Ar-RaziHud · 11:87–95

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:87–95

11:87Page 231

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧

They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1

صفحة ٣٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ”أصَلاتُكَ“ بِغَيْرِ واوٍ. والباقُونَ ”أصَلَواتُكَ“ عَلى الجَمْعِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَهم بِشَيْئَيْنِ، بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ البَخْسِ، فالقَوْمُ أنْكَرُوا عَلَيْهِ أمْرَهُ بِهَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الطّاعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمَرَهم بِالتَّوْحِيدِ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمَرَهم بِتَرْكِ البَخْسِ.

أمّا الأوَّلُ: فَقَدْ أشارُوا فِيهِ إلى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا مِنهُ أنْ يَأْمُرَهم بِتَرْكِ عِبادَةِ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُهم، يَعْنِي الطَّرِيقَةَ الَّتِي أخَذْناها مِن آبائِنا وأسْلافِنا كَيْفَ نَتْرُكُها، وذَلِكَ تَمَسُّكٌ بِمَحْضِ التَّقْلِيدِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في لَفْظِ الصَّلاةِ وهَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الدِّينُ والإيمانُ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أظْهَرُ شِعارِ الدِّينِ، فَجَعَلُوا ذِكْرَ الصَّلاةِ كِنايَةً عَنِ الدِّينِ، أوْ نَقُولُ: الصَّلاةُ أصْلُها مِنَ الِاتِّباعِ، ومِنهُ أُخِذَ المُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَتْلُو السّابِقَ؛ لِأنَّ رَأْسَهُ يَكُونُ عَلى صِلْوَيِ السّابِقِ، وهُما ناحِيَتا الفَخِذَيْنِ، والمُرادُ: دِينُكَ يَأْمُرُكَ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ هَذِهِ الأعْمالُ المَخْصُوصَةُ، رُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ قَوْمُهُ إذا رَأوْهُ يُصَلِّي تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا، فَقَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ: ”أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ“ السُّخْرِيَةَ والهَزْءَ، وكَما أنَّكَ إذا رَأيْتَ مَعْتُوهًا يُطالِعُ كُتُبًا ثُمَّ يَذْكُرُ كَلامًا فاسِدًا فَيُقالُ لَهُ: هَذا مِن مُطالَعَةِ تِلْكَ الكُتُبِ - عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ والسُّخْرِيَةِ، فَكَذا هَهُنا.

فَإنْ قِيلَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وهم إنَّما ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ كَوْنَهم فاعِلِينَ في أمْوالِهِمْ ما يَشاءُونَ، فَكَيْفَ وجْهُ التَّأْوِيلِ ؟

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وأنْ نَتْرُكَ فِعْلَ ما نَشاءُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ .

والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ آمِرَةً وناهِيَةً، والتَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وتَنْهاكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ“ بِتاءِ الخِطابِ فِيهِما، وهو ما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ مِن تَرْكِ التَّطْفِيفِ، والبَخْسِ، والِاقْتِناعِ بِالحَلالِ القَلِيلِ، وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الحَرامِ الكَثِيرِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، إلّا أنَّهم عَكَسُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ الخَسِيسِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّكَ مَوْصُوفٌ عِنْدَ نَفْسِكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَشْهُورًا عِنْدَهم بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلَمّا أمَرَهم بِمُفارَقَةِ طَرِيقَتِهِمْ قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ المَعْرُوفُ الطَّرِيقَةَ في هَذا البابِ، فَكَيْفَ تَنْهانا عَنْ دِينٍ ألْفَيْناهُ مِن آبائِنا وأسْلافِنا، والمَقْصُودُ اسْتِبْعادُ مِثْلِ هَذا العَمَلِ مِمَّنْ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ والرُّشْدِ، وهَذا الوَجْهُ أصْوَبُ الوُجُوهِ.

11:88–90Page 231

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2

وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.

وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرَهُ في الجَوابِ عَنْ كَلِماتِهِمْ، فالأوَّلُ قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والهِدايَةِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارَةٌ إلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ المالِ الحَلالِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَثِيرَ المالِ.

واعْلَمْ أنَّ جَوابَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتانِي جَمِيعَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ وهي البَيِّنَةُ، والسَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةَ وهي المالُ والرِّزْقُ الحَسَنُ - فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ أنْ أخُونَ في وحْيِهِ، وأنْ أُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ؟ وهَذا الجَوابُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ مَعَ حِلْمِكَ ورُشْدِكَ أنْ تَنْهانا عَنْ دِينِ آبائِنا ؟ فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُ عَلى هَذا العَمَلِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عِنْدِي كَثِيرَةٌ، وهو أمَرَنِي بِهَذا التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِي مَعَ كَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيَّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ ؟ .

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ عِنْدِي أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والِاشْتِغالَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ عَمَلٌ مُنْكَرٌ، ثُمَّ أنا رَجُلٌ أُرِيدُ إصْلاحَ أحْوالِكم، ولا أحْتاجُ إلى أمْوالِكم؛ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي رِزْقًا حَسَنًا، فَهَلْ يَسَعُنِي مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنْ أخُونَ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ ؟

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ ما حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ المُعْجِزَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ المُرادُ أنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا ولا جُعْلًا، وهو الَّذِي ذَكَرَهُ سائِرُ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٠٩ ] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ إنَّما حَصَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وبِإعانَتِهِ، وأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْكَسْبِ فِيهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإعْزازَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والإذْلالَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأنا لا أُبالِي بِمُخالَفَتِكم، ولا أفْرَحُ بِمُوافَقَتِكم، وإنَّما أكُونُ عَلى تَقْرِيرِ دِينِ اللَّهِ تَعالى

صفحة ٣٨

وإيضاحِ شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الأجْوِبَةِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَقَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا، إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ، فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ يَعْنِي أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لِأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَهَذا بَيانُ اللُّغَةِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ القَوْمَ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ العَقْلِ، وكَمالُ العَقْلِ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلى اخْتِيارِ الطَّرِيقِ الأصْوَبِ الأصْلَحِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: لَمّا اعْتَرَفْتُمْ بِكَمالِ عَقْلِي فاعْلَمُوا أنَّ الَّذِي اخْتارَهُ عَقْلِي لِنَفْسِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أصْوَبَ الطُّرُقِ وأصْلَحَها، والدَّعْوَةُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكُ البَخْسِ والنُّقْصانِ يَرْجِعُ حاصِلُهُما إلى جُزْأيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وأنا مُواظِبٌ عَلَيْهِما غَيْرُ تارِكٍ لَهُما في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ ألْبَتَّةَ، فَلَمّا اعْتَرَفْتُمْ لِي بِالحِلْمِ والرُّشْدِ وتَرَوْنَ أنِّي لا أتْرُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، فاعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ خَيْرُ الطُّرُقِ، وأشْرَفُ الأدْيانِ والشَّرائِعِ.

وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ والمَعْنى ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَكم بِمَوْعِظَتِي ونَصِيحَتِي، وقَوْلُهُ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ظَرْفٌ، والتَّقْدِيرُ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُو فِيهِ جُهْدًا.

والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الإصْلاحِ، أيِ المِقْدارُ الَّذِي اسْتَطَعْتُ مِنهُ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ.

واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ أقَرُّوا بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، وإنَّما أقَرُّوا لَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ مَشْهُورًا فِيما بَيْنَ الخَلْقِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَكَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم: إنَّكم تَعْرِفُونَ مِن حالِي أنِّي لا أسْعى إلّا في الإصْلاحِ وإزالَةِ الفَسادِ والخُصُومَةِ، فَلَمّا أمَرْتُكم بِالتَّوْحِيدِ وتَرْكِ إيذاءِ النّاسِ، فاعْلَمُوا أنَّهُ دِينُ حَقٍّ، وأنَّهُ لَيْسَ غَرَضِي مِنهُ إيقاعَ الخُصُومَةِ وإثارَةَ الفِتْنَةِ، فَإنَّكم تَعْرِفُونَ أنِّي أبْغَضُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، ولا أدُورُ إلّا عَلى ما يُوجِبُ الصُّلْحَ والصَّلاحَ بِقَدْرِ طاقَتِي، وذَلِكَ هو الإبْلاغُ والإنْذارُ، وأمّا الإجْبارُ عَلى الطّاعَةِ فَلا أقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وبَيَّنَ بِهَذا أنَّ تَوَكُّلَهُ واعْتِمادَهُ في تَنْفِيذِ كُلِّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ إشارَةٌ إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَوَكَّلْتُ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهو أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلى أحَدٍ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَيْفَ وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فانٍ بِذاتِهِ، ولا يَحْصُلُ إلّا بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّوَكُّلُ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وأعْظَمُ مَراتِبِ مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَعادِ، وهو أيْضًا يُفِيدُ الحَصْرَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَرْجِعَ لِلْخَلْقِ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ”«ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» “؛ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ في كَلامِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ.

وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ:

صفحة ٣٩

﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَرَمَ مِثْلُ كَسَبَ في تَعْدِيَتِهِ تارَةً إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وأُخْرى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: جَرَمَ ذَنْبًا وكَسَبَهُ، وجَرَّمَهُ ذَنْبًا وكَسَّبَهُ إيّاهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أيْ لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي إصابَةَ العَذابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”يُجَرِّمَنَّكم“ - بِضَمِّ الياءِ - مَن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا، إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ، أيْ كاسِبًا لَهُ، وهو مَنقُولٌ مِن ”جَرَمَ“ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وعَلى هَذا فَلا فَرْقَ بَيْنَ جَرَمْتُهُ ذَنْبًا، وأجْرَمْتُهُ إيّاهُ، والقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ في المَعْنى، لا تَفاوُتَ بَيْنِهِما، إلّا أنَّ المَشْهُورَةَ أفْصَحُ لَفْظًا، كَما أنَّ كَسَّبَهُ مالًا أفْصَحُ مَن أكْسَبَهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ لا تُكْسِبَنَّكم مُعاداتُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، مِثْلَ ما حَصَلَ لِقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الغَرَقِ، ولِقَوْمِ هُودٍ مِنَ الرِّيحِ العَقِيمِ، ولِقَوْمِ صالِحٍ مِنَ الرَّجْفَةِ، ولِقَوْمِ لُوطٍ مِنَ الخَسْفِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في المَكانِ؛ لِأنَّ بِلادَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَرِيبَةٌ مِن مَدْيَنَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ نَفْيُ البُعْدِ في الزَّمانِ؛ لِأنَّ إهْلاكَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْرَبُ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفَها النّاسُ في زَمانِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإنَّ القُرْبَ في المَكانِ وفي الزَّمانِ يُفِيدُ زِيادَةَ المَعْرِفَةِ وكَمالَ الوُقُوفِ عَلى الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ، واحْذَرُوا مِن مُخالَفَةِ اللَّهِ تَعالى ومُنازَعَتِهِ حَتّى لا يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ ذَلِكَ العَذابِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ بِبَعِيدِينَ ؟

أجابَ عَنْهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ما إهْلاكُهم شَيْءٌ بَعِيدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ؛ لِوُرُودِها عَلى زِنَةِ المَصادِرِ الَّتِي هي الصَّهِيلُ والنَّهِيقُ ونَحْوُهُما.

وأمّا الوَجْهُ الخامِسُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ عَنِ البَخْسِ والنُّقْصانِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ بِأوْلِيائِهِ ﴿ودُودٌ﴾ . قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: الوَدُودُ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى: المُحِبُّ لِعِبادِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: ودِدْتُ الرَّجُلَ أوَدُّهُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ ”شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى“: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَ”رُكُوبٍ“ و”حَلُوبٍ“، ومَعْناهُ أنَّ عِبادَهُ الصّالِحِينَ يَوَدُّونَهُ ويُحِبُّونَهُ لِكَثْرَةِ إفْضالِهِ وإحْسانِهِ عَلى الخَلْقِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي راعاهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذِكْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ الخَمْسَةِ تَرْتِيبٌ لَطِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ ظُهُورَ البَيِّنَةِ لَهُ وكَثْرَةَ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في الظّاهِرِ والباطِنِ يَمْنَعُهُ عَنِ الخِيانَةِ في وحْيِ اللَّهِ تَعالى، ويَصُدُّهُ عَنِ التَّهاوُنِ في تَكالِيفِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَمَلِ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، ولَوْ كانَتْ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ هو بِها مَعَ اعْتِرافِكم بِكَوْنِهِ حَلِيمًا رَشِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ صِحَّتَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِتَحْصِيلِ مُوجِباتِ الصَّلاحِ وإخْفاءِ مُوجِباتِ الفِتَنِ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ باطِلَةً لَما اشْتَغَلَ بِها، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ صِحَّةَ طَرِيقَتِهِ أشارَ إلى نَفْيِ المُعارِضِ وقالَ: لا يَنْبَغِي أنْ تَحْمِلَكم عَداوَتِي عَلى مَذْهَبٍ ودِينٍ تَقَعُونَ بِسَبَبِهِ في العَذابِ الشَّدِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما وقَعَ فِيهِ أقْوامُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا صَحَّحَ مَذْهَبَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الدَّلائِلِ عادَ إلى تَقْرِيرِ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا، وهو التَّوْحِيدُ والمَنعُ مِنَ البَخْسِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ مِنهم لا يَنْبَغِي أنْ يَمْنَعَهم مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ ودُودٌ، يَقْبَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ مِنَ الكافِرِ والفاسِقِ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ وحُبَّهُ لَهم يُوجِبُ ذَلِكَ، وهَذا التَّقْرِيرُ في غايَةِ الكَمالِ.

11:91Page 232

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١

They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بالَغَ في التَّقْرِيرِ والبَيانِ، أجابُوهُ بِكَلِماتٍ فاسِدَةٍ. فالأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُخاطِبُهم بِلِسانِهِمْ، فَلِمَ قالُوا: ﴿ما نَفْقَهُ﴾ ؟ والعُلَماءُ ذَكَرُوا عَنْهُ أنْواعًا مِنَ الجَواباتِ:

فالأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: ما نَفْهَمُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أفْهامَهم لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ عَنْ كَلامِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٥ ] .

الثّانِي: أنَّهم فَهِمُوهُ بِقُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم ما أقامُوا لَهُ وزْنًا، فَذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذْ لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ الَّتِي ذَكَرَها ما أقْنَعَتْهم في صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ، وما يَجِبُ مِن تَرْكِ الظُّلْمِ والسَّرِقَةِ، فَقَوْلُهم: ﴿ما نَفْقَهُ﴾ أيْ لَمْ نَعْرِفْ صِحَّةَ الدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرْتُها عَلى صِحَّةِ هَذِهِ المَطالِبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الفِقْهُ اسْمٌ لِعِلْمٍ مَخْصُوصٍ، وهو مَعْرِفَةُ غَرَضِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ فَأضافَ الفِقْهَ إلى القَوْلِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِن عُلُومِ الدِّينِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الفَهْمِ، يُقالُ: أُوتِيَ فُلانٌ فِقْهًا في الدِّينِ، أيْ فَهْمًا، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» “ أيْ يُفَهِّمْهُ تَأْوِيلَهُ.

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ الضَّعِيفُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَنعُ القَوْمِ عَنْ نَفْسِهِ.

والثّانِي: أنَّ الضَّعِيفَ هو الأعْمى بِلُغَةِ حِمْيَرَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ؛ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِينا﴾ يُبْطِلُ هَذا الوَجْهَ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: إنّا لَنَراكَ أعْمى فِينا كانَ فاسِدًا؛ لِأنَّ الأعْمى أعْمى فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ فَنَفَوْا عَنْهُ القُوَّةَ الَّتِي أثْبَتُوها في رَهْطِهِ، ولَمّا كانَ المُرادُ بِالقُوَّةِ الَّتِي أثْبَتُوها لِلرَّهْطِ هي النُّصْرَةَ، وجَبَ أنْ تَكُونَ القُوَّةُ الَّتِي نَفَوْها عَنْهُ هي النُّصْرَةَ، والَّذِينَ حَمَلُوا اللَّفْظَ عَلى ضَعْفِ البَصَرِ لَعَلَّهم إنَّما حَمَلُوهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلضَّعْفِ.

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يُجَوِّزُونَ العَمى عَلى الأنْبِياءِ، إلّا أنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ في إثْباتِ هَذا المَعْنى؛ لِما بَيَّنّاهُ.

وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعَبِّدًا، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنِ النَّجاساتِ، ولِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَوازِ كَوْنِهِ حاكِمًا وشاهِدًا، فَلِأنْ يَمْنَعَ مِنَ النُّبُوَّةِ كانَ أوْلى، والكَلامُ فِيهِ لا يَلِيقُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذا المَعْنى.

والنَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٤١

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الرَّهْطُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشْرَةِ، وقِيلَ إلى السَّبْعَةِ، وقَدْ كانَ رَهْطُهُ عَلى مِلَّتِهِمْ. قالُوا: لَوْلا حُرْمَةُ رَهْطِكَ عِنْدَنا بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ عَلى مِلَّتِنا لَرَجَمْناكَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهم بَيَّنُوا أنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ عِنْدَهم، ولا وقْعَ لَهُ في صُدُورِهِمْ، وأنَّهم إنَّما لَمْ يَقْتُلُوهُ لِأجْلِ احْتِرامِهِمْ رَهْطَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّجْمُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الرَّمْيِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالحِجارَةِ عِنْدَ قَصْدِ القَتْلِ، ولَمّا كانَ هَذا الرَّجْمُ سَبَبًا لِلْقَتْلِ لا جَرَمَ سَمَّوُا القَتْلَ رَجْمًا، وقَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ الَّذِي هو القَذْفُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ [الكَهْفِ: ٢٢ ]، وقَوْلِهِ: ﴿ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سَبَأٍ: ٥٣ ] وقَدْ يَكُونُ بِالشَّتْمِ واللَّعْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِالطَّرْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [المُلْكِ: ٥ ] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ لَقَتَلْناكَ.

الثّانِي: لَشَتَمْناكَ وطَرَدْناكَ.

النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرُوها: قَوْلُهم: ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ومَعْناهُ أنَّكَ لَمّا لَمْ تَكُنْ عَلَيْنا عَزِيزًا، سَهُلَ عَلَيْنا الإقْدامُ عَلى قَتْلِكَ وإيذائِكَ.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها لَيْسَتْ دافِعًا لِما قَرَّرَهُ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، بَلْ هي جارِيَةٌ مَجْرى مُقابَلَةِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ بِالشَّتْمِ والسَّفاهَةِ.

11:92–93Page 232

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢

He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allāh? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.

وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣

And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا خَوَّفُوا شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَتْلِ والإيذاءِ، حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما ذَكَرَهُ في هَذا المَقامِ، وهو نَوْعانِ مِنَ الكَلامِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والمَعْنى: أنَّ القَوْمَ زَعَمُوا أنَّهم تَرَكُوا إيذاءَهُ رِعايَةً لِجانِبِ قَوْمِهِ، فَقالَ: أنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَتْرُكُونَ قَتْلِي إكْرامًا لِرَهْطِي، واللَّهُ تَعالى أوْلى أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: حِفْظُكم إيّايَ رِعايَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن حِفْظِكم إيّايَ رِعايَةً لِحَقِّ رَهْطِي.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ فالمَعْنى: أنَّكم نَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: والظِّهْرِيُّ مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ، والكَسْرُ مِن تَغَيُّراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النِّسْبَةِ إلى الأمْسِ إمْسِيٌّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يَعْنِي أنَّهُ عالِمٌ بِأحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.

صفحة ٤٢

والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ والمَكانَةُ: الحالَةُ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن عَمَلِهِ، والمَعْنى اعْمَلُوا حالَ كَوْنِكم مَوْصُوفِينَ بِغايَةِ المُكْنَةِ والقُدْرَةِ، وكُلُّ ما في وُسْعِكم وطاقَتِكم مِن إيصالِ الشُّرُورِ إلَيَّ فَإنِّي أيْضًا عامِلٌ بِقَدْرِ ما آتانِي اللَّهُ تَعالى مِنَ القُدْرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ " فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ .

والجَوابُ: إدْخالُ الفاءِ وصْلُ ظاهِرٍ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، وأمّا بِحَذْفِ الفاءِ فَإنَّهُ يَجْعَلُهُ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَظَهَرَ أنَّ حَذْفَ حَرْفِ الفاءِ هَهُنا أكْمَلُ في بابِ الفَظاعَةِ والتَّهْوِيلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ والمَعْنى: فانْتَظِرُوا العاقِبَةَ إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ، أيْ مُنْتَظِرٌ، والرَّقِيبُ بِمَعْنى الرّاقِبِ، مِن رَقَبَهُ، كالضَّرِيبِ والصَّرِيمِ بِمَعْنى الضّارِبِ والصّارِمِ، أوْ بِمَعْنى المُراقِبِ كالعَشِيرِ والنَّدِيمِ، أوْ بِمَعْنى المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ.

11:94–95Page 232

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤

And when Our command came, We saved Shuʿayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥

As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ .

رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ تَعالى أُمَّتَيْنِ بِعَذابٍ واحِدٍ إلّا قَوْمَ شُعَيْبٍ وقَوْمَ صالِحٍ، فَأمّا قَوْمُ صالِحٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِن تَحْتِهِمْ، وقَوْمُ شُعَيْبٍ أخَذَتْهم مِن فَوْقِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: ولَمّا جاءَ وقْتُ أمْرِنا مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ العِقابَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ نَجّى شُعَيْبًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ مِنهُ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَّصَهُ مِن ذَلِكَ العَذابِ لِمَحْضِ رَحْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ فَلَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ: الإيمانَ والطّاعَةَ وسائِرَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهي أيْضًا ما حَصَلَتْ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ الصَّيْحَةَ بِالألِفِ واللّامِ إشارَةً إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، وهي صَيْحَةُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ والجاثِمُ المُلازِمُ لِمَكانِهِ الَّذِي لا يَتَحَوَّلُ عَنْهُ، يَعْنِي أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صاحَ بِهِمْ تِلْكَ الصَّيْحَةَ زَهَقَ رُوحُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِحَيْثُ يَقَعُ في مَكانِهِ مَيِّتًا ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أحْياءً مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وإنَّما قاسَ حالَهم عَلى ثَمُودَ لِما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى عَذَّبَهم مِثْلَ عَذابِ ثَمُودَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском