Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
يوسف
Yusuf
Joseph · Meccan · 111 ayahs
12:1–2Page 235
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ١
Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the clear Book.
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢
Indeed, We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 that you might understand.
صفحة ٦٧
سُورَةُ يُوسُفَ
مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ١ و٢ و٣ و٧، فَمَدَنِيَّةٌ
وآياتُها: ١١١، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ هُودٍ
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ تَفْسِيرَ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ المُسَمّاةِ ”الر“ هي ﴿آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ وهو القُرْآنُ، وإنَّما وُصِفَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ مُبِينًا لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ قاهِرَةٌ وآيَةٌ بَيِّنَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ .
والثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ الهُدى والرُّشْدَ، والحَلالَ والحَرامَ، ولَمّا بُيِّنَتْ هَذِهِ الأشْياءُ فِيهِ كانَ الكِتابُ مُبِينًا لِهَذِهِ الأشْياءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بُيِّنَتْ فِيهِ قِصَصُ الأوَّلِينَ وشُرِحَتْ فِيهِ أحْوالُ المُتَقَدِّمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ: سَلُوا مُحَمَّدًا لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ، وعَنْ كَيْفِيَّةِ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ بِألْفاظٍ عَرَبِيَّةٍ، لِيَتَمَكَّنُوا مِن فَهْمِها ويَقْدِرُوا عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ بِها. والتَّقْدِيرُ: إنّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ يُوسُفَ في حالِ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وسُمِّيَ بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ وإنْزالُهُ وتَحْوِيلُهُ مِن حالٍ إلى حالٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والقَدِيمُ لا يَكُونُ عَرَبِيًّا ولا فارِسِيًّا.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُنْزِلَهُ لا عَرَبِيًّا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ يَدُلُّ
صفحة ٦٨
عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الآياتِ والكَلِماتِ، وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا كانَ مُحْدَثًا.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِأسْرِها أنْ نَقُولَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ والألْفاظِ والعِباراتِ مُحْدَثٌ وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ فَقالَ: كَلِمَةُ ”لَعَلَّ“ يَجِبُ حَمْلُها عَلى الجَزْمِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَعْقِلُوا مَعانِيَهُ في أمْرِ الدِّينِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ الشَّكَّ؛ لِأنَّهُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ أنْزَلَهُ لِإرادَةِ أنْ يَعْرِفُوا دَلائِلَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن كُلِّ العِبادِ أنْ يَعْقِلُوا تَوْحِيدَهُ وأمْرَ دِينِهِ، مَن عَرَفَ مِنهم، ومَن لَمْ يَعْرِفْ، بِخِلافِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ.
والجَوابُ: هَبْ أنَّ الأمْرَ ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ، وأرادَ مِنهم مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ ؟ .
12:3Page 235
نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣
We relate to you, [O Muḥammad], the best of stories in what We have revealed to you of this Qur’ān although you were, before it, among the unaware.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «أنَّهُ تَعالى لَمّا أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ يَتْلُوهُ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَتَلاها عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: لَوْ حَدَّثْتَنا، فَنَزَلَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزمر: ٢٣] فَقالُوا: لَوْ ذَكَّرْتَنا، فَنَزَلَ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ»﴾ [ الحَدِيدِ: ١٦] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَصَصُ إتْباعُ الخَبَرِ بَعْضُهُ بَعْضًا وأصْلُهُ في اللُّغَةِ المُتابَعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ، وقالَ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أيِ اتِّباعًا، وإنَّما سُمِّيَتِ الحِكايَةُ قَصَصًا لِأنَّ الَّذِي يَقُصُّ الحَدِيثَ يَذْكُرُ تِلْكَ القِصَّةَ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَما يُقالُ تَلا القُرْآنَ إذا قَرَأهُ لِأنَّهُ يَتْلُو أيْ يَتْبَعُ ما حَفِظَ مِنهُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، والقَصَصُ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الِاقْتِصاصِ، يُقالُ قَصَّ الحَدِيثَ يَقُصُّهُ قَصًّا وقَصَصًا إذا طَرَدَهُ وساقَهُ، كَما يُقالُ أرْسَلَهُ يُرْسِلُهُ إرْسالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَسْمِيَةِ المَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِكَ: هَذا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى أيْ مَقْدُورُهُ، وهَذا الكِتابُ عِلْمُ فُلانٍ أيْ مَعْلُومُهُ، وهَذا رَجاؤُنا أيْ مَرْجُوُّنا، فَإنْ حَمَلْناهُ عَلى المَصْدَرِ كانَ المَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالحُسْنُ يَعُودُ إلى حُسْنِ البَيانِ لا إلى القِصَّةِ، والمُرادُ مِن هَذا الحُسْنِ كَوْنُ هَذِهِ الألْفاظُ فَصِيحَةً بالِغَةً في الفَصاحَةِ إلى حَدِّ الإعْجازِ، ألا تَرى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ التَّوارِيخِ مَعَ أنَّ شَيْئًا مِنها لا يُشابِهُ هَذِهِ السُّورَةَ في الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى المَفْعُولِ كانَ مَعْنى كَوْنِهِ أحْسَنَ القَصَصِ لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ والنُّكَتِ والحِكَمِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِها، فَإنَّ إحْدى الفَوائِدِ الَّتِي في هَذِهِ القِصَّةِ أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ
صفحة ٦٩
اللَّهِ تَعالى ولا مانِعَ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ تَعالى إذا قَضى لِلْإنْسانِ بِخَيْرٍ ومَكْرُمَةٍ فَلَوْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِهِ.
والفائِدَةُ الثّانِيَةُ: دَلالَتُها عَلى أنَّ الحَسَدَ سَبَبٌ لِلْخِذْلانِ والنُّقْصانِ.
والفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ كَما في حَقِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا صَبَرَ فازَ بِمَقْصُودِهِ، وكَذَلِكَ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ فالمَعْنى بِوَحْيِنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ، وهَذا التَّقْدِيرُ إنْ جَعَلْنا ”ما“ مَعَ الفِعْلِ بِمَنزِلَةِ المَصْدَرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ﴾ يُرِيدُ مِن قَبْلِ أنْ نُوحِيَ إلَيْكَ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ أنَّهُ كانَ مِنَ الغافِلِينَ عَنِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ قَبْلَ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [ الشُّورى: ٥٢] .
12:4Page 235
إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤
[Of these stories mention] when Joseph said to his father,1 "O my father, indeed I have seen [in a dream] eleven stars and the sun and the moon; I saw them prostrating to me."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اذْكُرْ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ﴾ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الصَّحِيحُ أنَّهُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لانْصَرَفَ لِخُلُوِّهِ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ سِوى التَّعْرِيفِ، وقَرَأ بَعْضُهم ”يُوسِفَ“ بِكَسْرِ السِّينِ ”ويُوسَفَ“ بِفَتْحِها. وأيْضًا رُوِيَ في يُونُسَ هَذِهِ اللُّغاتُ الثَّلاثُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إذا قِيلَ: مَنِ الكَرِيمُ ؟ فَقُولُوا: الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» “ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”يا أبَتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ. أمّا الفَتْحُ فَوَجْهُهُ أنَّهُ كانَ في الأصْلِ ”يا أبَتاهُ“ عَلى سَبِيلِ النُّدْبَةِ، فَحُذِفَتِ الألِفُ والهاءُ. وأمّا الكَسْرُ فَأصْلُهُ يا أبِي، فَحُذِفَتِ الياءُ واكْتُفِيَ بِالكَسْرَةِ عَنْها ثُمَّ أُدْخِلَ هاءُ الوَقْفِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ﴾ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ فَأدْخَلُوا عَلَيْهِ الإضافَةَ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ وابْنِ الأنْبارِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ النَّحْوِيِّينَ طَوَّلُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ، ومَن أرادَ كَلامَهم فَلْيُطالِعْ كُتُبَهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ سَجَدَتْ لَهُ، وكانَ لَهُ أحَدَ عَشَرَ نَفَرًا مِنَ الإخْوَةِ، فَفَسَّرَ الكَواكِبَ بِالإخْوَةِ، والشَّمْسَ والقَمَرَ بِالأبِ والأُمِّ، والسُّجُودَ بِتَواضُعِهِمْ لَهُ ودُخُولِهِمْ تَحْتَ أمْرِهِ، وإنَّما حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ عَلى الرُّؤْيا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الكَواكِبَ لا تَسْجُدُ في الحَقِيقَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى الرُّؤْيا.
والثّانِي: قَوْلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
صفحة ٧٠
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ساجِدِينَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ، والكَواكِبُ جَماداتٌ، فَكَيْفَ جازَتِ اللَّفْظَةُ المَخْصُوصَةُ بِالعُقَلاءِ في حَقِّ الجَماداتِ ؟ .
قُلْنا: إنَّ جَماعَةً مِنَ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الكَواكِبَ أحْياءٌ ناطِقَةٌ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ مُخْتَصٌّ بِالعُقَلاءِ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَها بِالسُّجُودِ صارَتْ كَأنَّها تَعْقِلُ، فَأخْبَرَ عَنْها كَما يُخْبِرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ كَما قالَ في صِفَةِ الأصْنامِ: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [ النَّمْلِ: ١٨] .
السُّؤالُ الثّانِي: قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ ثُمَّ أعادَ لَفْظَ الرُّؤْيا مَرَّةً ثانِيَةً، وقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
الجَوابُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ذَكَرَ الرُّؤْيَةَ الأُولى لِتَدُلَّ عَلى أنَّهُ شاهَدَ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، والثّانِيَةَ لِتَدُلَّ عَلى مُشاهَدَةِ كَوْنِها ساجِدَةً لَهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟ فَقالَ: رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ، وقالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما مِنَ الرُّؤْيَةِ والآخَرُ مِنَ الرُّؤْيا، وهَذا القائِلُ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ أيَّهُما يُحْمَلُ عَلى الرُّؤْيَةِ وأيَّهُما الرُّؤْيا فَذَكَرَ قَوْلًا مُجْمَلًا غَيْرَ مُبَيَّنٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ؟
قُلْنا: أخَّرَهُما لِفَضْلِهِما عَلى الكَواكِبِ، لِأنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الشَّرَفِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٩٨] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: المُرادُ بِالسُّجُودِ نَفْسُ السُّجُودِ أوِ التَّواضُعُ كَما في قَوْلِهِ:
تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
قُلْنا: كِلاهُما مُحْتَمَلٌ، والأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ. ولا مانِعَ أنْ يَرى في المَنامِ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ سَجَدَتْ لَهُ.
السُّؤالُ الخامِسُ: مَتى رَأى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الرُّؤْيا ؟
قُلْنا: لا شَكَّ أنَّهُ رَآها حالَ الصِّغَرِ، فَأمّا ذَلِكَ الزَّمانُ بِعَيْنِهِ فَلا يُعْلَمُ إلّا بِالإخْبارِ. قالَ وهْبٌ: رَأى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصًا طِوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّائِرَةِ، وإذا عَصًا صَغِيرَةٌ وثَبَتَ عَلَيْها حَتّى ابْتَلَعَتْها، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأى وهو ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تَسْجُدُ لَهُ فَقَصَّها عَلى أبِيهِ فَقالَ: لا تَذْكُرْها لَهم فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا. وقِيلَ: كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَصِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً.
واعْلَمْ أنَّ الحُكَماءَ يَقُولُونَ إنَّ الرُّؤْيا الرَّدِيئَةَ يَظْهَرُ تَعْبِيرُها عَنْ قَرِيبٍ، والرُّؤْيا الجَيِّدَةُ إنَّما يَظْهَرُ تَعْبِيرُها بَعْدَ حِينٍ. قالُوا: والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلَ الإعْلامُ بِوُصُولِ الشَّرِّ إلّا عِنْدَ قُرْبِ وُصُولِهِ حَتّى يَكُونَ الحُزْنُ والغَمُّ أقَلَّ، وأمّا الإعْلامُ بِالخَيْرِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ مُتَقَدِّمًا عَلى ظُهُورِهِ بِزَمانٍ طَوِيلٍ حَتّى
صفحة ٧١
تَكُونَ البَهْجَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ حُصُولِ ذَلِكَ الخَيْرِ أكْثَرَ وأتَمَّ.
السُّؤالُ السّادِسُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أبُوهُ وخالَتُهُ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟
قُلْنا: إنَّما قالُوا ذَلِكَ مِن حَيْثُ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّ والِدَتَهُ تُوُفِّيَتْ وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ حالَ ما كانَ بِمِصْرَ قالُوا: ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أباهُ وأُمَّهُ لَما ماتَتْ لِأنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ وحْيًا، وهَذِهِ الحُجَّةُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الأنْبِياءِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: وما تِلْكَ الكَواكِبُ ؟
قُلْنا: رَوى صاحِبُ الكَشّافِ «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ: ”إنْ أخْبَرْتُكَ هَلْ تُسْلِمُ ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”جَرْبانُ والطّارِقُ والذَّيّالُ وقابِسٌ وعَمُودانُ والفُلَيْقُ والمُصْبِحُ والضَّرُوحُ والفَرْغُ ووَثّابٌ وذُو الكَتِفَيْنِ رَآها يُوسُفُ والشَّمْسُ والقَمَرُ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ وسَجَدَتْ لَهُ“ فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها» .
واعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِن هَذِهِ الأسْماءِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ في صُورَةِ الكَواكِبِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
12:5–6Page 236
قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٥
He said, "O my son, do not relate your vision to your brothers or they will contrive against you a plan. Indeed Satan, to man, is a manifest enemy.
وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦
And thus will your Lord choose you and teach you the interpretation of narratives [i.e., events or dreams] and complete His favor upon you and upon the family of Jacob, as He completed it upon your fathers before, Abraham and Isaac. Indeed, your Lord is Knowing and Wise."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَفْصٌ ”يا بُنَيَّ“ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ بِالكَسْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِيُوسُفَ وأخِيهِ فَحَسَدَهُ إخْوَتُهُ لِهَذا السَّبَبِ، وظَهَرَ ذَلِكَ المَعْنى لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأماراتِ الكَثِيرَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الرُّؤْيا وكانَ تَأْوِيلُها أنَّ إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ يَخْضَعُونَ لَهُ فَقالَ: لا تُخْبِرْهم بِرُؤْياكَ فَإنَّهم يَعْرِفُونَ تَأْوِيلَها فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: الرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُشْرى والسُّقْيا والبُقْيا والشُّورى. إلّا أنَّهُ لَمّا صارَ اسْمًا لِهَذا المُتَخَيَّلِ في المَنامِ جَرى مَجْرى الأسْماءِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ
صفحة ٧٢
بِما كانَ مِنها في المَنامِ دُونَ اليَقَظَةِ، فَلا جَرَمَ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ، كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى. وقُرِئَ ”رُوياكَ“ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا. وسُمِعَ الكِسائِيُّ يَقْرَأُ رُيّاكَ ورِيّاكَ بِالإدْغامِ وضَمِّ الرّاءِ وكَسْرِها وهي ضَعِيفَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ وهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ، والمَعْنى إنْ قَصَصْتَها عَلَيْهِمْ كادُوكَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ فَيَكِيدُوكَ كَما قالَ: ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥] ؟ .
قُلْنا: هَذِهِ اللّامُ تَأْكِيدٌ لِلصِّلَةِ كَقَوْلِهِ ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، وكَقَوْلِكَ نَصَحْتُكَ ونَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُكَ وشَكَرْتُ لَكَ، وقِيلَ هي مِن صِلَةِ الكَيْدِ عَلى مَعْنى فَيَكِيدُوا كَيْدًا لَكَ. قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا وإلّا لَمْ يَعْلَمُوا مِن هَذِهِ الرُّؤْيا ما يُوجِبُ حِقْدًا وغَضَبًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ والسَّبَبُ في هَذا الكَلامِ أنَّهم لَوْ أقْدَمُوا عَلى الكَيْدِ لَكانَ ذَلِكَ مُضافًا إلى الشَّيْطانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“، ثُمَّ إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَ بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا، وذَكَرُوا أُمُورًا:
أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي وكَما اجْتَباكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ وعِزِّ وكِبَرِ شَأْنٍ كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ لِأُمُورٍ عِظامٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الِاجْتِباءُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَّصْتَهُ لِنَفْسِكَ، ومِنهُ جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا الِاجْتِباءِ، فَقالَ الحَسَنُ: يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ بِالنُّبُوَّةِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنهُ إعْلاءُ الدَّرَجَةِ وتَعْظِيمُ المَرْتَبَةِ، فَأمّا تَعْيِينُ النُّبُوَّةِ فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا سَمّاهُ تَأْوِيلًا لِأنَّهُ يُؤَوِّلُ أمْرَهُ إلى ما رَآهُ في المَنامِ، يَعْنِي تَأْوِيلَ أحادِيثِ النّاسِ فِيما يَرَوْنَهُ في مَنامِهِمْ. قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ غايَةً.
والثّانِي: تَأْوِيلُ الأحادِيثِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى والأخْبارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، كَما أنَّ الواحِدَ مِن عُلَماءِ زَمانِنا يَشْتَغِلُ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ وتَأْوِيلِهِ، وتَأْوِيلِ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .
والثّالِثُ: الأحادِيثُ جَمْعُ حَدِيثٍ، والحَدِيثُ هو الحادِثُ، وتَأْوِيلُها مَآلُها، ومَآلُ الحَوادِثِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وحِكْمَتِهِ، والمُرادُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَخْلُوقاتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِالنُّبُوَّةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُفَسِّرَ إتْمامَ النِّعْمَةِ هَهُنا بِالنُّبُوَّةِ أيْضًا وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، بَلْ يُفَسَّرُ إتْمامُ النِّعْمَةِ هَهُنا بِسَعاداتِ الدُّنْيا وسَعاداتِ الآخِرَةِ. أمّا سَعاداتُ الدُّنْيا فالإكْثارُ مِنَ الأوْلادِ والخَدَمِ والأتْباعِ والتَّوَسُّعُ في المالِ والجاهِ والحَشَمِ، وإجْلالُهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ وحُسْنُ الثَّناءِ والحَمْدِ. وأمّا سَعاداتُ الآخِرَةِ: فالعُلُومُ الكَثِيرَةُ والأخْلاقُ الفاضِلَةُ والِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا مَن فَسَّرَ الِاجْتِباءَ بِنَيْلِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَهَهُنا يُفَسِّرُ إتْمامَ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ ويَتَأكَّدُ هَذا بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا بِهِ تَصِيرُ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ. وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا بِالنُّبُوَّةِ، فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ دُونَ مَنصِبِ الرِّسالَةِ ناقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ النُّبُوَّةِ، فالكَمالُ المُطْلَقُ والتَّمامُ المُطْلَقُ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ الَّتِي بِها حَصَلَ امْتِيازُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَنْ سائِرِ البَشَرِ لَيْسَ إلّا النُّبُوَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ.
صفحة ٧٣
واعْلَمْ أنّا لَمّا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ بِالنُّبُوَّةِ لَزِمَ الحُكْمُ بِأنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ كُلَّهم كانُوا أنْبِياءَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهَذا يَقْتَضِي حُصُولَ تَمامِ النِّعْمَةِ لِآلِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ هو النُّبُوَّةَ لَزِمَ حُصُولُها لِآلِ يَعْقُوبَ. تَرَكَ العَمَلَ بِهِ في حَقِّ مَن عَدا أبْناءَهُ فَوَجَبَ أنْ لا يَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في حَقِّ أوْلادِهِ. وأيْضًا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وكانَ تَأْوِيلُهُ أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا لَهم فَضْلٌ وكَمالٌ، ويَسْتَضِيءُ بِعِلْمِهِمْ ودِينِهِمْ أهْلُ الأرْضِ، لِأنَّهُ لا شَيْءَ أضْوَأُ مِنَ الكَواكِبِ وبِها يُهْتَدى، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ أوْلادِ يَعْقُوبَ أنْبِياءَ ورُسُلًا.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ وقَدْ أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟
قُلْنا: ذاكَ وقَعَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وعِنْدَنا العِصْمَةُ إنَّما تُعْتَبَرُ في وقْتِ النُّبُوَّةِ لا قَبْلَها.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ خَلاصُهُ مِنَ المِحَنِ، ويَكُونُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في ذَلِكَ بِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ هو إنْعامُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ بِإنْجائِهِ مِنَ النّارِ وعَلى ابْنِهِ إسْحاقَ بِتَخْلِيصِهِ مِنَ الذَّبْحِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ هو وصْلُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ بِأنْ جَعَلَهم في الدُّنْيا أنْبِياءَ ومُلُوكًا ونَقَلَهم عَنْها إلى الدَّرَجاتِ العُلى في الجَنَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الصَّحِيحَ هو الأوَّلُ، لِأنَّ النِّعْمَةَ التّامَّةَ في حَقِّ البَشَرِ لَيْسَتْ إلّا النُّبُوَّةَ، وكُلُّ ما سِواها فَهي ناقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها. ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وعَدَهُ بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ الثَّلاثَةِ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنِ السَّفَهِ والعَبَثِ، لا يَضَعُ النُّبُوَّةَ إلّا في نَفْسٍ قُدُسِيَّةٍ وجَوْهَرَةٍ مُشْرِقَةٍ عُلْوِيَّةٍ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ البِشاراتُ الَّتِي ذَكَرَها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ كانَ قاطِعًا بِصِحَّتِها أمْ لا ؟ فَإنْ كانَ قاطِعًا بِصِحَّتِها، فَكَيْفَ حَزِنَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَيْفَ جازَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وكَيْفَ خافَ عَلَيْهِ مِن إخْوَتِهِ أنْ يُهْلِكُوهُ، وكَيْفَ قالَ لِإخْوَتِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾، مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيَجْتَبِيهِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، فَأمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَكَيْفَ قَطَعَ بِها ؟ وكَيْفَ حَكَمَ بِوُقُوعِها حُكْمًا جازِمًا مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ ؟ .
قُلْنا: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ مَشْرُوطًا بِأنْ لا يَكِيدُوهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَصِلُ إلى هَذِهِ المَناصِبِ إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ في المَضايِقِ الشَّدِيدَةِ ثُمَّ يَتَخَلَّصُ مِنها ويَصِلُ إلى تِلْكَ المَناصِبِ فَكانَ خَوْفُهُ لِهَذا السَّبَبِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] الزَّجْرَ عَنِ التَّهاوُنِ في حِفْظِهِ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ الذِّئْبَ لا يَصِلُ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences