Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:67–72
12:67Page 243
وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧
And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ لَمّا عَزَمُوا عَلى الخُرُوجِ إلى مِصْرَ، وكانُوا مَوْصُوفِينَ بِالكَمالِ والجَمالِ، وأبْناءَ رَجُلٍ واحِدٍ قالَ لَهم: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ
صفحة ١٣٨
المُفَسِّرِينَ أنَّهُ خافَ مِنَ العَيْنِ عَلَيْهِمْ ولَنا هَهُنا مَقامانِ:
المَقامُ الأوَّلُ: إثْباتُ أنَّ العَيْنَ حَقٌّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: إطْباقُ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَلِكَ.
والثّانِي: ما رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- «كانَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ فَيَقُولُ: ”أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“ ويَقُولُ: هَكَذا كانَ يُعَوِّذُ إبْراهِيمُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» .
والثّالِثُ: ما رَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في أوَّلِ النَّهارِ فَرَأيْتُهُ شَدِيدَ الوَجَعِ، ثُمَّ عُدْتُ إلَيْهِ آخِرَ النَّهارِ فَرَأيْتُهُ مُعافًى، فَقالَ: ”إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتانِي فَرَقانِي، فَقالَ: بِسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ وحاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ“ قالَ: فَأفَقْتُ» .
والرّابِعُ: رُوِيَ «أنَّ بَنِي جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ كانُوا غِلْمانًا بِيضًا فَقالَتْ أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ العَيْنَ إلَيْهِمْ سَرِيعَةٌ أفَأسْتَرْقِي لَهم مِنَ العَيْنِ ؟ فَقالَ لَها: نَعَمْ» .
والخامِسُ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ وعِنْدَها صَبِيٌّ يَشْتَكِي، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَتْهُ العَيْنُ، فَقالَ: أفَلا تَسْتَرْقُونَ لَهُ مِنَ العَيْنِ» .
والسّادِسُ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«العَيْنُ حَقٌّ، ولَوْ كانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ القَدَرَ؛ لَسَبَقَتِ العَيْنُ القَدَرَ» “ .
والسّابِعُ: قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كانَ يَأْمُرُ العائِنَ أنْ يَتَوَضَّأ، ثُمَّ يَغْسِلَ مِنهُ المَعِينُ الَّذِي أُصِيبَ بِالعَيْنِ» .
المَقامُ الثّانِي: في الكَشْفِ عَنْ ماهِيَّتِهِ فَنَقُولُ: إنَّ أبا عَلِيٍّ الجُبّائِيَّ أنْكَرَ هَذا المَعْنى إنْكارًا بَلِيغًا، ولَمْ يَذْكُرْ في إنْكارِهِ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ، وأمّا الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِهِ وأقَرُّوا بِوُجُودِهِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الحافِظُ: إنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ العَيْنِ أجْزاءٌ فَتَتَّصِلُ بِالشَّخْصِ المُسْتَحْسَنِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ، وتَسْرِي فِيهِ كَتَأْثِيرِ اللَّسْعِ والسُّمِّ والنّارِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في جِهَةِ التَّأْثِيرِ لِهَذِهِ الأشْياءِ.
قالَ القاضِي: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ؛ لَوَجَبَ أنْ يُؤَثِّرَ في الشَّخْصِ الَّذِي لا يُسْتَحْسَنُ كَتَأْثِيرِهِ في المُسْتَحْسَنِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا؛ فَقَدْ يُحِبُّ بَقاءَهُ كَما إذا اسْتَحْسَنَ ولَدَ نَفْسِهِ وبُسْتانَ نَفْسِهِ، وقَدْ يَكْرَهُ بَقاءَهُ أيْضًا كَما إذا أحَسَّ الحاسِدُ بِشَيْءٍ حَصَلَ لِعَدُوِّهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ؛ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن زَوالِهِ، والخَوْفُ الشَّدِيدُ يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ في داخِلِ القَلْبِ، فَحِينَئِذٍ يَسْخُنُ القَلْبُ والرُّوحُ جِدًّا، ويَحْصُلُ في الرُّوحِ الباصِرَةِ كَيْفِيَّةٌ قَوِيَّةٌ مُسَخِّنَةٌ، وإنْ كانَ الثّانِي؛ فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ حَسَدٌ شَدِيدٌ وحُزْنٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ النِّعْمَةِ لِعَدُوِّهِ.
والحُزْنُ أيْضًا يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ في داخِلِ القَلْبِ، ويَحْصُلُ فِيهِ سُخُونَةٌ شَدِيدَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ عِنْدَ الِاسْتِحْسانِ القَوِيِّ تَسْخُنُ الرُّوحُ جِدًّا فَيَسْخُنُ شُعاعُ العَيْنِ، بِخِلافِ ما إذا لَمْ يُسْتَحْسَنْ فَإنَّهُ لا تَحْصُلُ هَذِهِ السُّخُونَةُ؛ فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، ولِهَذا السَّبَبِ أمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- العائِنَ بِالوُضُوءِ، ومَن أصابَتْهُ العَيْنُ بِالِاغْتِسالِ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ أبُو هاشِمٍ وأبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ: إنَّهُ لا يُمْتَنَعُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حَقًّا، ويَكُونُ مَعْناهُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ اسْتِحْسانًا كانَ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّخْصَ وذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، فَهَذا المَعْنى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ رَبَّهُ عِنْدَ تِلْكَ الحالَةِ، وعَدَلَ عَنِ الإعْجابِ وسَألَ رَبَّهُ تَقِيَّةَ ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ تَتَعَيَّنُ المَصْلَحَةُ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العادَةُ مُطَّرِدَةً لا جَرَمَ قِيلَ: العَيْنُ حَقٌّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحُكَماءِ قالُوا: هَذا الكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَةٍ وهي أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ المُؤَثِّرِ أنْ
صفحة ١٣٩
يَكُونَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ أعْنِي الحَرارَةَ والبُرُودَةَ والرُّطُوبَةَ واليُبُوسَةَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ نَفْسانِيًّا مَحْضًا، ولا يَكُونُ لِلْقُوى الجُسْمانِيَّةِ بِها تَعَلُّقٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّوْحَ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلَ العَرْضِ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ قَدَرَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ مَوْضُوعًا فِيما بَيْنَ جِدارَيْنِ عالِيَيْنِ لَعَجَزَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ خَوْفَهُ مِنَ السُّقُوطِ مِنهُ يُوجِبُ سُقُوطَهُ، فَعَلِمْنا أنَّ التَّأْثِيراتِ النَّفْسانِيَّةَ مَوْجُودَةٌ، وأيْضًا أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ كَوْنَ فُلانٍ مُؤْذِيًا لَهُ حَصَلَ في قَلْبِهِ غَضَبٌ، ويَسْخُنُ مِزاجُهُ جِدًّا، فَمَبْدَأُ تِلْكَ السُّخُونَةِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ التَّصَوُّرَ النَّفْسانِيَّ، ولِأنَّ مَبْدَأ الحَرَكاتِ البَدَنِيَّةِ لَيْسَ إلّا التَّصَوُّراتِ النَّفْسانِيَّةَ، فَلَمّا ثَبَتَ أنَّ تَصَوُّرَ النَّفْسِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ بَدَنِهِ الخاصِّ؛ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تَتَعَدّى تَأْثِيراتُها إلى سائِرِ الأبْدانِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ كَوْنُ النَّفْسِ مُؤَثِّرَةً في سائِرِ الأبْدانِ، وأيْضًا جَواهِرُ النُّفُوسِ المُخْتَلِفَةِ بِالماهِيَّةِ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ في تَغْيِيرِ بَدَنِ حَيَوانٍ آخَرَ بِشَرْطِ أنْ يَراهُ ويَتَعَجَّبَ مِنهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا المَعْنى أمْرٌ مُحْتَمَلٌ، والتَّجارِبُ مِنَ الزَّمَنِ الأقْدَمِ ساعَدَتْ عَلَيْهِ، والنُّفُوسُ النَّبَوِيَّةُ نَطَقَتْ بِهِ، فَعِنْدَهُ لا يَبْقى في وُقُوعِهِ شَكٌّ.
وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّ الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِإصابَةِ العَيْنِ كَلامٌ حَقٌّ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ: أنَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ اشْتَهَرُوا بِمِصْرَ، وتَحَدَّثَ النّاسُ بِهِمْ وبِحُسْنِهِمْ وكَمالِهِمْ.
فَقالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ تِلْكَ المَدِينَةَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ والهَيْئَةِ، فَلَمْ يَأْمَن عَلَيْهِمْ حَسَدَ النّاسِ، أوْ يُقالُ: لَمْ يَأْمَن عَلَيْهِمْ أنْ يَخافَهُمُ المَلِكُ الأعْظَمُ عَلى مُلْكِهِ فَيَحْبِسَهم.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ مُحْتَمَلٌ لا إنْكارَ فِيهِ إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا امْتِناعَ فِيهِ بِحَسَبِ العَقْلِ، والمُفَسِّرُونَ أطْبَقُوا عَلَيْهِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ.
ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، فَقالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إلى عِلْمِهِ وقالَ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وعَرَفَ أنَّ العَيْنَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وكانَ قَتادَةُ يُفَسِّرُ الآيَةَ بِإصابَةِ العَيْنِ ويَقُولُ: لَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إبْطالٌ لَهُ لِأنَّ العَيْنَ وإنْ صَحَّ؛ فاللَّهُ قادِرٌ عَلى دَفْعِ أثَرِهِ.
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّ مَلِكَ مِصْرَ هو ولَدُهُ يُوسُفُ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أذِنَ لَهُ في إظْهارِ ذَلِكَ، فَلَمّا بَعَثَ أبْناءَهُ إلَيْهِ قالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وكانَ غَرَضُهُ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى يُوسُفَ في وقْتِ الخَلْوَةِ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مَأْمُورٌ بِأنْ يُراعِيَ الأسْبابَ المُعْتَبَرَةَ في هَذا العالَمِ، ومَأْمُورٌ أيْضًا بِأنْ يَعْتَقِدَ ويَجْزِمَ بِأنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَأْمُورٌ بِأنْ يَحْذَرَ عَنِ الأشْياءِ المُهْلِكَةِ، والأغْذِيَةِ الضّارَّةِ، ويَسْعى في تَحْصِيلِ المَنافِعِ، ودَفْعِ المَضارِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جازِمًا بِأنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ، ولا يَحْصُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى رِعايَةِ الأسْبابِ المُعْتَبَرَةِ في هَذا العالَمِ وقَوْلُهُ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الأسْبابِ، وإلى التَّوْحِيدِ المَحْضِ والبَراءَةِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى.
وقَوْلُ القائِلِ: كَيْفَ السَّبِيلُ إلى الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ؟ فَهَذا
صفحة ١٤٠
السُّؤالُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن إقامَةِ الطّاعاتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ مَعَ أنّا نَعْتَقِدُ أنَّ السَّعِيدَ مَن سَعِدَ في بَطْنِ أُمِّهِ، وأنَّ الشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، فَكَذا هَهُنا نَأْكُلُ ونَشْرَبُ ونَحْتَرِزُ عَنِ السُّمُومِ وعَنِ الدُّخُولِ في النّارِ مَعَ أنَّ المَوْتَ والحَياةَ لا يَحْصُلانِ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَذا هَهُنا، فَظَهَرَ أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذا المَقامِ، بَلْ هو بَحْثٌ عَنْ سِرِّ مَسْألَةِ الجَبْرِ والقَدَرِ، بَلِ الحَقُّ أنَّ العَبْدَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَسْعى بِأقْصى الجُهْدِ والقُدْرَةِ، وبَعْدَ ذَلِكَ السَّعْيِ البَلِيغِ، والجِدِّ الجَهِيدِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وسابِقِ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا المَعْنى، فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في القَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ عِبارَةٌ عَنِ الإلْزامِ والمَنعِ مِنَ النَّقِيضِ، وسُمِّيَتْ حَكَمَةُ الدّابَّةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّها تَمْنَعُ الدّابَّةَ عَنِ الحَرَكاتِ الفاسِدَةِ، والحُكْمُ إنَّما سُمِّيَ حُكْمًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الطَّرَفُ الآخَرُ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الحُكْمَ بِهَذا التَّفْسِيرِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ، إمّا بِغَيْرِ واسِطَةٍ وإمّا بِواسِطَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ ثَبَتَ أنَّهُ لا تَوَكُّلَ إلّا عَلى اللَّهِ، وأنَّ الرَّغْبَةَ لَيْسَتْ إلّا في رُجْحانِ وُجُودِ المُمْكِناتِ عَلى عَدَمِها، وذَلِكَ الرُّجْحانُ المانِعُ عَنِ النَّقِيضِ هو الحُكْمُ، وثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ؛ فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُصُولَ كُلِّ الخَيْراتِ، ودَفْعَ كُلِّ الآفاتِ مِنَ اللَّهِ، ويُوجِبُ أنَّهُ لا تَوَكُّلَ إلّا عَلى اللَّهِ، فَهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ، ونَحْنُ قَدْ أشَرْنا إلى ما هو البُرْهانُ الحَقُّ فِيهِ، والشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أطْنَبَ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى في كِتابِ التَّوَكُّلِ مِن كِتابِ ”إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ“ فَمَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فِيهِ فَلْيُطالِعْ ذَلِكَ الكِتابَ.
12:68Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨
And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا قالَ يَعْقُوبُ: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ صَدَّقَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ يُغْنِي مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ، وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ذَلِكَ التَّفَرُّقُ ما كانَ يَرُدُّ قَضاءَ اللَّهِ، ولا أمْرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ العَيْنَ لَوْ قُدِّرَ أنْ تُصِيبَهم لَأصابَتْهم وهم مُتَفَرِّقُونَ كَما تُصِيبُهم وهم مُجْتَمِعُونَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم عِنْدَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ، وهَذِهِ الكَلِماتُ مُتَقارِبَةٌ، وحاصِلُها أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ بِالمَفْعُولِيَّةِ والرَّفْعَ بِالفاعِلِيَّةِ.
صفحة ١٤١
أمّا الأوَّلُ: فَهو كَقَوْلِهِ: ما رَأيْتُ مِن أحَدٍ، والتَّقْدِيرُ: ما رَأيْتُ أحَدًا، فَكَذا هَهُنا، تَقْدِيرُ الآيَةِ: أنَّ تَفَرُّقَهم ما كانَ يُغْنِي مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ ما كانَ يُخْرِجُ شَيْئًا مِن تَحْتِ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا الثّانِي: فَكَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي مِن أحَدٍ، وتَقْدِيرُهُ: ما جاءَنِي أحَدٌ، فَكَذا هَهُنا، التَّقْدِيرُ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ مَعَ قَضائِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها، يَعْنِي أنَّ الدُّخُولَ عَلى صِفَةِ التَّفَرُّقِ قَضاءُ حاجَةٍ في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ تِلْكَ الحاجَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن إصابَةِ العَيْنِ.
وثانِيها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن حَسَدِ أهْلِ مِصْرَ.
وثالِثُها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يَقْصِدَهم مَلِكُ مِصْرَ بِشَرٍّ.
ورابِعُها: خَوْفُهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ لا يَرْجِعُوا إلَيْهِ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُتَقارِبَةٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ فَقالَ الواحِدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، والهاءُ عائِدَةٌ إلى يَعْقُوبَ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ مِن أجْلِ تَعْلِيمِنا إيّاهُ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ (ما) بِمَعْنى الَّذِي، والهاءُ عائِدَةٌ إلَيْها، والتَّأْوِيلُ: وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِلشَّيْءِ الَّذِي عَلَّمْناهُ، يَعْنِي أنّا لَمّا عَلَّمْناهُ شَيْئًا حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ آخَرانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ الحِفْظُ، أيْ إنَّهُ لَذُو حِفْظٍ لِما عَلَّمْناهُ ومُراقَبَةٍ لَهُ.
والثّانِي: لَذُو عِلْمٍ لِفَوائِدِ ما عَلَّمْناهُ وحُسْنِ آثارِهِ، وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عامِلًا بِما عَلِمَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ ما عَلِمَ يَعْقُوبُ.
والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ والعِلْمِ.
والمُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ: المُشْرِكُونَ، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ كَيْفَ أرْشَدَ أوْلِياءَهُ إلى العُلُومِ الَّتِي تَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
12:69–72Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩
And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠
So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."
قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١
They said while approaching them, "What is it you are missing?"
قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢
They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهم لَمّا أتَوْهُ بِأخِيهِ بِنْيامِينَ أكْرَمَهم وأضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ، فَقالَ يُوسُفُ: بَقِيَ أخُوكم وحِيدًا، فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَنْزِلَ مِنهم كُلُّ اثْنَيْنِ بَيْتًا، وقالَ: هَذا لا ثانِيَ لَهُ فاتْرُكُوهُ مَعِي فَآواهُ إلَيْهِ، ولَمّا رَأى يُوسُفُ تَأسُّفَهُ عَلى أخٍ لَهُ هَلَكَ؛ قالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ ؟ ولَكِنَّكَ لَمْ يَلِدْكَ
صفحة ١٤٢
يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ؛ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَ إلَيْهِ، وعانَقَهُ وقالَ: إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَأْوِي إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: قالَ وهْبٌ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ أخُوهُ مِنَ النَّسَبِ، ولَكِنْ أرادَ بِهِ إنِّي أقُومُ لَكَ مَقامَ أخِيكَ في الإيناسِ لِئَلّا تَسْتَوْحِشَ بِالتَّفَرُّدِ.
والصَّحِيحُ ما عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ أرادَ تَعْرِيفَ النَّسَبِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إزالَةِ الوَحْشَةِ وحُصُولِ الأُنْسِ، ولِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، فَلا وجْهَ لِصَرْفِهِ عَنْها إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”تَبْتَئِسْ“ تَفْتَعِلْ مِنَ البُؤْسِ وهو الضَّرَرُ والشِّدَّةُ والِابْتِئاسُ اجْتِلابُ الحُزْنِ والبُؤْسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إقامَتِهِمْ عَلى حَسَدِنا، والحِرْصِ عَلى انْصِرافِ وجْهِ أبِينا عَنّا.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما بَقِيَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ العَداوَةِ، وصارَ صافِيًا مَعَ إخْوَتِهِ، فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ قَلْبَ أخِيهِ صافِيًا مَعَهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ إلى ما صَنَعُوهُ فِيما تَقَدَّمَ، ولا تَلْتَفِتْ إلى أعْمالِهِمُ المُنْكَرَةِ الَّتِي أقْدَمُوا عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنَّهم إنَّما فَعَلُوا بِيُوسُفَ ما فَعَلُوهُ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ عَلى إقْبالِ الأبِ عَلَيْهِ وتَخْصِيصِهِ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَخافَ بِنْيامِينُ أنْ يَحْسُدُوهُ بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ خَصَّهُ بِمَزِيدِ الإكْرامِ، فَأمَّنَهُ مِنهُ وقالَ: لا تَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
الرّابِعُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يُعَيِّرُونَ يُوسُفَ وأخاهُ بِسَبَبِ أنَّ جَدَّهُما أبا أُمِّهِما كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وأنَّ أُمَّ يُوسُفَ أمَرَتْ يُوسُفَ فَسَرَقَ جُونَةً كانَتْ لِأبِيها فِيها أصْنامٌ رَجاءَ أنْ يَتْرُكَ عِبادَتَها إذا فَقَدَها؛ فَقالَ لَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِنَ التَّعْيِيرِ لَنا بِما كانَ عَلَيْهِ جَدُّنا. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وقَدْ مَضى الكَلامُ في الجَهازِ والرَّحْلِ، أمّا السِّقايَةُ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَشْرَبَةٌ يُسْقى بِها وهو الصُّواعُ قِيلَ: كانَ يُسْقى بِها المَلِكُ ثُمَّ جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وهو بَعِيدٌ لِأنَّ الإناءَ الَّذِي يَشْرَبُ المَلِكُ الكَبِيرُ مِنهُ لا يَصْلُحُ أنْ يُجْعَلَ صاعًا، وقِيلَ: كانَتِ الدَّوابُّ تُسْقى بِها ويُكالُ بِها أيْضًا وهَذا أقْرَبُ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: كانَتْ مُرَصَّعَةً بِالجَواهِرِ، وهَذا أيْضًا بَعِيدٌ لِأنَّ الآنِيَةَ الَّتِي يُسْقى الدَّوابُّ فِيها لا تَكُونُ كَذَلِكَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: كانَ ذَلِكَ الإناءُ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ، أمّا إلى هَذا الحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَلا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُقالُ: آذَنَهُ أيْ أعْلَمَهُ وفي الفَرْقِ بَيْنَ أذَّنَ وبَيْنَ آذَنَ وجْهانِ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أذَّنَ مَعْناهُ أعْلَمَ إعْلامًا بَعْدَ إعْلامٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ تَكْرِيرَ الفِعْلِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا واحِدًا مِن قَبِيلِ أنَّ العَرَبَ تَجْعَلُ فَعَّلَ بِمَعْنى أفْعَلَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: أذَّنْتُ وآذَنْتُ مَعْناهُ أعْلَمْتُ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، والتَّأْذِينُ مَعْناهُ النِّداءُ والتَّصْوِيتُ بِالإعْلامِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ قالَ أبُو الهَيْثَمِ: كُلُّ ما سُيِّرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: العِيرُ الإبِلُ خاصَّةً باطِلٌ، وقِيلَ: العِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ
صفحة ١٤٣
تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ: عِيرٌ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ وجَمْعُها فُعُلٌ كَسَقْفٍ وسُقُفٍ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ المُرادُ: أصْحابُ العِيرِ كَقَوْلِهِ: يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (وجَعَلَ السِّقايَةَ) عَلى حَذْفِ جَوابِ لَمّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ وجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ؛ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: هَلْ كانَ ذَلِكَ النِّداءُ بِأمْرِ يُوسُفَ أوْ ما كانَ بِأمْرِهِ ؟ فَإنْ كانَ بِأمْرِهِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ الحَقِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْ يَتَّهِمَ أقْوامًا ويَنْسُبَهم إلى السَّرِقَةِ كَذِبًا وبُهْتانًا ؟ وإنْ كانَ الثّانِي وهو أنَّهُ ما كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ فَهَلّا أنْكَرَهُ، وهَلّا أظْهَرَ بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ.
قُلْنا: العُلَماءُ ذَكَرُوا في الجَوابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أظْهَرَ لِأخِيهِ أنَّهُ يُوسُفُ قالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أحْبِسَكَ هَهُنا، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِهَذِهِ الحِيلَةِ فَإنْ رَضِيتَ بِها فالأمْرُ لَكَ؛ فَرَضِيَ بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِ ذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَتَألَّمْ قَلْبُهُ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ مِن أبِيهِ، إلّا أنَّهم ما أظْهَرُوا هَذا الكَلامَ، والمَعارِيضُ لا تَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.
والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ المُؤَذِّنَ رُبَّما ذَكَرَ ذَلِكَ النِّداءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ كَذِبًا.
الرّابِعُ: لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّهم نادُوا بِذَلِكَ النِّداءِ عَنْ أمْرِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلامُ - والأقْرَبُ إلى ظاهِرِ الحالِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم لَمّا طَلَبُوا السِّقايَةَ وما وجَدُوها وما كانَ هُناكَ أحَدٌ إلّا هم غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أخَذُوها ثُمَّ إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (تُفْقِدُونَ) مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتَهُ فَقِيدًا، قالُوا: نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ صُواعَ وصاعَ وصَوْعَ وصُوعَ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمِّها، والعَيْنُ مُعْجَمَةٌ وغَيْرُ مُعْجَمَةٍ. قالَ بَعْضُهم: جَمْعُ صُواعٍ صِيعانٌ، كَغُرابٍ وغِرْبانٍ، وجَمْعُ صاعٍ أصْواعٌ، كَبابٍ وأبْوابٍ. وقالَ آخَرُونَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الصّاعِ والصُّواعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ أبِي هُرَيْرَةَ: (قالُوا نَفْقِدُ صاعَ المَلِكِ) وقالَ بَعْضُهم: الصُّواعُ اسْمٌ، والسِّقايَةُ وصْفٌ، كَقَوْلِهِمْ: كُوزٌ وسِقاءٌ، فالكُوزُ اسْمٌ، والسِّقاءُ وصْفٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: الزَّعِيمُ هو المُؤَذِّنُ الَّذِي أذَّنَ. وتَفْسِيرُ زَعِيمٍ كَفِيلٌ. قالَ الكَلْبِيُّ: الزَّعِيمُ: الكَفِيلُ بِلِسانِ أهْلِ اليَمَنِ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ الكِسائِيِّ: زَعَمَتْ بِهِ تَزْعُمُ زَعْمًا وزَعامَةً. أيْ كَفَلَتْ بِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ، وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في قَوْلِهِ: «الزَّعِيمُ غارِمٌ»
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ كَفالَةٌ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ ؟
قُلْنا: حِمْلُ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم، فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ، إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ سَرِقَةٍ، وهو كَفالَةٌ بِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ، ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences