Ar-RaziYusuf · 12:106–111

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:106–111

12:106–107Page 248

وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦

And most of them believe not in Allāh except while they associate others with Him.

أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٠٧

Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allāh or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ ما كُنْتَ عِنْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ أيْ عَزَمُوا عَلى أمْرِهِمْ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا اللَّفْظِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ أيْ بِيُوسُفَ، واعْلَمْ أنَّ المَقْصِدَ مِن هَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا.

بَيانُ أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- ما طالَعَ الكُتُبَ، ولَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ وما كانَتِ البَلْدَةُ بَلْدَةَ العُلَماءِ، فَإتْيانُهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ عَلى وجْهٍ لَمْ يَقَعْ فِيهِ تَحْرِيفٌ ولا غَلَطٌ مِن غَيْرِ مُطالَعَةٍ ولا تَعَلُّمٍ، ومِن غَيْرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ حاضِرًا مَعَهم لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُعْجِزًا وكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزًا وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ في هَذا الكِتابِ مِرارًا ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ وما كُنْتَ هُناكَ، ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- ما كانَ مَعَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

صفحة ١٧٨

اعْلَمْ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ وجَماعَةً مِنَ اليَهُودِ طَلَبُوا هَذِهِ القِصَّةَ مِن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، واعْتَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ إذا ذَكَرَها فَرُبَّما آمَنُوا، فَلَمّا ذَكَرَها أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ (القَصَصِ: ٥٦) قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، لَأنَّ جَوابَ (لَوْ) لا يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَيْها، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: قُمْتُ لَوْ قُمْتَ.

وقالَ الفَرّاءُ في ”المَصادِرِ“: يُقالُ: حَرَصَ يَحْرِصُ حِرْصًا، ولُغَةٌ أُخْرى شاذَّةٌ: حَرَصَ يَحْرِصُ حَرِيصًا. ومَعْنى الحِرْصُ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ مِنَ الِاجْتِهادِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ مَعْناهُ ظاهِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ هو تَذْكِرَةٌ لَهم في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والقَصَصِ والتَّكالِيفِ والعِباداتِ، ومَعْناهُ: أنَّ هَذا القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى هَذِهِ المَنافِعِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ لا تَطْلُبُ مِنهم مالًا ولا جُعْلًا، فَلَوْ كانُوا عُقَلاءَ لَقَبِلُوا ولَمْ يَتَمَرَّدُوا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ لا عَجَبَ إذا لَمْ يَتَأمَّلُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِكَ، فَإنَّ العالَمَ مَمْلُوءٌ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها ولا يَلْتَفِتُونَ إلَيْها.

واعْلَمْ أنَّ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مِن أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي إمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ، وإمّا الأجْرامُ العُنْصُرِيَّةُ، أمّا الأجْرامُ الفَلَكِيَّةُ: فَهي قِسْمانِ: إمّا الأفْلاكُ وإمّا الكَواكِبُ، أمّا الأفْلاكُ: فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَقادِيرِها المُعَيَّنَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِكَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ البَعْضِ أوْ تَحْتَهُ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِ حَرَكاتِها، إمّا بِسَبَبِ أنَّ حَرَكاتِها مَسْبُوقَةٌ بِالعَدَمِ فَلا بُدَّ مِن مُحَرِّكٍ قادِرٍ، وإمّا بِسَبَبِ كَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها في سُرْعَتِها وبُطْئِها، وإمّا بِسَبَبِ اخْتِلافِ جِهاتِ تِلْكَ الحَرَكاتِ.

وأمّا الأجْرامُ الكَوْكَبِيَّةُ فَتارَةً يُسْتَدَلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمَقادِيرِها وأحْيازِها وحَرَكاتِها، وتارَةً بِألْوانِها وأضْوائِها، وتارَةً بِتَأْثِيراتِها في حُصُولِ الأضْواءِ والأظْلالِ والظُّلُماتِ والنُّورِ.

وأمّا الدَّلائِلُ المَأْخُوذَةُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ: فَإمّا أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِن بِسائِطَ، وهي عَجائِبُ البَرِّ والبَحْرِ، وإمّا مِنَ المَوالِيدِ وهي أقْسامٌ:

أحَدُها: الآثارُ العُلْوِيَّةُ كالرَّعْدِ والبَرْقِ والسَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والهَواءِ وقَوْسِ قُزَحَ.

وثانِيها: المَعادِنُ عَلى اخْتِلافِ طَبائِعِها وصِفاتِها وكَيْفِيّاتِها.

وثالِثُها: النَّباتُ وخاصِّيَّةُ الخَشَبِ والوَرَقِ والثَّمَرِ واخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِطَبْعٍ خاصٍّ وطَعْمٍ خاصٍّ وخاصِّيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ.

ورابِعُها: اخْتِلافُ أحْوالِ الحَيَواناتِ في أشْكالِها وطَبائِعِها وأصْواتِها وخِلْقَتِها.

وخامِسُها: تَشْرِيحُ أبْدانِ النّاسِ وتَشْرِيحُ القُوى الإنْسانِيَّةِ، وبَيانُ المَنفَعَةِ الحاصِلَةِ فِيها، فَهَذِهِ مَجامِعُ الدَّلائِلِ.

ومِن هَذا البابِ أيْضًا قَصَصُ الأوَّلِينَ وحِكاياتُ الأقْدَمِينَ وأنَّ المُلُوكَ الَّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلى الأرْضِ وخَرَّبُوا البِلادَ وقَهَرُوا العِبادَ ماتُوا ولَمْ يَبْقَ مِنهم في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، ثُمَّ بَقِيَ الوِزْرُ والعِقابُ عَلَيْهِمْ، هَذا ضَبْطُ أنْواعِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، والكِتابُ المُحْتَوِي عَلى شَرْحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ هو شَرْحُ جُمْلَةِ العالَمِ الأعْلى والعالَمِ الأسْفَلِ، والعَقْلُ البَشَرِيُّ لا يَفِي بِالإحاطَةِ بِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (والأرْضُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ خَبَرُهُ، وقَرَأ السُّدِّيُّ (والأرْضَ) بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُفَسَّرَ قَوْلُهُ: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ بِقَوْلِنا: يَطُوفُونَها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (والأرْضُ يَمْشُونَ عَلَيْها) بِرَفْعِ الأرْضِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ فالمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:

صفحة ١٧٩

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥) إلّا أنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شَرِيكًا في المَعْبُودِيَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُمُ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَلْبِيَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.

وعَنْهُ أيْضًا أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: اللَّهُ رَبُّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ المَلائِكَةُ بَناتُهُ، فَلَمْ يُوَحِّدُوا، بَلْ أشْرَكُوا، وقالَ عَبَدَةُ الأصْنامِ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، والأصْنامُ شُفَعاؤُنا عِنْدَهُ، وقالَتِ اليَهُودُ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

وقالَ عَبَدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ، وهَؤُلاءِ أرْبابُنا، وقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: رَبُّنا اللَّهُ وحْدَهُ ولا شَرِيكَ مَعَهُ.

واحْتَجَّتِ الكَرامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ فَقَطْ، لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهم مُشْرِكُونَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ، وجَوابُهُ مَعْلُومٌ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَنْبَسِطُ عَلَيْهِمْ وتَغْمُرُهم ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً.

و(بَغْتَةً) نُصِبَ عَلى الحالِ، يُقالُ: بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً إذا فاجَأهم مِن حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعُوا، وقَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ .

12:108Page 248

قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨

Say, "This is my way; I invite to Allāh with insight, I and those who follow me. And exalted is Allāh; and I am not of those who associate others with Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم: هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها، والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي وسُنَّتِي ومِنهاجِي، وسُمِّيَ الدِّينُ سَبِيلًا لِأنَّهُ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (النَّحْلِ: ١٢٥) .

واعْلَمْ أنَّ السَّبِيلَ في أصْلِ اللُّغَةِ الطَّرِيقُ، وشَبَّهُوا المُعْتَقَداتِ بِها لَمّا أنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْها إلى الجَنَّةِ. ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ وحُجَّةٍ وبُرْهانٍ، أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي إلى سِيرَتِي وطَرِيقَتِي وسِيرَةِ أتْباعِي الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ذَكَرَ الحُجَّةَ وأجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ؛ فَقَدْ دَعا بِمِقْدارِ وُسْعِهِ إلى اللَّهِ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ تَعالى إنَّما يَحْسُنُ ويَجُوزُ مَعَ هَذا الشَّرْطِ وهو أنْ يَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِمّا يَقُولُ وعَلى هُدًى ويَقِينٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو مَحْضُ الغُرُورِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العُلَماءُ أُمَناءُ الرُّسُلِ عَلى عِبادِ اللَّهِ مِن حَيْثُ يَحْفَظُونَ لِما تَدْعُونَهم إلَيْهِ» وقِيلَ أيْضًا: يَجُوزُ أنْ يَنْقَطِعَ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ وقالَ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ: هَذِهِ سَبِيلِي، وقُلْ: سُبْحانَ اللَّهِ؛ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ، وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ ضِدًّا ونِدًّا وكُفُؤًا ووَلَدًا.

وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ حِرْفَةَ الكَلامِ وعِلْمَ الأُصُولِ حِرْفَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ ما بَعَثَهم إلى الخَلْقِ إلّا لِأجْلِها.

12:109Page 248

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠٩

And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they1 not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh; then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (نُوحِي) بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورِوايَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: (تَعْقِلُونَ) بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ: بِالياءِ عَلى الغائِبِ.

واعْلَمْ أنَّ مِن جُمْلَةِ شُبَهِ مُنْكِرِي نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ إرْسالَ رَسُولٍ لَبَعَثَ مَلَكًا، فَقالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾، فَلَمّا كانَ الكُلُّ هَكَذا فَكَيْفَ تَعَجَّبُوا في حَقِّكَ يا مُحَمَّدُ ؟ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ ما بَعَثَ رَسُولًا إلى الحَقِّ مِنَ النِّسْوانِ، وأيْضًا لَمْ يَبْعَثْ رَسُولًا مِن أهْلِ البادِيَةِ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن بَدا جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ»

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ إلى مَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ والمَعْنى دارُ الحالَةِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لِلنّاسِ حالَتَيْنِ: حالُ الدُّنْيا وحالُ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: صَلاةُ الأُولى أيْ: صَلاةُ الفَرِيضَةِ الأُولى، وأمّا بَيانُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الأُولى فَقَدْ ذَكَرْنا دَلائِلَهُ مِرارًا.

12:110Page 248

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١١٠

[They continued] until, when the messengers despaired and were certain that they had been denied, there came to them Our victory, and whoever We willed was saved. And Our punishment cannot be repelled from the people who are criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (كُذِبُوا) بِالتَّخْفِيفِ، وكَسْرِ الذّالِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْنى التَّخْفِيفِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الظَّنَّ واقِعٌ بِالقَوْمِ، أيْ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ القَوْمِ فَظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا فِيما وعَدُوا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ.

فَإنْ قِيلَ: لَمْ يَجْرِ فِيما سَبَقَ ذِكْرُ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ عَوْدُ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْهِمْ ؟

قُلْنا: ذِكْرُ الرُّسُلِ يَدُلُّ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ إنَّ ذِكْرَهم جَرى في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٠٩) فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ، والظَّنُّ هَهُنا بِمَعْنى التَّوَهُّمِ والحُسْبانِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ ظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا فِيما وُعِدُوا وهَذا التَّأْوِيلُ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ

صفحة ١٨١

أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالُوا: وإنَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأجْلِ ضَعْفِ البَشَرِيَّةِ إلّا أنَّهُ بَعِيدٌ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ بِاللَّهِ الكَذِبَ، بَلْ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِثْلُهُ عَلى الرُّسُلِ ؟ وأمّا قِراءَةُ التَّشْدِيدِ فَفِيها وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ، أيْ وأيْقَنُوا أنَّ الأُمَمَ كَذَّبُوهم تَكْذِيبًا لا يَصْدُرُ مِنهُمُ الإيمانُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ دَعَوْا عَلَيْهِمْ، فَهُنالِكَ أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ.

ووُرُودُ الظَّنِّ بِمَعْنى العِلْمِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٦) أيْ يَتَيَقَّنُونَ ذَلِكَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ الظَّنُّ بِمَعْنى الحُسْبانِ، والتَّقْدِيرُ: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ، فَظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ كَذَّبُوهم وهَذا التَّأْوِيلُ مَنقُولٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ.

رُوِيَ أنَّ ابْنَ أبِي مُلَيْكَةَ نَقَلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّهم كُذِبُوا؛ لِأنَّهم كانُوا بَشَرًا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢١٤) ؟ قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأنْكَرَتْهُ، وقالَتْ: ما وعَدَ اللَّهُ مُحَمَّدًا -ﷺ- شَيْئًا إلّا وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ سَيُوَفِّيهِ، ولَكِنَّ البَلاءَ لَمْ يَزَلْ بِالأنْبِياءِ حَتّى خافُوا مِن أنْ يُكَذِّبَهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِمْ وهَذا الرَّدُّ والتَّأْوِيلُ في غايَةِ الحُسْنِ مِن عائِشَةَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ لَمّا بَلَغَ الحالُ إلى الحَدِّ المَذْكُورِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: (فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وفَتْحِ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ.

ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ إدْغامُ إحْدى النُّونَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ، قالَ بَعْضُهم: هَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ النُّونَ مُتَحَرِّكَةٌ فَلا تُدْغَمُ في السّاكِنِ، ولا يَجُوزُ إدْغامُ النُّونِ في الجِيمِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ عَلى مَعْنى: ونَحْنُ نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا حِكايَةُ حالٍ، ألا تَرى أنَّ القِصَّةَ فِيما مَضى وإنَّما حَكى فِعْلَ الحالِ كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ (القَصَصِ: ١٥) إشارَةٌ إلى الحاضِرِ والقِصَّةُ ماضِيَةٌ ؟

12:111Page 248

لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١١١

There was certainly in their stories a lesson for those of understanding. Never was it [i.e., the Qur’ān] a narration invented, but a confirmation of what was before it and a detailed explanation of all things and guidance and mercy for a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الِاعْتِبارَ عِبارَةٌ عَنِ العُبُورِ مِنَ الطَّرَفِ المَعْلُومِ إلى الطَّرَفِ المَجْهُولِ، والمُرادُ مِنهُ التَّأمُّلُ والتَّفَكُّرُ، ووَجْهُ الِاعْتِبارِ بِقَصَصِهِمْ أُمُورٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى إعْزازِ يُوسُفَ بَعْدَ إلْقائِهِ في الجُبِّ، وإعْلائِهِ بَعْدَ حَبْسِهِ في السِّجْنِ، وتَمْلِيكِهِ مِصْرَ بَعْدَ أنْ كانُوا يَظُنُّونَ بِهِ أنَّهُ عَبْدٌ لَهم، وجَمْعِهِ مَعَ والِدَيْهِ وإخْوَتِهِ عَلى ما أحَبَّ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، لَقادِرٌ عَلى إعْزازِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.

الثّانِي: أنَّ الإخْبارَ عَنْهُ جارٍ مَجْرى الإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ -ﷺ .

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ (يُوسُفَ: ٣) ثُمَّ ذَكَرَ في آخِرِها: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾

صفحة ١٨٢

تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حُسْنَ هَذِهِ القِصَّةِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ أنَّهُ يَحْصُلُ مِنها العِبْرَةُ ومَعْرِفَةُ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ.

والمُرادُ مِن قَصَصِهِمْ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإخْوَتِهِ وأبِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ قَصَصُ الرُّسُلِ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ في القُرْآنِ ذِكْرُ قَصَصِ سائِرِ الرُّسُلِ إلّا أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ المُرادُ قِصَّةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ مَعَ أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كانُوا ذَوِي عُقُولٍ وأحْلامٍ، وقَدْ كانَ الكَثِيرُ مِنهم لَمْ يَعْتَبِرْ بِذَلِكَ.

قُلْنا: إنَّ جَمِيعَهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاعْتِبارِ، والمُرادُ مِن وصْفِ هَذِهِ القِصَّةِ بِكَوْنِها عِبْرَةً كَوْنُها بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَعْتَبِرَ بِها العاقِلُ، أوْ نَقُولُ: المُرادُ مِن أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا وتَفَكَّرُوا وتَأمَّلُوا فِيها وانْتَفَعُوا بِمَعْرِفَتِها؛ لِأنَّ (أُولِي الألْبابِ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى المَدْحِ والثَّناءِ فَلا يَلِيقُ إلّا بِما ذَكَرْناهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ القِصَّةَ بِصِفاتٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِي جاءَ بِهِ وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَفْتَرِيَ لِأنَّهُ لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ ولَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ، ولَمْ يُخالِطِ العُلَماءَ؛ فَمِنَ المُحالِ أنْ يَفْتَرِيَ هَذِهِ القِصَّةَ بِحَيْثُ تَكُونُ مُطابِقَةً لِما ورَدَ في التَّوْراةِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهُ لَيْسَ يَكْذِبُ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ الكَذِبُ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ كَوْنَهُ غَيْرَ مُفْتَرًى، فَقالَ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ورَدَتْ عَلى الوَجْهِ المُوافِقِ لِما في التَّوْراةِ وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ونُصِبَ تَصْدِيقًا عَلى تَقْدِيرِ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (الأحْزابِ: ٤٠) قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ رَفْعُهُ في قِياسِ النَّحْوِ عَلى مَعْنى: ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ: وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ مِن واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ وإخْوَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ (الأنْعامِ: ٣٨) فَإنَّ جَعْلَ هَذا الوَصْفِ وصْفًا لِكُلِّ القُرْآنِ ألْيَقُ مِن جَعْلِهِ وصْفًا لِقِصَّةِ يُوسُفَ وحْدَها، ويَكُونُ المُرادُ: ما يَتَضَمَّنُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ وسائِرِ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ.

قالَ الواحِدِيُّ عَلى التَّفْسِيرَيْنِ جَمِيعًا: فَهو مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ كَقَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٦) يُرِيدُ: كُلُّ شَيْءٍ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣) .

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: كَوْنُها هُدًى في الدُّنْيا وسَبَبًا لِحُصُولِ الرَّحْمَةِ في القِيامَةِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ كَما قَرَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٢) واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ الأرْبِعاءِ السّابِعِ مِن شَعْبانَ، خُتِمَ بِالخَيْرِ والرِّضْوانِ، سَنَةَ إحْدى وسِتِّمِائَةٍ، وقَدْ كُنْتُ ضَيِّقَ الصَّدْرِ جِدًّا بِسَبَبِ وفاةِ الوَلَدِ الصّالِحِ مُحَمَّدٍ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ والغُفْرانِ وخَصَّهُ بِدَرَجاتِ الفَضْلِ والإحْسانِ، وذَكَرْتُ هَذِهِ الأبْياتَ في مَرْثِيَّتِهِ عَلى

صفحة ١٨٣

سَبِيلِ الإيجازِ:

فَلَوْ كانَتِ الأقْدارُ مُنْقادَةً لَنا فَدَيْناكَ مِن حِماكَ بِالرُّوحِ والجِسْمِ

ولَوْ كانَتِ الأمْلاكُ تُؤْخَذُ رِشْوَةً ∗∗∗ خَضَعْنا لَها بِالرِّقِّ في الحُكْمِ والِاسْمِ

ولَكِنَّهُ حُكْمٌ إذا حانَ حِينُهُ ∗∗∗ سَرى مِن مَقَرِّ العَرْشِ في لُجَّةِ اليَمِّ

سَأبْكِي عَلَيْكَ العُمْرَ بِالدَّمِ دائِمًا ∗∗∗ ولَمْ أنْحَرِفْ عَنْ ذاكَ في الكَيْفِ والكَمِّ

سَلامٌ عَلى قَبْرٍ دُفِنْتَ بِتُرْبِهِ ∗∗∗ وأتْحَفَكَ الرَّحْمَنُ بِالكَرَمِ الجَمِّ

وما صَدَّنِي عَنْ جَعْلِ جَفْنِي مَدْفَنًا ∗∗∗ لِجِسْمِكَ إلّا أنَّهُ أبَدًا يَهْمِي

وأُقْسِمُ إنْ مَسُّوا رُفاتِي ورِمَّتِي ∗∗∗ أحَسُّوا بِنارِ الحُزْنِ في مَكْمَنِ العَظْمِ

حَياتِي ومَوْتِي واحِدٌ بَعْدَ بُعْدِكم ∗∗∗ بَلِ المَوْتُ أوْلى مِن مُداوَمَةِ الغَمِّ

رَضِيتُ بِما أمْضى الإلَهُ بِحُكْمِهِ ∗∗∗ لِعِلْمِي بِأنِّي لا يُجاوِزُنِي حُكْمِي

وأنا أُوصِي مَن طالَعَ كِتابِي واسْتَفادَ ما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ النَّفِيسَةِ العالِيَةِ أنْ يَخُصَّ ولَدِي ويَخُصَّنِي بِقِراءَةِ الفاتِحَةِ، ويَدْعُوَ لِمَن قَدْ ماتَ في غُرْبَةٍ بَعِيدًا عَنِ الإخْوانِ والأبِ والأُمِّ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، فَإنِّي كُنْتُ أيْضًا كَثِيرَ الدُّعاءِ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ في حَقِّي وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا آمِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском