Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:58–66
12:58–61Page 242
وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨
And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩
And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?
فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠
But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."
قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ٦١
They said, "We will attempt to dissuade his father from [keeping] him, and indeed, we will do [it]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا عَمَّ القَحْطُ في البِلادِ، ووَصَلَ أيْضًا إلى البَلْدَةِ الَّتِي كانَ يَسْكُنُها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَعُبَ الزَّمانُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ لِبَنِيهِ: إنَّ بِمِصْرَ رَجُلًا صالِحًا يَمِيرُ النّاسَ، فاذْهَبُوا إلَيْهِ بِدَراهِمِكم، وخُذُوا الطَّعامَ، فَخَرَجُوا إلَيْهِ، وهم عَشَرَةٌ، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصارَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ كالسَّبَبِ في اجْتِماعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، وظُهُورِ صِدْقِ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأخْبَرَ تَعالى أنَّ يُوسُفَ عَرَفَهم وهم ما عَرَفُوهُ البَتَّةَ، أمّا أنَّهُ عَرَفَهم فَلِأنَّهُ تَعالى كانَ قَدْ أخْبَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) بِأنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ ويَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، وأيْضًا الرُّؤْيا الَّتِي رَآها كانَتْ دَلِيلًا عَلى أنَّهم يَصِلُونَ إلَيْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَرَصِّدًا لِذَلِكَ الأمْرِ، وكانَ كُلُّ مَن وصَلَ إلى بابِهِ مِنَ البِلادِ البَعِيدَةِ يَتَفَحَّصُ عَنْهم ويَتَعَرَّفُ أحْوالَهم؛ لِيَعْرِفَ أنَّ هَؤُلاءِ الواصِلِينَ هَلْ هم إخْوَتُهُ أمْ لا ؟ فَلَمّا وصَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ إلى بابِ دارِهِ تَفَحَّصَ عَنْ أحْوالِهِمْ تَفَحُّصًا ظَهَرَ لَهُ أنَّهم إخْوَتُهُ، وأمّا أنَّهم ما عَرَفُوهُ فَلِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ حُجّابَهُ بِأنْ يُوقِفُوهم مِنَ البُعْدِ وما كانَ يَتَكَلَّمُ مَعَهم إلّا بِالواسِطَةِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ؛ لا سِيَّما مَهابَةُ المَلِكِ وشِدَّةُ الحاجَةِ يُوجِبانِ كَثْرَةَ الخَوْفِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ التَّأمُّلِ التّامِّ الَّذِي عِنْدَهُ يَحْصُلُ العِرْفانُ.
والثّانِي: هو أنَّهم حِينَ ألْقَوْهُ في الجُبِّ كانَ صَغِيرًا، ثُمَّ إنَّهم رَأوْهُ بَعْدَ وُفُورِ اللِّحْيَةِ، وتَغَيُّرِ الزِّيِّ والهَيْئَةِ، فَإنَّهم رَأوْهُ جالِسًا عَلى سَرِيرِهِ، وعَلَيْهِ ثِيابُ الحَرِيرِ، وفي عُنُقِهِ طَوْقٌ مِن ذَهَبٍ، وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِن ذَهَبٍ، والقَوْمُ أيْضًا نَسُوا واقِعَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِطُولِ المُدَّةِ.
فَيُقالُ: إنَّ مِن وقْتِ ما ألْقَوْهُ في الجُبِّ إلى هَذا الوَقْتِ كانَ قَدْ مَضى أرْبَعُونَ سَنَةً، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِ المَعْرِفَةِ، لا سِيَّما عِنْدَ اجْتِماعِها.
والثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ العِرْفانِ والتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، فَلَعَلَّهُ تَعالى ما خَلَقَ ذَلِكَ العِرْفانَ والتَّذْكِيرَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ اللَّيْثُ: جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا إذا تَكَلَّفْتَ لَهم جَهازِهِمْ
صفحة ١٣٣
لِلسَّفَرِ، وكَذَلِكَ جَهازُ العَرُوسِ والمَيِّتِ، وهو ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وجْهِهِ.
قالَ: وسَمِعْتُ أهْلَ البَصْرَةِ يَقُولُونَ: الجِهازُ بِالكَسْرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا وأكْرَمَهم أيْضًا بِالنُّزُولِ وأعْطاهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في السَّفَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَلامٍ سابِقٍ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ الكَلامُ سَبَبًا لِسُؤالِ يُوسُفَ عَنْ حالِ أخِيهِمْ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أحْسَنُها: إنَّ عادَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ الكُلِّ أنْ يُعْطِيَهُ حِمْلَ بِعِيرٍ لا أزْيَدَ عَلَيْهِ ولا أنْقَصَ، وإخْوَةُ يُوسُفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَيْهِ كانُوا عَشَرَةً، فَأعْطاهم عَشَرَةَ أحْمالٍ، فَقالُوا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا كَبِيرًا وأخًا آخَرَ بَقِيَ مَعَهُ، وذَكَرُوا أنَّ أباهم لِأجْلِ سِنِّهِ وشِدَّةِ حُزْنِهِ لَمْ يَحْضُرْ، وأنَّ أخاهم بَقِيَ في خِدْمَةِ أبِيهِ ولا بُدَّ لَهُما أيْضًا مِن شَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ، فَجَهَّزَ لَهُما أيْضًا بَعِيرَيْنِ آخَرَيْنِ مِنَ الطَّعامِ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ قالَ يُوسُفُ: فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُبَّ أبِيكم لَهُ أزْيَدُ مِن حُبِّهِ لَكم، وهَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ؛ لِأنَّكم مَعَ جَمالِكم وعَقْلِكم وأدَبِكم إذا كانَتْ مَحَبَّةُ أبِيكم لِذَلِكَ الأخِ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لَكم؛ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ أُعْجُوبَةٌ في العَقْلِ، وفي الفَضْلِ والأدَبِ؛ فَجِيئُونِي بِهِ حَتّى أراهُ، فَهَذا السَّبَبُ مُحْتَمَلٌ مُناسِبٌ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأعْطاهُمُ الطَّعامَ، قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ رُعاةٌ مِن أهْلِ الشّامِ، أصابَنا الجَهْدُ؛ فَجِئْنا نَمْتارُ، فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا، فَقالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ، بَنُو أبٍ واحِدٍ شَيْخٍ صِدِّيقٍ نَبِيٍّ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ؛ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ، وبَقِيَ واحِدٌ مَعَ الأبِ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي هَلَكَ، ونَحْنُ عَشَرَةٌ وقَدْ جِئْناكَ قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً، وائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم لِيُبَلِّغَ إلَيَّ رِسالَةَ أبِيكم؛ فَعِنْدَ هَذا أقْرَعُوا بَيْنَهم فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ، وكانَ أحْسَنَهم رَأْيًا في يُوسُفَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: لَعَلَّهم لَمّا ذَكَرُوا أباهم قالَ يُوسُفُ: فَلِمَ تَرَكْتُمُوهُ وحِيدًا فَرِيدًا ؟ قالُوا: ما تَرَكْناهُ وحِيدًا، بَلْ بَقِيَ عِنْدَهُ واحِدٌ.
فَقالَ لَهم: لِمَ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ ؟ ولِمَ خَصَّهُ بِهَذا المَعْنى ؟ لِأجْلِ نَقْصٍ في جَسَدِهِ ؟ فَقالُوا: لا. بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّهُ أكْثَرَ مِن مَحَبَّتِهِ لِسائِرِ الأوْلادِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ يُوسُفُ: لِما ذَكَرْتُمْ أنَّ أباكم رَجُلٌ عالِمٌ حَكِيمٌ بَعِيدٌ عَنِ المُجازَفَةِ، ثُمَّ إنَّهُ خَصَّهُ بِمَزِيدِ المَحَبَّةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ زائِدًا عَلَيْكم في الفَضْلِ، وصِفاتِ الكَمالِ مَعَ أنِّي أراكم فُضَلاءَ عُلَماءَ حُكَماءَ؛ فاشْتاقَتْ نَفْسِي إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأخِ؛ فائْتُونِي بِهِ.
والسَّبَبُ الثّانِي: ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، والأوَّلُ والثّالِثُ مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ ولا أبْخَسُهُ، وأزِيدُكم حِمْلَ بَعِيرٍ آخَرَ لِأجْلِ أخِيكم، ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾، أيْ: خَيْرُ المُضِيفِينَ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُضْعِفُ الوَجْهَ الثّانِيَ وهو الَّذِي نَقَلْناهُ عَنِ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ الوَجْهِ عَلى أنَّهُ اتَّهَمَهم ونَسَبَهم إلى أنَّهم جَواسِيسُ، ولَوْ شافَهَهم بِذَلِكَ الكَلامِ فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأيْضًا يَبْعُدُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَوْنِهِ صِدِّيقًا أنْ يَقُولَ لَهم: أنْتُمْ جَواسِيسُ وعُيُونٌ، مَعَ أنَّهُ
صفحة ١٣٤
يَعْرِفُ بَراءَتَهم عَنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ، لِأنَّ البُهْتانَ لا يَلِيقُ بِحالِ الصِّدِّيقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنهم إحْضارَ ذَلِكَ الأخِ جَمَعَ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
أمّا التَّرْغِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ وأمّا التَّرْهِيبُ: فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الحاجَةِ إلى تَحْصِيلِ الطَّعامِ، وما كانَ يُمْكِنُهم تَحْصِيلُهُ إلّا مِن عِنْدِهِ، فَإذا مَنَعَهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَهُ كانَ ذَلِكَ نِهايَةَ التَّرْهِيبِ والتَّخْوِيفِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ مِن يُوسُفَ قالُوا: ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ سَنَجْتَهِدُ ونَحْتالُ عَلى أنْ نَنْزِعَهُ مِن يَدِهِ، وإنّا لَفاعِلُونَ هَذِهِ المُراوَدَةَ، والغَرَضُ مِنَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أنْ نَجِيئَكَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ كُلَّ ما في وُسْعِنا مِن هَذا البابِ.
12:62–64Page 242
وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٦٢
And [Joseph] said to his servants, "Put their merchandise1 into their saddlebags so they might recognize it when they have gone back to their people that perhaps they will [again] return."
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣
So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."
قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤
He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."
٥٠ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (لِفِتْيانِهِ) بِالألِفِ والنُّونِ والباقُونَ (لِفِتْيَتِهِ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وهُما لُغَتانِ كالصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ، والإخْوانِ والإخْوَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفِتْيَةُ جَمْعُ فَتًى في العَدَدِ القَلِيلِ والفِتْيانُ لِلْكَثِيرِ، فَوَجْهُ البِناءِ الَّذِي لِلْعَدَدِ القَلِيلِ أنَّ الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِما يَجْعَلُونَ بِضاعَتَهم فِيهِ مِن رِحالِهِمْ يَكُونُونَ قَلِيلِينَ لِأنَّ هَذا مِن بابِ الأسْرارِ، فَوَجَبَ صَوْنُهُ إلّا عَنِ العَدَدِ القَلِيلِ، ووَجْهُ الجَمْعِ الكَثِيرِ أنَّهُ قالَ: ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ والرِّحالُ تُفِيدُ العَدَدَ الكَثِيرَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُباشِرُونَ ذَلِكَ العَمَلَ كَثِيرِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ما كانُوا عالِمِينَ بِجَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ ومِنهم مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عارِفِينَ بِهِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ أمَرَ يُوسُفُ بِوَضْعِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم مَتى فَتَحُوا المَتاعَ فَوَجَدُوا بِضاعَتَهم فِيهِ، عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ كانَ كَرَمًا مِن يُوسُفَ وسَخاءً مَحْضًا، فَيَبْعَثُهم ذَلِكَ عَلى العَوْدِ إلَيْهِ والحِرْصِ عَلى مُعامَلَتِهِ.
الثّانِي: خافَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ مِنَ الوَرِقِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى.
الثّالِثُ: أرادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ عَلى
صفحة ١٣٥
أبِيهِ لِأنَّ الزَّمانَ كانَ زَمانَ القَحْطِ.
الرّابِعُ: رَأى أنَّ أخْذَ ثَمَنِ الطَّعامِ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ لُؤْمٌ.
الخامِسُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهم مَتى شاهَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ وقَعَ في قُلُوبِهِمْ أنَّهم وضَعُوا تِلْكَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ، وهم أنْبِياءُ وأوْلادُ الأنْبِياءِ، فَرَجَعُوا لِيَعْرِفُوا السَّبَبَ فِيهِ، أوْ رَجَعُوا لِيَرُدُّوا المالَ إلى مالِكِهِ.
السّادِسُ: أرادَ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهٍ لا يُلْحِقُهم بِهِ عَيْبٌ ولا مِنَّةٌ.
السّابِعُ: مَقْصُودُهُ أنْ يَعْرِفُوا أنَّهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ الأخَ لِأجْلِ الإيذاءِ والظُّلْمِ، ولا لِطَلَبِ زِيادَةٍ في الثَّمَنِ.
الثّامِنُ: أرادَ أنْ يَعْرِفَ أبُوهُ أنَّهُ أكْرَمَهم، وطَلَبُهُ لَهُ لِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَلا يَثْقُلُ عَلى أبِيهِ إرْسالُ أخِيهِ.
التّاسِعُ: أرادَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المالُ مَعُونَةً لَهم عَلى شِدَّةِ الزَّمانِ، وكانَ يَخافُ اللُّصُوصَ مِن قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ تِلْكَ الدَّراهِمَ في رِحالِهِمْ حَتّى تَبْقى مَخْفِيَّةً إلى أنْ يَصِلُوا إلى أبِيهِمْ.
العاشِرُ: أرادَ أنْ يُقابِلَ مُبالَغَتَهم في الإساءَةِ بِمُبالَغَتِهِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا: ﴿ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا طَلَبُوا الطَّعامَ لِأبِيهِمْ ولِلْأخِ الباقِي عِنْدَهُ مُنِعُوا مِنهُ، فَقَوْلُهم: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مُنِعَ الكَيْلُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو إشارَةٌ إلى قَوْلِ يُوسُفَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ قَوْلُهم: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَكْتَلْ) بِالياءِ، والباقُونَ بِالنُّونِ، والقِراءَةُ الأُولى تُقَوِّي القَوْلَ الأوَّلَ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ تُقَوِّي القَوْلَ الثّانِيَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ضَمِنُوا كَوْنَهم حافِظِينَ لَهُ، فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ والمَعْنى أنَّكم ذَكَرْتُمْ قَبْلُ هَذا الكَلامَ في يُوسُفَ، وضَمِنتُمْ لِي حِفْظَهُ حَيْثُ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٢) ثُمَّ هَهُنا ذَكَرْتُمْ هَذا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ، فَهَلْ يَكُونُ هَهُنا أمانِيُّ إلّا ما كانَ هُناكَ ؟ يَعْنِي لَمّا لَمْ يَحْصُلِ الأمانُ هُناكَ فَكَذَلِكَ لا يَحْصُلُ هَهُنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (حافِظًا) بِالألِفِ عَلى التَّمْيِيزِ والتَّفْسِيرِ عَلى تَقْدِيرِ: هو خَيْرٌ لَكم حافِظًا كَقَوْلِهِمْ: هو خَيْرُهم رَجُلًا ولِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا.
وقِيلَ: عَلى الحالِ والباقُونَ: (حِفْظًا) بِغَيْرِ ألِفٍ عَلى المَصْدَرِ، يَعْنِي: خَيْرُكم حِفْظًا يَعْنِي: حِفْظُ اللَّهِ لِبِنْيامِينَ خَيْرٌ مِن حِفْظِكم، وقَرَأ الأعْمَشُ: (فاللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خَيْرُ الحافِظِينَ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ) .
وقِيلَ: مَعْناهُ وثِقْتُ بِكم في حِفْظِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَكانَ ما كانَ، فالآنَ أتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في حِفْظِ بِنْيامِينَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ بَعَثَهُ مَعَهم وقَدْ شاهَدَ ما شاهَدَ ؟
قُلْنا: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهم كَبِرُوا ومالُوا إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ.
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يُشاهِدُ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ بِنْيامِينَ مِنَ الحَسَدِ والحِقْدِ مِثْلُ ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وثالِثُها: أنَّ ضَرُورَةَ القَحْطِ أحْوَجَتْهُ إلى ذَلِكَ.
ورابِعُها: لَعَلَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وضَمِنَ حِفْظَهُ وإيصالَهُ إلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ عَلى أنَّهُ أذِنَ في ذَهابِ ابْنِهِ بِنْيامِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟
قُلْنا: الأكْثَرُونَ قالُوا: يَدُلُّ عَلَيْهِ. وقالَ آخَرُونَ: لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ لَوْ أذِنَ في خُرُوجِهِ مَعَهم؛ لَكانَ في حِفْظِ اللَّهِ لا في حِفْظِهِمْ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ يُوسُفَ قالَ: ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾ أيْ لِيُوسُفَ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ حَيٌّ.
12:65Page 243
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥
And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا ياأبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ المَتاعَ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَمْتَعَ بِهِ، وهو عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ هَهُنا الطَّعامُ الَّذِي حَمَلُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أوْعِيَةُ الطَّعامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿رُدَّتْ﴾ فالأكْثَرُونَ بِضَمِّ الرّاءِ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كَسْرَةُ الدّالِ المُدْغَمَةِ نُقِلَتْ إلى الرّاءِ كَما في قِيلَ وبِيعَ.
وحَكى قُطْرُبٌ أنَّهم قالُوا في قَوْلِنا: ضُرِبَ زَيْدٌ عَلى نَقْلِ كَسْرَةِ الرّاءِ فِيمَن سَكَّنَها إلى الضّادِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما نَبْغِي﴾ فَفي كَلِمَةِ (ما) قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها لِلنَّفْيِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا قَدْ وصَفُوا يُوسُفَ بِالكَرَمِ واللُّطْفِ وقالُوا: إنّا قَدِمْنا عَلى رَجُلٍ في غايَةِ الكَرَمِ أنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ لَما فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهم: ﴿ما نَبْغِي﴾ أيْ بِهَذا الوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْناهُ كَذِبًا ولا ذِكْرَ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ.
الثّانِي: أنَّهُ بَلَغَ في الإكْرامِ إلى غايَةٍ ما وراءَها شَيْءٌ آخَرُ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بالَغَ في إكْرامِنا أمَرَ بِبِضاعَتِنا فَرُدَّتْ إلَيْنا.
الثّالِثُ: المَعْنى أنَّهُ رَدَّ بِضاعَتَنا إلَيْنا، فَنَحْنُ لا نَبْغِي مِنهُ عِنْدَ رُجُوعِنا إلَيْهِ بِضاعَةً أُخْرى، فَإنَّ هَذِهِ الَّتِي مَعَنا كافِيَةٌ لَنا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ ”ما“ هَهُنا لِلِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: لَمّا رَأوْا أنَّهُ رَدَّ إلَيْهِمْ بِضاعَتَهم قالُوا: ما نَبْغِي بَعْدَ هَذا ؟ أيْ أعْطانا الطَّعامَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْنا ثَمَنَ الطَّعامِ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، فَأيَّ شَيْءٍ نَبْغِي وراءَ ذَلِكَ ؟
واعْلَمْ أنّا إذا حَمَلْنا ”ما“ عَلى الِاسْتِفْهامِ صارَ التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ نَبْغِي فَوْقَ هَذا الإكْرامِ ؟ إنَّ الرَّجُلَ رَدَّ دَراهِمَنا إلَيْنا، فَإذا ذَهَبْنا إلَيْهِ نَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بِعِيرٍ بِسَبَبِ حُضُورِ أخِينا.
قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: مارَهُ يَمِيرُهُ مَيْرًا، إذا أتاهُ بِمِيرَةٍ أيْ: بِطَعامٍ، ومِنهُ يُقالُ: ما عِنْدَهُ خَيْرٌ ولا مَيْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ مَعْناهُ: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَكِيلُ لِكُلِّ رَجُلٍ حِمْلَ بَعِيرٍ، فَإذا حَضَرَ أخُوهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَزْدادَ ذَلِكَ الحِمْلُ، وأمّا إذا حَمَلْنا كَلِمَةَ ”ما“ عَلى النَّفْيِ؛ كانَ المَعْنى لا نَبْغِي شَيْئًا آخَرَ؛ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا، فَهي كافِيَةٌ لِثَمَنِ الطَّعامِ في الذَّهابِ الثّانِي، ثُمَّ نَفْعَلُ كَذا وكَذا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ مُقاتِلٌ: ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ المُحْسِنِ لِسَخائِهِ وحِرْصِهِ عَلى البَذْلِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ، أيْ قَصِيرُ المُدَّةِ؛ لَيْسَ سَبِيلُ مِثْلِهِ أنْ تَطُولَ مُدَّتُهُ بِسَبَبِ الحَبْسِ والتَّأْخِيرِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ: ذَلِكَ الَّذِي يُدْفَعُ إلَيْنا دُونَ أخِينا شَيْءٌ يَسِيرٌ قَلِيلٌ؛ فابْعَثْ أخانا مَعَنا حَتّى نَتَبَدَّلَ تِلْكَ القِلَّةَ بِالكَثْرَةِ.
12:66Page 243
قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦
[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المَوْثِقَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الثِّقَةِ، ومَعْناهُ: العَهْدُ الَّذِي يُوثَقُ بِهِ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ يَقُولُ: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُعْطُونِي عَهْدًا مَوْثُوقًا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مَوْثُوقًا بِهِ بِسَبَبِ تَأكُّدِهِ بِإشْهادِ اللَّهِ وبِسَبَبِ القَسَمِ بِاللَّهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ دَخَلَتِ اللّامُ هَهُنا لِأجْلِ أنّا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالمَوْثِقِ مِنَ اللَّهِ اليَمِينُ، فَتَقْدِيرُهُ: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ. فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، والكَلامُ المُثْبَتُ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تَأْوِيلِ المَنفِيِّ، فَكانَ المَعْنى: لا تَمْتَنِعُونَ مِنَ الإتْيانِ بِهِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةٍ واحِدَةٍ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ الواحِدِيُّ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ مَعْناهُ الهَلاكُ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَمُوتُوا كُلُّكم فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا عِنْدِي، والعَرَبُ تَقُولُ: أُحِيطَ بِفُلانٍ إذا قَرُبَ هَلاكُهُ، قالَ تَعالى: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (الكَهْفِ: ٤٢) أيْ أصابَهُ ما أهْلَكَهُ. وقالَ تَعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ (يُونُسَ: ٢٢) وأصْلُهُ أنَّ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ وانْسَدَّتْ عَلَيْهِ مَسالِكُ النَّجاةِ دَنا هَلاكُهُ، فَقِيلَ لِكُلِّ مَن هَلَكَ: قَدْ أُحِيطَ بِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ قَتادَةُ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلّا أنْ تَصِيرُوا مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ، فَلا تَقْدِرُونَ عَلى الرُّجُوعِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ يُرِيدُ شَهِيدٌ، لِأنَّ الشَّهِيدَ وكِيلٌ بِمَعْنى أنَّهُ مَوْكُولٌ إلَيْهِ هَذا العَهْدُ فَإنْ وفَّيْتُمْ بِهِ جازاكم بِأحْسَنِ الجَزاءِ، وإنْ غَدَرْتُمْ فِيهِ كافَأكم بِأعْظَمِ العُقُوباتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences