Ar-RaziHud · 11:44–49

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:44–49

11:44Page 226

وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ وصْفٌ آخَرُ لِواقِعَةِ الطُّوفانِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّهُ لَمّا انْتَهى أمْرُ الطُّوفانِ قِيلَ كَذا وكَذا ﴿وقِيلَ ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ يُقالُ: بَلَعَ الماءَ يَبْلَعُهُ بَلْعًا إذا شَرِبَهُ، وابْتَلَعَ الطَّعامَ ابْتِلاعًا إذا لَمْ يَمْضُغْهُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الفَصِيحُ بَلِعَ بِكَسْرِ اللّامِ يَبْلَعُ بِفَتْحِها. ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ يُقالُ: أقْلَعَ الرَّجُلُ عَنْ عَمَلِهِ إذا كَفَّ عَنْهُ، وأقْلَعَتِ السَّماءُ بَعْدَما مَطَرَتْ إذا أمْسَكَتْ، ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ يُقالُ: غاضَ الماءُ يَغِيضُ غَيْضًا ومَغاضًا إذا نَقَصَ وغِضْتُهُ أنا. وهَذا مِن بابِ فَعَلَ الشَّيْءُ وفَعَلْتُهُ أنا، ومِثْلُهُ جَبَرَ العَظْمُ وجَبَرْتُهُ، وفَغَرَ الفَمُ وفَغَرْتُهُ، ودَلَعَ اللِّسانُ ودَلَعْتُهُ، ونَقَصَ الشَّيْءُ ونَقَصْتُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيْ: نَقَصَ وما بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنها دالٌّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ كِبْرِيائِهِ:

فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (وقِيلَ) وذَلِكَ لِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ في الجَلالِ والعُلُوِّ والعَظَمَةِ، بِحَيْثُ أنَّهُ مَتى قِيلَ: (قِيلَ) لَمْ يَنْصَرِفِ العَقْلُ إلّا إلَيْهِ، ولَمْ يَتَوَجَّهِ الفِكْرُ إلّا إلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ هو هو، وهَذا تَنْبِيهٌ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّهُ لا حاكِمَ في العالَمِينَ، ولا مُتَصَرِّفَ في العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ إلّا هو.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ فَإنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ وشِدَّتِها وقُوَّتِها، فَإذا شَعَرَ العَقْلُ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ قاهِرٍ لِهَذِهِ الأجْسامِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٍ فِيها كَيْفَ شاءَ وأرادَ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قَهْرِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ.

وثالِثُها: أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مِنَ الجَماداتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ - ﴿ويا سَماءُ﴾ مُشْعِرٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، عَلى أنَّ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ نافِذٌ في الجَماداتِ، فَعِنْدَ هَذا يَحْكُمُ الوَهْمُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِأنْ يَكُونَ أمْرُهُ نافِذًا عَلى العُقَلاءِ كانَ أوْلى، ولَيْسَ مُرادِي مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ الجَماداتِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ تَوْجِيهَ صِيغَةِ الأمْرِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى هَذِهِ الجَماداتِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ يُقَرِّرُ في الوَهْمِ نَوْعَ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ تَقْرِيرًا كامِلًا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ فالمُرادُ أنَّ الَّذِي قَضى بِهِ وقَدَّرَهُ في الأزَلِ قَضاءٌ جَزْمًا حَتْمًا فَقَدْ وقَعَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما قَضى اللَّهُ تَعالى فَهو واقِعٌ في وقْتِهِ وأنَّهُ لا دافِعَ لِقَضائِهِ ولا مانِعَ مِن نَفاذِ حُكْمِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُغْرِقَ الأطْفالَ بِسَبَبِ جُرْمِ الكُفّارِ ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ قَبْلَ الغَرَقِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَغْرَقْ إلّا مَن بَلَغَ سِنُّهُ إلى الأرْبَعِينَ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرْتُمْ، لَكانَ ذَلِكَ آيَةً عَجِيبَةً قاهِرَةً. ويَبْعُدُ مَعَ ظُهُورِها

صفحة ١٨٨

اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّكم ذَكَرْتُمْ ما ذَكَرْتُمْ فَما قَوْلُكم في إهْلاكِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مَعَ أنَّهُ لا تَكْلِيفَ عَلَيْها البَتَّةَ.

والجَوابُ الثّانِي: وهو الحَقُّ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أفْعالِهِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٣]، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أغْرَقَ الأطْفالَ والحَيَواناتِ، وذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى إذْنِهِ تَعالى في ذَبْحِ هَذِهِ البَهائِمِ وفي اسْتِعْمالِها في الأعْمالِ الشّاقَّةِ الشَّدِيدَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ فالمَعْنى: واسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلى جَبَلٍ بِالجَزِيرَةِ يُقالُ لَهُ: الجُودِيُّ، وكانَ ذَلِكَ الجَبَلُ جَبَلًا مُنْخَفِضًا، فَكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَلى انْقِطاعِ مادَّةِ ذَلِكَ الماءِ، وكانَ ذَلِكَ الِاسْتِواءُ يَوْمَ عاشُوراءَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، قالَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ اللَّعْنِ والطَّرْدِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن كَلامِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ مِمَّنْ يَسْلَمُ مِنَ الأمْرِ الهائِلِ بِسَبَبِ اجْتِماعِ قَوْمٍ مِنَ الظَّلَمَةِ، فَإذا أُهْلِكُوا ونَجا مِنهم قالَ مِثْلَ هَذا الكَلامِ، ولِأنَّهُ جارٍ مَجْرى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ فَجَعْلُهُ مِن كَلامِ البَشَرِ ألْيَقُ.

11:45–47Page 226

وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا الخِلافَ في أنَّهُ هَلْ كانَ ابْنًا لَهُ أمْ لا، فَلا نُعِيدُهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ قالَ: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ كانَ ابْنًا لَهُ، وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ.

والثّانِي: المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنَجِّيَهم مَعَكَ، والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِقَرابَةِ الدِّينِ لا بِقَرابَةِ النَّسَبِ، فَإنَّ في هَذِهِ الصُّورَةِ كانَتْ قَرابَةُ النَّسَبِ حاصِلَةً مِن أقْوى الوُجُوهِ، ولَكِنْ لَمّا انْتَفَتْ قَرابَةُ الدِّينِ لا جَرَمَ نَفاهُ اللَّهُ تَعالى بِأبْلَغِ الألْفاظِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ”عَمِلَ“ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، و”غَيْرَ“ بِالنَّصْبِ، والمَعْنى: أنَّ ابْنَكَ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ - يَعْنِي أشْرَكَ وكَذَّبَ، وكَلِمَةُ ”غَيْرَ“ نَصْبٌ؛ لِأنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ الباقُونَ: عَمَلٌ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ”إنَّهُ“ عائِدٌ إلى السُّؤالِ، يَعْنِي أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ غَيْرُ صالِحٍ؛ لِأنَّ طَلَبَ نَجاةِ الكافِرِ بَعْدَ أنْ سَبَقَ الحُكْمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ لا يُنَجِّي أحَدًا مِنهم - سُؤالٌ باطِلٌ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الِابْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا كَثُرَ عَمَلُهُ وإحْسانُهُ يُقالُ لَهُ: إنَّهُ عِلْمٌ وكَرَمٌ وُجُودٌ، فَكَذا هَهُنا لَمّا كَثُرَ إقْدامُ ابْنِ نُوحٍ عَلى الأعْمالِ الباطِلَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ

صفحة ٤

فِي نَفْسِهِ عَمَلٌ باطِلٌ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ ذُو عَمَلٍ باطِلٍ، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أيْ إنَّهُ ولَدُ زِنًا، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ قَطْعًا.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن قَدَحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قِراءَةَ ”عَمَلٌ“ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، فَهي مُحْكَمَةٌ، وهَذا يَقْتَضِي عَوْدَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ إمّا إلى ابْنِ نُوحٍ، وإمّا إلى ذَلِكَ السُّؤالِ، فالقَوْلُ بِأنَّهُ عائِدٌ إلى ابْنِ نُوحٍ لا يَتِمُّ إلّا بِإضْمارٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هَهُنا؛ لِأنّا إذا حَكَمْنا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى السُّؤالِ المُتَقَدِّمِ، فَقَدِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الضَّمِيرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى هَذا السُّؤالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ أنَّ هَذا السُّؤالَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، أيْ قَوْلُكَ: إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي - لِطَلَبِ نَجاتِهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا السُّؤالَ كانَ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ نَهْيٌ لَهُ عَنِ السُّؤالِ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ، فَكانَ ذَلِكَ السُّؤالُ ذَنْبًا ومَعْصِيَةً.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ قَدْ صَدَرَ لا عَنِ العِلْمِ، والقَوْلُ بِغَيْرِ العِلْمِ ذَنْبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٩ ] .

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَحْضَ الجَهْلِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّقْرِيعِ ونِهايَةِ الزَّجْرِ، وأيْضًا جَعْلُ الجَهْلِ كِنايَةً عَنِ الذَّنْبِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النِّساءِ: ١٧ ] وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتَرَفَ بِإقْدامِهِ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ واعْتِرافُهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مُذْنِبًا.

الوَجْهُ السّادِسُ في التَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الآيَةِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ نُوحًا نادى رَبَّهُ لِطَلَبِ تَخْلِيصِ ولَدِهِ مِنَ الغَرَقِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وقالَ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] تَدَلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مِنَ ابْنِهِ المُوافَقَةَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّ طَلَبَ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ كانَ سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الوَلَدِ، أوْ كانَ بِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ هَذا المَعْنى مِنَ اللَّهِ تَعالى سابِقًا عَلى طَلَبِهِ مِنَ الِابْنِ لَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ تَعالى لا يُخَلِّصُ ذَلِكَ الِابْنَ مِنَ الغَرَقِ، وأنَّهُ تَعالى نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ الطَّلَبِ، وبَعْدَ هَذا كَيْفَ قالَ لَهُ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ [هُودٍ: ٤٢ ] وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الطَّلَبَ مِنَ الِابْنِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَكانَ قَدْ سَمِعَ مِنَ الِابْنِ قَوْلَهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وظَهَرَ بِذَلِكَ كُفْرُهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ ؟ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ نُوحًا لَمّا طَلَبَ ذَلِكَ مِنهُ

صفحة ٥

وامْتَنَعَ هو، صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ أنْ صارَ مِنَ المُغْرَقِينَ ؟ فَهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ السِّتَّةِ تَدَلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ عَلى وُجُوبِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَعاصِي، وجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ والأكْمَلِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ هَذا العِتابُ والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ، ولا يَدُلُّ عَلى سابِقَةِ الذَّنْبِ كَما قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النَّصْرِ: ١ - ٣ ] ومَعْلُومٌ أنَّ مَجِيءَ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ ودُخُولَ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا لَيْسَتْ بِذَنْبٍ يُوجِبُ الِاسْتِغْفارَ، وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩ ] ولَيْسَ جَمِيعُهم مُذْنِبِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَرْكِ الأفْضَلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وإثْباتِ الياءِ ”تَسْألَنِّي“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ بِرِوايَةِ قالُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وكَسْرِها مِن غَيْرِ إثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ النُّونِ وكَسْرِها وحَذْفِ الياءِ ”تَسْألْنِ“، أمّا التَّشْدِيدُ فَلِلتَّأْكِيدِ، وأمّا إثْباتُ الياءِ فَعَلى الأصْلِ، وأمّا تَرْكُ التَّشْدِيدِ والحَذْفُ فَلِلتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لَهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَبِلْتُ يا رَبِّ هَذا التَّكْلِيفَ، ولا أعُودُ إلَيْهِ، إلّا أنِّي لا أقْدِرُ عَلى الِاحْتِرازِ مِنهُ إلّا بِإعانَتِكَ وهِدايَتِكَ، فَلِهَذا بَدَأ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ إخْبارٌ عَمّا في المُسْتَقْبَلِ، أيْ لا أعُودُ إلى هَذا العَمَلِ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالِاعْتِذارِ عَمّا مَضى فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ تَقْتَضِي أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: في المُسْتَقْبَلِ، وهو العَزْمُ عَلى التَّرْكِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ .

والثّانِي: في الماضِي وهو النَّدَمُ عَلى ما مَضى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .

ونَخْتِمُ هَذا الكَلامَ بِالبَحْثِ عَنِ الزَّلَّةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا المَقامِ، فَنَقُولُ: إنَّ أُمَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: كافِرٌ يَظْهَرُ كُفْرُهُ، ومُؤْمِنٌ يُعْلَمُ إيمانُهُ، وجَمْعٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وقَدْ كانَ حُكْمُ المُؤْمِنِينَ هو النَّجاةُ، وحُكْمُ الكافِرِينَ هو الغَرَقُ، وكانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وأمّا أهْلُ النِّفاقِ فَبَقِيَ حُكْمُهم مَخْفِيًّا، وكانَ ابْنُ نُوحٍ مِنهم، وكانَ يَجُوزُ فِيهِ كَوْنُهُ مُؤْمِنًا، وكانَتِ الشَّفَقَةُ المُفْرِطَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الأبِ في حَقِّ الِابْنِ تَحْمِلُهُ عَلى حَمْلِ أعْمالِهِ وأفْعالِهِ، لا عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بَلْ عَلى الوُجُوهِ الصَّحِيحَةِ، فَلَمّا رَآهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القَوْمِ طَلَبَ مِنهُ أنْ يَدْخُلَ السَّفِينَةَ، فَقالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِ؛ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ أنَّ الصُّعُودَ عَلى الجَبَلِ يَجْرِي مَجْرى الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ في أنَّهُ يَصُونُهُ عَنِ الغَرَقِ، وقَوْلُ نُوحٍ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هُودٍ: ٤٣ ] لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُقَرِّرُ عِنْدَ ابْنِهِ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ إلّا الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا أيْضًا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مِنَ ابْنِهِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، فَعِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ كانَ قَدْ بَقِيَ في قَلْبِهِ ظَنُّ أنَّ ذَلِكَ الِابْنَ مُؤْمِنٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ

صفحة ٦

تَعالى تَخْلِيصَهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، إمّا بِأنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الدُّخُولِ في السَّفِينَةِ، وإمّا أنْ يَحْفَظَهُ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنافِقٌ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِهِ، فالزَّلَّةُ الصّادِرَةُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو أنَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ في تَعْرِيفِ ما يَدُلُّ عَلى نِفاقِهِ وكُفْرِهِ، بَلِ اجْتَهَدَ في ذَلِكَ، وكانَ يَظُنُّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، مَعَ أنَّهُ أخْطَأ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، فَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إلّا الخَطَأُ في هَذا الِاجْتِهادِ، كَما قَرَّرْنا ذَلِكَ في أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ تِلْكَ الزَّلَّةُ إلّا لِأنَّهُ أخْطَأ في هَذا الِاجْتِهادِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الصّادِرَ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ مِن بابِ الكَبائِرِ، وإنَّما هو مِن بابِ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

11:48Page 227

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ السَّفِينَةِ أنَّها اسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ، فَهُناكَ قَدْ خَرَجَ نُوحٌ وقَوْمُهُ مِنَ السَّفِينَةِ لا مَحالَةَ، ثُمَّ إنَّهم نَزَلُوا مِن ذَلِكَ الجَبَلِ إلى الأرْضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اهْبِطْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِالخُرُوجِ مِنَ السَّفِينَةِ إلى أرْضِ الجَبَلِ، وأنْ يَكُونَ أمْرًا بِالهُبُوطِ مِنَ الجَبَلِ إلى الأرْضِ المُسْتَوِيَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وعَدَهُ عِنْدَ الخُرُوجِ بِالسَّلامَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالبَرَكَةِ ثانِيًا، أمّا الوَعْدُ بِالسَّلامَةِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - تابَ عَنْ زَلَّتِهِ، وتَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهَذا التَّضَرُّعُ هو عَيْنُ التَّضَرُّعِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ تَوْبَتِهِ مِن زَلَّتِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٣ ] فَكانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُحْتاجًا إلى أنْ بَشَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالسَّلامَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ حَصَلَ لَهُ الأمْنُ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الغَرَقَ لَمّا كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأرْضِ فَعِنْدَما خَرَجَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السَّفِينَةِ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ شَيْءٌ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَكانَ كالخائِفِ في أنَّهُ كَيْفَ يَعِيشُ ؟ وكَيْفَ يَدْفَعُ جَمِيعَ الحاجاتِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ ؟ فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ زالَ عَنْهُ ذَلِكَ الخَوْفُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ السَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْنِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالسَّلامَةِ أرْدَفَهُ بِأنْ وعَدَهُ بِالبَرَكَةِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ الدَّوامِ والبَقاءِ، والثَّباتِ، ونِيلِ الأمَلِ، ومِنهُ بُرُوكُ الإبِلِ، ومِنهُ البِرْكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها، ومِنهُ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: ثَبَتَ تَعْظِيمُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا الثَّباتِ والبَقاءِ.

فالقَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى صَيَّرَ نُوحًا أبا البَشَرِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ مَن بَقِيَ كانُوا مِن نَسْلِهِ، وعِنْدَ هَذا قالَ هَذا القائِلُ: إنَّهُ لَمّا خَرَجَ نُوحٌ مِنَ السَّفِينَةِ ماتَ كُلُّ مَن كانَ مَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ولَمْ يَحْصُلِ النَّسْلُ إلّا مِن

صفحة ٧

ذُرِّيَّتِهِ، فالخَلْقُ كُلُّهم مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، وقالَ آخَرُونَ: لَمْ يَكُنْ في سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا مَن كانَ مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالخَلْقُ كُلُّهم إنَّما تَوَلَّدُوا مِنهُ ومِن أوْلادِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٧ ] فَثَبَتَ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ آدَمَ الأصْغَرَ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ البَرَكاتِ الَّتِي وعَدَهُ اللَّهُ بِها.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ، وعَدَهُ بِأنَّ مُوجِباتِ السَّلامَةِ والرّاحَةِ والفَراغَةِ يَكُونُ في التَّزايُدِ والثَّباتِ والِاسْتِقْرارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَّفَهُ بِالسَّلامَةِ والبَرَكَةِ شَرَحَ بَعْدَهُ حالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ، فَقالَ: ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَهُ وجَعَلَهم أُمَمًا وجَماعاتٍ؛ لِأنَّهُ ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ في جَمِيعِ الأرْضِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ إلّا هم، فَلِهَذا السَّبَبِ جَعَلَهم أُمَمًا، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ المُرادُ مِمَّنْ مَعَكَ نَسْلًا وتَوَلُّدًا، قالُوا: ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّهُ ما كانَ مَعَهُ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالقِلَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن ذَلِكَ مَجْمُوعُ الحاضِرِينَ مَعَ الَّذِينَ سَيُولَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، والمُخْتارُ هو القَوْلُ الثّانِي: ”ومِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والمَعْنى: وعَلى أُمَمٍ ناشِئَةٍ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الأُمَمَ النّاشِئَةَ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ عَطَفَهم عَلى نُوحٍ في وُصُولِ سَلامِ اللَّهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ، وهم أهْلُ الإيمانِ.

والثّانِي: أُمَمٌ وصَفَهم بِأنَّهُ تَعالى سَيُمَتِّعُهم مُدَّةً في الدُّنْيا، ثُمَّ في الآخِرَةِ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّ الأُمَمَ النّاشِئَةَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَنْقَسِمُوا إلى مُؤْمِنٍ وإلى كافِرٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: دَخَلَ في تِلْكَ السَّلامَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ وكُلُّ مُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ المَتاعِ وفي ذَلِكَ العَذابِ كُلُّ كافِرٍ وكافِرَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّهُ تَعالى إنَّما عَظَّمَ شَأْنَ نُوحٍ بِإيصالِ السَّلامَةِ والبَرَكاتِ مِنهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّدِّيقِينَ لا يَفْرَحُونَ بِالنِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، ولَكِنَّهم إنَّما يَفْرَحُونَ بِالنِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ الحَقِّ، وفي التَّحْقِيقِ يَكُونُ فَرَحُهم بِالحَقِّ، وطَلَبُهم لِلْحَقِّ، وتَوَجُّهُهم إلى الحَقِّ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا خَواصُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الفَرَحَ بِالسَّلامَةِ وبِالبَرَكَةِ مِن حَيْثُ هُما سَلامَةٌ وبَرَكَةٌ غَيْرٌ، والفَرَحُ بِالسَّلامَةِ والبَرَكَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُما مِنَ الحَقِّ غَيْرٌ، والأوَّلُ: نَصِيبُ عامَّةِ الخَلْقِ، والثّانِي: نَصِيبُ المُقَرَّبِينَ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ بَعْضُهم: مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالثّانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، وأمّا أهْلُ العِقابِ فَقَدْ قالَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَحَكَمَ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ نَصِيبًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى خَساسَةِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَذْكُرْ ألْبَتَّةَ أنَّهُ يُعْطِيهِمُ الدُّنْيا أمْ لا، ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ ذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِيهِمُ الدُّنْيا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى خَساسَةِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ والتَّرْغِيبِ في المَقاماتِ الرُّوحانِيَّةِ.

11:49Page 227

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

صفحة ٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى التَّفْصِيلِ قالَ: (تِلْكَ) أيْ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي ذَكَرْناها، وتِلْكَ التَّفاصِيلُ الَّتِي شَرَحْناها، مِن أنْباءِ الغَيْبِ، أيْ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنِ الخَلْقِ، فَقَوْلُهُ: (تِلْكَ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الخَبَرُ، و﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وما بَعْدَهُ أيْضًا خَبَرٌ ثالِثٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ والمَعْنى: إنَّكَ ما كُنْتَ تَعْرِفُ هَذِهِ القِصَّةَ، بَلْ قَوْمُكَ ما كانُوا يَعْرِفُونَها أيْضًا، ونَظِيرُهُ أنْ تَقُولَ لِإنْسانٍ: لا تَعْرِفُ هَذِهِ المَسْألَةَ، لا أنْتَ ولا أهْلُ بَلَدِكَ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ كانَتْ قِصَّةُ طُوفانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورَةً عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ ؟

قُلْنا: تِلْكَ القِصَّةُ بِحَسْبِ الإجْمالِ كانَتْ مَشْهُورَةً، أمّا التَّفاصِيلُ المَذْكُورَةُ فَما كانَتْ مَعْلُومَةً.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى: يا مُحَمَّدُ اصْبِرْ أنْتَ وقَوْمُكَ عَلى أذى هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما صَبَرَ نُوحٌ وقَوْمُهُ عَلى أذى أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عاقِبَتُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَرَحُ والسُّرُورُ، كَما كانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِقَوْمِهِ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَها هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟

قُلْنا: إنَّ القِصَّةَ الواحِدَةَ قَدْ يُنْتَفَعُ بِها مِن وُجُوهٍ: فَفي السُّورَةِ الأُولى كانَ الكُفّارُ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ نُوحٍ في بَيانِ أنَّ قَوْمَهُ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ بِسَبَبِ أنَّ العَذابَ ما كانَ يَظْهَرُ، ثُمَّ في العاقِبَةِ ظَهَرَ، فَكَذا في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأجْلِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُبالِغُونَ في الإيحاشِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِبَيانِ أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الإيذاءِ والإيحاشِ كانَ حاصِلًا في زَمانِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صَبَرَ نالَ الفَتْحَ والظَّفَرَ، فَكُنْ يا مُحَمَّدُ كَذَلِكَ؛ لِتَنالَ المَقْصُودَ. ولَمّا كانَ وجْهُ الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ القِصَّةِ في كُلِّ سُورَةٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرُها خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском