Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:6–12
11:6Page 222
۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦
And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَثَبَتَ أنَّ رِزْقَ كُلِّ حَيَوانٍ إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُهِمّاتُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: الدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّبِيبِ، وبُنِيَتْ هَذِهِ
صفحة ١٤٩
اللَّفْظَةُ عَلى هاءِ التَّأْنِيثِ، وأُطْلِقَ عَلى كُلِّ حَيَوانٍ ذِي رُوحٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ عُرْفِ العَرَبِ اخْتُصَّ بِالفَرَسِ، والمُرادُ بِهَذا اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْضُوعُ الأصْلِيُّ اللُّغَوِيُّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الحَيَواناتِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أقْسامَ الحَيَواناتِ وأنْواعَها كَثِيرَةٌ، وهي الأجْناسُ الَّتِي تَكُونُ في البَرِّ والبَحْرِ والجِبالِ، واللَّهُ يُحْصِيها دُونَ غَيْرِهِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ طَبائِعِها وأعْضائِها وأحْوالِها وأغْذِيَتِها وسُمُومِها ومَساكِنِها، وما يُوافِقُها وما يُخالِفُها، فالإلَهُ المُدَبِّرُ لِأطْباقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وطَبائِعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، كَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِأحْوالِها ؟ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ إلَيْهِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأحْوالِ أهْلِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ عَلى صَخْرَةٍ فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ بِعَصاهُ عَلَيْها فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثالِثَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَها بِعَصاهُ فانْشَقَّتْ فَخَرَجَتْ مِنها دُودَةٌ كالذَّرَّةِ وفي فَمِها شَيْءٌ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ لَها، ورُفِعَ الحِجابُ عَنْ سَمْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَسَمِعَ الدُّودَةَ تَقُولُ: سُبْحانَ مَن يَرانِي، ويَسْمَعُ كَلامِي، ويَعْرِفُ مَكانِي، ويَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَعَلَّقَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعْضُ الأشْياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيصالَ الرِّزْقِ إلى الدّابَّةِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ واجِبٌ بِحَسَبِ الوَعْدِ والفَضْلِ والإحْسانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَعَلَّقَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ إيصالَ الرِّزْقِ إلى كُلِّ حَيَوانٍ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِحَسَبِ الوَعْدِ وبِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، واللَّهُ تَعالى لا يُحِلُّ بِالواجِبِ، ثُمَّ قَدْ نَرى إنْسانًا لا يَأْكُلُ مِنَ الحَلالِ طُولَ عُمُرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ اللَّهُ تَعالى ما أوْصَلَ رِزْقَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ تَعالى قَدْ أخَلَّ بِالواجِبِ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ رِزْقًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ فالمُسْتَقَرُّ هو مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ كانَ مُودَعًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ في صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مُسْتَقَرُّها: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ لَيْلًا أوْ نَهارًا، ومُسْتَوْدَعُها: مَوْضِعُها الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ، وقَدْ مَضى اسْتِقْصاءُ تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ في سُورَةِ الأنْعامِ. ثُمَّ قالَ: ﴿كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّ ذَلِكَ ثابِتٌ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] .
11:7Page 222
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالدَّلِيلِ المُتَقَدِّمِ كَوْنَهُ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ، أثْبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وفي الحَقِيقَةِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وعَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.
صفحة ١٥٠
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ. بَقِيَ هَهُنا أنْ نَذْكُرَ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى ياقُوتَةً خَضْراءَ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً يَرْتَعِدُ، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: السَّماءُ عَلى الأرْضِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ كَوْنِ أحَدِهِما مُلْتَصِقًا بِالآخَرِ، وكَيْفَ كانَتِ الواقِعَةُ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُودِ المَلائِكَةِ قَبْلَ خَلْقِهِما؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ ولا أحَدَ يَنْتَفِعُ بِالعَرْشِ والماءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُما فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَهُما لِمَنفَعَةٍ أوْ لا لِمَنفَعَةٍ. والثّانِي عَبَثٌ، فَبَقِيَ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ خَلَقَهُما لِمَنفَعَةٍ، وتِلْكَ المَنفَعَةُ إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ، وهو مُحالٌ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، أوْ إلى الغَيْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَيْرُ حَيًّا؛ لِأنَّ غَيْرَ الحَيِّ لا يَنْتَفِعُ. وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: ذَلِكَ الحَيُّ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وأمّا أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ فَقالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ: بِناؤُهُ السَّماواتِ كانَ عَلى الماءِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إذا بَنى السَّماواتِ عَلى الماءِ كانَتْ أبْدَعَ وأعْجَبَ؛ فَإنَّ البِناءَ الضَّعِيفَ إذا لَمْ يُؤَسَّسْ عَلى أرْضٍ صُلْبَةٍ لَمْ يَثْبُتْ، فَكَيْفَ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ إذا بُسِطَ عَلى الماءِ ؟ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ أنَّ عَرْشَهُ كانَ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟
والجَوابُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العَرْشَ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ كانَ عَلى الماءِ، فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إمْساكِ الثَّقِيلِ بِغَيْرِ عَمَدٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمْسَكَ الماءَ لا عَلى قَرارٍ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ أقْسامُ العالَمِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ.
والثّالِثُ: أنَّ العَرْشَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ قَدْ أمْسَكَهُ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةٍ فَوْقَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ما ذَكَرْنا.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما يُرْوى أنَّهُ «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ فَقالَ: كانَ في عَماءٍ فَوْقَهُ هَواءٌ وتَحْتَهُ هَواءٌ» .
والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ ضَعِيفَةٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الخَبَرُ المَشْهُورُ أوْلى بِالقَبُولِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ: «كانَ اللَّهُ وما كانَ مَعَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ كانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ» .
السُّؤالُ الثّالِثُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِابْتِلاءِ المُكَلَّفِ، فَكَيْفَ الحالُ فِيهِ ؟ والجَوابُ: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ هَذا العالَمَ الكَثِيرَ لِمَصْلَحَةِ المُكَلَّفِينَ، وقَدْ قالَ بِهَذا القَوْلِ طَوائِفُ مِنَ العُقَلاءِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ سِوى الوَجْهِ الَّذِي قالَ بِهِ الآخَرُونَ، وشَرْحُ تِلْكَ المَقالاتِ لا يَلِيقُ بِهَذا الكِتابِ. والَّذِينَ قالُوا: إنَّ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالمَصالِحِ قالُوا: لامُ التَّعْلِيلِ ورَدَتْ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ، ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى فَعَلَ فِعْلًا لَوْ كانَ يَفْعَلُهُ مَن تَجُوزُ عَلَيْهِ رِعايَةُ المَصالِحِ لَما فَعَلَهُ إلّا لِهَذا الغَرَضِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: الِابْتِلاءُ إنَّما يَصِحُّ عَلى الجاهِلِ بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى مُحالٌ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ مَعْنى الِابْتِلاءِ في حَقِّهِ ؟
صفحة ١٥١
والجَوابُ: أنَّ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ خَلَقَ هَذا العالَمَ لِأجْلِ ابْتِلاءِ المُكَلَّفِينَ وامْتِحانِهِمْ، فَهَذا يُوجِبُ القَطْعَ بِحُصُولِ الحَشْرِ والنَّشْرِ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ والِامْتِحانَ يُوجِبُ تَخْصِيصَ المُحْسِنِ بِالرَّحْمَةِ والثَّوابِ، وتَخْصِيصَ المُسِيءِ بِالعِقابِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ الِاعْتِرافِ بِالمَعادِ والقِيامَةِ، فَعِنْدَ هَذا خاطَبَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ومَعْناهُ أنَّهم يُنْكِرُونَ هَذا الكَلامَ ويَحْكُمُونَ بِفَسادِ القَوْلِ بِالبَعْثِ.
فَإنْ قِيلَ: الَّذِي يُمْكِنُ وصْفُهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ ما يَكُونُ فِعْلًا مَخْصُوصًا، وكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُ هَذا القَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ ؟
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ أنَّ هَذا القَوْلَ خَدِيعَةٌ مِنكم وضَعْتُمُوها لِمَنعِ النّاسِ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا، وإحْرازًا لَهم إلى الِانْقِيادِ لَكم والدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِكم.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هو أنَّ السِّحْرَ أمْرٌ باطِلٌ، قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يُونُسَ: ٨١] فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: باطِلٌ مُبِينٌ.
الثّالِثُ: أنَّ القُرْآنَ هو الحاكِمُ بِحُصُولِ البَعْثِ، وطَعَنُوا في القُرْآنِ بِكَوْنِهِ سِحْرًا لِأنَّ الطَّعْنَ في الأصْلِ يُفِيدُ الطَّعْنَ في الفَرْعِ.
الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”إنْ هَذا إلّا ساحِرٌ“ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ ﷺ، والسّاحِرُ كاذِبٌ.
11:8Page 222
وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨
And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ، وهو أنَّهُ مَتى تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِهِ أخَذُوا في الِاسْتِهْزاءِ ويَقُولُونَ: ما السَّبَبُ الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا ؟
فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ إذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ لَمْ يَنْصَرِفْ ذَلِكَ العَذابُ عَنْهم، وأحاطَ بِهِمْ ذَلِكَ العَذابُ.
بَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذا العَذابِ هو عَذابُ الدُّنْيا أوْ عَذابُ الآخِرَةِ ؟
الجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: مَعْنى حُكْمِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِنهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأخَّرَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا أخَّرَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ما الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا ؟
والثّانِي: أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِالجِهادِ وما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَأوَّلُوا
صفحة ١٥٢
قَوْلَهُ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ نَزَلَ بِهِمْ هَذا العَذابُ يَوْمَ بَدْرٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ .
الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الأُمَّةِ هُمُ النّاسُ والفِرْقَةُ، فَإذا قُلْتَ: جاءَنِي أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ، فالمُرادُ طائِفَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القَصَصِ: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] أيْ بَعْدَ انْقِضاءِ أُمَّةٍ وفَنائِها، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ: إلى حِينِ تَنْقَضِي أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ انْقَرَضَتْ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ بِالقَوْلِ، لَقالُوا: ماذا يَحْبِسُهُ عَنّا وقَدِ انْقَرَضَ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا مُتَوَعَّدِينَ بِهَذا الوَعِيدِ ؟ وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَحْصُلُ فِيهِ كَقَوْلِكَ: كُنْتُ عِنْدَ فُلانٍ صَلاةَ العَصْرِ، أيْ في ذَلِكَ الحِينِ.
الثّانِي: أنَّ اشْتِقاقَ الأُمَّةِ مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، كَأنَّهُ يَعْنِي الوَقْتَ المَقْصُودَ بِإيقاعِ هَذا المَوْعُودِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿وحاقَ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي مَعَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ؟
والجَوابُ: قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ، والضّابِطُ فِيها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أحْوالِ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ.
11:9–11Page 222
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩
And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠
But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -
إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١
Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”الإنْسانِ“ في هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ مُطْلَقُ الإنْسانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوافِقَةٌ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ١- ٣] ومُوافِقَةٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعارِجِ: ١٩ -٢١] .
الثّالِثُ: أنَّ مِزاجَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، إذا نَزَلَتْ بِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَأنْتَ كَفُورٌ، فَإذا نُزِعَتْ مِنكَ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ.
صفحة ١٥٣
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في المُفْرَدِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَوْلا المانِعُ، وهَهُنا لا مانِعَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الكافِرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
الثّانِي: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ لا تَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ يَئُوسًا، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الكافِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ كَفُورًا، وهو تَصْرِيحٌ بِالكُفْرِ. ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ وِجْدانِ الرّاحَةِ يَقُولُ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وذَلِكَ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَرِحًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَخُورًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِن صِفاتِ أهْلِ الدِّينِ. ثُمَّ قالَ النّاظِرُونَ لِهَذا القَوْلِ: وجَبَ أنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ حَتّى لا تَلْزَمْنا هَذِهِ المَحْذُوراتُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في سُرْعَةِ الزَّوالِ يُشْبِهُ أحْلامَ النّائِمِينَ وخَيالاتِ المُوَسْوَسِينَ، فَهَذِهِ الإذاقَةُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا طاقَةَ لَهُ بِتَحَمُّلِها ولا صَبْرَ لَهُ عَلى الإتْيانِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ مَعَها. وأمّا النَّعْماءُ فَقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، والضَّرّاءُ مَضَرَّةٌ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى صاحِبِها؛ لِأنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، نَحْوُ حَمْراءَ وعَوْراءَ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النِّعْمَةِ والنَّعْماءِ، والمَضَرَّةِ والضَّرّاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ باقِيَةٍ، بَلْ هي أبَدًا في التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ، إلّا أنَّ الضّابِطَ فِيهِ أنَّهُ إمّا أنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ النِّعْمَةِ إلى المِحْنَةِ، ومِنَ اللَّذّاتِ إلى الآفاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المُحَرَّماتِ إلى الطَّيِّباتِ.
أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى هَذا الإنْسانِ بِأنَّهُ يَئُوسٌ كَفُورٌ. وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَصِيرُ يَئُوسًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ أنَّ السَّبَبَ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ سَبَبٌ اتِّفاقِيٌّ، ثُمَّ إنَّهُ يَسْتَبْعِدُ حُدُوثَ ذَلِكَ الِاتِّفاقِ مَرَّةً أُخْرى، فَلا جَرَمَ يَسْتَبْعِدُ عَوْدَ تِلْكَ النِّعْمَةِ، فَيَقَعُ في اليَأْسِ. وأمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ وطَوْلِهِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ اليَأْسُ، بَلْ يَقُولُ: لَعَلَّهُ تَعالى يَرُدُّها إلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ أكْمَلَ وأحْسَنَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ. وأمّا حالَ كَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ حاصِلَةً فَإنَّهُ يَكُونُ كَفُورًا؛ لِأنَّهُ لَمّا اعْتَقَدَ أنَّ حُصُولَها إنَّما كانَ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ أوْ بِسَبَبِ أنَّ الإنْسانَ حَصَّلَها بِسَبَبِ جِدِّهِ وجُهْدِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَشْتَغِلُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ.
فالحاصِلُ أنَّ الكافِرَ يَكُونُ عِنْدَ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ يَئُوسًا، وعِنْدَ حُصُولِها يَكُونُ كَفُورًا.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المِحْنَةِ إلى النِّعْمَةِ، فَهَهُنا الكافِرُ يَكُونُ فَرِحًا فَخُورًا. أمّا قُوَّةُ الفَرَحِ فَلِأنَّ مُنْتَهى طَمَعِ الكافِرِ هو الفَوْزُ بِهَذِهِ السَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهو مُنْكِرٌ
صفحة ١٥٤
لِلسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، فَإذا وجَدَ الدُّنْيا فَكَأنَّهُ قَدْ فازَ بِغايَةِ السَّعاداتِ، فَلا جَرَمَ يَعْظُمُ فَرَحُهُ بِها، وأمّا كَوْنُهُ فَخُورًا فَلِأنَّهُ لَمّا كانَ الفَوْزُ بِسائِرِ المَطْلُوبِ نِهايَةَ السَّعادَةِ لا جَرَمَ يَفْتَخِرُ بِهِ.
فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكافِرَ عِنْدَ البَلاءِ لا يَكُونُ مِنَ الصّابِرِينَ، وعِنْدَ الفَوْزِ بِالنَّعْماءِ لا يَكُونُ مِنَ الشّاكِرِينَ.
ثُمَّ لَمّا قَرَّرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، والمُرادُ مِنهُ ضِدُّ ما تَقَدَّمَ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ البَلاءِ مِنَ الصّابِرِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ الرّاحَةِ والخَيْرِ مِنَ الشّاكِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾، فَجَمَعَ لَهم بَيْنَ هَذَيْنِ المَطْلُوبَيْنِ:
أحَدُهُما: زَوالُ العِقابِ والخَلاصُ مِنهُ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ .
والثّانِي: الفَوْزُ بِالثَّوابِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ . ومَن وقَفَ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ كَما أنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ ألْفاظِهِ فَهو أيْضًا مُعْجِزٌ بِحَسَبِ مَعانِيهِ.
11:12Page 222
فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢
Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن كَلِماتِ الكُفّارِ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ قَلْبَ الرَّسُولِ ضاقَ بِسَبَبِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قَوّاهُ وأيَّدَهُ بِالإكْرامِ والتَّأْيِيدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ «رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا إنْ كُنْتَ رَسُولًا. وقالَ آخَرُونَ: ائْتِنا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ. فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «قالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”ائْتِنا بِكِتابٍ لَيْسَ فِيهِ شَتْمُ آلِهَتِنا حَتّى نَتَّبِعَكَ ونُؤْمِنَ بِكَ» “ . وقالَ الحَسَنُ: اطْلُبُوا مِنهُ لا يَقُولُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥] وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ نِسْبَتُهم إلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ والإصْرارِ عَلى الباطِلِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَخُونَ في الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وأنْ يَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَهُ يُؤَدِّي إلى الشَّكِّ في كُلِّ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في النُّبُوَّةِ، وأيْضًا فالمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ تَبْلِيغُ تَكالِيفِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ، فَإذا لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الفائِدَةُ فَقَدْ خَرَجَتِ الرِّسالَةُ عَنْ أنْ تُفِيدَ فائِدَتَها المَطْلُوبَةَ مِنها، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ شَيْئًا آخَرَ سِوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ. ولِلنّاسِ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَتْرُكُ التَّقْصِيرَ في أداءِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ لِسَبَبٍ يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى أمْثالَ هَذِهِ التَّهَيُّئاتِ البَلِيغَةِ.
الثّانِي: أنَّهم كانُوا لا يَعْتَقِدُونَ بِالقُرْآنِ ويَتَهاوَنُونَ بِهِ، فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما لا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ مِنهُ، فَهَيَّجَهُ اللَّهُ تَعالى لِأداءِ الرِّسالَةِ وطَرْحِ المُبالاةِ بِكَلِماتِهِمُ الفاسِدَةِ وتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى اسْتِهْزائِهِمْ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ أدّى ذَلِكَ الوَحْيَ وقَعَ في سُخْرِيَّتِهِمْ وسَفاهَتِهِمْ
صفحة ١٥٥
وإنْ لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ الوَحْيَ إلَيْهِمْ وقَعَ في تَرْكِ وحْيِ اللَّهِ تَعالى وفي إيقاعِ الخِيانَةِ فِيهِ، فَإذًا لا بُدَّ مِن تَحَمُّلِ أحَدِ الضَّرَرَيْنِ. وتَحَمُّلُ سَفاهَتِهِمْ أسْهَلُ مِن تَحَمُّلِ إيقاعِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ التَّنْبِيهُ عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ الفِعْلِ والتَّرْكِ يَشْتَمِلُ عَلى ضَرَرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ أنَّ الضَّرَرَ في جانِبِ التَّرْكِ أعْظَمُ وأقْوى سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الفِعْلُ وخَفَّ، فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ ما ذَكَرْناهُ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ كَلِمَةُ شَكٍّ فَما الفائِدَةُ فِيها ؟
قُلْنا: المُرادُ مِنهُ الزَّجْرُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا أرادُوا إبْعادَهُ عَنْ أمْرٍ: لَعَلَّكَ تَقْدِرُ أنْ تَفْعَلَ كَذا مَعَ أنَّهُ لا شَكَّ فِيهِ، ويَقُولُ لِوَلَدِهِ لَوْ أمَرَهُ: لَعَلَّكَ تُقَصِّرُ فِيما أمَرْتُكَ بِهِ، ويُرِيدُ تَوْكِيدَ الأمْرِ فَمَعْناهُ لا تَتْرُكْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ فالضّائِقُ بِمَعْنى الضَّيِّقِ، قالَ الواحِدِيُّ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الضّائِقَ يَكُونُ بِضِيقٍ عارِضٍ غَيْرِ لازِمٍ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أفْسَحَ النّاسِ صَدْرًا، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: زَيْدٌ سَيِّدٌ جَوادٌ تُرِيدُ السِّيادَةَ والجُودَ الثّابِتَيْنِ المُسْتَقِرَّيْنِ، فَإذا أرَدْتَ الحُدُوثَ قُلْتَ: سائِدٌ وجائِدٌ، والمَعْنى: ضائِقٌ صَدْرُكَ لِأجْلِ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: الكَنْزُ كَيْفَ يَنْزِلُ ؟
قُلْنا: المُرادُ ما يُكْنَزُ، وجَرَتِ العادَةُ عَلى أنَّهُ يُسَمّى المالُ الكَثِيرُ بِهَذا الِاسْمِ، فَكَأنَّ القَوْمَ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا في أنَّكَ رَسُولُ الإلَهِ الَّذِي تَصِفُهُ بِالقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّكَ عَزِيزٌ عِنْدَهُ، فَهَلّا أنْزَلَ عَلَيْكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ وتُغْنِي أحْبابَكَ مِنَ الكَدِّ والعَناءِ وتَسْتَعِينُ بِهِ عَلى مُهِمّاتِكَ وتُعِينُ أنْصارَكَ، وإنْ كُنْتَ صادِقًا فَهَلّا أنْزَلَ اللَّهُ مَعَكَ مَلَكًا يَشْهَدُ لَكَ عَلى صِدْقِ قَوْلِكَ ويُعِينُكَ عَلى تَحْصِيلِ مَقْصُودِكَ، فَتَزُولَ الشُّبْهَةُ في أمْرِكَ، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ إلَهُكَ ذَلِكَ فَأنْتَ غَيْرُ صادِقٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ رَسُولٌ مُنْذِرٌ بِالعِقابِ ومُبَشِّرٌ بِالثَّوابِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى إيجادِ هَذِهِ الأشْياءِ. والَّذِي أرْسَلَهُ هو القادِرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ وفي حُكْمِهِ.
ومَعْنى ﴿وكِيلٌ﴾ حَفِيظٌ أيْ: يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم، أيْ: يُجازِيهِمْ بِها. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences