Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:21–23
12:21Page 237
وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١
And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ ثَبَتَ في الأخْبارِ أنَّ الَّذِي اشْتَراهُ إمّا مِنَ الإخْوَةِ أوْ مِنَ الوارِدِينَ عَلى الماءِ ذَهَبَ بِهِ إلى مِصْرَ وباعَهُ هُناكَ. وقِيلَ إنَّ الَّذِي اشْتَراهُ قِطْفِيرُ أوْ إطْفِيرُ وهو العَزِيزُ الَّذِي كانَ يَلِي خَزائِنَ مِصْرَ، والمَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ رَجُلٌ مِنَ العَمالِيقِ، وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ فَدَعاهُ يُوسُفُ إلى الإسْلامِ فَأبى، واشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ رَيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ، وقِيلَ: اشْتَراهُ العَزِيزُ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وقِيلَ: أدْخَلُوهُ السُّوقَ يَعْرِضُونَهُ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ ما يُساوِيهِ في الوَزْنِ مِنَ المِسْكِ والوَرِقِ والحَرِيرِ، فابْتاعَهُ قِطْفِيرُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ. وقالُوا: اسْمُ تِلْكَ المَرْأةِ زَلِيخا، وقِيلَ راعِيلُ.
صفحة ٨٨
واعْلَمْ أنَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الرِّواياتِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، ولَمْ يَثْبُتْ أيْضًا في خَبَرٍ صَحِيحٍ، وتَفْسِيرُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى لا يَتَوَقَّفُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ، فالألْيَقُ بِالعاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ مِن ذِكْرِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أيْ مَنزِلَهُ ومَقامَهُ عِنْدَكِ مِن قَوْلِكَ ثَوَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتَ بِهِ، ومَصْدَرُهُ الثَّواءُ، والمَعْنى: اجْعَلِي مَنزِلَهُ عِنْدَكِ كَرِيمًا حَسَنًا مَرْضِيًّا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وقالَ المُحَقِّقُونَ: أمَرَ العَزِيزُ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ دُونَ إكْرامِ نَفْسِهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ وهو كَما يُقالُ: سَلامُ اللَّهِ عَلى المَجْلِسِ العالِي، ولَمّا أمَرَها بِإكْرامِ مَثْواهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ يَقُومُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِنا، أوْ نَتَّخِذُهُ ولَدًا، لِأنَّهُ كانَ لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ، وكانَ حَصُورًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ كَما أنْعَمْنا عَلَيْهِ بِالسَّلامَةِ مِنَ الجُبِّ مَكَّنّاهُ بِأنْ عَطَّفْنا عَلَيْهِ قَلْبَ العَزِيزِ، حَتّى تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى أنْ صارَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ في أرْضِ مِصْرَ.
واعْلَمْ أنَّ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ إلّا القُدْرَةَ والعِلْمَ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حاوَلَ إعْلاءَ شَأْنِ يُوسُفَ ذَكَرَهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أمّا تَكْمِيلُهُ في صِفَةِ القُدْرَةِ والمُكْنَةِ فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ وأمّا تَكْمِيلُهُ في صِفَةِ العِلْمِ، فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ [يوسف: ١٥] وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وعِنْدَنا الإرْهاصُ جائِزٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الوَحْيَ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما كانَ لِأجْلِ بِعْثَتِهِ إلى الخَلْقِ، بَلْ لِأجْلِ تَقْوِيَةِ قَلْبِهِ وإزالَةِ الحُزْنِ عَنْ صَدْرِهِ، ولِأجْلِ أنْ يَسْتَأْنِسَ بِحُضُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ هَهُنا: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ والمُرادُ مِنهُ إرْسالُهُ إلى الخَلْقِ بِتَبْلِيغِ التَّكالِيفِ، ودَعْوَةِ الخَلْقِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ الوَحْيَ الأوَّلَ كانَ لِأجْلِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، ويُحْمَلُ قَوْلُهُ: ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ بِزِياداتٍ ودَرَجاتٍ يَصِيرُ بِها كُلَّ يَوْمٍ أعْلى حالًا مِمّا كانَ قَبْلَهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أشَدُّ النّاسِ فِراسَةً ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ فَقالَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا، والمَرْأةُ لَمّا رَأتْ مُوسى، فَقالَتْ: ﴿ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: غالِبٌ عَلى أمْرِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ لا دافِعَ لِقَضائِهِ ولا مانِعَ عَنْ حُكْمِهِ في أرْضِهِ وسَمائِهِ.
والثّانِي: واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ، يَعْنِي أنَّ انْتِظامَ أُمُورِهِ كانَ إلَهِيًّا، وما كانَ بِسَعْيِهِ، وإخْوَتُهُ أرادُوا بِهِ كُلَّ سُوءٍ ومَكْرُوهٍ واللَّهُ أرادَ بِهِ الخَيْرَ، فَكانَ كَما أرادَ اللَّهُ تَعالى ودَبَّرَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن تَأمَّلَ في أحْوالِ الدُّنْيا وعَجائِبِ أحْوالِها عَرَفَ وتَيَقَّنَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وأنَّ قَضاءَ اللَّهِ غالِبٌ.
12:22Page 237
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢
And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٨٩
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ إخْوَتَهُ لَمّا أساءُوا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ صَبَرَ عَلى تِلْكَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ، ثُمَّ لَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ جَمِيعَ ما فازَ بِهِ مِنَ النِّعَمِ كانَ كالجَزاءِ عَلى صَبْرِهِ عَلى تِلْكَ المِحَنِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ النُّبُوَّةَ جَزاءٌ عَلى الأعْمالِ الحَسَنَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ مَنِ اجْتَهَدَ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ اللَّهِ تَعالى وشَكَرَ نَعْماءَ اللَّهِ تَعالى وجَدَ مَنصِبَ الرِّسالَةِ. واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ صَبْرَ يُوسُفَ عَلى تِلْكَ المِحَنِ ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهُ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أتى بِالطّاعاتِ الحَسَنَةِ الَّتِي أتى بِها يُوسُفُ، فَإنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ تِلْكَ المَناصِبَ، وهَذا بَعِيدٌ لِاتِّفاقِ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ.
واعْلَمْ أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ ما كانَ رَسُولًا ولا نَبِيًّا البَتَّةَ، وإنَّما كانَ عَبْدًا أطاعَ اللَّهَ تَعالى فَأحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِالإجْماعِ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ كانَ نَبِيًّا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ [يوسف: ١٥] وما كانَ رَسُولًا، ثُمَّ إنَّهُ صارَ رَسُولًا مِن هَذا الوَقْتِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ كانَ رَسُولًا مِنَ الوَقْتِ الَّذِي أُلْقِيَ في غَيابَةِ الجُبِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: بَلَغَ فُلانٌ أشُدَّهُ إذا انْتَهى مُنْتَهاهُ في شَبابِهِ وقُوَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ في النُّقْصانِ، وهَذا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ في الواحِدِ والجَمْعِ، يُقالُ بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغُوا أشُدَّهم، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الأشُدِّ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾، وأمّا التَّفْسِيرُ فَرَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً. وأقُولُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ شَدِيدَةُ الِانْطِباقِ عَلى القَوانِينِ الطِّبِّيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ الأطِبّاءَ قالُوا إنَّ الإنْسانَ يَحْدُثُ في أوَّلِ الأمْرِ ويَتَزايَدُ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى غايَةِ الكَمالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ في التَّراجُعِ والِانْتِقاصِ إلى أنْ لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ، فَكانَتْ حالَتُهُ شَبِيهَةً بِحالِ القَمَرِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ هِلالًا ضَعِيفًا ثُمَّ لا يَزالُ يَزْدادُ إلى أنْ يَصِيرَ بَدْرًا تامًّا، ثُمَّ يَتَراجَعُ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى العَدَمِ والمُحاقِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مُدَّةُ دَوْرِ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا وكَسْرٌ فَإذا جُعِلَتْ هَذِهِ الدَّوْرَةُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، كانَ كُلُّ قِسْمٍ مِنها سَبْعَةَ أيّامٍ. فَلا جَرَمَ رَتَّبُوا أحْوالَ الأبْدانِ عَلى الأسابِيعِ، فالإنْسانُ إذا وُلِدَ كانَ ضَعِيفَ الخِلْقَةِ نَحِيفَ التَّرْكِيبِ إلى أنْ يَتِمَّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، ثُمَّ إذا دَخَلَ في السَّبْعَةِ الثّانِيَةِ حَصَلَ فِيهِ آثارُ الفَهْمِ والذَّكاءِ والقُوَّةِ، ثُمَّ لا يَزالُ في التَّرَقِّي إلى أنْ يَتِمَّ لَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَإذا دَخَلَ في السَّنَةِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ دَخَلَ في الأُسْبُوعِ الثّالِثِ، وهُناكَ يَكْمُلُ العَقْلُ ويَبْلُغُ إلى حَدِّ التَّكْلِيفِ وتَتَحَرَّكُ فِيهِ الشَّهْوَةُ، ثُمَّ لا يَزالُ يَرْتَقِي عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلى أنْ يُتِمَّ السَّنَةَ الحادِيَةَ والعِشْرِينَ، وهُناكَ يَتِمُّ الأُسْبُوعُ الثّالِثُ ويَدْخُلُ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ والعِشْرِينَ، وهَذا الأُسْبُوعُ آخِرُ أسابِيعِ النُّشُوءِ والنَّماءِ، فَإذا تَمَّتِ السَّنَةُ الثّامِنَةُ والعِشْرُونَ فَقَدْ تَمَّتْ مُدَّةُ النُّشُوءِ والنَّماءِ، ويَنْتَقِلُ الإنْسانُ مِنهُ إلى زَمانِ الوُقُوفِ وهو الزَّمانُ الَّذِي يَبْلُغُ الإنْسانُ فِيهِ أشُدَّهُ، وبِتَمامِ هَذا الأُسْبُوعِ الخامِسِ يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المَراتِبَ مُخْتَلِفَةٌ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ؛ فَهَذا الأُسْبُوعُ الخامِسُ الَّذِي هو أُسْبُوعُ الشِّدَّةِ والكَمالِ يَبْتَدِئُ مِنَ السَّنَةِ التّاسِعَةِ والعِشْرِينَ إلى الثّالِثَةِ والثَّلاثِينَ، وقَدْ يَمْتَدُّ إلى الخامِسَةِ والثَّلاثِينَ، فَهَذا هو الطَّرِيقُ المَعْقُولُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأشْياءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الحُكْمِ والعِلْمِ، وفِيهِ أقْوالٌ:
صفحة ٩٠
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ الحُكْمَ والحِكْمَةَ أصْلُهُما حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَواها، ومَنعُها مِمّا يَشِينُها، فالمُرادُ مِنَ الحُكْمِ الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، والمُرادُ مِنَ العِلْمِ الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ. وإنَّما قَدَّمَ الحِكْمَةَ العَمَلِيَّةَ هُنا عَلى النَّظَرِيَّةِ، لِأنَّ أصْحابَ الرِّياضاتِ يَشْتَغِلُونَ بِالحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ، ثُمَّ يَتَرَقَّوْنَ مِنها إلى الحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ. وأمّا أصْحابُ الأفْكارِ العَقْلِيَّةِ والأنْظارِ الرُّوحانِيَّةِ فَإنَّهم يَصِلُونَ إلى الحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ أوَّلًا، ثُمَّ يَنْزِلُونَ مِنها إلى الحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ، وطَرِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأوَّلُ، لِأنَّهُ صَبَرَ عَلى البَلاءِ والمِحْنَةِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ المُكاشَفاتِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: الحُكْمُ هو النُّبُوَّةُ، لِأنَّ النَّبِيَّ يَكُونُ حاكِمًا عَلى الخَلْقِ، والعِلْمُ عِلْمُ الدِّينِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ صَيْرُورَةَ نَفْسِهِ المُطْمَئِنَّةِ حاكِمَةً عَلى نَفْسِهِ الأمّارَةِ بِالسُّوءِ مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْها قاهِرَةً لَها، ومَتى صارَتِ القُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ مَقْهُورَةً ضَعِيفَةً فاضَتِ الأنْوارُ القُدُسِيَّةُ والأضْواءُ الإلَهِيَّةُ مِن عالَمِ القُدُسِ عَلى جَوْهَرِ النَّفْسِ. وتَحْقِيقُ القَوْلِ في هَذا البابِ أنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ خُلِقَتْ قابِلَةً لِلْمَعارِفِ الكُلِّيَّةِ والأنْوارِ العَقْلِيَّةِ، إلّا أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنا بِحَسَبِ البَراهِينِ العَقْلِيَّةِ وبِحَسَبِ المُكاشَفاتِ العُلْوِيَّةِ أنَّ جَواهِرَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيّاتِ فَمِنها ذَكِيَّةٌ وبَلِيدَةٌ، ومِنها حُرَّةٌ ونَذْلَةٌ، ومِنها شَرِيفَةٌ وخَسِيسَةٌ، ومِنها عَظِيمَةُ المَيْلِ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ وعَظِيمَةُ الرَّغْبَةِ في الجُسْمانِيّاتِ، فَهَذِهِ الأقْسامُ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ قابِلٌ لِلْأشَدِّ والأضْعَفِ والأكْمَلِ والأنْقَصِ، فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَ جَوْهَرُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ جَوْهَرًا مُشْرِقًا شَرِيفًا شَدِيدَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الأضْواءِ العَقْلِيَّةِ واللَّوائِحِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ النَّفْسُ في حالِ الصِّغَرِ لا يَظْهَرُ مِنها هَذِهِ الأحْوالُ، لِأنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ إنَّما تَقْوى عَلى أفْعالِها بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ الآلاتِ الجَسَدانِيَّةِ، وهَذِهِ الآلاتُ في حالِ الصِّغَرِ تَكُونُ الرُّطُوباتُ مُسْتَوْلِيَةً عَلَيْها، فَإذا كَبِرَ الإنْسانُ واسْتَوْلَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ عَلى البَدَنِ نَضِجَتْ تِلْكَ الرُّطُوباتُ وقَلَّتْ واعْتَدَلَتْ، فَصارَتْ تِلْكَ الآلاتُ البَدَنِيَّةُ صالِحَةً لِأنْ تَسْتَعْمِلَها النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ، وإذا كانَتِ النَّفْسُ في أصْلِ جَوْهَرِها شَرِيفَةً فَعِنْدَ كَمالِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ تَكْمُلُ مَعارِفُها وتَقْوى أنْوارُها ويَعْظُمُ لَمَعانُ الأضْواءِ فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى اعْتِدالِ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ إشارَةٌ إلى اسْتِكْمالِ النَّفْسِ في قُوَّتِها العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
12:23Page 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في غايَةِ الجَمالِ والحُسْنِ، فَلَمّا رَأتْهُ المَرْأةُ طَمِعَتْ فِيهِ، ويُقالُ أيْضًا إنَّ زَوْجَها كانَ عاجِزًا، يُقالُ: راوَدَ فُلانٌ جارِيَتَهُ عَنْ نَفْسِها وراوَدَتْهُ هي عَنْ نَفْسِهِ إذا حاوَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الوَطْءَ والجِماعَ ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ والسَّبَبُ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لا يُؤْتى بِهِ إلّا في المَواضِعِ المَسْتُورَةِ لا سِيَّما إذا كانَ حَرامًا، ومَعَ قِيامِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ أيْ أغْلَقَتْها، قالَ الواحِدِيُّ: وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ في كُلِّ شَيْءٍ تَشَبَّثَ في شَيْءٍ فَلَزِمَهُ قَدْ غَلِقَ يُقالُ: غَلِقٌ في الباطِلِ وغَلِقٌ في غَضَبِهِ، ومِنهُ غَلْقُ الرَّهْنِ،
صفحة ٩١
ثُمَّ يُعَدّى بِالألِفِ فَيُقالُ: أُغْلِقَ البابُ إذا جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَعْسُرُ فَتْحُهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما جاءَ غَلَّقَتْ عَلى التَّكْثِيرِ لِأنَّها غَلَّقَتْ سَبْعَةَ أبْوابٍ، ثُمَّ دَعَتْهُ إلى نَفْسِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: هَيْتَ لَكَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ نَحْوَ: رُوَيْدًا، وصَهْ، ومَهْ. ومَعْناهُ هَلُمَّ في قَوْلِ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: ”هَيْتَ لَكَ“ مَفْتُوحَةُ الهاءِ والتّاءِ، ويَجُوزُ أيْضًا كَسْرُ التّاءِ ورَفْعُها. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أبُو الفَضْلِ المُنْذِرِيُّ: أفادَنِي ابْنُ التَّبْرِيزِيِّ عَنْ أبِي زَيْدٍ قالَ: هَيْتَ لَكَ بِالعِبْرانِيَّةِ هَيّا لَحَّ، أيْ تَعالَ؛ عَرَّبَهُ القُرْآنُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّها لُغَةٌ لَأهْلِ حَوْرانَ سَقَطَتْ إلى بَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا وِفاقٌ بَيْنَ لُغَةِ قُرَيْشٍ وأهْلِ حَوْرانَ كَما اتَّفَقَتْ لُغَةُ العَرَبِ والرُّومِ في ”القِسْطاسِ“ ولُغَةُ العَرَبِ والفُرْسِ في ”السِّجِّيلِ“ ولُغَةُ العَرَبِ والتُّرْكِ في ”الغَسّاقِ“ ولُغَةُ العَرَبِ والحَبَشَةِ في ”ناشِئَةَ اللَّيْلِ“ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ ”هِيتَ“ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”هَيْتُ لَكَ“ مِثْلُ حَيْثُ، وقَرَأ هِشامُ بْنُ عَمّارٍ عَنْ أبِي عامِرٍ ”هِئْتُ لَكَ“ بِكَسْرِ الهاءِ وهَمْزِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ مِثْلُ جِئْتُ مِن تَهَيَّأْتُ لَكَ، والباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وإسْكانِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ المَرْأةَ لَمّا ذَكَرَتْ هَذا الكَلامَ، قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ لِلشَّأْنِ والحَدِيثِ ﴿رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أيْ رَبِّي وسَيِّدِي ومالِكِي أحْسَنَ مَثْوايَ حِينَ قالَ لَكِ: أكْرِمِي مَثْواهُ، فَلا يَلِيقُ بِالعَقْلِ أنْ أُجازِيَهُ عَلى ذَلِكَ الإحْسانِ بِهَذِهِ الخِيانَةِ القَبِيحَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ يُجازُونَ الإحْسانَ بِالإساءَةِ، وقِيلَ: أرادَ الزُّناةَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أنْفُسَهم أوْ لِأنَّ عَمَلَهم يَقْتَضِي وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حُرًّا وما كانَ عَبْدًا لِأحَدٍ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ رَبِّي﴾ يَكُونُ كَذِبًا وذَلِكَ ذَنْبٌ وكَبِيرَةٌ.
والجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجْرى هَذا الكَلامَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وعَلى وفْقِ ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ مِن كَوْنِهِ عَبْدًا لَهُ وأيْضًا أنَّهُ رَبّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ فَعَنى بِكَوْنِهِ رَبًّا لَهُ كَوْنَهُ مُرَبِّيًا لَهُ، وهَذا مِن بابِ المَعارِيضِ الحَسَنَةِ، فَإنَّ أهْلَ الظّاهِرِ يَحْمِلُونَهُ عَلى كَوْنِهِ رَبًّا لَهُ وهو كانَ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ كانَ مُرَبِّيًا لَهُ ومُنْعِمًا عَلَيْهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في القَضاءِ والقَدَرِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً لِأنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، طَلَبٌ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعِيذَهُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وتِلْكَ الإعاذَةُ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إعْطاءِ القُدْرَةِ والعَقْلِ والآلَةِ، وإزاحَةِ الأعْذارِ، وإزالَةِ المَوانِعِ وفِعْلِ الألْطافِ، لِأنَّ كُلَّ ما كانَ في مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا البابِ فَقَدْ فَعَلَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إمّا طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، أوْ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ المُمْتَنِعِ، وأنَّهُ مُحالٌ فَعَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الإعاذَةَ الَّتِي طَلَبَها يُوسُفُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مَعْنى لَها، إلّا أنْ يَخْلُقَ فِيهِ داعِيَةً جازِمَةً في جانِبِ الطّاعَةِ وأنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ داعِيَةَ المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ ما نُقِلَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلى زَيْنَبَ قالَ: ”«يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ» “ وكانَ المُرادُ مِنهُ تَقْوِيَةَ داعِيَةِ الطّاعَةِ، وإزالَةَ داعِيَةِ المَعْصِيَةِ فَكَذا هَهُنا، وكَذا
صفحة ٩٢
قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«قَلْبُ المُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» “ فالمُرادُ مِنَ الأُصْبُعَيْنِ داعِيَةُ الفِعْلِ، وداعِيَةُ التَّرْكِ، وهاتانِ الدّاعِيَتانِ لا يَحْصُلانِ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرَتْ إلى داعِيَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى قَوْلِنا، واللَّهُ أعْلَمُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجَوابِ عَنْ كَلامِها ثَلاثَةَ أشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ .
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ .
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ فَما وجْهُ تَعَلُّقِ بَعْضِ هَذا الجَوابِ بِبَعْضٍ ؟
والجَوابُ: هَذا التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِانْقِيادَ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتَكْلِيفِهِ أهَمُّ الأشْياءِ لِكَثْرَةِ إنْعامِهِ وألْطافِهِ في حَقِّ العَبْدِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ عَنْ هَذا العَمَلِ، وأيْضًا حُقُوقُ الخَلْقِ واجِبَةُ الرِّعايَةِ، فَلَمّا كانَ هَذا الرَّجُلُ قَدْ أنْعَمَ في حَقِّي يَقْبُحُ مُقابَلَةُ إنْعامِهِ وإحْسانِهِ بِالإساءَةِ، وأيْضًا صَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الضَّرَرِ واجِبٌ، وهَذِهِ اللَّذَّةُ لَذَّةٌ قَلِيلَةٌ يَتْبَعُها خِزْيٌ في الدُّنْيا، وعَذابٌ شَدِيدٌ في الآخِرَةِ، واللَّذَّةُ القَلِيلَةُ إذا لَزِمَها ضَرَرٌ شَدِيدٌ، فالعَقْلُ يَقْتَضِي تَرْكَها والِاحْتِزازَ عَنْها، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الجَواباتِ الثَّلاثَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences