Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:37–41
12:37–38Page 239
قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧
He said, "You will not receive food that is provided to you except that I will inform you of its interpretation before it comes to you. That is from what my Lord has taught me. Indeed, I have left the religion of a people who do not believe in Allāh, and they, in the Hereafter, are disbelievers.
وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٣٨
And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allāh. That is from the favor of Allāh upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ لِما سَألا عَنْهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الجَوابِ إلى هَذا الكَلامِ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ جَوابُ أحَدِ السّائِلِينَ أنَّهُ يُصْلَبُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى سَمِعَ ذَلِكَ عَظُمَ حُزْنُهُ وتَشْتَدُّ نَفْرَتُهُ عَنْ سَماعِ هَذا الكَلامِ، فَرَأى أنَّ الصَّلاحَ أنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُؤَثِّرُ مَعَهُ بِعِلْمِهِ وكَلامِهِ، حَتّى إذا جاءَ بِها مِن بَعْدِ ذَلِكَ خَرَجَ جَوابُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ تُهْمَةٍ وعَداوَةٍ.
الثّانِي: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ دَرَجَتَهُ في العِلْمِ أعْلى وأعْظَمُ مِمّا اعْتَقَدُوا فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ عِلْمَ التَّعْبِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا العِلْمَ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فَبَيَّنَ لَهُما أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ مَعَ عَجْزِ كُلِّ الخَلْقِ عَنْهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِأنْ يَكُونَ فائِقًا عَلى كُلِّ النّاسِ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ كانَ أوْلى، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ تَقْرِيرَ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ واصِلًا فِيهِ إلى ما لَمْ يَصِلْ غَيْرُهُ.
والثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ في النَّوْمِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ .
الرّابِعُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهُما اعْتَقَدا فِيهِ وقَبِلا قَوْلَهُ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِما ما دَلَّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الدِّينِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِمُهِمّاتِ الدُّنْيا.
والخامِسُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَيُصْلَبُ اجْتَهَدَ في أنْ يُدْخِلَهُ في الإسْلامِ حَتّى لا يَمُوتَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَسْتَوْجِبَ العِقابَ الشَّدِيدَ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] .
والسّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى اليَقَظَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا أخْبَرْتُكُما أيُّ طَعامٍ هو، وأيُّ لَوْنٍ هو، وكَمْ هو، وكَيْفَ يَكُونُ عاقِبَتُهُ؛ أيْ إذا أكَلَهُ الإنْسانُ فَهو يُفِيدُ الصِّحَّةَ أوِ السَّقَمَ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، قِيلَ: كانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا فَأرْسَلَهُ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلّا أخْبَرْتُكُما أنَّ فِيهِ سُمًّا أمْ لا، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى أنَّهُ ادَّعى الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ،
صفحة ١١٠
﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾، فالوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ، والوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ادِّعاءِ المُعْجِزَةِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ ادِّعاءٌ لِلنُّبُوَّةِ ؟
قُلْنا: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ ذَكَرَهُ، وأيْضًا فَفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أيْ لَسْتُ أُخْبِرُكُما عَلى جِهَةِ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، وإنَّما أخْبَرْتُكُما بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وعِلْمٍ حَصَلَ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تَوَهُّمٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في هَذِهِ المِلَّةِ. فَنَقُولُ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ خائِضًا فِيهِ.
والثّانِي وهو الأصَحُّ: أنْ يُقالَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا لَهم بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، ولَعَلَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ لا يُظْهِرُ التَّوْحِيدَ والإيمانَ خَوْفًا مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ أظْهَرَهُ في هَذا الوَقْتِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى تَرْكِ مِلَّةَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَكْرِيرُ لَفْظِ ”هم“ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالكُفْرِ، ولَعَلَّ إنْكارَهم لِلْمَعادِ أشَدُّ مِن إنْكارِهِمْ لِلْمَبْدَأِ، فَلِأجْلِ مُبالَغَتِهِمْ في إنْكارِ المَعادِ كَرَّرَ هَذا اللَّفْظَ لِلتَّأْكِيدِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ. وقَوْلَهُ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ، ومَن تَأمَّلَ في القُرْآنِ المَجِيدِ وتَفَكَّرَ في كَيْفِيَّةِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ صَرْفُ الخَلْقِ إلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ وبِالمَبْدَأِ والمَعادِ، وأنَّ ما وراءَ ذَلِكَ عَبَثٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ ؟ .
الجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ وتَحَدّى بِالمُعْجِزَةِ وهو عِلْمُ الغَيْبِ قَرَنَ بِهِ كَوْنَهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ أباهُ وجَدَّهُ وجَدَّ أبِيهِ كانُوا أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى ادَّعى حِرْفَةَ أبِيهِ وجَدِّهِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنهُ، وأيْضًا فَكَما أنَّ دَرَجَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا في الدُّنْيا، فَإذا ظَهَرَ أنَّهُ ولَدُهم عَظَّمُوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ، فَكانَ انْقِيادُهم لَهُ أعَمَّ وتَأثُّرُ قُلُوبِهِمْ بِكَلامِهِ أكْمَلَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ نَبِيًّا فَكَيْفَ قالَ: إنِّي اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي، والنَّبِيُّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِشَرِيعَةِ نَفْسِهِ ؟ .
قُلْنا: لَعَلَّ مُرادَهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ، وأيْضًا لَعَلَّهُ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ عَلى شَرِيعَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وحالُ كُلِّ المُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ ؟ .
صفحة ١١١
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَنا﴾ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى طَهَّرَ آباءَهُ عَنِ الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [ مَرْيَمَ: ٣٥] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ؟ .
الجَوابُ: أنَّ أصْنافَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ، فَمِنهم مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ النّارَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الكَواكِبَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ العَقْلَ والنَّفْسَ والطَّبِيعَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ رَدٌّ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، وإرْشادٌ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو أنَّهُ لا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ ولا خالِقَ إلّا اللَّهُ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسْألَةٌ، وهي أنَّهُ قالَ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الإشْراكِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ وحُصُولَ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وفي حَقِّ النّاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ دَخَلَ عَلى بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وقالَ: هَلْ تَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْتَ لا، فَقَدْ خالَفْتَ الإجْماعَ، وإنْ شَكَرْتَهُ فَكَيْفَ تَشْكُرُهُ عَلى ما لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَقالَ لَهُ بِشْرٌ: إنّا نَشْكُرُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطانا القُدْرَةَ والعَقْلَ والآلَةَ، فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى إعْطاءِ القُدْرَةِ والآلَةِ، فَأمّا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ وصَعُبَ الكَلامُ عَلى بِشْرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنّا لا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، بَلِ اللَّهُ يَشْكُرُنا عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَقالَ بِشْرٌ: لَمّا صَعُبَ الكَلامُ سَهُلَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ألْزَمَهُ ثُمامَةُ باطِلٌ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ وحِينَئِذٍ تَقْوى الحُجَّةُ وتَكْمُلُ الدَّلالَةُ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إنْ جَعَلْناهُ إشارَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النُّبُوَّةِ.
والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وذاكَ هو تَرْكُ الإشْراكِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والقاضِي يَصْرِفُهُ إلى الألْطافِ والتَّسْهِيلِ، فَكانَ هَذا تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأمّا صَرْفُهُ إلى النُّبُوَّةِ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الإشارَةِ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو هَهُنا عَدَمُ الإشْراكِ.
12:39–40Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩
O [my] two companions of prison, are separate lords better or Allāh, the One,1 the Prevailing?2
مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠
You worship not besides Him except [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has sent down no evidence. Legislation is not but for Allāh. He has commanded that you worship not except Him. That is the correct religion, but most of the people do not know.
صفحة ١١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ يُرِيدُ صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا حَصَلَتْ مُرافَقَتُهُما في السِّجْنِ مُدَّةً قَلِيلَةً أُضِيفا إلَيْهِ، وإذا كانَتِ المُرافَقَةُ القَلِيلَةُ كافِيَةً في كَوْنِهِ صاحِبًا فَمَن عَرَفَ اللَّهَ وأحَبَّهُ طُولَ عُمُرِهِ أوْلى بِأنْ يَبْقى عَلَيْهِ اسْمُ المُؤْمِنِ العارِفِ المُحِبِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ في الآيَةِ الأُولى وكانَ إثْباتُ النُّبُوَّةِ مَبْنِيًّا عَلى إثْباتِ الإلَهِيّاتِ لا جَرَمَ شَرَعَ في هَذِهِ الآيَةِ في تَقْرِيرِ الإلَهِيّاتِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ مُقِرِّينَ بِوُجُودِ الإلَهِ العالِمِ القادِرِ وإنَّما الشَّأْنُ في أنَّهم يَتَّخِذُونَ أصْنامًا عَلى صُورَةِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ ويَعْبُدُونَها ويَتَوَقَّعُونَ حُصُولَ النَّفْعِ والضُّرِّ مِنها لا جَرَمَ كانَ سَعْيُ أكْثَرِ الأنْبِياءِ في المَنعِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ. فَكانَ الأمْرُ عَلى هَذا القانُونِ في زَمانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ شَرَعَ هَهُنا في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وذَكَرَ أنْواعًا مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ:
الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وتَقْرِيرُ هَذِهِ الحُجَّةِ أنْ نَقُولَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ كَثْرَةَ الآلِهَةِ تُوجِبُ الخَلَلَ والفَسادَ في هَذا العالَمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَكَثْرَةُ الآلِهَةِ تُوجِبُ الفَسادَ والخَلَلَ، وكَوْنُ الإلَهِ واحِدًا يَقْتَضِي حُصُولَ النِّظامِ وحُسْنَ التَّرْتِيبِ، فَلَمّا قَرَّرَ هَذا المَعْنى في سائِرِ الآياتِ، قالَ هَهُنا: ﴿مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ والمُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
والحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ مَعْمُولَةٌ لا عامِلَةٌ ومَقْهُورَةٌ لا قاهِرَةٌ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ كَسْرَها وإبْطالَها قَدَرَ عَلَيْها فَهي مَقْهُورَةٌ لا تَأْثِيرَ لَها، ولا يَتَوَقَّعُ حُصُولَ مَنفَعَةٍ ولا مَضَرَّةٍ مِن جِهَتِها، وإلَهُ العالَمِ فَعّالٌ قَهّارٌ قادِرٌ يَقْدِرُ عَلى إيصالِ الخَيْراتِ ودَفْعِ الشُّرُورِ والآفاتِ، فَكانَ المُرادُ أنَّ عِبادَةَ الآلِهَةِ المَقْهُورَةِ الذَّلِيلَةِ خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ اللَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أأرْبابٌ﴾ إشارَةٌ إلى الكَثْرَةِ فَجَعَلَ في مُقابَلَتِهِ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا، وقَوْلُهُ: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مُخْتَلِفَةً في الكِبَرِ والصِّغَرِ، واللَّوْنِ والشَّكْلِ، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ النّاحِتَ والصّانِعَ يَجْعَلُهُ عَلى تِلْكَ الصُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَقْهُورَةً عاجِزَةً وجَعَلَ في مُقابَلَتِهِ كَوْنَهُ تَعالى قَهّارًا، فَبِهَذا الطَّرِيقِ الَّذِي شَرَحْناهُ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الظّاهِرَيْنِ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ كَوْنَهُ تَعالى واحِدًا يُوجِبُ عِبادَتَهُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ ثانٍ لَمْ نَعْلَمْ مَنِ الَّذِي خَلَقَنا ورَزَقَنا ودَفَعَ الشُّرُورَ والآفاتِ عَنّا، فَيَقَعُ الشَّكُّ في أنّا نَعْبُدُ هَذا أمْ ذاكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ تَحْصُلَ المُساعَدَةُ عَلى كَوْنِها نافِعَةً ضارَّةً إلّا أنَّها كَثِيرَةٌ، فَحِينَئِذٍ لا نَعْلَمُ أنَّ نَفْعَنا ودَفْعَ الضَّرَرِ عَنّا حَصَلَ مِن هَذا الصَّنَمِ أوْ مِن ذَلِكَ الآخَرِ أوْ حَصَلَ بِمُشارَكَتِهِما ومُعاوَنَتِهِما، وحِينَئِذٍ يَقَعُ الشَّكُّ في أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ هو هَذا أمْ ذاكَ، أمّا إذا كانَ المَعْبُودُ واحِدًا ارْتَفَعَ هَذا الشَّكُّ وحَصَلَ اليَقِينُ في
صفحة ١١٣
أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ إلّا هو ولا مَعْبُودَ لِلْمَخْلُوقاتِ والكائِناتِ إلّا هو، فَهَذا أيْضًا وجْهٌ لَطِيفٌ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُساعِدَ عَلى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ تَنْفَعُ وتَضُرُّ عَلى ما يَقُولُهُ أصْحابُ الطَّلْسَماتِ، إلّا أنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّها تَنْفَعُ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ وبِحَسَبِ آثارٍ مَخْصُوصَةٍ، والإلَهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ فَهو قَهّارٌ عَلى الإطْلاقِ نافِذُ المَشِيئَةِ والقُدْرَةِ في كُلِّ المُمْكِناتِ عَلى الإطْلاقِ فَكانَ الِاشْتِغالُ بِعِبادَتِهِ أوْلى.
الحُجَّةُ الخامِسَةُ، وهي شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ: وذَلِكَ لِأنَّ شَرْطَ القَهّارِ أنْ لا يَقْهَرَهُ أحَدٌ سِواهُ، وأنْ يَكُونَ هو قَهّارًا لِكُلِّ ما سِواهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإلَهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ، إذْ لَوْ كانَ مُمْكِنًا لَكانَ مَقْهُورًا لا قاهِرًا ويَجِبُ أنْ يَكُونَ واحِدًا، إذْ لَوْ حَصَلَ في الوُجُودِ واجِبانِ لَما كانَ قاهِرًا لِكُلِّ ما سِواهُ، فالإلَهُ لا يَكُونُ قَهّارًا إلّا إذا كانَ واجِبًا لِذاتِهِ وكانَ واحِدًا، وإذا كانَ المَعْبُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإلَهُ شَيْئًا غَيْرَ الفَلَكِ وغَيْرَ الكَواكِبِ وغَيْرَ النُّورِ والظُّلْمَةِ وغَيْرَ العَقْلِ والنَّفْسِ، فَأمّا مَن تَمَسَّكَ بِالكَواكِبِ فَهي أرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ وهي لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِأنَّها قَهّارَةٌ، وكَذا القَوْلُ في الطَّبائِعِ والأرْواحِ والعُقُولِ والنُّفُوسِ، فَهَذا الحَرْفُ الواحِدُ كافٍ في إثْباتِ هَذا التَّوْحِيدِ المُطْلَقِ وأنَّهُ مَقامٌ عالٍ، فَهَذا مَجْمُوعُ الدَّلائِلِ المُسْتَنْبَطَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَ فِيها سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ سَمّاها أرْبابًا ولَيْسَتْ كَذَلِكَ ؟ .
والجَوابُ: لِاعْتِقادِهِمْ فِيها أنَّها كَذَلِكَ، وأيْضًا الكَلامُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والمَعْنى أنَّها إنْ كانَتْ أرْبابًا فَهي خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَجُوزُ التَّفاضُلُ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُقالَ إنَّها خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ؟
الجَوابُ: أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والمَعْنى: لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ حَصَلَ مِنها ما يُوجِبُ الخَيْرَ فَهي خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ هَذِهِ المُسَمَّياتِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسَمّى غَيْرُ حاصِلٍ وبَيْنَهُما تَناقُضٌ.
الجَوابُ: أنَّ الذّاتَ مَوْجُودَةٌ حاصِلَةٌ إلّا أنَّ المُسَمّى بِالإلَهِ غَيْرُ حاصِلٍ. وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَواتِ الأصْنامِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً إلّا أنَّها غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الشَّيْءُ الَّذِي هو مُسَمًّى بِالإلَهِ في الحَقِيقَةِ غَيْرَ مَوْجُودٍ ولا حاصِلٍ.
الثّانِي: يُرْوى أنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ مُشَبِّهَةٌ فاعْتَقَدُوا أنَّ الإلَهَ هو النُّورُ الأعْظَمُ وأنَّ المَلائِكَةَ أنْوارٌ صَغِيرَةٌ ووَضَعُوا عَلى صُورَةِ تِلْكَ الأنْوارِ هَذِهِ الأوْثانَ، ومَعْبُودُهم في الحَقِيقَةِ هو تِلْكَ الأنْوارُ السَّماوِيَّةُ، وهَذا قَوْلُ المُشَبِّهَةِ فَإنَّهم تَصَوَّرُوا جِسْمًا كَبِيرًا مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ ويَعْبُدُونَهُ، وهَذا المُتَخَيَّلُ غَيْرُ مَوْجُودٍ البَتَّةَ فَصَحَّ أنَّهم لا يَعْبُدُونَ إلّا مُجَرَّدَ الأسْماءِ.
صفحة ١١٤
واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِمَّنْ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قالُوا: نَحْنُ لا نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ آلِهَةٌ لِلْعالَمِ بِمَعْنى أنَّها هي الَّتِي خَلَقَتِ العالَمَ إلّا أنّا نُطْلِقُ عَلَيْها اسْمَ الإلَهِ ونَعْبُدُها ونُعَظِّمُها لِاعْتِقادِنا أنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِذَلِكَ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ: أمّا تَسْمِيَتُها بِالآلِهَةِ فَما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وما أنْزَلَ في حُصُولِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ حُجَّةً ولا بُرْهانًا ولا دَلِيلًا ولا سُلْطانًا، ولَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ حُكْمٌ واجِبُ القَبُولِ ولا أمْرٌ واجِبُ الِالتِزامِ، بَلِ الحُكْمُ والأمْرُ والتَّكْلِيفُ لَيْسَ إلّا لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، وذَلِكَ لِأنَّ العِبادَةَ نِهايَةُ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَلا تَلِيقُ إلّا بِمَن حَصَلَ مِنهُ نِهايَةُ الإنْعامِ وهو الإلَهُ تَعالى لِأنَّهُ مِنهُ الخَلْقُ والإحْياءُ والعَقْلُ والرِّزْقُ والهِدايَةُ، ونِعَمُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وجِهاتُ إحْسانِهِ إلى الخَلْقِ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأشْياءَ، قالَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وتَفْسِيرُهُ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يُسْنِدُونَ حُدُوثَ الحَوادِثِ الأرْضِيَّةِ إلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ والمُناسَباتِ الكَوْكَبِيَّةِ لِأجْلِ أنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الحادِثَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ. فَإذا رَأوْا أنَّ تَغَيُّرَ أحْوالِ هَذا العالَمِ في الحَرِّ والبَرْدِ والفُصُولِ الأرْبَعَةِ، إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَغَيُّرِ أحْوالِ الشَّمْسِ في أرْباعِ الفَلَكِ رَبَطُوا الفُصُولَ الأرْبَعَةَ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ لَمّا شاهَدُوا أنَّ أحْوالَ النَّباتِ والحَيَوانِ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ رَبَطُوا حُدُوثَ النَّباتِ وتَغَيُّرَ أحْوالِ الحَيَوانِ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ غَلَبَ عَلى طِباعِ أكْثَرِ الخَلْقِ أنَّ المُدَبِّرَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ هو الشَّمْسُ والقَمَرُ وسائِرُ الكَواكِبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى إذا وفَّقَ إنْسانًا حَتّى تَرَقّى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ وعَرَفَ أنَّها في ذَواتِها وصِفاتِها مُفْتَقِرَةٌ إلى مُوجِدٍ ومُبْدِعٍ قاهِرٍ قادِرٍ عَلِيمٍ حَكِيمٍ، فَذَلِكَ الشَّخْصُ يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
12:41Page 240
يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ ٤١
O two companions of prison, as for one of you, he will give drink to his master of wine; but as for the other, he will be crucified, and the birds will eat from his head. The matter has been decreed about which you both inquire."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَرَّرَ أمْرَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ عادَ إلى الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَراهُ، والمَعْنى ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ السّاقِيَ لَمّا قَصَّ رُؤْياهُ عَلى يُوسُفَ، وقَدْ ذَكَرْنا كَيْفَ قَصَّ عَلَيْهِ، قالَ لَهُ يُوسُفُ: ما أحْسَنَ ما رَأيْتَ ! أمّا حُسْنُ العِنَبَةِ فَهو حُسْنُ حالِكَ، وأمّا الأغْصانُ الثَّلاثَةُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ يُوَجِّهُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِهِنَّ فَيَرُدُّكَ إلى عَمَلِكَ فَتَصِيرُ كَما كُنْتَ بَلْ أحْسَنَ، وقالَ لِلْخَبّازِ لَمّا قَصَّ عَلَيْهِ: بِئْسَما رَأيْتَ ! السِّلالُ الثَّلاثُ ثَلاثَةُ أيّامٍ يُوَجِّهُ إلَيْكَ المَلِكُ عِنْدَ انْقِضائِهِنَّ فَيَصْلُبُكَ وتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِكَ. ثُمَّ نَقَلَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُما قالا ما رَأيْنا شَيْئًا فَقالَ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ واخْتُلِفَ فِيما لِأجْلِهِ قالا ما رَأيْنا شَيْئًا، فَقِيلَ إنَّهُما وضَعا هَذا الكَلامَ لِيَخْتَبِرا عِلْمَهُ بِالتَّعْبِيرِ مَعَ أنَّهُما ما رَأيا شَيْئًا، وقِيلَ: إنَّهُما لَمّا كَرِها ذَلِكَ الجَوابَ قالا ما رَأيْنا شَيْئًا.
فَإنْ قِيلَ: هَذا الجَوابُ الَّذِي ذَكَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ بِناءً عَلى الوَحْيِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِناءً عَلى عِلْمِ التَّعْبِيرِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَقَلَ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ ولَوْ كانَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ مَبْنِيًّا عَلى الوَحْيِ لَكانَ الحاصِلُ مِنهُ
صفحة ١١٥
القَطْعَ واليَقِينَ لا الظَّنَّ والتَّخْمِينَ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ والحُسْبانِ.
الجَوابُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُما لَمّا سَألاهُ عَنْ ذَلِكَ المَنامِ صَدَقا فِيهِ أوْ كَذَبا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ أنَّ عاقِبَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما تَكُونُ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ، فَلَمّا نَزَلَ الوَحْيُ بِذَلِكَ الغَيْبِ عِنْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ وقَعَ في الظَّنِّ أنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ بَنى ذَلِكَ الجَوابَ عَلى عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ ما عَنى بِهِ أنَّ الَّذِي ذَكَراهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ بَلْ عَنى بِهِ أنَّهُ حَكَمَهُ في تَعْبِيرِ ما سَألاهُ عَنْهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences