Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:72–80
11:72–73Page 230
قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢
She said, "Woe to me!1 Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"
قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣
They said, "Are you amazed at the decree of Allāh? May the mercy of Allāh and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ الوَيْلِ: ”ويْ“، وهو الخِزْيُ، ويُقالُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ خِزْيٌ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ويْلَكَ، أيْ خِزْيٌ لَكَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: ويْحَ زَجْرٌ لِمَن أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، ووَيْلٌ لِمَن وقَعَ فِيهِ، قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ أسْمَعْ عَلى بِنائِهِ إلّا ويْحَ، ووَيْكَ، ووَيْهَ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ فَمِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الألِفُ في ويْلَتا مُبْدَلَةٌ مِن ياءِ الإضافَةِ في ”يا ويْلَتِي“، وكَذَلِكَ في: يا لَهَفا، ويا عَجَبا، ثُمَّ أُبْدِلَ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ الألِفُ والفَتْحَةُ؛ لِأنَّ الفَتْحَ والألِفَ أخَفُّ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ”آلِدُ“ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ، والباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ بِلا مَدٍّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّها تَعَجَّبَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، والتَّعَجُّبُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ، بَيانُ المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْها في مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ .
وثالِثُها: قَوْلُ المَلائِكَةِ لَها: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ .
وأما بَيانُ أنَّ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يُوجِبُ الكُفْرَ؛ فَلِأنَّ هَذا التَّعَجُّبَ يَدُلُّ عَلى جَهْلِها بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ الكُفْرَ.
والجَوابُ: أنَّها إنَّما تَعَجَّبَتْ بِحَسَبِ العُرْفِ والعادَةِ، لا بِحَسَبِ القُدْرَةِ، فَإنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ لَوْ أخْبَرَهُ مُخْبِرٌ صادِقٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْلِبُ هَذا الجَبَلَ ذَهَبًا إبْرِيزًا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَتَعَجَّبُ؛ نَظَرًا إلى أحْوالِ العادَةِ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اسْتَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَذا بِعْلِي شَيْخًا﴾ فاعْلَمْ أنَّ ﴿شَيْخًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهَذا مِن لَطائِفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ هَذا لِلْإشارَةِ، فَكَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ قائِمٌ مَقامَ أنْ يُقالَ: أُشِيرَ إلى بَعْلِي حالَ كَوْنِهِ شَيْخًا، والمَقْصُودُ تَعْرِيفُ هَذِهِ الحالَةِ المَخْصُوصَةِ وهي الشَّيْخُوخَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ بَعْضُهم ”وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا بَعْلِي وهو شَيْخٌ، أوْ ”بَعْلِي“ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ، و”شَيْخٌ“ خَبَرٌ، أوْ يَكُونانِ مَعًا خَبَرَيْنِ، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن﴾
صفحة ٢٤
﴿أمْرِ اللَّهِ﴾ والمَعْنى: أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن تَعَجُّبِها، ثُمَّ قالُوا: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ ذِكْرُ ما يُزِيلُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ، وتَقْدِيرُهُ: إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم مُتَكاثِرَةٌ، وبَرَكاتِهِ لَدَيْكم مُتَوالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ، وهي النُّبُوَّةُ، والمُعْجِزاتُ القاهِرَةُ، والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْراتِ العَظِيمَةِ، فَإذا رَأيْتِ أنَّ اللَّهَ خَرَقَ العاداتِ في تَخْصِيصِكم بِهَذِهِ الكَراماتِ العالِيَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي إظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ، وإحْداثِ البَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ التَّعَجُّبُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ فَإنَّهُ مَدْحٌ لَهم، فَهو نَصْبٌ عَلى النِّداءِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ، وهو الَّذِي تُحْمَدُ أفْعالُهُ، والمَجِيدُ: الماجِدُ، وهو ذُو الشَّرَفِ والكَرَمِ، ومِن مَحامِدِ الأفْعالِ إيصالُ العَبْدِ المُطِيعِ إلى مُرادِهِ ومَطْلُوبِهِ، ومِن أنْواعِ الفَضْلِ والكَرَمِ أنْ لا يُمْنَعَ الطّالِبُ عَنْ مَطْلُوبِهِ، فَإذا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الكُلِّ، وأنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، فَكَيْفَ يَبْقى هَذا التَّعَجُّبُ في نَفْسِ الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِماتِ إزالَةُ التَّعَجُّبِ.
11:74–75Page 230
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤
And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue [i.e., plead] with Us1 concerning the people of Lot.
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥
Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو القِصَّةُ الخامِسَةُ، وهي قِصَّةُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، واعْلَمْ أنَّ الرَّوْعَ هو الخَوْفُ، وهو ما أوْجَسَ مِنَ الخِيفَةِ حِينَ أنْكَرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا زالَ الخَوْفُ وحَصَلَ السُّرُورُ بِسَبَبِ مَجِيءِ البُشْرى بِحُصُولِ الوَلَدِ، أخَذَ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ، وجَوابُ ”لَمّا“ هو قَوْلُهُ: (أخَذَ) إلّا أنَّهُ حُذِفَ في اللَّفْظِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: لَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ جادَلَنا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ يُجادِلُ رُسُلَنا.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ المُجادَلَةُ إنْ كانَتْ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَهي جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ، والجَراءَةُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ إزالَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ كَفَرَ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ فَهي أيْضًا عَجِيبَةٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ أنْ يَتْرُكُوا إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ، فَإنْ كانَ قَدِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ يُجادِلُونَ في هَذا الإهْلاكِ، فَهَذا سُوءُ ظَنٍّ بِهِمْ، وإنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ أنَّهم بِأمْرِ اللَّهِ جاءُوا، فَهَذِهِ المُجادَلَةُ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ يَطْلُبُ مِنهم مُخالَفَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهَذا مُنْكَرٌ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو الجَوابُ الإجْمالِيُّ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الجَدَلُ مِنَ الذُّنُوبِ لَما ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ.
صفحة ٢٥
والوَجْهُ الثّانِي وهو الجَوابُ التَّفْصِيلِيُّ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ المُجادَلَةِ سَعْيُ إبْراهِيمَ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣١ ] فَقالَ إبْراهِيمُ: أرَأيْتُمْ لَوْ كانَ فِيها خَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، حَتّى بَلَغَ العَشْرَةَ، قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ مُسْلِمٌ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: إنَّ فِيها لُوطًا، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٣٣ ] فَبانَ بِهَذا أنَّ مُجادَلَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَتْ في قَوْمِ لُوطٍ بِسَبَبِ مُقامِ لُوطٍ فِيما بَيْنَهم.
الوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَمِيلُ إلى أنْ تَلْحَقَهم رَحْمَةُ اللَّهِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، رَجاءَ أنَّهم رُبَّما أقْدَمُوا عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي، ورُبَّما وقَعَتْ تِلْكَ المُجادَلاتُ بِسَبَبِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقُولُ إنَّ أمْرَ اللَّهِ ورَدَ بِإيصالِ العَذابِ، ومُطْلَقُ الأمْرِ لا يُوجِبُ الفَوْرَ، بَلْ يَقْبَلُ التَّراخِيَ، فاصْبِرُوا مُدَّةً أُخْرى، والمَلائِكَةُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ يَقْبَلُ الفَوْرَ، وقَدْ حَصَلَتْ هُناكَ قَرائِنُ دالَّةٌ عَلى الفَوْرِ، ثُمَّ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ بِالوُجُوهِ المَعْلُومَةِ، فَحَصَلَتِ المُجادِلَةُ بِهَذا السَّبَبِ، وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي هو المُعْتَمَدُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: لَعَلَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ عَنْ لَفْظِ ذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ ذَلِكَ الأمْرُ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، فاخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ هَلْ حَصَلَ في ذَلِكَ القَوْمِ أمْ لا، فَحَصَلَتِ المُجادَلَةُ بِسَبَبِهِ، وبِالجُمْلَةِ نَرى العُلَماءَ في زَمانِنا يُجادِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ القَدْحَ في واحِدٍ مِنها، فَكَذا هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ وهَذا مَدْحٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ، أمّا الحَلِيمُ فَهو الَّذِي لا يَتَعَجَّلُ بِمُكافَأةِ غَيْرِهِ، بَلْ يَتَأنّى فِيهِ، فَيُؤَخِّرُ ويَعْفُو، ومَن هَذا حالُهُ فَإنَّهُ يُحِبُّ مِن غَيْرِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ جِدالَهُ كانَ في أمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالحِلْمِ وتَأْخِيرِ العِقابِ، ثُمَّ ضُمَّ إلى ذَلِكَ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالحِلْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾؛ لِأنَّ مَن يَسْتَعْمِلُ الحِلْمَ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ يَتَأوَّهُ إذا شاهَدَ وُصُولَ الشَّدائِدِ إلى الغَيْرِ، فَلَمّا رَأى مَجِيءَ المَلائِكَةِ لِأجْلِ إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَظُمَ حُزْنُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وأخَذَ يَتَأوَّهُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ مُنِيبٌ؛ لِأنَّ مَن ظَهَرَتْ فِيهِ هَذِهِ الشَّفَقَةُ العَظِيمَةُ عَلى الغَيْرِ، فَإنَّهُ يُنِيبُ ويَتُوبُ ويَرْجِعُ إلى اللَّهِ في إزالَةِ ذَلِكَ العَذابِ عَنْهم، أوْ يُقالُ: إنَّ مَن كانَ لا يَرْضى بِوُقُوعِ غَيْرِهِ في الشَّدائِدِ، فَأنْ لا يَرْضى بِوُقُوعِ نَفْسِهِ فِيها كانَ أوْلى، ولا طَرِيقَ إلى صَوْنِ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ في عَذابِ اللَّهِ إلّا بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ، فَوَجَبَ فِيمَن هَذا شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مُنِيبًا.
11:76–77Page 230
يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦
[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧
And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَعْناهُ: أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا لَهُ: اتْرُكْ هَذِهِ المُجادَلَةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ بِإيصالِ هَذا العَذابِ إلَيْهِمْ، وإذا لاحَ وجْهُ دَلالَةِ النَّصِّ عَلى هَذا الحُكْمِ فَلا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرُوهُ بِتَرْكِ المُجادَلَةِ، ولَمّا ذَكَرُوا ﴿إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَكُنْ في هَذا اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ بِماذا جاءَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ، أيْ عَذابٌ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ ورَدِّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وهَؤُلاءِ الرُّسُلُ هُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ بَشَّرُوا إبْراهِيمَ بِالوَلَدِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: انْطَلَقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ، وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعُ فَراسِخَ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ عَلى صُورَةِ شَبابٍ مُرْدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وكانُوا في غايَةِ الحُسْنِ، ولَمْ يَعْرِفْ لُوطٌ أنَّهم مَلائِكَةُ اللَّهِ، وذَكَرُوا فِيهِ سِتَّةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ظَنَّ أنَّهم مِنَ الإنْسِ، فَخافَ عَلَيْهِمْ خُبْثَ قَوْمِهِ، وأنْ يَعْجِزُوا عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ.
الثّانِي: ساءَهُ مَجِيئُهم؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَجِدُ ما يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ، وما كانَ قادِرًا عَلى القِيامِ بِحَقِّ ضِيافَتِهِمْ.
والثّالِثُ: ساءَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ مَنَعُوهُ مِن إدْخالِ الضَّيْفِ دارَهُ.
الرّابِعُ: ساءَهُ مَجِيئُهم؛ لِأنَّهُ عَرَفَ بِالحَذَرِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، وأنَّهم إنَّما جاءُوا لِإهْلاكِ قَوْمِهِ.
والوَجْهُ الأوَّلُ هو الأصَحُّ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ وبَقِيَ في الآيَةِ ألْفاظٌ ثَلاثَةٌ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِها:
اللَّفْظُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ ومَعْناهُ: ساءَ مَجِيئُهم، وساءَ يَسُوءُ فِعْلٌ لازِمٌ مُجاوِزٌ، يُقالُ: سُؤْتُهُ فَسِيءَ، مِثْلُ شَغَلْتُهُ فَشُغِلَ، وسَرَرْتُهُ فَسُرَّ. قالالزَّجّاجُ: أصْلُهُ ”سُوِّئَ بِهِمْ“، إلّا أنَّ الواوَ سُكِّنَتْ، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.
اللَّفْظُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: الذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطّاقَةِ، والأصْلُ فِيهِ: البَعِيرُ يَذْرَعُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلى قَدْرِ سِعَةِ خُطْوَتِهِ، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن طاقَتِهِ ضاقَ ذَرْعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَضَعُفَ ومَدَّ عُنُقَهُ، فَجُعِلَ ضِيقُ الذَّرْعِ عِبارَةً عَنْ قَدْرِ الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَيُقالُ: ما لِي بِهِ ذَرْعٌ ولا ذِراعٌ، أيْ ما لِي بِهِ طاقَةٌ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قُلْناهُ أنَّهم يَجْعَلُونَ الذِّراعَ في مَوْضِعِ الذَّرْعِ، فَيَقُولُونَ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذِراعًا.
واللَّفْظُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ يَوْمٌ شَدِيدٌ، وإنَّما قِيلَ لِلشَّدِيدِ عَصِيبٌ؛ لِأنَّهُ يَعْصِبُ الإنْسانَ بِالشَّرِّ.
11:78–80Page 230
وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨
And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"
قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩
They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."
قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠
He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."
صفحة ٢٧
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا دَخَلَتِ المَلائِكَةُ دارَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مَضَتِ امْرَأتُهُ عَجُوزُ السُّوءِ، فَقالَتْ لِقَوْمِهِ: دَخَلَ دارَنا قَوْمٌ ما رَأيْتُ أحْسَنَ وُجُوهًا ولا أنْظَفَ ثِيابًا ولا أطْيَبَ رائِحَةً مِنهم، وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ، أيْ يُسْرِعُونَ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ إسْراعَهم رُبَّما كانَ لِطَلَبِ العَمَلِ الخَبِيثِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ نُقِلَ أنَّ القَوْمَ دَخَلُوا دارَ لُوطٍ، وأرادُوا أنْ يَدْخُلُوا البَيْتَ الَّذِي كانَ فِيهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدَهُ عَلى البابِ، فَلَمْ يُطِيقُوا فَتْحَهُ حَتّى كَسَرُوهُ، فَمَسَحَ أعْيُنَهم بِيَدِهِ فَعَمُوا، فَقالُوا: يا لُوطُ قَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْنا السَّحَرَةَ وأظْهَرْتَ الفِتْنَةَ. ولِأهْلِ اللُّغَةِ في ﴿يُهْرَعُونَ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا مِن بابِ ما جاءَتْ صِيغَةُ الفاعِلِ فِيهِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ ولا يُعْرَفُ لَهُ فاعِلٌ، نَحْوُ: أُولِعَ فُلانٌ في الأمْرِ، وأُرْعِدَ زَيْدٌ، وزُهِيَ عَمْرٌو - مِنَ الزَّهْوِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ وُرُودُ الفاعِلِ عَلى لَفْظِ المَفْعُولِ، وهَذِهِ الأفْعالُ حُذِفَ فاعِلُوها، فَتَأْوِيلُ ”أُولِعَ زَيْدٌ“ أنَّهُ أوْلَعَهُ طَبْعُهُ، و”أُرْعِدَ الرَّجُلُ“ أرْعَدَهُ غَضَبُهُ، و”زُهِيَ عَمْرٌو“ مَعْناهُ جَعَلَهُ مالُهُ زاهِيًا، و”أُهْرِعَ“ مَعْناهُ أهْرَعَهُ خَوْفُهُ أوْ حِرْصُهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا فَقالَ بَعْضُهم: الإهْراعُ هو الإسْراعُ مَعَ الرِّعْدَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هو العَدْوُ الشَّدِيدُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ قَتادَةُ: المُرادُ بَناتُهُ لِصُلْبِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ نِساءُ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ بَناتٌ، ولَهُنَّ إضافَةٌ إلَيْهِ بِالمُتابَعَةِ وقَبُولِ الدَّعْوَةِ، قالَ أهْلُ النَّحْوِ: يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ؛ لِأنَّهُ كانَ نَبِيًّا لَهم، فَكانَ كالأبِ لَهم، قالَ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحْزابِ: ٦ ] وهو أبٌ لَهم، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي هو المُخْتارُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى عَرْضِ بَناتِهِ عَلى الأوْباشِ والفُجّارِ أمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، لا يَلِيقُ بِأهْلِ المُرُوءَةِ، فَكَيْفَ بِأكابِرِ الأنْبِياءِ ؟
الثّانِي: وهو أنَّهُ قالَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَبَناتُهُ اللَّواتِي مِن صُلْبِهِ لا تَكْفِي لِلْجَمْعِ العَظِيمِ، أمّا نِساءُ أُمَّتِهِ فَفِيهِنَّ كِفايَةٌ لِلْكُلِّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ أنَّهُ كانَ لَهُ بِنْتانِ، وهُما: زَنْتا، وزَعُورا، وإطْلاقُ لَفْظِ البَناتِ عَلى البِنْتَيْنِ لا يَجُوزُ؛ لِما ثَبَتَ أنَّ أقَلَّ الجَمَعِ ثَلاثَةٌ، فَأمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما دَعا القَوْمَ إلى الزِّنا بِالنُّسْوانِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم إلى التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِشَرْطِ أنْ يُقَدِّمُوا الإيمانَ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَجُوزُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ مِنَ الكافِرِ في شَرِيعَتِهِ، وهَكَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ بِدَلِيلِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ مِن أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وكانَ مُشْرِكًا، وزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢١ ]، واخْتَلَفُوا أيْضًا، فَقالَ الأكْثَرُونَ: كانَ لَهُ بِنْتانِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الِاثْنَتَيْنِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النِّساءِ: ١١ ]، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤ ] وقِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ٢٨
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ العَمَلِ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ طاهِرًا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ فاسِدٌ؛ ولِأنَّهُ لا طَهارَةَ في نِكاحِ الرَّجُلِ، بَلْ هَذا جارٍ مَجْرى قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، والمُرادُ أنَّهُ كَبِيرٌ؛ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصّافّاتِ: ٦٢ ] ولا خَيْرَ فِيها، ولَمّا قالَ أبُو سُفْيانَ: اعْلُ أُحُدُ أوِ اعْلُ هُبَلُ، قالَ النَّبِيُّ: ”«اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» “، ولا مُقارَبَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الصَّنَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ، والحَسَنِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، أنَّهم قَرَءُوا ”هُنَّ أطْهَرُ لَكم“ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ خَطَأٌ، قالُوا لَوْ قُرِئَ ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ﴾ كانَ هَذا نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ إلّا أنَّ كَلِمَةَ ”هُنَّ“ قَدْ وقَعَتْ في البَيْنِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَعْلِ ”أطْهَرُ“ حالًا، وطَوَّلُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ ”ولا تُخْزُونِي“ بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِحَذْفِها لِلتَّخْفِيفِ ودَلالَةِ الكَسْرِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في لَفْظِ ”لا تُخْزُونِي“ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: لا تَفْضَحُونِي في أضْيافِي، يُرِيدُ أنَّهم إذا هَجَمُوا عَلى أضْيافِهِ بِالمَكْرُوهِ لَحِقَتْهُ الفَضِيحَةُ.
والثّانِي: لا تُخْزُونِي في ضَيْفِي، أيْ لا تُخْجِلُونِي فِيهِمْ؛ لِأنَّ مُضِيفَ الضَّيْفِ يَلْزَمُهُ الخَجالَةُ مِن كُلِّ فِعْلٍ قَبِيحٍ يُوصَلُ إلى الضَّيْفِ، يُقالُ: خَزِيَ الرَّجُلُ إذا اسْتَحْيا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّيْفُ هَهُنا قائِمٌ مَقامَ الأضْيافِ، كَما قامَ الطِّفْلُ مَقامَ الأطْفالِ. في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النُّورِ: ٣١ ] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّيْفُ مَصْدَرًا، فَيُسْتَغْنى عَنْ جَمْعِهِ، كَما يُقالُ: رِجالٌ صُوَّمٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشِدٍ، أيْ يَقُولُ الحَقَّ ويَرُدُّ هَؤُلاءِ الأوْباشَ عَنْ أضْيافِي.
والثّانِي: ”رَشِيدٌ“ بِمَعْنى مُرْشَدٌ، والمَعْنى: ألَيْسَ فِيكم رَجُلٌ أرْشَدَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الصَّلاحِ، وأسْعَدَهُ بِالسَّدادِ والرَّشادِ، حَتّى يَمْنَعَ عَنْ هَذا العَمَلِ القَبِيحِ، والأوَّلُ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما لَنا في بَناتِكَ مِن حاجَةٍ ولا شَهْوَةٍ، والتَّقْدِيرُ أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى شَيْءٍ فَكَأنَّهُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ نَوْعُ حَقٍّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ جُعِلَ نَفْيُ الحَقِّ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الحاجَةِ.
الثّانِي: أنْ نُجْرِيَ اللَّفْظَ عَلى ظاهِرِهِ، فَنَقُولَ: مَعْناهُ أنَّهُنَّ لَسْنَ لَنا بِأزْواجٍ، ولا حَقَّ لَنا فِيهِنَّ ألْبَتَّةَ، ولا يَمِيلُ أيْضًا طَبْعُنا إلَيْهِنَّ، فَكَيْفَ قِيامُهُنَّ مَقامَ العَمَلِ الَّذِي نُرِيدُهُ، وهو إشارَةٌ إلى العَمَلِ الخَبِيثِ.
الثّالِثُ: ﴿ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ لِأنَّكَ دَعَوْتَنا إلى نِكاحِهِنَّ بِشَرْطِ الإيمانِ، ونَحْنُ لا نُجِيبُكَ إلى ذَلِكَ، فَلا يَكُونُ لَنا فِيهِنَّ حَقٌّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ لُوطٍ أنَّهُ عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: جَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: لَمَنَعْتُكم ولَبالَغْتُ في دَفْعِكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٣١ ] وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنْعامِ: ٢٧ ] قالَ الواحِدِيُّ: وحُذِفَ الجَوابُ هَهُنا لِأنَّ الوَهْمَ يَذْهَبُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَنعِ والدَّفْعِ.
صفحة ٢٩
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ لَوْ أنَّ لِي ما أتَقَوّى بِهِ عَلَيْكم، وتَسْمِيَةُ مُوجِبِ القُوَّةِ بِالقُوَّةِ جائِزٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنْفالِ: ٦٠ ] والمُرادُ السِّلاحُ، وقالَ آخَرُونَ: القُدْرَةُ عَلى دَفْعِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ المُرادُ مِنهُ المَوْضِعُ الحَصِينُ المَنِيعُ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّكْنِ الشَّدِيدِ مِنَ الجَبَلِ.
فَإنْ قِيلَ: ما الوَجْهُ هَهُنا في عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ ؟
قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ﴿أوْ آوِي﴾ بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ ”أنْ“، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِيًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ لا بُدَّ مِن حَمْلِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ عَلى فائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ كَوْنُهُ بِنَفْسِهِ قادِرًا عَلى الدَّفْعِ، وكَوْنُهُ مُتَمَكِّنًا إمّا بِنَفْسِهِ وإمّا بِمُعاوَنَةِ غَيْرِهِ عَلى قَهْرِهِمْ وتَأْدِيبِهِمْ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ هو أنْ لا يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الدَّفْعِ، لَكِنَّهُ يَقْدِرُ عَلى التَّحَصُّنِ بِحِصْنٍ لِيَأْمَنَ مِن شَرِّهِمْ بِواسِطَتِهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ سَفاهَةَ القَوْمِ وإقْدامَهم عَلى سُوءِ الأدَبِ تَمَنّى حُصُولَ قُوَّةٍ قَوِيَّةٍ عَلى الدَّفْعِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلى نَفْسِهِ وقالَ: بَلى الأوْلى أنْ آوِيَ إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وهو الِاعْتِصامُ بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ كَلامٌ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ لا يَلْزَمُ عَطْفُ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» “ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences