Ar-RaziHud · 11:50–62

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:50–62

11:50–51Page 227

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠

And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١

O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّانِيَةُ مِنَ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا

صفحة ٩

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [هُودٍ: ٢٥ ] والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا، وقَوْلُهُ: (هُودًا) عَطْفُ بَيانٍ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هُودًا بِأنَّهُ أخُوهم، ومَعْلُومٌ أنَّ تِلْكَ الأُخُوَّةَ ما كانَتْ في الدِّينِ، وإنَّما كانَتْ في النَّسَبِ؛ لِأنَّ هُودًا كانَ رَجُلًا مِن قَبِيلَةِ عادٍ، وهَذِهِ القَبِيلَةُ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ العَرَبِ، وكانُوا بِناحِيَةِ اليَمَنِ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ لِلرَّجُلِ: يا أخا تَمِيمٍ، ويا أخا سُلَيْمٍ، والمُرادُ: رَجُلٌ مِنهم.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في ابْنِ نُوحٍ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ قَرابَةَ النِّسَبِ لا تُفِيدُ إذا لَمْ تَحْصُلْ قَرابَةُ الدِّينِ، وهَهُنا أثْبَتَ هَذِهِ الأُخُوَّةَ مَعَ الِاخْتِلافِ في الدِّينِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟

قُلْنا: المُرادُ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِمالَةُ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ في مُحَمَّدٍ - مَعَ أنَّهُ واحِدٌ مِن قَبِيلَتِهِمْ - أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هُودًا كانَ واحِدًا مِن عادٍ، وأنَّ صالِحًا كانَ واحِدًا مِن ثَمُودَ؛ لِإزالَةِ هَذا الِاسْتِبْعادِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى أنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ:

فالنَّوْعُ الأوَّلُ: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ دَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِ تَعالى ؟

قُلْنا: دَلائِلُ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةٌ، وهي دَلائِلُ الآفاقِ والأنْفُسِ، وقَلَّما تُوجَدُ في الدُّنْيا طائِفَةٌ يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لُقْمانَ: ٢٥ ] .

قالَ مُصَنِّفُ هَذا الكِتابِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ وخَتَمَ لَهُ بِالحُسْنى -: دَخَلْتُ بِلادَ الهِنْدِ، فَرَأيْتُ أُولَئِكَ الكُفّارَ مُطْبِقِينَ عَلى الِاعْتِرافِ بِوُجُودِ الإلَهِ، وأكْثَرُ بِلادِ التُّرْكِ أيْضًا كَذَلِكَ، وإنَّما الشَّأْنُ في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَإنَّها آفَةٌ عَمَّتْ أكْثَرَ أطْرافِ الأرْضِ، وهَكَذا الأمْرُ كانَ في الزَّمانِ القَدِيمِ - أعْنِي زَمانَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَهَؤُلاءِ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ كانُوا يَمْنَعُونَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، فَكانَ قَوْلُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مَعْناهُ: لا تَعْبُدُوا غَيْرَ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ مَنعُهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَقُرِئَ (غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةً عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً عَلى اللَّفْظِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّكم كاذِبُونَ في قَوْلِكم: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَحْسُنُ عِبادَتُها، أوْ في قَوْلِكم: إنَّها تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ هَذا كَذِبًا وافْتِراءً وهي جَماداتٌ لا حِسَّ لَها ولا إدْراكَ، والإنْسانُ هو الَّذِي رَكَّبَها وصَوَّرَها، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالإنْسانِ الَّذِي صَنَعَها أنْ يَعْبُدَها، وأنْ يَضَعَ الجَبْهَةَ عَلى التُّرابِ تَعْظِيمًا لَها! ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا أرْشَدَهم إلى التَّوْحِيدِ ومَنَعَهم عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قالَ: ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى إذا كانَتْ مُطَهَّرَةً عَنْ دَنَسِ الطَّمَعِ، قَوِيَ تَأْثِيرُها في القَلْبِ.

صفحة ١٠

ثُمَّ قالَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أفَلا تَعْقِلُونَ أنِّي مُصِيبٌ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ هَذا المَنعِ، كَأنَّهُ مَرْكُوزٌ في بَدائِهِ العُقُولِ.

11:52Page 227

وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّكالِيفِ الَّتِي ذَكَرَها هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في المَقامِ الأوَّلِ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، وفي هَذا المَقامِ دَعاهم إلى الِاسْتِغْفارِ ثُمَّ إلى التَّوْبَةِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: اسْتَغْفِرُوا، أيْ سَلُوهُ أنْ يَغْفِرَ لَكم ما تَقَدَّمَ مِن شِرْكِكم، ثُمَّ تُوبُوا مِن بَعْدِهِ بِالنَّدَمِ عَلى ما مَضى، وبِالعَزْمِ عَلى أنْ لا تَعُودُوا إلى مِثْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”إنَّكم مَتى فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى يُكْثِرُ النِّعَمَ عِنْدَكم، ويُقَوِّيكم عَلى الِانْتِفاعِ بِتِلْكَ النِّعَمِ“ وهَذا غايَةُ ما يُرادُ مِنَ السَّعاداتِ، فَإنَّ النِّعَمَ إنْ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً تَعَذَّرَ الِانْتِفاعُ، وإنْ كانَتْ حاصِلَةً إلّا أنَّ الحَيَوانَ قامَ بِهِ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ أيْضًا، أمّا إذا كَثُرَتِ النِّعْمَةُ وحَصَلَتِ القُوَّةُ الكامِلَةُ عَلى الِانْتِفاعِ بِها فَهَهُنا تَحْصُلُ غايَةُ السَّعادَةِ والبَهْجَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ إشارَةٌ إلى تَكْثِيرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ مادَّةَ حُصُولِ النِّعَمِ هي الأمْطارُ المُوافِقَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ حالِ القُوى الَّتِي بِها يُمْكِنُ الِانْتِفاعُ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ جامِعَةٌ في البِشارَةِ بِتَحْصِيلِ السِّعاداتِ، وأنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها مُمْتَنِعَةٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، ويَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَأمَّلَ في هَذِهِ اللَّطائِفِ؛ لِيَعْرِفَ ما في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ الأسْرارِ المَخْفِيَّةِ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم قالُوا: القَوْمُ كانُوا مَخْصُوصِينَ في الدُّنْيا بِنَوْعَيْنِ مِنَ الكَمالِ:

أحَدُهُما: أنَّ بَساتِينَهم ومَزارِعَهم كانَتْ في غايَةِ الطِّيبِ والبَهْجَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفَجْرِ: ٧] .

والثّانِي: أنَّهم كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والبَطْشِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فُصِّلَتْ: ١٥ ]، ولَمّا كانَ القَوْمُ مُفْتَخِرِينَ عَلى سائِرِ الخَلْقِ بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَدَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم لَوْ تَرَكُوا عِبادَةَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُقَوِّي حالَهم في هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ، ويَزِيدُهم فِيها دَرَجاتٍ كَثِيرَةً، ونُقِلَ أيْضًا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَعَثَ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ كَذَّبُوهُ، وحَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ، فَقالَ لَهم هُودٌ: إنْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ أحْيا اللَّهُ بِلادَكم، ورَزَقَكُمُ المالَ والوَلَدَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ والمِدْرارُ: الكَثِيرُ الدَّرِّ، وهو مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ فَفَسَّرُوا هَذِهِ القُوَّةَ بِالمالِ والوَلَدِ، والشِّدَّةِ في الأعْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَقَوّى بِهِ الإنْسانُ.

فَإنْ قِيلَ: حاصِلُ الكَلامِ هو أنَّ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: لَوِ اشْتَغَلْتُمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى لانْفَتَحَتْ عَلَيْكم أبْوابُ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ؟ وأيْضًا فَقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعاتِ؛ بِسَبَبِ تَرْتِيبِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْها، فَأمّا التَّرْغِيبُ في الطّاعاتِ لِأجْلِ تَرْتِيبِ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْها، فَذَلِكَ

صفحة ١١

لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ، بَلْ هو طَرِيقٌ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ.

الجَوابُ: أنَّهُ لَمّا أكْثَرَ التَّرْغِيبَ في السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، لَمْ يُبْعِدِ التَّرْغِيبَ أيْضًا في خَيْرِ الدُّنْيا بِقَدْرِ الكِفايَةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ فَمَعْناهُ: لا تُعْرِضُوا عَنِّي وعَمّا أدْعُوكم إلَيْهِ وأُرَغِّبُكم فِيهِ مُجْرِمِينَ، أيْ مُصِرِّينَ عَلى إجْرامِكم وآثامِكم.

11:53–59Page 227

قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣

They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤

We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh

مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦

Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧

But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨

And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩

And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ لِلْقَوْمِ، حَكى أيْضًا ما ذَكَرَهُ القَوْمُ لَهُ، وهو أشْياءُ:

أوَّلُها: قَوْلُهم: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ، والبَيِّنَةُ سُمِّيَتْ بَيِّنَةً؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ، إلّا أنَّ القَوْمَ بِجَهْلِهِمْ أنْكَرُوها، وزَعَمُوا أنَّهُ ما جاءَ بِشَيْءٍ مِنَ المُعْجِزاتِ.

وثانِيها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ وهَذا أيْضًا رَكِيكٌ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ النّافِعَ والضّارَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ في بَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ لا تَجُوزُ عِبادَتُها، وتَرْكُهم آلِهَتَهم لا يَكُونُ عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، بَلْ عَنْ حُكْمِ نَظَرِ العَقْلِ وبَدِيهَةِ النَّفْسِ.

وثالِثُها: قَوْلُهم: ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ والتَّقْلِيدِ والجُحُودِ.

ورابِعُها: قَوْلُهم: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ يُقالُ: اعْتَراهُ كَذا، إذا غَشِيَهُ وأصابَهُ، والمَعْنى: أنَّكَ شَتَمْتَ آلِهَتَنا فَجَعَلَتْكَ مَجْنُونًا وأفْسَدَتْ عَقْلَكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم لَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وهو ظاهِرٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ وهَذا نَظِيرُ ما قالَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ: ٧١ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ إذا أقْبَلَ عَلى القَوْمِ العَظِيمِ وقالَ لَهم: بالِغُوا في عَداوَتِي وفي مُوجِباتِ إيذائِي ولا تُؤَجِّلُونِ - فَإنَّهُ لا يَقُولُ هَذا إلّا إذا كانَ واثِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَحْفَظُهُ ويَصُونُهُ عَنْ كَيْدِ الأعْداءِ.

صفحة ١٢

ثُمَّ قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: النّاصِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشِّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ.

واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ إذا وصَفُوا إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالُوا: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أخَذْتَ بِناصِيَتِهِ فَقَدْ قَهَرْتَهُ، وكانُوا إذا أسَرُوا الأسِيرَ فَأرادُوا إطْلاقَهُ والمَنَّ عَلَيْهِ جَزُّوا ناصِيَتَهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلامَةً لِقَهْرِهِ، فَخُوطِبُوا في القُرْآنِ بِما يَعْرِفُونَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ ما مِن حَيَوانٍ إلّا وهو تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ، ومُنْقادٌ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أشْعَرَ ذَلِكَ بِقُدْرَةٍ عالِيَةٍ وقَهْرٍ عَظِيمٍ، فَأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ إنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لا يَظْلِمُهم، ولا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما هو الحَقُّ والعَدْلُ والصَّوابُ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَدُلُّ عَلى العَدْلِ، فَثَبَتَ أنَّ الدِّينَ إنَّما يَتِمُّ بِالتَّوْحِيدِ والعَدْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ سُلْطانَهُ قَهَرَ جَمِيعَ الخَلْقِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ، ولا يَفُوتُهُ هارِبٌ، فَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ وهو يَعْنِي بِهِ الطَّرِيقَ الَّذِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ مَسْلَكٌ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفَجْرِ: ١٤ ] .

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿إنَّ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: يَحُثُّ أوْ يَحْمِلُكم بِالدُّعاءِ إلَيْهِ.

11:60Page 228

وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي فَإنْ تَتَوَلَّوْا ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ تَقْدِيرُ الكَلامِ، فَإنْ تَتَوَلَّوْا لَمْ أُعاتَبْ عَلى تَقْصِيرٍ في الإبْلاغِ، وكُنْتُمْ مَحْجُوبِينَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أنْتُمُ الَّذِينَ أصْرَرْتُمْ عَلى التَّكْذِيبِ.

الثّانِي: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَعْنِي يَخْلُقُ بَعْدَكم مَن هو أطْوَعُ لِلَّهِ مِنكم، وهَذا إشارَةٌ إلى نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، يَعْنِي أنَّ إهْلاكَكم لا يُنْقِصُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: حَفِيظٌ لِأعْمالِ العِبادِ حَتّى يُجازِيَهم

صفحة ١٣

عَلَيْها.

الثّانِي: يَحْفَظُنِي مِن شَرِّكم ومَكْرِكم.

الثّالِثُ: حَفِيظٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ مِنَ الهَلاكِ إذا شاءَ ويُهْلِكُهُ إذا شاءَ.

﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ عَذابُنا، وذَلِكَ هو ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ، عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِها سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ، تَدْخُلُ في مَناخِرِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتَصْرَعُهم عَلى الأرْضِ عَلى وُجُوهِهِمْ، حَتّى صارُوا كَأعْجازِ نَخْلٍ خاوِيَةٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الرِّيحُ كَيْفَ تُؤَثِّرُ في إهْلاكِهِمْ ؟

قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ حَرِّها، أوْ لِشِدَّةِ بَرْدِها، أوْ لِشَدِّهِ قُوَّتِها، فَتَخْطَفُ الحَيَوانَ مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ تَضْرِبُهُ عَلى الأرْضِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿نَجَّيْنا هُودًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ إتْيانُ البَلِيَّةِ عَلى المُؤْمِنِ وعَلى الكافِرِ مَعًا، وحِينَئِذٍ تَكُونُ تِلْكَ البَلِيَّةُ رَحْمَةً عَلى المُؤْمِنِ وعَذابًا عَلى الكافِرِ، فَأمّا العَذابُ النّازِلُ بِمَن يُكَذِّبُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ يَجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُنَجِّيَ المُؤْمِنَ مِنهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما عُرِفَ كَوْنُهُ عَذابًا عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أرادَ أنَّهُ لا يَنْجُو أحَدٌ وإنِ اجْتَهَدَ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.

والثّانِي: المُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ: ما هَداهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ رَحِمَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَيَّزَهم عَنِ الكافِرِينَ في العِقابِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ فالمُرادُ مِنَ النَّجاةِ الأُولى هي النَّجاةُ مِن عَذابِ الدُّنْيا، والنَّجاةُ الثّانِيَةِ مِن عَذابِ القِيامَةِ، وإنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ غَلِيظًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العَذابَ الَّذِي حَصَلَ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى العَذابِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ كانَ عَذابًا غَلِيظًا، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ حَكَمْنا بِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ العَذابَ الغَلِيظَ ولا يَقَعُونَ فِيهِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ عادٍ خاطَبَ قَوْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ: ﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَمَعَ أوْصافَهم، ثُمَّ ذَكَرَ عاقِبَةَ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأمّا أوْصافُهم فَهي ثَلاثَةٌ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ والمُرادُ: جَحَدُوا دَلالَةَ المُعْجِزاتِ عَلى الصِّدْقِ، أوِ الجَحَدِ، ودَلالَةَ المُحْدَثاتِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، إنْ ثَبَتَ أنَّهم كانُوا زَنادِقَةً.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهم إذا عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا فَقَدْ عَصَوْا جَمِيعَ الرُّسُلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥ ] وقِيلَ: لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إلّا هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ والمَعْنى أنَّ السَّفَلَةَ كانُوا يُقَلِّدُونَ الرُّؤَساءَ في قَوْلِهِمْ:

صفحة ١٤

﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٢٤ ] والمُرادُ مِنَ الجَبّارِ المُرْتَفِعُ المُتَمَرِّدُ العَنِيدُ العَنُودُ والمُعانِدُ، وهو المُنازِعُ المَعارِضُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أوْصافَهم ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَهم، فَقالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ جُعِلَ اللَّعْنُ رَدِيفًا لَهم، ومُتابِعًا ومُصاحِبًا في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، ومَعْنى اللَّعْنَةِ: الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ومِن كُلِّ خَيْرٍ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ السَّبَبَ الأصْلِيَّ في نُزُولِ هَذِهِ الأحْوالِ المَكْرُوهَةِ بِهِمْ فَقالَ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قِيلَ: أرادَ: كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ فَحُذِفَ الباءُ، وقِيلَ: الكُفْرُ هو الجَحْدُ، فالتَّقْدِيرُ: ألا إنَّ عادًا جَحَدُوا رَبَّهم، وقِيلَ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: اللَّعْنُ هو البُعْدُ، فَلَمّا قالَ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ ؟

والجَوابُ: التَّكْرِيرُ بِعِبارَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ يَدُلُّ عَلى غايَةِ التَّأْكِيدِ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ ؟

الجَوابُ: كانَ عادٌ عادَيْنَ، فالأُولى: القَدِيمَةُ هم قَوْمُ هُودٍ، والثّانِيَةُ: هم إرَمُ ذاتُ العِمادِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِإزالَةِ الِاشْتِباهِ. والثّانِي: أنَّ المُبالَغَةَ في التَّنْصِيصِ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.

11:61–62Page 228

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١

And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢

They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الثّالِثَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهي قِصَّةُ صالِحٍ مَعَ ثَمُودَ، ونَظْمُها مِثْلُ النَّظْمِ المَذْكُورِ في قِصَّةِ هُودٍ، إلّا أنَّ هَهُنا لَمّا أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ ذَكَرَ في تَقْرِيرِهِ دَلِيلَيْنِ:

الدَّلِيلُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الكُلَّ مَخْلُوقُونَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو كانَ مَخْلُوقًا مِنَ الأرْضِ، وأقُولُ: هَذا صَحِيحٌ، لَكِنْ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أقْرَبُ مِنهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِنَ المَنِيِّ ومِن دَمِ الطَّمْثِ، والمَنِيُّ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ

صفحة ١٥

الدَّمِ، فالإنْسانُ مَخْلُوقٌ مِنَ الدَّمِ، والدَّمُ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهَذِهِ الأغْذِيَةُ إمّا حَيَوانِيَّةً وإمّا نَباتِيَّةً، والحَيَواناتُ حالُها كَحالِ الإنْسانِ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ الكُلِّ إلى النَّباتِ، وظاهِرٌ أنَّ تَوَلُّدَ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أنْشَأنا مِنَ الأرْضِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ”مِن“ مَعْناها في التَّقْدِيرِ: أنْشَأكم في الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ فَلا حاجَةَ إلى صَرْفِهِ عَنْهُ، وأمّا تَقْرِيرُ أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ - فَقَدْ شَرَحْناهُ مِرارًا كَثِيرَةً.

الدَّلِيلُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: جَعَلَكم عُمّارَها، قالُوا: كانَ مُلُوكُ فارِسَ قَدْ أكْثَرُوا في حَفْرِ الأنْهارِ وغَرْسِ الأشْجارِ، لا جَرَمَ حَصَلَتْ لَهُمُ الأعْمارُ الطَّوِيلَةُ، فَسَألَ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ زَمانِهِمْ رَبَّهُ، ما سَبَبُ تِلْكَ الأعْمارِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّهم عَمَّرُوا بِلادِي فَعاشَ فِيها عِبادِي.

وأخَذَ مُعاوِيَةُ في إحْياءِ أرْضٍ في آخِرِ عُمْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَ: ما حَمَلَنِي عَلَيْهِ إلّا قَوْلُ القائِلِ:

لَيْسَ الفَتى بِفَتًى لا يُسْتَضاءُ بِهِ ولا يَكُونُ لَهُ في الأرْضِ آثارُ

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أطالَ أعْمارَكم فِيها، واشْتِقاقُ ﴿واسْتَعْمَرَكُمْ﴾ مِنَ العُمْرِ، مِثْلَ اسْتَبْقاكم مِنَ البَقاءِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العُمْرى، أيْ جَعَلَها لَكم طُولَ أعْمارِكم، فَإذا مُتُّمُ انْتَقَلَتْ إلى غَيْرِكم.

واعْلَمْ أنَّ في كَوْنِ الأرْضِ قابِلَةً لِلْعِماراتِ النّافِعَةِ لِلْإنْسانِ، وكَوْنِ الإنْسانِ قادِرًا عَلَيْها - دَلالَةً عَظِيمَةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعْلى: ٣ ] وذَلِكَ لِأنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ - مَعَ أنَّهُ حَصَلَ في ذاتِهِ العَقْلُ الهادِي والقُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفاتِ المُوافِقَةِ - يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، وكَوْنُ الأرْضِ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ مُطابِقَةٍ لِلْمَصالِحِ مُوافِقَةٍ لِلْمَنافِعِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَرِيبٌ بِالعِلْمِ والسَّمْعِ ﴿مُجِيبٌ﴾ دُعاءَ المُحْتاجِينَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الدَّلائِلَ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ رَجُلًا قَوِيَّ العَقْلِ، قَوِيَّ الخاطِرِ، وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم ويُقَرِّرَ طَرِيقَتَهم؛ لِأنَّهُ مَتى حَدَثَ رَجُلٌ فاضِلٌ في قَوْمٍ طَمِعُوا فِيهِ مِن هَذا الوَجْهِ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أنَّكَ كُنْتَ تَعْطِفُ عَلى فُقَرائِنا، وتُعِينُ ضُعَفاءَنا، وتَعُودُ مَرْضانا، فَقَوِيَ رَجاؤُنا فِيكَ أنَّكَ مِنَ الأنْصارِ والأحْبابِ، فَكَيْفَ أظْهَرْتَ العَداوَةَ والبِغْضَةَ ؟ ثُمَّ إنَّهم أضافُوا إلى هَذا الكَلامِ التَّعَجُّبَ الشَّدِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ التَّمَسُّكُ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ، ووُجُوبُ مُتابِعَةِ الآباءِ والأسْلافِ، ونَظِيرُ هَذا التَّعَجُّبِ ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ حَيْثُ قالُوا: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥ ] ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والشَّكُّ هو أنْ يَبْقى الإنْسانُ مُتَوَقِّفًا بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، والمُرِيبُ هو الَّذِي يُظَنُّ بِهِ السُّوءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ في اعْتِقادِهِمْ صِحَّةُ قَوْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُرِيبٍ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَرَجَّحَ في اعْتِقادِهِمْ فَسادُ قَوْلِهِ، وهَذا مُبالَغَةٌ في تَزْيِيفِ كَلامِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском