Ar-RaziHud · 11:63–71

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:63–71

11:63–64Page 229

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤

And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ ورَدَ بِحَرْفِ الشَّكِّ، وكانَ عَلى يَقِينٍ تامٍّ في أمْرِهِ، إلّا أنَّ خِطابَ المُخالِفِ عَلى هَذا الوَجْهِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ، فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، وأنِّي نَبِيٌّ عَلى الحَقِيقَةِ، وانْظُرُوا أنِّي إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ، فَما تَزِيدُونَنِي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تُخْسِرُونَ أعْمالِي وتُبْطِلُونَها.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَما تَزِيدُونَنِي بِما تَقُولُونَ لِي وتَحْمِلُونِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنْ أُخْسِرَكم - أيْ أنْسُبُكم إلى الخُسْرانِ - وأقُولُ لَكم: إنَّكم خاسِرُونَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ إنْ أتْبَعْكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرَ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.

11:65Page 229

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ العادَةَ فِيمَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ عِنْدَ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ: أنْ يَبْتَدِئَ بِالدَّعْوَةِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يُتْبِعَهُ بِدَعْوى النُّبُوَّةِ، لا بُدَّ وأنْ يَطْلُبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وأمْرُ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا كانَ يُرْوى أنَّ قَوْمَهُ خَرَجُوا في عِيدٍ لَهم، فَسَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ، وأنْ يُخْرِجَ لَهم مِن صَخْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ - أشارُوا إلَيْها - ناقَةً، فَدَعا صالِحٌ رَبَّهُ، فَخَرَجَتِ النّاقَةُ كَما سَألُوا.

واعْلَمْ أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ كانَتْ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها مِنَ الصَّخْرَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها في جَوْفِ الجَبَلِ ثُمَّ شَقَّ عَنْها الجَبَلَ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَها حامِلًا مِن غَيْرِ ذَكَرٍ.

ورابِعُها: أنَّهُ خَلَقَها عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ دَفْعَةً واحِدَةً مِن غَيْرِ وِلادَةٍ.

وخامِسُها: ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لَها شِرْبُ يَوْمٍ، ولِكُلِّ القَوْمِ شِرْبُ يَوْمٍ آخَرَ.

وسادِسُها: أنَّهُ كانَ يَحْصُلُ مِنها لَبَنٌ كَثِيرٌ يَكْفِي الخَلْقَ العَظِيمَ، وكُلٌّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ مُعْجِزٌ قَوِيٌّ، ولَيْسَ في القُرْآنِ، إلّا أنَّ تِلْكَ النّاقَةَ كانَتْ آيَةً ومُعْجِزَةً، فَأمّا بَيانُ أنَّها كانَتْ مُعْجِزَةً مِن أيِّ الوُجُوهِ، فَلَيْسَ فِيهِ بَيانُهُ.

صفحة ١٧

ثُمَّ قالَ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ والمُرادُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَفَعَ عَنِ القَوْمِ مُؤْنَتَها، فَصارَتْ - مَعَ كَوْنِها آيَةً لَهم - تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم؛ لِأنَّهم كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِلَبَنِها عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خافَ عَلَيْها مِنهم لَمّا شاهَدَ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّ الخَصْمَ لا يُحِبُّ ظُهُورَ حُجَّةِ خَصْمِهِ، بَلْ يَسْعى في إخْفائِها وإبْطالِها بِأقْصى الإمْكانِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يَخافُ مِن إقْدامِهِمْ عَلى قَتْلِها؛ فَلِهَذا احْتاطَ وقالَ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ وتَوَعَّدَهم إنْ مَسُّوها بِسُوءٍ بِعَذابٍ قَرِيبٍ، وذَلِكَ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ لَهم مِنَ الإقْدامِ عَلى قَتْلِها، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَعَ ذَلِكَ عَقَرُوها وذَبَحُوها، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَقَرُوها لِإبْطالِ تِلْكَ الحُجَّةِ، وأنْ يَكُونَ لِأنَّها ضَيَّقَتِ الشُّرْبَ عَلى القَوْمِ، وأنْ يَكُونَ لِأنَّهم رَغِبُوا في شَحْمِها ولَحْمِها، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ يُرِيدُ اليَوْمَ الثّالِثَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ القَوْمَ عَقَرُوها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ومَعْنى التَّمَتُّعِ: التَّلَذُّذُ بِالمَنافِعِ والمَلاذِّ الَّتِي تُدْرَكُ بِالحَواسِّ، ولَمّا كانَ التَّمَتُّعُ لا يَحْصُلُ إلّا لِلْحَيِّ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الحَياةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الدّارِ البَلَدُ، وتُسَمّى البِلادُ بِالدِّيارِ؛ لِأنَّهُ يُدارُ فِيها، أيْ يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ أيْ بِلادُهم.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالدِّيارِ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ غَيْرُ كَذِبٍ، والمَصْدَرُ قَدْ يَرِدُ بِلَفْظِ المَفْعُولِ؛ كالمَجْلُودِ، والمَعْقُولِ، و﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾، وقِيلَ: غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمْهَلَهم تِلْكَ الأيّامَ الثَّلاثَةَ فَقَدْ رَغَّبَهم في الإيمانِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ أنْذَرَهم صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنُزُولِ العَذابِ، فَقالُوا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: تَصِيرُ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ مُصْفَرَّةً، وفي الثّانِي مُحْمَرَّةً، وفي الثّالِثِ مُسْوَدَّةً، ثُمَّ يَأْتِيكُمُ العَذابُ في اليَوْمِ الرّابِعِ، فَلَمّا رَأوْا وُجُوهَهم قَدِ اسْوَدَّتْ أيْقَنُوا بِالعَذابِ، فاحْتاطُوا واسْتَعَدُّوا لِلْعَذابِ، فَصَبَّحَهُمُ اليَوْمُ الرّابِعُ وهي الصَّيْحَةُ والصّاعِقَةُ والعَذابُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ تَظْهَرَ فِيهِمْ هَذِهِ العَلاماتُ مُطابِقَةً لِقَوْلِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ يَبْقَوْنَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ ؟

قُلْنا: ما دامَتِ الأماراتُ غَيْرَ بالِغَةٍ إلى حَدِّ الجَزْمِ واليَقِينِ لَمْ يَمْتَنِعْ بَقاؤُهم عَلى الكُفْرِ، وإذا صارَتْ يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً، فَقَدِ انْتَهى الأمْرُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، والإيمانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.

11:66–68Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ مَضى في قِصَّةِ عادٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٨

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ واوُ العَطْفِ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا مِنَ العَذابِ النّازِلِ بِقَوْمِهِ، ومِنَ الخِزْيِ الَّذِي لَزِمَهم وبَقِيَ العارُ فِيهِ مَأْثُورًا عَنْهم ومَنسُوبًا إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَعْنى الخِزْيِ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحْيا مِن مِثْلِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَقِيَ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَجَّيْنا صالِحًا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الكِسائِيُّ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ، وقالُونَ، وإحْدى الرِّواياتِ عَنِ الأعْمَشِ ”يَوْمَئِذٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، وفي المَعارِجِ ”عَذابِ يَوْمَئِذٍ“ [المَعارِجِ: ١١ ] والباقُونَ بِكَسْرِ المِيمِ فِيهِما، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى أنَّ ”يَوْمَ“ مُضافٌ إلى ”إذْ“، وأنَّ ”إذْ“ مَبْنِيٌّ، والمُضافُ إلى المَبْنِيِّ يَجُوزُ جَعْلُهُ مَبْنِيًّا، ألا تَرى أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّعْرِيفَ والتَّنْكِيرَ، فَكَذا هَهُنا، وأمّا الكَسْرُ في ”إذْ“ فالسَّبَبُ أنَّهُ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، تَقُولُ: جِئْتُكَ إذِ الشَّمْسُ طالِعَةٌ، فَلَمّا قُطِعَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ نُوِّنَ؛ لِيَدُلَّ التَّنْوِينُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ كُسِرَتِ الذّالُ لِسُكُونِها وسُكُونِ التَّنْوِينِ، وأمّا القِراءَةُ بِالكَسْرِ فَعَلى إضافَةِ الخِزْيِ إلى اليَوْمِ، ولَمْ يَلْزَمْ مِن إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا؛ لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ غَيْرُ لازِمَةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِزْيُ: الذُّلُّ العَظِيمُ حَتّى يَبْلُغَ حَدَّ الفَضِيحَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في المُحارِبِينَ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾ [المائِدَةِ: ٣٣ ]، وإنَّما سَمّى اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ العَذابَ خِزْيًا؛ لِأنَّهُ فَضِيحَةٌ باقِيَةٌ يَعْتَبِرُ بِها أمْثالُهم، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾، وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ ذَلِكَ العَذابَ إلى الكافِرِ، وصانَ أهْلَ الإيمانِ عَنْهُ، وهَذا التَّمْيِيزُ لا يَصِحُّ إلّا مِنَ القادِرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى قَهْرِ طَبائِعِ الأشْياءِ، فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ بَلاءً وعَذابًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى إنْسانٍ آخَرَ راحَةً ورَيْحانًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ فَقالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿وأخَذَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخَذْتُ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الصِّياحِ، وأيْضًا فُصِلَ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ المُؤَنَّثِ بِفاصِلٍ، فَكانَ الفاصِلُ كالعِوَضِ مِن تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ سَبَقَ لَها نَظائِرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الصَّيْحَةِ وجْهَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: المُرادُ الصّاعِقَةُ، الثّانِي: الصَّيْحَةُ صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ هائِلَةٌ، سَمِعُوها فَماتُوا أجْمَعُ مِنها، فَأصْبَحُوا وهم مَوْتى جاثِمِينَ في دُورِهِمْ ومَساكِنِهِمْ، وجُثُومُهم سُقُوطُهم عَلى وُجُوهِهِمْ، يُقالُ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَصِيحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ الَّتِي ماتُوا بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَها، والصِّياحُ لا يَكُونُ إلّا الصَّوْتَ الحادِثَ في حَلْقٍ وفَمٍ، وكَذَلِكَ الصُّراخُ، فَإنْ كانَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ خَلَقَهُ في حَلْقِ حَيَوانٍ، وإنْ كانَ فِعْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ حَصَلَ في فَمِهِ وحَلْقِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ صَوْتَ الرَّعْدِ أعْظَمُ مِن كُلِّ صَيْحَةٍ، ولا يُسَمّى بِذَلِكَ، ولا بِأنَّهُ صُراخٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَما السَّبَبُ في كَوْنِ الصَّيْحَةِ مُوجِبَةً لِلْمَوْتِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها:

أنَّ الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ إنَّما تَحْدُثُ عِنْدَ سَبَبٍ قَوِيٍّ يُوجِبُ تَمَوُّجَ الهَواءِ، وذَلِكَ التَّمَوُّجُ الشَّدِيدُ رُبَّما يَتَعَدّى إلى صِماخِ الإنْسانِ، فَيُمَزِّقُ غِشاءَ الدِّماغِ فَيُورِثُ المَوْتَ.

والثّانِي: أنَّها شَيْءٌ مَهِيبٌ، فَتَحْدُثُ الهَيْبَةُ العَظِيمَةُ عِنْدَ حُدُوثِها، والأعْراضُ النَّفْسانِيَّةُ إذا قَوِيَتْ أوْجَبَتِ المَوْتَ.

الثّالِثُ: أنَّ الصَّيْحَةَ

صفحة ١٩

العَظِيمَةَ إذا حَدَثَتْ مِنَ السَّحابِ فَلا بُدَّ وأنْ يَصْحَبَهُ بَرْقٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، وذَلِكَ هو الصّاعِقَةُ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجُثُومُ هو السُّكُونُ، يُقالُ لِلطَّيْرِ إذا باتَتْ في أوْكارِها: إنَّها جَثَمَتْ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ أطْلَقُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى ما لا يَتَحَرَّكُ مِنَ المَوْتِ، فَوَصَفَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُهْلَكِينَ بِأنَّهم سَكَنُوا عِنْدَ الهَلاكِ، حَتّى كَأنَّهم ما كانُوا أحْياءً، وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا، والمَغْنى: المُقامُ الَّذِي يُقِيمُ الحَيُّ بِهِ، يُقالُ: غَنِيَ الرَّجُلُ بِمَكانِ كَذا إذا أقامَ بِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”ألا إنَّ ثَمُودَ“ غَيْرَ مُنَوَّنٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿ثَمُودَ﴾ بِالتَّنْوِينِ، و”لِثَمُودٍ“ كِلاهُما بِالصَّرْفِ، والصَّرْفُ لِلذَّهابِ إلى الحَيِّ، أوْ إلى الأبِ الأكْبَرِ، ومَنعُهُ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ بِمَعْنى القَبِيلَةِ.

11:69–71Page 229

وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩

And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١

And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الرّابِعَةُ مِنَ القَصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ النَّحْوِيُّونَ: دَخَلَتْ كَلِمَةُ ”قَدْ“ هَهُنا؛ لِأنَّ السّامِعَ لِقَصَصِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَوَقَّعُ قِصَّةً بَعْدَ قِصَّةٍ، وقَدْ لِلتَّوَقُّعِ، ودَخَلَتِ اللّامُ في ”لَقَدْ“ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، ولَفْظُ ﴿رُسُلُنا﴾ جَمْعٌ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ، فَهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِحُصُولِ ثَلاثَةٍ، وأمّا الزّائِدُ عَلى هَذا العَدَدِ فَلا سَبِيلَ إلى إثْباتِهِ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِمْ كانَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ، فَقِيلَ: أتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ اثْنا عَشَرَ مَلَكًا عَلى صُورَةِ الغِلْمانِ الَّذِينَ يَكُونُونَ في غايَةِ الحُسْنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: كانُوا تِسْعَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانُوا ثَلاثَةً: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ ”والذّارِياتِ“ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٤ ]، وفي الحِجْرِ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحِجْرِ: ٥١ ] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالبُشْرى عَلى وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ ما بَشَّرَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ .

الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ بَشَّرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَلامَةِ لُوطٍ وبِإهْلاكِ قَوْمِهِ.

صفحة ٢٠

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قالُوا سِلْمٌ قالَ سِلْمٌ“ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي ”والذّارِياتِ“ مِثْلُهُ، قالَ الفَرّاءُ: لا فَرْقَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، كَما قالُوا: حِلٌّ وحَلالٌ، وحَرَمٌ وحَرامٌ؛ لِأنَّ في التَّفْسِيرِ أنَّهم لَمّا جاءُوا سَلَّمُوا عَلَيْهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سِلْمٌ خِلافَ العَدُوِّ والحَرْبِ، كَأنَّهم لَمّا امْتَنَعُوا مِن تَناوُلِ ما قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، قالَ: إنّا سِلْمٌ، ولَسْتُ بِحَرْبٍ ولا عَدُوٍّ، فَلا تَمْتَنِعُوا مِن تَناوُلِ طَعامِي كَما يُمْتَنَعُ مِن تَناوُلِ طَعامِ العَدُوِّ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَكَلُّمُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اللَّفْظِ بَعْدَ إحْضارِ الطَّعامِ، إلّا أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما وُجِدَ قَبْلَ إحْضارِ الطَّعامِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَجِيئَهُ بِذَلِكَ العِجْلِ الحَنِيذِ كانَ بَعْدَ ذِكْرِ السَّلامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، قالَ: ”سَلامٌ“ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَسْتُ مُرِيدًا غَيْرَ السَّلامَةِ والصُّلْحِ، قالَ الواحِدِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: سَلامٌ عَلَيْكم، فَجاءَ بِهِ مَرْفُوعًا حِكايَةً لِقَوْلِهِ كَما قالَ، وحُذِفَ عَنْهُ الخَبَرُ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يُوسُفَ: ١٨ ] وإنَّما يَحْسُنُ هَذا الحَذْفُ إذا كانَ المَقْصُودُ مَعْلُومًا بَعْدَ الحَذْفِ، وهَهُنا المَقْصُودُ مَعْلُومٌ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ الحَذْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨٩ ] عَلى حَذْفِ الخَبَرِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما سَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، رِعايَةً لِلْإذْنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النُّورِ: ٢٧ ] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ ”سَلامٌ عَلَيْكم“ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ في مَعْنى الدُّعاءِ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ جَعْلُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً ؟

قُلْنا: النَّكِرَةُ إذا كانَتْ مَوْصُوفَةً جازَ جَعْلُها مُبْتَدَأً، فَإذا قُلْتَ: سَلامٌ عَلَيْكم، فالتَّنْكِيرُ في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى التَّمامِ والكَمالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَلامٌ كامِلٌ تامٌّ عَلَيْكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُنا: سَلامٌ عَلَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧ ] وقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨ ] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ٧٩ ] ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ:٢٣ - ٢٤ ] فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طَه: ٤٧ ] فَهَذا أيْضًا جائِزٌ، والمُرادُ مِنهُ الماهِيَّةُ والحَقِيقَةُ.

وأقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٤ ] يُفِيدُ الكَمالَ والمُبالَغَةَ والتَّمامَ، وأمّا لَفْظُ ”السَّلامِ“ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الماهِيَّةَ، قالَ الأخْفَشُ: مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“، فَيُعَرِّي قَوْلَهُ: ”سَلامٌ“ عَنِ الألِفِ واللّامِ والتَّنْوِينِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ أباحَ هَذا التَّخْفِيفَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالُوا: مَكَثَ إبْراهِيمُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يَأْتِيهِ ضَيْفٌ، فاغْتَمَّ لِذَلِكَ، ثُمَّ جاءَهُ المَلائِكَةُ فَرَأى أضْيافًا لَمْ يَرَ مِثْلَهم، فَعَجَّلَ وجاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَعْناهُ: فَما لَبِثَ في المَجِيءِ بِهِ، بَلْ عَجَّلَ فِيهِ، أوِ التَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ.

صفحة ٢١

أمّا الحَنِيذُ: فَهو الَّذِي يُشْوى في حُفْرَةٍ مِنَ الأرْضِ بِالحِجارَةِ المُحْماةِ، وهو مِن فِعْلِ أهْلِ البادِيَةِ مَعْرُوفٌ، وهو مَحْنُوذٌ في الأصْلِ، كَما قِيلَ: طَبِيخٌ ومَطْبُوخٌ، وقِيلَ: الحَنِيذُ الَّذِي يَقْطُرُ دَسَمُهُ، يُقالُ: حَنَذَتِ الفَرَسُ، إذا ألْقَيْتَ عَلَيْهِ الجُلَّ حَتّى تَقْطُرَ عَرَقًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى العِجْلِ، وقالَ الفَرّاءُ: إلى الطَّعامِ، وهو ذَلِكَ العِجْلُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ أنْكَرَهم. يُقالُ: نَكِرَهُ وأنْكَرَهُ واسْتَنْكَرَهُ.

واعْلَمْ أنَّ الأضْيافَ إنَّما امْتَنَعُوا مِنَ الطَّعامِ؛ لِأنَّهم مَلائِكَةٌ، والمَلائِكَةُ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ، وإنَّما أتَوْهُ في صُورَةِ الأضْيافِ لِيَكُونُوا عَلى صِفَةٍ يُحِبُّها، وهو كانَ مَشْغُوفًا بِالضِّيافَةِ، وأمّا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَعْلَمُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِمْ أنَّهم مِنَ البَشَرِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، أمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَسَبَبُ خَوْفِهِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ بَعِيدٍ عَنِ النّاسِ، فَلَمّا امْتَنَعُوا مِنَ الأكْلِ خافَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا، وثانِيهُما: أنَّ مَن لا يُعْرَفُ إذا حَضَرَ وقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ، فَإنْ أكَلَ حَصَلَ الأمْنُ، وإنْ لَمْ يَأْكُلْ حَصَلَ الخَوْفُ، وأمّا الِاحْتِمالُ الثّانِي: وهو أنَّهُ عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى، فَسَبَبُ خَوْفِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا أمْرانِ:

أحَدُها: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ خافَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ أقْرَبُ وأظْهَرُ ؟

قُلْنا: أمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ ما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ أنْ يَحْتَجَّ بِأُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَسارَعَ إلى إحْضارِ الطَّعامِ، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما فَعَلَ ذَلِكَ.

وثانِيها: أنَّهُ لَمّا رَآهم مُمْتَنِعِينَ مِنَ الأكْلِ خافَهم، ولَوْ عَرَفَ كَوْنَهم مِنَ المَلائِكَةِ لَما اسْتَدَلَّ بِتَرْكِ الأكْلِ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ.

وثالِثُها: أنَّهُ رَآهم في أوَّلِ الأمْرِ في صُورَةِ البَشَرِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ عَرَفَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ بِأيِّ سَبَبٍ أُرْسِلُوا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ أزالُوا ذَلِكَ الخَوْفَ عَنْهُ، فَقالُوا: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ومَعْناهُ: أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِأنَّهُ أضْمَرَ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ في سُورَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٥٨ ] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً﴾ [الذّارِياتِ: ٣٣ ] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ يَعْنِي سارَّةَ بِنْتَ آزَرَ بْنِ باحُورا، بِنْتَ عَمِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: كانَتْ قائِمَةً مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْتَمِعُ إلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّها رُبَّما خافَتْ أيْضًا، وقِيلَ: كانَتْ قائِمَةً تَخْدِمُ الأضْيافَ وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جالِسٌ مَعَهم، ويُؤَكِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ ”وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ“ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ واخْتَلَفُوا في الضَّحِكِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ، ومِنهم مَن حَمَلَ هَذا اللَّفْظَ عَلى مَعْنًى آخَرَ سِوى الضَّحِكِ. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْسِ الضَّحِكِ فاخْتَلَفُوا في أنَّها لِمَ ضَحِكَتْ، وذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي: إنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سَبَبًا جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وما ذاكَ إلّا أنَّها فَرِحَتْ بِزَوالِ ذَلِكَ الخَوْفِ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، حَيْثُ قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وعَظُمَ سُرُورُها بِسَبَبِ سُرُورِهِ بِزَوالِ خَوْفِهِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ

صفحة ٢٢

الحالَةِ قَدْ يَضْحَكُ الإنْسانُ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ كانَ ضَحِكُها بِسَبَبِ قَوْلِ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لا تَخَفْ﴾ فَكانَ كالبِشارَةِ، فَقِيلَ لَها: نَجْعَلُ هَذِهِ البِشارَةَ بِشارَتَيْنِ، فَكَما حَصَلَتِ البِشارَةُ بِزَوالِ الخَوْفِ، فَقَدْ حَصَلَتِ البِشارَةُ أيْضًا بِحُصُولِ الوَلَدِ الَّذِي كُنْتُمْ تَطْلُبُونَهُ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى هَذا الوَقْتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ في غايَةِ الحُسْنِ.

الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ عَظِيمَةَ الإنْكارِ عَلى قَوْمِ لُوطٍ؛ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعَمَلِ الخَبِيثِ، فَلَمّا أظْهَرُوا أنَّهم جاءُوا لِإهْلاكِهِمْ، لَحِقَها السُّرُورُ فَضَحِكَتْ.

الثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم: ( ألا تَأْكُلُونَ ؟ قالُوا: لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِالثَّمَنِ، فَقالَ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى أوَّلِهِ وتَحْمَدُوهُ عَلى آخِرِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ”حُقَّ لِمِثْلِ هَذا الرَّجُلِ أنْ يَتَّخِذَهُ رَبُّهُ خَلِيلًا“ فَضَحِكَتِ امْرَأتُهُ فَرَحًا مِنها بِهَذا الكَلامِ.

الرّابِعُ: أنَّ سارَّةَ قالَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أرْسِلْ إلى ابْنِ أخِيكَ وضُمَّهُ إلى نَفْسِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُ قَوْمَهُ حَتّى يُعَذِّبَهم، فَعِنْدَ تَمامِ هَذا الكَلامِ دَخَلَ المَلائِكَةُ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، صارَ قَوْلُهم مُوافِقًا لِقَوْلِها، فَضَحِكَتْ لِشِدَّةِ سُرُورِها بِحُصُولِ المُوافَقَةِ بَيْنَ كَلامِها وبَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ.

الخامِسُ: أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ لا مِنَ البَشَرِ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، طَلَبَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى أنَّهم مِنَ المَلائِكَةِ، فَدَعَوْا رَبَّهم بِإحْياءِ العِجْلِ المَشْوِيِّ، فَطَفَرَ ذَلِكَ العِجْلُ المَشْوِيُّ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَ مَوْضُوعًا فِيهِ إلى مَرْعاهُ، وكانَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قائِمَةً، فَضَحِكَتْ لَمّا رَأتْ ذَلِكَ العِجْلَ المَشْوِيَّ قَدْ طَفَرَ مِن مَوْضِعِهِ.

السّادِسُ: أنَّها ضَحِكَتْ تَعَجُّبًا مِن أنَّ قَوْمًا أتاهُمُ العَذابُ وهم في غَفْلَةٍ.

السّابِعُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَشَّرُوها بِحُصُولِ مُطْلَقِ الوَلَدِ فَضَحِكَتْ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنَّها كانَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِنْتَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وإمّا عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ، ثُمَّ لَمّا ضَحِكَتْ بَشَّرَها اللَّهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ هو إسْحاقُ، ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.

الثّامِنُ: أنَّها ضَحِكَتْ بِسَبَبِ أنَّها تَعَجَّبَتْ مِن خَوْفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ثَلاثِ أنْفُسٍ حالَ ما كانَ مَعَهُ حَشَمُهُ وخَدَمُهُ.

التّاسِعُ: أنَّ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ، فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ، فَضَحِكَتْ سُرُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ البِشارَةِ، فَقُدِّمَ الضَّحِكُ، ومَعْناهُ التَّأْخِيرُ.

العاشِرُ: هو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ، وهو مَنقُولٌ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، قالا: ﴿فضَحِكَتْ﴾ أيْ حاضَتْ عِنْدَ فَرَحِها بِالسَّلامَةِ مِنَ الخَوْفِ، فَلَمّا ظَهَرَ حَيْضُها بُشِّرَتْ بِحُصُولِ الوَلَدِ، وأنْكَرَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ أنْ يَكُونَ ضَحِكَتْ بِمَعْنى حاضَتْ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: هَذِهِ اللُّغَةُ إنْ لَمْ يَعْرِفْها هَؤُلاءِ فَقَدْ عَرَفَها غَيْرُهم، حَكى اللَّيْثُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَضَحِكَتْ﴾ طَمِثَتْ، وحَكى الأزْهَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أصْلَهُ مِن ضِحاكِ الطَّلْعَةِ، يُقالُ: ضَحِكَتِ الطَّلْعَةُ - إذا انْشَقَّتْ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها زَوائِدُ. وإنَّما الوَجْهُ الصَّحِيحُ هو الأوَّلُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْقُوبَ“ بِالنَّصْبِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا وجْهُ النَّصْبِ، فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: بَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا لَها يَعْقُوبَ، وأمّا وجْهُ الرَّفْعِ فَهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ مَوْلُودٌ، أوْ مَوْجُودٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ وراءَ قَوْلانِ:

الأوَّلُ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ -: أنَّ مَعْناهُ بَعْدَ، أيْ بَعْدَ إسْحاقَ يَعْقُوبُ

صفحة ٢٣

وهَذا هو الوَجْهُ الظّاهِرُ.

والثّانِي: أنَّ الوَراءَ ولَدُ الوَلَدِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا ابْنُكَ، فَقالَ: نَعَمْ مِنَ الوَراءِ - وكانَ ولَدَ ولَدِهِ - وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي شَدِيدُ التَّعَسُّفِ، واللَّفْظُ كَأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском