Ar-RaziYusuf · 12:7–15

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:7–15

12:7–8Page 236

۞ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ ٧

Certainly were there in Joseph and his brothers signs for those who ask, [such as]

إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨

When they said, "Joseph and his brother1 are more beloved to our father than we, while we are a clan. Indeed, our father is in clear error.

صفحة ٧٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ أسْماءَ إخْوَةِ يُوسُفَ: يَهُودا، رُوبِيلُ، شَمْعُونُ، لاوِي، رَبالُونُ، يَشْجُرُ، دِينَةُ، دانُ، نَفْتالِي، جادُ، آشِرُ. ثُمَّ قالَ: السَّبْعَةُ الأوَّلُونَ مِن لَيا بِنْتِ خالَةِ يَعْقُوبَ، والأرْبَعَةُ الآخَرُونَ مِن سُرِّيَّتَيْنِ؛ زُلْفَةَ وبَلِهَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَتْ لَيا تَزَوَّجَ يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْيامِينَ ويُوسُفَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”آيَةٌ“ بِغَيْرِ ألِفٍ حَمَلَهُ عَلى شَأْنِ يُوسُفَ، والباقُونَ ”آياتٌ“ عَلى الجَمْعِ لِأنَّ أُمُورَ يُوسُفَ كانَتْ كَثِيرَةً وكُلُّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ بِنَفْسِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «دَخَلَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ مِنهُ قِراءَةَ يُوسُفَ فَعادَ إلى اليَهُودِ فَأعْلَمَهم أنَّهُ سَمِعَها مِنهُ كَما هي في التَّوْراةِ، فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم فَسَمِعُوا كَما سَمِعَ، فَقالُوا لَهُ: مَن عَلَّمَكَ هَذِهِ القِصَّةَ ؟ فَقالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِي، فَنَزَلَ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ»﴾ وهَذا الوَجْهُ عِنْدِي بَعِيدٌ، لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآيَةِ أنَّ في واقِعَةِ يُوسُفَ آياتٍ لِلسّائِلِينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي نَقَلْناهُ ما كانَتِ الآياتُ في قِصَّةِ يُوسُفَ، بَلْ كانَتِ الآياتُ في إخْبارِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْها مِن غَيْرِ سَبْقِ تَعَلُّمٍ ولا مُطالَعَةٍ، وبَيْنَ الكَلامَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ.

والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أكْثَرُهم كانُوا أقارِبَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ويُظْهِرُونَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ مَعَهُ بِسَبَبِ الحَسَدِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ وبَيَّنَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إيذائِهِ لِأجْلِ الحَسَدِ، وبِالآخِرَةِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ وقَوّاهُ وجَعَلَهم تَحْتَ يَدِهِ ورايَتِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ إذا سَمِعَها العاقِلُ كانَتْ زَجْرًا لَهُ عَنِ الإقْدامِ عَلى الحَسَدِ.

والثّالِثُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا عَبَّرَ رُؤْيا يُوسُفَ وقَعَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ ودَخَلَ في الوُجُودِ بَعْدَ ثَمانِينَ سَنَةً فَكَذَلِكَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى الأعْداءِ، فَإذا تَأخَّرَ ذَلِكَ المَوْعُودُ مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كاذِبًا فِيهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ نافِعٌ مِن هَذا الوَجْهِ.

الرّابِعُ: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ بالَغُوا في إبْطالِ أمْرِهِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ كانَ الأمْرُ كَما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لا كَما سَعى فِيهِ الأعْداءُ، فَكَذَلِكَ واقِعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ضَمِنَ لَهُ إعْلاءَ الدَّرَجَةِ لَمْ يَضُرَّهُ سَعْيُ الكُفّارِ في إبْطالِ أمْرِهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ فِيها آياتٌ كَثِيرَةٌ لِمَن سَألَ عَنْها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿لَيُوسُفُ﴾ اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ. أرادُوا أنَّ زِيادَةَ مَحَبَّتِهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ. وأخُوهُ هو بِنْيامِينُ، وإنَّما قالُوا أخُوهُ وهم جَمِيعًا إخْوَةٌ؛ لِأنَّ أُمَّهُما كانَتْ واحِدَةً. والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا، وقِيلَ إلى الأرْبَعِينَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم جَماعَةٌ تُعْصَبُ بِهِمُ الأُمُورُ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَرَأ ”ونَحْنُ عُصْبَةً“ بِالنَّصْبِ، قِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنهُ بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ قَصَدُوا إيذاءَ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ يُفَضِّلُ

صفحة ٧٥

يُوسُفَ وأخاهُ عَلى سائِرِ الأوْلادِ في الحُبِّ وأنَّهم تَأذَّوْا مِنهُ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا أكْبَرَ سِنًّا مِنهُما.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا أكْثَرَ قُوَّةً وأكْثَرَ قِيامًا بِمَصالِحِ الأبِ مِنهُما.

وثالِثُها: أنَّهم قالُوا إنّا نَحْنُ القائِمُونَ بِدَفْعِ المَفاسِدِ والآفاتِ، والمُشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ المَنافِعِ والخَيْراتِ.

إذا ثَبَتَ ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِهِمْ مُتَقَدِّمِينَ عَلى يُوسُفَ وأخِيهِ في هَذِهِ الفَضائِلِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُفَضِّلُ يُوسُفَ وأخاهُ عَلَيْهِمْ، لا جَرَمَ قالُوا: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يَعْنِي هَذا حَيْفٌ ظاهِرٌ وضَلالٌ بَيِّنٌ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ مِنَ الأُمُورِ المَعْلُومَةِ أنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِ الأوْلادِ عَلى بَعْضٍ يُورِثُ الحِقْدَ والحَسَدَ، ويُورِثُ الآفاتِ، فَلَمّا كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِذَلِكَ فَلِمَ أقْدَمَ عَلى هَذا التَّفْضِيلِ ؟ وأيْضًا الأسَنُّ والأعْلَمُ والأنْفَعُ أفْضَلُ، فَلِمَ قَلَبَ هَذِهِ القَضِيَّةَ ؟

والجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَضَّلَهُما عَلى سائِرِ الأوْلادِ إلّا في المَحَبَّةِ، والمَحَبَّةُ لَيْسَتْ في وُسْعِ البَشَرِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ ولا يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَوْمٌ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ، وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا في فِعْلِهِ ؟ وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ لِنُبُوَّتِهِ، فَهَذا يُوجِبُ كُفْرَهم.

والجَوابُ: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّةِ أبِيهِمْ مُقِرِّينَ بِكَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهم لَعَلَّهم جَوَّزُوا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَفْعَلُوا أفْعالًا مَخْصُوصَةً بِمُجَرَّدِ الِاجْتِهادِ، ثُمَّ إنَّ اجْتِهادَهم أدّى إلى تَخْطِئَةِ أبِيهِمْ في ذَلِكَ الِاجْتِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هُما صَبِيّانِ ما بَلَغا العَقْلَ الكامِلَ ونَحْنُ مُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِما في السِّنِّ والعَقْلِ والكِفايَةِ والمَنفَعَةِ وكَثْرَةِ الخِدْمَةِ والقِيامِ بِالمُهِمّاتِ، وإصْرارُهُ عَلى تَقْدِيمِ يُوسُفَ عَلَيْنا يُخالِفُ هَذا الدَّلِيلَ. وأمّا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ كانَ يَقُولُ: زِيادَةُ المَحَبَّةِ لَيْسَتْ في الوُسْعِ والطّاقَةِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ عَلَيَّ فِيهِ تَكْلِيفٌ. وأمّا تَخْصِيصُهُما بِمَزِيدِ البِرِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أُمَّهُما ماتَتْ وهُما صِغارٌ.

وثانِيها: لِأنَّهُ كانَ يَرى فِيهِ مِن آثارِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ ما لَمْ يَجِدْ في سائِرِ الأوْلادِ.

وثالِثُها: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ صَغِيرًا إلّا أنَّهُ كانَ يَخْدِمُ أباهُ بِأنْواعٍ مِنَ الخِدَمِ أشْرَفَ وأعْلى بِما كانَ يَصْدُرُ عَنْ سائِرِ الأوْلادِ.

والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ كانَتِ اجْتِهادِيَّةً، وكانَتْ مَخْلُوطَةً بِمَيْلِ النَّفْسِ ومُوجِباتِ الفِطْرَةِ، فَلا يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ الِاخْتِلافِ فِيها طَعْنُ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في دِينِ الآخَرِ أوْ في عِرْضِهِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: أنَّهم نَسَبُوا أباهم إلى الضَّلالِ المُبِينِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ والطَّعْنِ، ومَن بالَغَ في الطَّعْنِ في الرَّسُولِ كَفَرَ، لا سِيَّما إذا كانَ الطّاعِنُ ولَدًا فَإنَّ حَقَّ الأُبُوَّةِ يُوجِبُ مَزِيدَ التَّعْظِيمِ.

والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ الضَّلالُ عَنْ رِعايَةِ المَصالِحِ في الدُّنْيا لا البُعْدُ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهم: ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ مَحْضُ الحَسَدِ، والحَسَدُ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ، لا سِيَّما وقَدْ أقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَسَدِ، وعَلى تَضْيِيعِ ذَلِكَ الأخِ الصّالِحِ وإلْقائِهِ في ذُلِّ العُبُودِيَّةِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ الأبِ المُشْفِقِ، وألْقَوْا أباهم في الحُزْنِ الدّائِمِ والأسَفِ العَظِيمِ، وأقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ فَما بَقِيَتْ خَصْلَةٌ مَذْمُومَةٌ ولا طَرِيقَةٌ في الشَّرِّ والفَسادِ إلّا وقَدْ أتَوْا بِها، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في العِصْمَةِ والنُّبُوَّةِ.

والجَوابُ: الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّ المُعْتَبَرَ عِنْدَنا عِصْمَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في وقْتِ حُصُولِ النُّبُوَّةِ. وأمّا قَبْلَها فَذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

12:9–10Page 236

ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩

Kill Joseph or cast him out to [another] land; the countenance [i.e., attention] of your father will [then] be only for you, and you will be after that a righteous people."1

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠

Said a speaker among them, "Do not kill Joseph but throw him into the bottom of the well; some travelers will pick him up - if you would do [something]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قَوِيَ الحَسَدُ وبَلَغَ النِّهايَةَ قالُوا لا بُدَّ مِن تَبْعِيدِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِأحَدِ طَرِيقَيْنِ: القَتْلِ أوِ التَّغْرِيبِ إلى أرْضٍ يَحْصُلُ اليَأْسُ مِنِ اجْتِماعِهِ مَعَ أبِيهِ، ولا وجْهَ في الشَّرِّ يَبْلُغُهُ الحاسِدُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرُوا العِلَّةَ فِيهِ وهي قَوْلُهم: ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ يُوسُفَ شَغَلَهُ عَنّا وصَرَفَ وجْهَهُ إلَيْهِ فَإذا أُفْقِدَهُ أقْبَلَ عَلَيْنا بِالمَيْلِ والمَحَبَّةِ ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَبائِرِ فَقالُوا: إذا فَعَلْنا ذَلِكَ تُبْنا إلى اللَّهِ ونَصِيرُ مِنَ القَوْمِ الصّالِحِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ هَهُنا صَلاحَ الدِّينِ بَلِ المَعْنى يَصْلُحُ شَأْنُكم عِنْدَ أبِيكم ويَصِيرُ أبُوكم مُحِبًّا لَكم مُشْتَغِلًا بِشَأْنِكم.

الثّالِثُ: المُرادُ أنَّكم بِسَبَبِ هَذِهِ الوَحْشَةِ صِرْتُمْ مُشَوَّشِينَ لا تَتَفَرَّغُونَ لِإصْلاحِ مُهِمَّةٍ، فَإذا زالَتْ هَذِهِ الوَحْشَةُ تَفَرَّغْتُمْ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِكم. واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا القائِلَ الَّذِي أمَرَ بِالقَتْلِ مَن كانَ، عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَ إخْوَتِهِ قالَ هَذا.

والثّانِي: أنَّهم شاوَرُوا أجْنَبِيًّا فَأشارَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أحَدٌ مِن إخْوَتِهِ.

فَأمّا مَن قالَ بِالأوَّلِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ وهْبٌ: إنَّهُ شَمْعُونُ، وقالَ مُقاتِلٌ: رُوبِيلُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِهِمْ وهم أنْبِياءُ ؟

قُلْنا: مِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ بِأنَّهم كانُوا في هَذا الوَقْتِ مُراهِقِينَ وما كانُوا بالِغِينَ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن مِثْلِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْعَثَ جَماعَةً مِنَ الصِّبْيانِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَعَهم إنْسانٌ عاقِلٌ يَمْنَعُهم مِنَ القَبائِحِ. وأيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَبْلَ التَّوْبَةِ لا يَكُونُونَ صالِحِينَ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهم مِنَ الصِّبْيانِ. ومِنهم مَن أجابَ بِأنَّ هَذا مِن بابِ الصَّغائِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ إيذاءَ الأبِ الَّذِي هو نَبِيٌّ مَعْصُومٌ، والكَذِبَ عَلَيْهِ، والسَّعْيَ في إهْلاكِ الأخِ الصَّغِيرِ، كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ مِن أُمَّهاتِ الكَبائِرِ، بَلِ الجَوابُ الصَّحِيحُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ما كانُوا أنْبِياءَ، وإنْ كانُوا أنْبِياءَ إلّا أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ إنَّما أقْدَمُوا عَلَيْها قَبْلَ النُّبُوَّةِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى أنَّ قائِلًا قالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ قِيلَ إنَّهُ كانَ رُوبِيلَ وكانَ ابْنَ خالَةِ يُوسُفَ وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا فِيهِ، فَمَنَعَهم عَنِ القَتْلِ، وقِيلَ يَهُودا، وكانَ أقْدَمَهم في الرَّأْيِ والفَضْلِ والسِّنِّ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ ”في غَياباتِ الجُبِّ“ عَلى الجَمْعِ في الحَرْفَيْنِ، هَذا والَّذِي بَعْدَهُ، والباقُونَ ”غَيابَةِ“ عَلى الواحِدِ في الحَرْفَيْنِ. أمّا وجْهُ الغَياباتِ فَهو أنَّ لِلْجُبِّ أقْطارًا ونَواحِيَ، فَيَكُونُ فِيها غَياباتٌ، ومَن وحَّدَ قالَ: المَقْصُودُ مَوْضِعٌ واحِدٌ مِنَ الجُبِّ يَغِيبُ فِيهِ يُوسُفُ، فالتَّوْحِيدُ أخَصُّ وأدَلُّ عَلى المَعْنى

صفحة ٧٧

المَطْلُوبِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ ”في غَيْبَةِ الجُبِّ“ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الغَيابَةُ كُلُّ ما غَيَّبَ شَيْئًا وسَتَرَهُ، فَغَيابَةُ الجُبِّ غَوْرُهُ، وما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ وأظْلَمَ مِن أسْفَلِهِ. والجُبُّ البِئْرُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَطْوِيَّةٍ، سُمِّيَتْ جُبًّا لِأنَّها قَطَعَتْ قَطْعًا ولَمْ يَحْصُلْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وإنَّما ذُكِرَتِ الغَيابَةُ مَعَ الجُبِّ دَلالَةً عَلى أنَّ المُشِيرَ أشارَ بِطَرْحِهِ في مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ مِنَ الجُبِّ لا يَلْحَقُهُ نَظَرُ النّاظِرِينَ، فَأفادَ ذِكْرُ الغَيابَةِ هَذا المَعْنى؛ إذْ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يُلْقى في مَوْضِعٍ مِنَ الجُبِّ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الألِفُ واللّامُ في الجُبِّ تَقْتَضِي المَعْهُودَ السّابِقَ، اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ الجُبِّ فَقالَ قَتادَةُ: هو بِئْرٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وإنَّما عَيَّنُوا ذَلِكَ الجُبَّ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها وهي قَوْلُهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ البِئْرَ كانَتْ مَعْرُوفَةً وكانُوا يَرِدُونَ عَلَيْها كَثِيرًا، وكانَ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا طُرِحَ فِيها يَكُونُ إلى السَّلامَةِ أقْرَبَ، لِأنَّ السَّيّارَةَ إذا جازُوا ورَدُوها، وإذا ورَدُوها شاهَدُوا ذَلِكَ الإنْسانَ فِيها، وإذا شاهَدُوهُ أخْرَجُوهُ وذَهَبُوا بِهِ فَكانَ إلْقاؤُهُ فِيها أبْعَدَ عَنِ الهَلاكِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الِالتِقاطُ تَناوُلُ الشَّيْءِ مِنَ الطَّرِيقِ، ومِنهُ: اللُّقَطَةُ واللَّقِيطُ، وقَرَأ الحَسَنُ ”تَلْتَقِطْهُ“ بِالتّاءِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ أيْضًا سَيّارَةٌ، والسَّيّارَةُ الجَماعَةُ الَّذِينَ يَسِيرُونَ في الطَّرِيقِ لِلسَّفَرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المارَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأوْلى أنْ لا تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وأمّا إنْ كانَ ولا بُدَّ فاقْتَصِرُوا عَلى هَذا القَدْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي الأوْلى أنْ لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ.

12:11–12Page 236

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١

They said, "O our father, why do you not entrust us with Joseph while indeed, we are to him sincere counselors?

أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢

Send him with us tomorrow that he may eat well and play. And indeed, we will be his guardians."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياأبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَخافُهم عَلى يُوسُفَ ولَوْلا ذَلِكَ وإلّا لَما قالُوا هَذا القَوْلَ.

واعْلَمْ أنَّهم لَمّا أحْكَمُوا العَزْمَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ وأظْهَرُوا عِنْدَ أبِيهِمْ أنَّهم في غايَةِ المَحَبَّةِ لِيُوسُفَ وفي غايَةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَغِيبُوا عَنْهُ مُدَّةً إلى الرَّعْيِ فَسَألُوهُ أنْ يُرْسِلَهُ مَعَهم، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُحِبُّ تَطْيِيبَ قَلْبِ يُوسُفَ فاغْتَرَّ بِقَوْلِهِمْ وأرْسَلَهُ مَعَهم. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”لا تَأْمَنّا“ قُرِئَ بِإظْهارِ النُّونَيْنِ وبِالإدْغامِ بِإشْمامٍ وبِغَيْرِ إشْمامٍ، والمَعْنى لِمَ تَخافُنا عَلَيْهِ ونَحْنُ نُحِبُّهُ ونُرِيدُ الخَيْرَ بِهِ.

صفحة ٧٨

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ خَمْسُ قِراءاتٍ:

القِراءَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ، وبِكَسْرِ عَيْنِ نَرْتَعِ مِنَ الِارْتِعاءِ، ويَلْعَبْ بِالياءِ، والِارْتِعاءُ افْتِعالٌ مِن رَعَيْتُ، يُقالُ: رَعَتِ الماشِيَةُ الكَلَأ تَرْعاهُ رَعْيًا إذا أكَلَتْهُ، وقَوْلُهُ ”نَرْتَعِ“ الِارْتِعاءُ لِلْإبِلِ والمَواشِي، وقَدْ أضافُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ المَعْنى نَرْتَعِ إبِلَنا، ثُمَّ نَسَبُوهُ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم هُمُ السَّبَبُ في ذَلِكَ الرَّعْيِ، والحاصِلُ أنَّهم أضافُوا الِارْتِعاءَ والقِيامَ بِحِفْظِ المالِ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم بالِغُونَ كامِلُونَ وأضافُوا اللَّعِبَ إلى يُوسُفَ لِصِغَرِهِ.

القِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ كِلاهُما بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن ”يَرْتَعْ“ أضافَ الِارْتِعاءَ إلى يُوسُفَ بِمَعْنى أنَّهُ يُباشِرُ رَعْيَ الإبِلِ لِيَتَدَرَّبَ بِذَلِكَ، فَمَرَّةً ”يَرْتَعْ“ ومَرَّةً ”يَلْعَبْ“ كَفِعْلِ الصِّبْيانِ.

القِراءَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ”نَرْتَعْ“ بِالنُّونِ وجَزْمِ العَيْنِ ومِثْلُهُ نَلْعَبْ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّتْعُ الأكْلُ بِشَرَهٍ، وقِيلَ: إنَّهُ الخِصْبُ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ اللَّعِبِ الإقْدامُ عَلى المُباحاتِ وهَذا يُوصَفُ بِهِ الإنْسانُ، وأمّا ”نَلْعَبْ“ فَرُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِأبِي عَمْرٍو: كَيْفَ يَقُولُونَ نَلْعَبُ وهم أنْبِياءُ ؟ فَقالَ لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ أنْبِياءَ، وأيْضًا جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اللَّعِبِ الإقْدامَ عَلى المُباحاتِ لِأجْلِ انْشِراحِ الصَّدْرِ، كَما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِجابِرٍ: ”«فَهَلّا بِكْرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ» “ وأيْضًا كانَ لَعِبُهُمُ الِاسْتِباقَ، والغَرَضُ مِنهُ تَعَلُّمُ المُحارَبَةِ والمُقاتَلَةِ مَعَ الكُفّارِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ؛ وإنَّما سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ في صُورَتِهِ.

القِراءَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كِلَيْهِما بِالياءِ وسُكُونِ العَيْنِ، ومَعْناهُ إسْنادُ الرَّتْعِ واللَّعِبِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

القِراءَةُ الخامِسَةُ: ”يَرْتَعْ“ بِالياءِ ”ونَلْعَبْ“ بِالنُّونِ وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّهم إنَّما سَألُوا إرْسالَ يُوسُفَ مَعَهم لِيَفْرَحَ هو بِاللَّعِبِ لا لِيَفْرَحُوا بِاللَّعِبِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

12:13–14Page 236

قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣

[Jacob] said, "Indeed, it saddens me that you should take him, and I fear that a wolf would eat him while you are of him unaware."

قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤

They said, "If a wolf should eat him while we are a [strong] clan, indeed, we would then be losers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُرْسِلَ يُوسُفَ مَعَهُمُ اعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِشَيْئَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ذَهابَهم بِهِ ومُفارَقَتَهم إيّاهُ مِمّا يُحْزِنُهُ لِأنَّهُ كانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ساعَةً.

والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إذا غَفَلُوا عَنْهُ بِرَعْيِهِمْ أوْ لَعِبِهِمْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِهِ.

قِيلَ: إنَّهُ رَأى في النَّوْمِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ، فَكانَ يُحَذِّرُهُ فَمِن هَذا ذَكَرَ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ لَقَّنَهُمُ الحُجَّةَ، وفي أمْثالِهِمْ: البَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ. وقِيلَ: الذِّئابُ كانَتْ في أراضِيهِمْ كَثِيرَةً، وقُرِئَ ”الذِّئْبُ“ بِالهَمْزِ عَلى الأصْلِ وبِالتَّخْفِيفِ. وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا أتَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَلَمّا ذَكَرَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الكَلامَ أجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ؟ .

صفحة ٧٩

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إنْ“ تُفِيدُ كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزاءِ، أيْ: إنْ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ فَنَحْنُ خاسِرُونَ، فَهَذِهِ اللّامُ دَخَلَتْ لِتَأْكِيدِ هَذا الِاسْتِلْزامِ.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذِهِ اللّامُ تَدُلُّ عَلى إضْمارِ القَسَمِ تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَكُنّا خاسِرِينَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ؟ .

الجَوابُ: أنَّها واوُ الحالِ، حَلَفُوا لَئِنْ حَصَلَ ما خافَهُ مِن خَطْفِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ، إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ؟ .

الجَوابُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: خاسِرُونَ أيْ هالِكُونَ ضَعْفًا وعَجْزًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] أيْ لَعاجِزُونَ.

الثّانِي: أنَّهم يَكُونُونَ مُسْتَحِقِّينَ لِأنَّ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارَةِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم حاضِرُونَ.

الثّالِثُ: المَعْنى أنّا إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ أخِينا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها.

الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في خِدْمَةِ أبِيهِمْ واجْتَهَدُوا في القِيامِ بِمُهِمّاتِهِ، وإنَّما تَحَمَّلُوا تِلْكَ المَتاعِبَ لِيَفُوزُوا مِنهُ بِالدُّعاءِ والثَّناءِ فَقالُوا: لَوْ قَصَّرْنا في هَذِهِ الخِدْمَةِ فَقَدْ أحْبَطْنا كُلَّ تِلْكَ الأعْمالِ وخَسِرْنا كُلَّ ما صَدَرَ مِنّا مِن أنْواعِ الخِدْمَةِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ اعْتَذَرَ بِعُذْرَيْنِ فَلِمَ أجابُوا عَنْ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ ؟

والجَوابُ: أنَّ حِقْدَهم وغَيْظَهم كانَ بِسَبَبِ العُذْرِ الأوَّلِ وهو شِدَّةُ حُبِّهِ لَهُ، فَلَمّا سَمِعُوا ذِكْرَ ذَلِكَ المَعْنى تَغافَلُوا عَنْهُ.

12:15Page 237

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well...1 But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإضْمارِ في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ قالُوا: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ لا بُدَّ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ مِن جَوابٍ؛ إذْ جَوابُ لَمّا غَيْرُ مَذْكُورٍ وتَقْدِيرُهُ فَجَعَلُوهُ فِيها، وحَذْفُ الجَوابِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ دَلِيلًا عَلَيْهِ وهَهُنا كَذَلِكَ.

قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَرَزَ مَعَ إخْوَتِهِ أظْهَرُوا لَهُ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ، وجَعَلَ هَذا الأخُ يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ ولا يَرى فِيهِمْ رَحِيمًا فَضَرَبُوهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ وهو يَقُولُ: يا يَعْقُوبُ لَوْ تَعْلَمُ ما يُصْنَعُ بِابْنِكَ، فَقالَ يَهُودا: ألَيْسَ قَدْ أعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أنْ لا تَقْتُلُوهُ ؟ فانْطَلَقُوا بِهِ إلى الجُبِّ يُدْلُونَهُ فِيهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِشَفِيرِ البِئْرِ فَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، وكانَ غَرَضُهم أنْ يُلَطِّخُوهُ بِالدَّمِ ويَعْرِضُوهُ عَلى يَعْقُوبَ، فَقالَ لَهم: رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأتَوارى بِهِ، فَقالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا لِتُؤْنِسَكَ، ثُمَّ دَلُّوهُ في البِئْرِ حَتّى إذا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ لِيَمُوتَ،

صفحة ٨٠

وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ آوى إلى صَخْرَةٍ فَقامَ بِها وهو يَبْكِي، فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّ رَحْمَةً أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ فَقامَ يَهُودا فَمَنَعَهم وكانَ يَهُودا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ.

ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ. ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ. ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ. اجْعَلْ لِي مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا، ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ وألْبَسَهُ إيّاهُ، فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ، وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ، فَجَعَلَهُ يَعْقُوبُ في تَمِيمَةٍ وعَلَّقَها في عُنُقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْرَجَهُ وألْبَسَهُ إيّاهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ، وهَذا قَوْلُ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بالِغًا أوْ كانَ صَبِيًّا، قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ بالِغًا وكانَ سِنُّهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ كانَ صَغِيرًا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْمَلَ عَقْلَهُ وجَعَلَهُ صالِحًا لِقَبُولِ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ كَما في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن هَذا الوَحْيِ الإلْهامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ [القصص: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الوَحْيِ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ ولَيْسَ هُناكَ أحَدٌ يُبَلِّغُهُ الرِّسالَةَ ؟

قُلْنا: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُشَرِّفَهُ بِالوَحْيِ والتَّنْزِيلِ ويَأْمُرَهُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ بَعْدَ أوْقاتٍ، ويَكُونُ فائِدَةُ تَقْدِيمِ الوَحْيِ تَأْنِيسَهُ وتَسْكِينَ نَفْسِهِ وإزالَةَ الغَمِّ والوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى يُوسُفَ إنَّكَ لَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ بَعْدَ هَذا اليَوْمِ وهم لا يَشْعُرُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنَّكَ يُوسُفُ، والمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ قَلْبِهِ بِأنَّهُ سَيَحْصُلُ لَهُ الخَلاصُ عَنْ هَذِهِ المِحْنَةِ، ويَصِيرُ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ ويَصِيرُونَ تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ. ورُوِيَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِطَلَبِ الحِنْطَةِ وعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ، ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُ هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ فَطَرَحْتُمُوهُ في البِئْرِ وقُلْتُمْ لِأبِيكم أكَلَهُ الذِّئْبُ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنّا أوْحَيْنا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في البِئْرِ بِأنَّكَ تُنْبِئُ إخْوَتَكَ بِهَذِهِ الأعْمالِ، وهم ما كانُوا يَشْعُرُونَ بِنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، والفائِدَةُ في إخْفاءِ نُزُولِ ذَلِكَ الوَحْيِ عَنْهم أنَّهم لَوْ عَرَفُوهُ فَرُبَّما ازْدادَ حَسَدُهم فَكانُوا يَقْصِدُونَ قَتْلَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، كانَ هَذا أمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى نَحْوَ يُوسُفَ في أنْ يَسْتُرَ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وأنْ لا يُخْبِرَهُ بِأحْوالِ نَفْسِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كَتَمَ أخْبارَ نَفْسِهِ عَنْ أبِيهِ طُولَ تِلْكَ المُدَّةِ، مَعَ عِلْمِهِ بِوَجْدِ أبِيهِ بِهِ خَوْفًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وصَبَرَ عَلى تَجَرُّعِ تِلْكَ المَرارَةِ، فَكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ قَضى عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُوَصِّلَ إلَيْهِ تِلْكَ الغُمُومَ الشَّدِيدَةَ والهُمُومَ العَظِيمَةَ لِيَكْثُرَ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعَ تَعَلُّقُ فِكْرِهِ عَنِ الدُّنْيا فَيَصِلُ إلى دَرَجَةٍ عالِيَةٍ في العُبُودِيَّةِ لا يُمْكِنُ الوُصُولُ إلَيْها إلّا بِتَحَمُّلِ المِحَنِ الشَّدِيدَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском