ ورُكُوبُ البَحْرِ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلا شَيْئًا فَقَدْ رَكِبَهُ، يُقالُ: رَكِبَهُ الدَّيْنُ. قالَ اللَّيْثُ: وتُسَمِّي العَرَبُ مَن يَرْكَبُ السَّفِينَةَ راكِبَ السَّفِينَةِ. وأمّا الرُّكْبانُ والرَّكْبُ مَن رَكِبُوا الدَّوابَّ والإبِلَ. قالَ الواحِدِيُّ: ولَفْظَةُ ”فِي“ في قَوْلِهِ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ الرُّكُوبِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَكِبْتُ السَّفِينَةَ ولا يُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ، بَلِ الوَجْهُ أنْ يُقالَ: مَفْعُولُ ارْكَبُوا مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ارْكَبُوا الماءَ في السَّفِينَةِ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فائِدَةُ هَذِهِ الزِّيادَةِ أنَّهُ أمَرَهم أنْ يَكُونُوا في جَوْفِ الفُلْكِ لا عَلى ظَهْرِها، فَلَوْ قالَ: ارْكَبُوها لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ أمَرَهم أنْ يَكُونُوا عَلى ظَهْرِ السَّفِينَةِ.
صفحة ١٨٣
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”مَجْراها“ بِفَتْحِ المِيمِ والباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ، واتَّفَقُوا في ”مُرْساها“ أنَّهُ بِضَمِّ المِيمِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ مُجاهِدٌ: ”مُجْرِيها ومُرْسِيها“ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ مَجْرُورَيِ المَحَلِّ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ تَعالى. قالَ الواحِدِيُّ: المَجْرى مَصْدَرٌ كالإجْراءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿مُنْزَلًا مُبارَكًا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٩] ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسْراءِ: ٨٠] وأمّا مَن قَرَأ: ”مَجْراها“ بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو أيْضًا مَصْدَرٌ مِثْلُ الجَرْيِ. واحْتَجَّ صاحِبُ هَذِهِ القِراءَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هُودٍ: ٤٢] ولَوْ كانَ مُجْراها لَكانَ وهي تُجَرِّيهِمْ، وحُجَّةُ مَن ضَمَّ المِيمَ أنَّ جَرَتْ بِهِمْ وأجْرَتْهم يَتَقارَبانِ في المَعْنى، فَإذا قالَ: ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾ [هُودٍ: ٤٢] فَكَأنَّهُ قالَ: تُجَرِّيهِمْ، وأمّا المُرْسى فَهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالإرْساءِ. يُقالُ: رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ وأرْساهُ غَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ [النّازِعاتِ: ٣٢] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ تَجْرِي بِسْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وتَرْسُو بِسْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: كانَ إذا أرادَ أنْ تَجْرِيَ بِهِمْ قالَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها﴾ فَتَجْرِي، وإذا أرادَ أنْ تَرْسُوَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُرْساها فَتَرْسُو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في عامِلِ الإعْرابِ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: ارْكَبُوا بِسْمِ اللَّهِ.
والثّانِي: ابْدَءُوا بِسْمِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: بِسْمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها.
وقِيلَ: إنَّها سارَتْ لِأوَّلِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وقِيلَ: لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِن رَجَبٍ، فَصارَتْ سِتَّةَ أشْهُرٍ، واسْتَوَتْ يَوْمَ العاشِرِ مِنَ المُحَرَّمِ عَلى الجُودِيِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ احْتِمالانِ:
الِاحْتِمالُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ كَلامًا واحِدًا، والتَّقْدِيرُ: وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ مَجْراها ومُرْساها، يَعْنِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَقْرُونًا بِهَذا الذِّكْرِ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونا كَلامَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ مَجْراها ومُرْساها لَيْسَ إلّا بِسْمِ اللَّهِ وأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ.
فالمَعْنى الأوَّلُ: يُشِيرُ إلى أنَّ الإنْسانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَشْرَعَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا ويَكُونُ في وقْتِ الشُّرُوعِ فِيهِ ذاكِرًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى بِالأذْكارِ المُقَدَّسَةِ حَتّى يَكُونَ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الذِّكْرِ سَبَبًا لِتَمامِ ذَلِكَ المَقْصُودِ.
والمَعْنى الثّانِي: يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا رَكِبَ السَّفِينَةَ أخْبَرَ القَوْمَ بِأنَّ السَّفِينَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّجاةِ، بَلِ الواجِبُ رَبْطُ الهِمَّةِ وتَعْلِيقُ القَلْبِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وأخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى هو المُجِرِي والمُرْسِي لِلسَّفِينَةِ، فَإيّاكم أنْ تُعَوِّلُوا عَلى السَّفِينَةِ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَعْوِيلُكم عَلى فَضْلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ هو المُجِرِي والمُرْسِي لَها، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ في مَقامِ الذِّكْرِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كانَ في مَقامِ الفِكْرِ والبَراءَةِ عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ واسْتِغْراقِ القَلْبِ في نُورِ جَلالِ مُسَبِّبِ الأسْبابِ.
واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا تَفَكَّرَ في طَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ فَكَأنَّهُ جَلَسَ في سَفِينَةِ التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، وأمْواجُ الظُّلُماتِ والضَّلالاتِ قَدْ عَلَتْ تِلْكَ الجِبالَ وارْتَفَعَتْ إلى مَصاعِدِ القِلالِ.
فَإذا ابْتَدَأتْ سَفِينَةُ الفِكْرَةِ والرَّوِيَّةِ بِالحَرَكَةِ وجَبَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَضَرُّعُهُ إلى اللَّهِ
صفحة ١٨٤
تَعالى، وأنْ يَكُونَ بِلِسانِ القَلْبِ ونَظَرِ العَقْلِ. يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها حَتّى تَصِلَ سَفِينَةُ فِكْرِهِ إلى ساحِلِ النَّجاةِ وتَتَخَلَّصَ عَنْ أمْواجِ الضَّلالاتِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ الإهْلاكِ وإظْهارِ القَهْرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الذِّكْرُ ؟
وجَوابُهُ: لَعَلَّ القَوْمَ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِمْ أنّا إنَّما نَجَوْنا بِبَرَكَةِ عِلْمِنا، فاللَّهُ تَعالى نَبَّهَهم بِهَذا الكَلامِ لِإزالَةِ ذَلِكَ العَجَبِ مِنهم، فَإنَّ الإنْسانَ لا يَنْفَكُّ عَنْ أنْواعِ الزَّلّاتِ وظُلُماتِ الشَّهَواتِ، وفي جَمِيعِ الأحْوالِ فَهو مُحْتاجٌ إلى إعانَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وأنْ يَكُونَ رَحِيمًا لِعُقُوبَتِهِ غَفُورًا لِذُنُوبِهِ.
11:42–43Page 226
وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢
And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."
قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣
[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ ارْكَبُوا فِيها، فَرَكِبُوا فِيها يَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ وهي تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأمْواجُ العَظِيمَةُ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ حُصُولِ الرِّياحِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ العاصِفَةِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رِياحٌ عاصِفَةٌ شَدِيدَةٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ شِدَّةِ الهَوْلِ والفَزَعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الجَرَيانُ في المَوْجِ هو أنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ داخِلَ المَوْجِ، وذَلِكَ يُوجِبُ الغَرَقَ، فالمُرادُ أنَّ الأمْواجَ لَمّا أحاطَتْ بِالسَّفِينَةِ مِنَ الجَوانِبِ، شُبِّهَتْ تِلْكَ السَّفِينَةُ بِما إذا جَرَتْ في داخِلِ تِلْكَ الأمْواجِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ نادى ابْنَهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ ابْنُهُ في الحَقِيقَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ ونُوحٌ أيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يابُنَيَّ﴾ وصَرْفُ هَذا اللَّفْظِ إلى أنَّهُ رَبّاهُ فَأطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الِابْنِ لِهَذا السَّبَبِ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى مَجازِهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، والَّذِينَ خالَفُوا هَذا الظّاهِرَ إنَّما خالَفُوهُ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ ولَدُ الرَّسُولِ المَعْصُومِ كافِرًا، وهَذا بَعِيدٌ؛ فَإنَّهُ ثَبَتَ أنَّ والِدَ رَسُولِنا ﷺ كانَ كافِرًا، ووالِدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كافِرًا بِنَصِّ القُرْآنِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نُوحٍ: ٢٦] فَكَيْفَ ناداهُ مَعَ كُفْرِهِ ؟
صفحة ١٨٥
فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ يُنافِقُ أباهُ فَظَنَّ نُوحٌ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَلِذَلِكَ ناداهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما أحَبَّ نَجاتَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ، لَكِنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ لَمّا شاهَدَ الغَرَقَ والأهْوالَ العَظِيمَةَ فَإنَّهُ يَقْبَلُ الإيمانَ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ تابِعْهم في الكُفْرِ وارْكَبْ مَعَنا.
والثّالِثُ: أنَّ شَفَقَةَ الأُبُوَّةِ لَعَلَّها حَمَلَتْهُ عَلى ذَلِكَ النِّداءِ، والَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ كانَ كالمُجْمَلِ، فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَوَّزَ أنْ لا يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ وقَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، ويُرْوى أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ: ”ونادى نُوحٌ ابْنَها“، والضَّمِيرُ لِامْرَأتِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: ”ابْنَهَ“ بِفَتْحِ الهاءِ يُرِيدُ أنَّ ابْنَها، إلّا أنَّهُما اكْتَفَيا بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، وقالَ قَتادَةُ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْهُ فَقالَ: واللَّهِ ما كانَ ابْنَهُ، فَقُلْتُ: إنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هُودٍ: ٤٥] وأنْتَ تَقُولُ: ما كانَ ابْنًا لَهُ، فَقالَ: لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ مِنِّي ولَكِنَّهُ قالَ: مِن أهْلِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْلِي.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى في امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ: ﴿فَخانَتاهُما﴾، وهَذا قَوْلٌ خَبِيثٌ يَجِبُ صَوْنُ مَنصِبِ الأنْبِياءِ عَنْ هَذِهِ الفَضِيحَةِ، لا سِيَّما وهو عَلى خِلافِ نَصِّ القُرْآنِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَخانَتاهُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٠] فَلَيْسَ فِيهِ أنَّ تِلْكَ الخِيانَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِالسَّبَبِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما كانَتْ تِلْكَ الخِيانَةُ ؟ فَقالَ: كانَتِ امْرَأةُ نُوحٍ تَقُولُ: زَوْجِي مَجْنُونٌ، وامْرَأةُ لُوطٍ تَدُلُّ النّاسَ عَلى ضَيْفِهِ إذا نَزَلُوا بِهِ. ثُمَّ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى فَسادِ هَذا المَذْهَبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النُّورِ: ٢٦]، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النُّورِ: ٣] وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ الحَقَّ هو مَقُولُ الأوَّلِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَعْزِلَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ: مَوْضِعٌ مُنْقَطِعٌ عَنْ غَيْرِهِ، وأصْلُهُ مِنَ العَزْلِ، وهو التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ. تَقُولُ: كُنْتُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَذا، أيْ بِمَوْضِعٍ قَدْ عُزِلَ مِنهُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في مَعْزِلٍ مِن أيِّ شَيْءٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ مِنَ السَّفِينَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ أنَّ الجَبَلَ يَمْنَعُهُ مِنَ الغَرَقِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وقَوْمِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في مَعْزِلٍ مِنَ الكُفّارِ كَأنَّهُ انْفَرَدَ عَنْهم فَظَنَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّهُ أحَبَّ مُفارَقَتَهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَنَقُولُ: قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالكَسْرِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَجْهُ الكَسْرُ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ مِنِ ابْنٍ ياءٌ أوْ واوٌ، فَإذا صَغَّرْتَ ألْحَقْتَ ياءَ التَّحْقِيرِ، فَلَزِمَ أنْ تَرُدَّ اللّامَ المَحْذُوفَةَ وإلّا لَزِمَ أنْ تُحَرِّكَ ياءَ التَّحْقِيرِ بِحَرَكاتِ الإعْرابِ، لَكِنَّها لا تُحَرَّكُ؛ لِأنَّها لَوْ حُرِّكَتْ لَزِمَ أنْ تَنْقَلِبَ كَما تَنْقَلِبُ سائِرُ حُرُوفِ المَدِّ واللِّينِ إذا كانَتْ حُرُوفَ إعْرابٍ، نَحْوُ عَصًا وقَفًا، ولَوِ انْقَلَبَتْ بَطَلَتْ دَلالَتُها عَلى التَّحْقِيرِ، ثُمَّ أضَفْتَ إلى نَفْسِكَ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ ياءاتٍ:
الأُولى مِنها لِلتَّحْقِيرِ.
والثّانِيَةُ: لامُ الفِعْلِ.
والثّالِثَةُ: الَّتِي لِلْإضافَةِ.
تَقُولُ: هَذا بُنَيَّ، فَإذا نادَيْتَهُ صارَ فِيهِ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ
صفحة ١٨٦
وحَذْفُها، والِاخْتِيارُ حَذْفُ الياءِ الَّتِي لِلْإضافَةِ وإبْقاءُ الكَسْرَةِ دَلالَةً عَلَيْهِ نَحْوَ يا غُلامِ. ومَن قَرَأ: ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ فَإنَّهُ أرادَ الإضافَةَ أيْضًا كَما أرادَها مَن قَرَأ بِالكَسْرِ، لَكِنَّهُ أبْدَلَ مِنَ الكَسْرَةِ الفَتْحَةَ ومِنَ الياءِ الألِفَ تَخْفِيفًا، فَصارَ يا بُنَيّا كَما قالَ:
يا ابْنَةَ عَمّا لا تَلُومِي واهْجَعِي
ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ لِلتَّخْفِيفِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ حَكى عَنِ ابْنِهِ أنَّهُ قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِابْنَ كانَ مُتَمادِيًا في الكُفْرِ مُصِرًّا عَلَيْهِ مُكَذِّبًا لِأبِيهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهُ، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ الَّذِي رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ اسْتِثْناءُ المَعْصُومِ مِنَ العاصِمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، وذَكَرُوا في الجَوابِ طُرُقًا كَثِيرَةً:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ وأنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ مِن آفَةِ الغَرَقِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ ابْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ”﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾“ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: أخْطَأْتَ، ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ والمَعْنى: إلّا ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ أنَّهُ بِرَحْمَتِهِ يُخَلِّصُ هَؤُلاءِ مِنَ الغَرَقِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا اللَّهُ الرَّحِيمُ، وتَقْدِيرُهُ: لا فِرارَ مِنَ اللَّهِ إلّا إلى اللَّهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في دُعائِهِ: ”«وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» “ وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”حَلِّ العقدِ“ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ وقَعَ مِن مُضْمَرٍ هو في حُكْمِ المَلْفُوظِ لِظُهُورِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لا عاصِمَ اليَوْمَ لِأحَدٍ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ، وهو كَقَوْلِكَ: لا نَضْرِبُ اليَوْمَ إلّا زَيْدًا؛ فَإنَّ تَقْدِيرَهُ لا تَضْرِبْ أحَدًا إلّا زَيْدًا، إلّا أنَّهُ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في التَّأْوِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾ أيْ لا ذا عِصْمَةٍ كَما قالُوا: رامِحٌ ولابِنٌ، ومَعْناهُ ذُو رُمْحٍ، وذُو لَبَنٍ، وقالَ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦] و﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٢١]، ومَعْناهُ ما ذَكَرْنا، فَكَذا هَهُنا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: العاصِمُ هو ذُو العِصْمَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَعْصُومُ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾ مِنهُ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ عَنى بِقَوْلِهِ إلّا مَن رَحِمَ نَفْسَهُ؛ لِأنَّ نُوحًا وطائِفَتَهُ هُمُ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ، والمُرادُ: لا عاصِمَ لَكَ إلّا اللَّهُ، بِمَعْنى أنَّ بِسَبَبِهِ تَحْصُلُ رَحْمَةُ اللَّهِ، كَما أُضِيفَ الإحْياءُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْيِي المَوْتى﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٩] لِأجْلِ أنَّ الإحْياءَ حَصَلَ بِدُعائِهِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى لَكِنْ مَن رَحِمَ اللَّهُ مَعْصُومٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النِّساءِ: ١٥٧] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الحَيْلُولَةِ خَرَجَ مِن أنْ يُخاطِبَهُ نُوحٌ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences