Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:42–50
12:42Page 240
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ ٤٢
And he said to the one whom he knew would go free, "Mention me before your master." But Satan made him forget the mention [to] his master, and he [i.e., Joseph] remained in prison several years.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَوْصُوفَ بِالظَّنِّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ النّاجِي، فَعَلى الأوَّلِ كانَ المَعْنى: وقالَ الرَّجُلُ الَّذِي ظَنَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَوْنَهُ ناجِيًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ تَحْمِلَ هَذا الظَّنَّ عَلى العِلْمِ واليَقِينِ، وهَذا إذا قُلْنا بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ بِناءً عَلى الوَحْيِ. قالَ هَذا القائِلُ: ووُرُودُ لَفْظِ الظَّنِّ بِمَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقالَ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] .
والثّانِي: أنْ تَحْمِلَ هَذا الظَّنَّ عَلى حَقِيقَةِ الظَّنِّ، وهَذا إذا قُلْنا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ التَّعْبِيرَ لا بِناءً عَلى الوَحْيِ، بَلْ عَلى الأُصُولِ المَذْكُورَةِ في ذَلِكَ العِلْمِ، وهي لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ والحُسْبانَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا الظَّنَّ صِفَةُ النّاجِي، فَإنَّ الرَّجُلَيْنِ السّائِلَيْنِ ما كانا مُؤْمِنَيْنِ بِنُبُوَّةِ يُوسُفَ ورِسالَتِهِ، ولَكِنَّهُما كانا حَسَنَيِ الِاعْتِقادِ فِيهِ، فَكانَ قَوْلُهُ لا يُفِيدُ في حَقِّهِما إلّا مُجَرَّدَ الظَّنِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي حَكَمَ بِأنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الحَبْسِ ويَرْجِعُ إلى خِدْمَةِ المَلِكِ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيْ عِنْدِ المَلِكِ. والمَعْنى: اذْكُرْ عِنْدَهُ أنَّهُ مَظْلُومٌ مِن جِهَةِ إخْوَتِهِ لِما أخْرَجُوهُ وباعُوهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَظْلُومٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ الَّتِي لِأجْلِها حُبِسَ، فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى يُوسُفَ، والمَعْنى أنَّ الشَّيْطانَ أنْسى يُوسُفَ أنْ يَذْكُرَ رَبَّهُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَمَسُّكَهُ بِغَيْرِ اللَّهِ كانَ مُسْتَدْرَكًا عَلَيْهِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مَصْلَحَتَهُ كانَتْ في أنْ لا يَرْجِعَ في تِلْكَ الواقِعَةِ إلى أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ وأنْ لا يَعْرِضَ حاجَتَهُ عَلى أحَدٍ سِوى اللَّهِ، وأنْ يَقْتَدِيَ بِجَدِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ حِينَ وُضِعَ في المَنجَنِيقِ لِيُرْمى إلى النّارِ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: هَلْ مِن حاجَةٍ ؟ فَقالَ: أمّا إلَيْكَ فَلا، فَلَمّا رَجَعَ يُوسُفُ إلى المَخْلُوقِ لا جَرَمَ وصَفَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنَّ الشَّيْطانَ أنْساهُ ذَلِكَ التَّفْوِيضَ، وذَلِكَ التَّوْحِيدَ، ودَعاهُ إلى
صفحة ١١٦
عَرْضِ الحاجَةِ إلى المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ لَمّا وصَفَهُ بِذَلِكَ ذَكَرَ أنَّهُ بَقِيَ لِذَلِكَ السَّبَبِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا عَدَلَ عَنِ الِانْقِطاعِ إلى رَبِّهِ إلى هَذا المَخْلُوقِ عُوقِبَ بِأنْ لَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وحاصِلُ الأمْرِ أنَّ رُجُوعَ يُوسُفَ إلى المَخْلُوقِ صارَ سَبَبًا لِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صارَ سَبَبًا لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ حَتّى أنْساهُ ذِكْرَ رَبِّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ صارَ سَبَبًا لِبَقاءِ المِحْنَةِ عَلَيْهِ مُدَّةً طَوِيلَةً.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في إبْطالِ عِبادَةِ الأوْثانِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ثُمَّ إنَّهُ هَهُنا أثْبَتَ رَبًّا غَيْرَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ومَعاذَ اللَّهِ أنْ يُقالَ إنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ رَبًّا بِمَعْنى كَوْنِهِ إلَهًا، بَلْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ كَما يُقالُ: رَبُّ الدّارِ، ورَبُّ الثَّوْبِ، عَلى أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الرَّبِّ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ يُناقِضُ نَفْيَ الأرْبابِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في تِلْكَ الآيَةِ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ، وذَلِكَ نَفْيٌ لِلشِّرْكِ عَلى الإطْلاقِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَهَهُنا الرُّجُوعُ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كالمُناقِضِ لِذَلِكَ التَّوْحِيدِ.
واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالنّاسِ في دَفْعِ الظُّلْمِ جائِزَةٌ في الشَّرِيعَةِ، إلّا أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، فَهَذا وإنْ كانَ جائِزًا لِعامَّةِ الخَلْقِ إلّا أنَّ الأوْلى بِالصِّدِّيقِينَ أنْ يَقْطَعُوا نَظَرَهم عَنِ الأسْبابِ بِالكُلِّيَّةِ وأنْ لا يَشْتَغِلُوا إلّا بِمُسَبِّبِ الأسْبابِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: هَبْ أنَّهُ تَمَسَّكَ بِغَيْرِ اللَّهِ وطَلَبَ مِن ذَلِكَ السّاقِي أنْ يَشْرَحَ حالَهُ عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ، إلّا أنَّهُ كانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْهِ أنْ لا يُخَلِّيَ ذَلِكَ الكَلامَ مِن ذِكْرِ اللَّهِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ أوْ قَدَّرَ اللَّهُ فَلَمّا أخْلاهُ عَنْ هَذا الذِّكْرِ وقَعَ هَذا الِاسْتِدْراكُ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُقالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ راجِعٌ إلى النّاجِي والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ أنْسى ذَلِكَ الفَتى أنْ يَذْكُرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى طالَ الأمْرُ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ بِهَذا السَّبَبِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ» “ . وعَنْ قَتادَةَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عُوقِبَ بِسَبَبِ رُجُوعِهِ إلى غَيْرِ اللَّهِ، وعَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ أنَّهُ لَمّا انْتَهى إلى بابِ السِّجْنِ قالَ لَهُ صاحِبُهُ: ما حاجَتُكَ ؟ قالَ: أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ رَبٍّ سِوى الرَّبِّ الَّذِي قالَ يُوسُفُ، وعَنْ مالِكٍ: لَمّا قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ قِيلَ: يا يُوسُفُ اتَّخَذْتَ مِن دُونِي وكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، فَبَكى يُوسُفُ وقالَ: طُولُ البَلاءِ أنْسانِي ذِكْرَ المَوْلى، فَقُلْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ فَوَيْلٌ لِإخْوَتِي.
قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والَّذِي جَرَّبْتُهُ مِن أوَّلِ عُمْرِي إلى آخِرِهِ أنَّ الإنْسانَ كُلَّما عَوَّلَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا إلى البَلاءِ والمِحْنَةِ، والشِّدَّةِ والرَّزِيَّةِ، وإذا عَوَّلَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ ولَمْ يَرْجِعْ إلى أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ حَصَلَ ذَلِكَ المَطْلُوبُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ قَدِ اسْتَمَرَّتْ لِي مِن أوَّلِ عُمُرِي إلى هَذا الوَقْتِ الَّذِي بَلَغْتُ فِيهِ إلى السّابِعِ والخَمْسِينَ، فَعِنْدَ هَذا اسْتَقَرَّ قَلْبِي عَلى أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ لِلْإنْسانِ في التَّعْوِيلِ عَلى شَيْءٍ سِوى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَ القَوْلَ الثّانِيَ لِأنَّ صَرْفَ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ الرَّجُلِ أوْلى مَن صَرْفِها إلى يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، ولِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالعِبادِ في التَّخَلُّصِ مِنَ الظُّلْمِ جائِزَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ هو القَوْلُ الأوَّلُ، وما ذَكَرَهُ هَذا القائِلُ الثّانِي تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وما قَرَّرَهُ القائِلُ
صفحة ١١٧
الأوَّلُ تَمَسَّكَ بِأسْرارِ الحَقِيقَةِ ومَكارِمِ الشَّرِيعَةِ، ومَن كانَ لَهُ ذَوْقٌ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ وشَرِبَ مِن مَشْرَبِ التَّوْحِيدِ عَرَفَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْناهُ، وأيْضًا فَفي لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَهُ لِرَبِّهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِعانَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ في دَفْعِ الظُّلْمِ جائِزَةٌ في الشَّرِيعَةِ لا إنْكارَ عَلَيْهِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ مُسْتَدْرَكًا مِنَ المُحَقِّقِينَ المُتَوَغِّلِينَ في بِحارِ العُبُودِيَّةِ لا جَرَمَ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُؤاخَذًا بِهِ. وعِنْدَ هَذا نَقُولُ: الَّذِي يَصِيرُ مُؤاخَذًا بِهَذا القَدْرِ لَأنْ يَصِيرَ مُؤاخَذًا بِالإقْدامِ عَلى طَلَبِ الزِّنا ومُكافَأةِ الإحْسانِ بِالإساءَةِ كانَ أوْلى؛ فَلَمّا رَأيْنا اللَّهَ تَعالى آخَذَهُ بِهَذا القَدْرِ، ولَمْ يُؤاخِذْهُ في تِلْكَ القَضِيَّةِ البَتَّةَ، وما عابَهُ بَلْ ذَكَرَهُ بِأعْظَمِ وُجُوهِ المَدْحِ والثَّناءِ عَلِمْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُبَرَّأً مِمّا نَسَبَهُ الجُهّالُ والحَشْوِيَّةُ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الشَّيْطانُ يُمْكِنُهُ إلْقاءُ الوَسْوَسَةِ، وأمّا النِّسْيانُ فَلا، لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ العِلْمِ عَنِ القَلْبِ، والشَّيْطانُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وإلّا لَكانَ قَدْ أزالَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى عَنْ قُلُوبِ بَنِي آدَمَ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ يُمْكِنُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يَدْعُو إلى سائِرِ الأعْمالِ، واشْتِغالُ الإنْسانِ بِسائِرِ الأعْمالِ يَمْنَعُهُ عَنِ اسْتِحْضارِ ذَلِكَ العِلْمِ وتِلْكَ المَعْرِفَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ: قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُ مِن بَضَعْتُ بِمَعْنى قَطَعْتُ ومَعْناهُ القِطْعَةُ مِنَ العَدَدِ، قالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ عَشَرَةٍ أوْ عِشْرِينَ إلى التِّسْعِينَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِما بَيْنَ الثَّلاثَةِ إلى التِّسْعَةِ، وقالَ هَكَذا رَأيْتُ العَرَبَ يَقُولُونَ وما رَأيْتُهم يَقُولُونَ بِضْعَ ومِائَةً، ورَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِأصْحابِهِ: ”كَمِ البِضْعُ“ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ”ما دُونَ العَشَرَةِ“ واتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ هَهُنا بِبِضْعِ سِنِينَ سَبْعُ سِنِينَ، قالُوا: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ كانَ قَدْ بَقِيَ في السِّجْنِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا تَضَرَّعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ذَلِكَ الرَّجُلِ كانَ قَدِ اقْتَرَبَ وقْتُ خُرُوجِهِ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ لَبِثَ في السِّجْنِ بَعْدَهُ سَبْعَ سِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ الحَسَنَ رَوى قَوْلَهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ: ”«رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلا الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها لَما لَبِثَ في السِّجْنِ هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ» “ ثُمَّ بَكى الحَسَنُ وقالَ: نَحْنُ إذا نَزَلَ بِنا أمْرٌ تَضَرَّعْنا إلى النّاسِ.
12:43–44Page 240
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ ٤٣
And [subsequently] the king said, "Indeed, I have seen [in a dream] seven fat cows being eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry. O eminent ones, explain to me my vision, if you should interpret visions."
قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤
They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ .
صفحة ١١٨
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا هَيَّأ لَهُ أسْبابًا، ولَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى مَلِكُ مِصْرَ في النَّوْمِ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ العِجافُ السِّمانَ، ورَأى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبْنَ عَلَيْها. فَجَمَعَ الكَهَنَةَ وذَكَرَها لَهم وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ فَقالَ القَوْمُ: هَذِهِ الرُّؤْيا مُخْتَلِطَةٌ فَلا نَقْدِرُ عَلى تَأْوِيلِها وتَعْبِيرِها، فَهَذا ظاهِرُ الكَلامِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّيْثُ: العَجَفُ ذَهابُ السِّمَنِ، والفِعْلُ عَجِفَ يَعْجَفُ والذَّكَرُ أعْجَفُ والأُنْثى عَجْفاءُ والجَمْعُ عِجافٌ في الذُّكْرانِ والإناثِ. ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ أفْعَلُ وفَعْلاءُ جَمْعًا عَلى فِعالٍ غَيْرَ أعْجَفَ وعِجافٍ، وهي شاذَّةٌ حَمَلُوها عَلى لَفْظِ سِمانٍ فَقالُوا: سِمانٌ وعِجافٌ لِأنَّهُما نَقِيضانِ. ومِن دَأْبِهِمْ حَمْلُ النَّظِيرِ عَلى النَّظِيرِ، والنَّقِيضِ عَلى النَّقِيضِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ عَلى قَوْلِ البَعْضِ زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ، وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا خَبَرَ كانَ كَما تَقُولُ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقِلًّا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وتَعْبُرُونَ خَبَرًا آخَرَ أوْ حالًا، ويُقالُ عَبَرْتُ الرُّؤْيا أعْبُرُها عِبارَةً وعَبَّرْتُها تَعْبِيرًا إذا فَسَّرْتَها، وحَكى الأزْهَرِيُّ أنَّ هَذا مَأْخُوذٌ مِنَ العُبْرِ، وهو جانِبُ النَّهَرِ. ومَعْنى عَبَرْتُ النَّهَرَ والطَّرِيقَ، قَطَعْتُهُ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فَقِيلَ لِعابِرِ الرُّؤْيا عابِرٌ لِأنَّهُ يَتَأمَّلُ جانِبَيِ الرُّؤْيا فَيَتَفَكَّرُ في أطْرافِها ويَنْتَقِلُ مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ إلى الآخَرِ. والأضْغاثُ جَمْعُ الضِّغْثِ وهو الحُزْمَةُ مِن أنْواعِ النَّبْتِ والحَشِيشِ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِمّا قامَ عَلى ساقٍ واسْتَطالَ، قالَ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ ص: ٤٤] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الرُّؤْيا إنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً مِن أشْياءَ غَيْرِ مُتَناسِبَةٍ كانَتْ شَبِيهَةً بِالضِّغْثِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تِلْكَ الرُّؤْيا سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ لَمّا قَلِقَ واضْطَرَبَ بِسَبَبِهِ، لِأنَّهُ شاهَدَ أنَّ النّاقِصَ الضَّعِيفَ اسْتَوْلى عَلى الكامِلِ القَوِيِّ فَشَهِدَتْ فِطْرَتُهُ بِأنَّ هَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ وأنَّهُ مُنْذِرٌ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الشَّرِّ، إلّا أنَّهُ ما عَرَفَ كَيْفِيَّةَ الحالِ فِيهِ؛ والشَّيْءُ إذا صارَ مَعْلُومًا مِن وجْهٍ وبَقِيَ مَجْهُولًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَظُمَ تَشَوُّفُ النّاسِ إلى تَكْمِيلِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ، وقَوِيَتِ الرَّغْبَةُ في إتْمامِ النّاقِصِ لا سِيَّما إذا كانَ الإنْسانُ عَظِيمَ الشَّأْنِ واسِعَ المَمْلَكَةِ، وكانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ دالًّا عَلى الشَّرِّ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قَوّى اللَّهُ داعِيَةَ ذَلِكَ المَلِكِ في تَحْصِيلِ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْجَزَ المُعَبِّرِينَ اللَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ عَنْ جَوابِ هَذِهِ المَسْألَةِ وعَمّاهُ عَلَيْهِمْ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ ما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ كَوْنَهم عالِمِينَ بِعِلْمِ التَّعْبِيرِ، بَلْ قالُوا: إنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنهُ ما تَكُونُ الرُّؤْيا فِيهِ مُنْتَسِقَةً مُنْتَظِمَةً فَيَسْهُلُ الِانْتِقالُ مِنَ الأُمُورِ المُتَخَيَّلَةِ إلى الحَقائِقِ العَقْلِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، ومِنهُ ما تَكُونُ فِيهِ مُخْتَلِطَةً مُضْطَرِبَةً ولا يَكُونُ فِيها تَرْتِيبٌ مَعْلُومٌ وهو المُسَمّى بِالأضْغاثِ، والقَوْمُ قالُوا إنَّ رُؤْيا المَلِكِ مِن قِسْمِ الأضْغاثِ ثُمَّ أخْبَرُوا أنَّهم غَيْرُ عالِمِينَ بِتَعْبِيرِ هَذا القِسْمِ وكَأنَّهم قالُوا هَذِهِ الرُّؤْيا مُخْتَلِطَةٌ مِن أشْياءَ كَثِيرَةٍ، وما كانَ كَذَلِكَ فَنَحْنُ لا نَهْتَدِي إلَيْها ولا يُحِيطُ عَقْلُنا بِها، وفِيها إيهامٌ أنَّ العالِمَ في هَذا العِلْمِ والمُتَبَحِّرَ فِيهِ قَدْ يَهْتَدِي إلَيْها، فَعِنْدَ هَذِهِ المَقالَةِ تَذَكَّرَ ذَلِكَ الشَّرابِيُّ واقِعَةَ يُوسُفَ فَإنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِ كَوْنَهُ مُتَبَحِّرًا في هَذا العِلْمِ.
12:45–46Page 241
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِي﴾ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَلِكَ لَمّا سَألَ المَلَأ عَنِ الرُّؤْيا واعْتَرَفَ الحاضِرُونَ بِالعَجْزِ عَنِ الجَوابِ قالَ الشَّرابِيُّ: إنَّ في الحَبْسِ رَجُلًا فاضِلًا صالِحًا كَثِيرَ العِلْمِ كَثِيرَ الطّاعَةِ قَصَصْتُ أنا والخَبّازُ عَلَيْهِ مَنامَيْنِ فَذَكَرَ تَأْوِيلَهُما فَصَدَقَ في الكُلِّ وما أخْطَأ في حَرْفٍ، فَإنْ أذِنْتَ مَضَيْتُ إلَيْهِ وجِئْتُكَ بِالجَوابِ، فَهَذا هو قَوْلُهُ: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ فَنَقُولُ: سَيَجِيءُ ادَّكَرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن مُدَّكِرٍ﴾ في سُورَةِ القَمَرِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”وادَّكَرَ“ بِالدّالِ هو الفَصِيحُ، عَنِ الحَسَنِ ”واذَّكَرَ“ بِالذّالِ أيْ تَذَكَّرَ، وأمّا الأُمَّةُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ”بَعْدَ أُمَّةٍ“ أيْ بَعْدَ حِينٍ، وذَلِكَ لِأنَّ الحِينَ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِماعِ الأيّامِ الكَثِيرَةِ كَما أنَّ الأُمَّةَ إنَّما تَحْصُلُ عِنْدَ اجْتِماعِ الجَمْعِ العَظِيمِ، فالحِينُ كانَ أُمَّةً مِنَ الأيّامِ والسّاعاتِ.
والثّانِي: قَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ ”بَعْدَ إمَّةٍ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والإمَّةُ النِّعْمَةُ قالَ عَدِيٌّ:
ثُمَّ بَعْدَ الفَلاحِ والمُلْكِ والإمَّةِ وارَتْهم هُناكَ القُبُورُ
والمَعْنى: بَعْدَما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ.
الثّالِثُ: قُرِئَ ”بَعْدَ أمَةٍ“ أيْ بَعْدَ نِسْيانٍ، يُقالُ أمِهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، والصَّحِيحُ أنَّها بِفَتْحِ المِيمِ، وذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ مُضِيِّ الأوْقاتِ الكَثِيرَةِ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي أوْصاهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِهِ عِنْدَ المَلِكِ، أوِ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ وِجْدانِ النِّعْمَةِ عِنْدَ ذَلِكَ المَلِكِ، أوِ المُرادُ وادَّكَرَ بَعْدَ النِّسْيانِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ هو الشَّرابِيُّ وأنْتُمْ تَقُولُونَ النّاسِي هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قُلْنا: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ادَّكَرَ بِمَعْنى ذَكَرَ وأخْبَرَ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى سَبْقِ النِّسْيانِ، فَلَعَلَّ السّاقِيَ إنَّما لَمْ يَذْكُرْهُ لِلْمَلِكِ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذْكارًا لِذَنْبِهِ الَّذِي مِن أجْلِهِ حَبَسَهُ فَيَزْدادَ الشَّرُّ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: حَصَلَ النِّسْيانُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَصَلَ أيْضًا لِذَلِكَ الشَّرابِيِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلُونِي﴾ خِطابٌ إمّا لِلْمَلِكِ والجَمْعِ أوْ لِلْمَلِكِ وحْدَهُ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ فَفِيهِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأُرْسِلَ وأتاهُ وقالَ أيُّها الصِّدِّيقُ، والصِّدِّيقُ هو البالِغُ في الصِّدْقِ، وصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأنَّهُ لَمْ يُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا، وقِيلَ: لِأنَّهُ صَدَقَ في تَعْبِيرِ رُؤْياهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِن رَجُلٍ شَيْئًا فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُعَظِّمَهُ وأنْ يُخاطِبَهُ بِالألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِالإجْلالِ. ثُمَّ إنَّهُ أعادَ السُّؤالَ بِعَيْنِ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ المَلِكُ ونِعْمَ ما فَعَلَ، فَإنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا قَدْ يَخْتَلِفُ بِسَبَبِ اخْتِلافِ اللَّفْظِ كَما هو مَذْكُورٌ في ذَلِكَ العِلْمِ.
صفحة ١٢٠
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ فالمُرادُ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ بِفَتْواكَ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ وعِلْمَكَ، وإنَّما قالَ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ بِفَتْواكَ لِأنَّهُ رَأى عَجْزَ سائِرِ المُعَبِّرِينَ عَنْ جَوابِ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَخافَ أنْ يَعْجِزَ هو أيْضًا عَنْها، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ .
12:47–50Page 241
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ تَعْبِيرَ تِلْكَ الرُّؤْيا فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وإنَّما يَخْرُجُ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ ويَخْرُجُ الأمْرُ في صُورَةِ الخَبَرِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإيجابِ، فَيَجْعَلُ كَأنَّهُ وُجِدَ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ. والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِ في مَعْنى الأمْرِ قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿دَأبًا﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الدَّأبُ اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وهو دائِبٌ بِفِعْلِ كَذا إذا اسْتَمَرَّ في فِعْلِهِ، وقَدْ دَأبَ يَدْأبُ دَأْبًا ودَأبًا أيْ زِراعَةً مُتَوالِيَةً في هَذِهِ السِّنِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأكْثَرُونَ في ”دَأبٍ“ الإسْكانُ ولَعَلَّ الفَتْحَةَ لُغَةٌ، فَيَكُونُ كَشَمْعٍ وشَمَعٍ، ونَهْرٍ ونَهَرٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وانْتَصَبَ دَأبًا عَلى مَعْنى تَدْأبُونَ دَأبًا. وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ تَزْرَعُونَ دائِبِينَ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ، كُلُّ ما أرَدْتُمْ أكْلَهُ فَدُوسُوهُ ودَعُوا الباقِيَ في سُنْبُلِهِ حَتّى لا يَفْسَدَ ولا يَقَعَ السُّوسُ فِيهِ، لِأنَّ إبْقاءَ الحَبَّةِ في سُنْبُلِهِ يُوجِبُ بَقاءَها عَلى الصَّلاحِ، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِباتٍ، والشِّدادُ: الصِّعابُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ هَذا مَجازٌ، فَإنَّ السَّنَةَ لا تَأْكُلُ فَيُجْعَلُ أكْلُ أهْلِ تِلْكَ السِّنِينَ مُسْنَدًا إلى السِّنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ الإحْصانُ الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ في الحِصْنِ يُقالُ أحْصَنَهُ إحْصانًا إذا جَعَلَهُ في حِرْزٍ، والمُرادُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْرِزُونَ أيْ تَدَّخِرُونَ، وكُلُّها ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّبْعَةُ المُتَقَدِّمَةُ سُنُو الخِصْبِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ، والسَّبْعَةُ الثّانِيَةُ سُنُو القَحْطِ والقِلَّةِ وهي مَعْلُومَةٌ مِنَ الرُّؤْيا، وأمّا حالُ هَذِهِ السَّنَةِ فَما حَصَلَ في ذَلِكَ المَنامِ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَحْيِ، فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بَعْدَ السَّبْعَةِ المُخْصِبَةِ والسَّبْعَةِ المُجْدِبَةِ سَنَةٌ مُبارَكَةٌ كَثِيرَةُ الخَيْرِ والنِّعَمِ. وعَنْ قَتادَةَ زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: لَمّا كانَتِ العِجافُ سَبْعًا دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ لا تَزِيدُ عَلى هَذا العَدَدِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحاصِلَ بَعْدَ انْقِضاءِ القَحْطِ هو الخِصْبُ وكانَ هَذا أيْضًا مِن مَدْلُولاتِ المَنامِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ حَصَلَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ ؟
قُلْنا: هَبْ أنَّ تَبَدُّلَ القَحْطِ بِالخِصْبِ مَعْلُومٌ مِنَ المَنامِ، أمّا تَفْصِيلُ الحالِ فِيهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ يُغاثُ﴾
صفحة ١٢١
﴿النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ لا يُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقالُ: غاثَ اللَّهُ البِلادَ يَغِيثُها غَيْثًا إذا أنْزَلَ فِيها الغَيْثَ، وقَدْ غِيثَتِ الأرْضُ تُغاثُ، وقَوْلُهُ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: أغاثَهُ اللَّهُ إذا أنْقَذَهُ مِن كَرْبٍ أوْ غَمٍّ، ومَعْناهُ يُنْقَذُ النّاسُ فِيهِ مِن كَرْبِ الجَدْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى ذَهابِ الجَدْبِ وحُصُولِ الخِصْبِ والخَيْرِ، وقِيلَ: يَحْلِبُونَ الضُّرُوعَ، وقُرِئَ ”يَعْصِرُونَ“ مِن عَصَرَهُ إذا نَجّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ يُمْطَرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ إذا أعْصَرَتْ بِالمَطَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [ النَّبَأِ: ١٤] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences