Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:73–80
12:73–75Page 244
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣
They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."
قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤
They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"
قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥
[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
قالَ البَصْرِيُّونَ: الواوُ في (واللَّهِ) بَدَلٌ مِنَ التّاءِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، فَضَعُفَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ في سائِرِ الأسْماءِ، وجُعِلَتْ فِيما هو أحَقُّ بِالقَسَمِ وهو اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: حَلَفُوا عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى أنَّهم ما جاءُوا لِأجْلِ الفَسادِ في الأرْضِ لِأنَّهُ ظَهَرَ مِن أحْوالِهِ امْتِناعُهم مِنَ التَّصَرُّفِ في أمْوالِ النّاسِ بِالكُلِّيَّةِ لا بِالأكْلِ ولا بِإرْسالِ الدَّوابِّ في مَزارِعِ النّاسِ، حَتّى رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَدُّوا أفْواهَ دَوابِّهِمْ لِئَلّا تَعْبَثَ في زَرْعٍ، وكانُوا مُواظِبِينَ عَلى أنْواعِ الطّاعاتِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فالفَسادُ في الأرْضِ لا يَلِيقُ بِهِ.
والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا سارِقِينَ، وقَدْ حَصَلَ لَهم فِيهِ شاهِدٌ قاطِعٌ، وهو أنَّهم لَمّا وجَدُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ حَمَلُوها مِن بِلادِهِمْ إلى مِصْرَ ولَمْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَها، والسّارِقُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ البَتَّةَ ثُمَّ لَمّا بَيَّنُوا بَراءَتَهم عَنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ قالَ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فَأجابُوا و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ يَسْتَعْبِدُونَ كُلَّ سارِقٍ بِسَرِقَتِهِ، وكانَ اسْتِعْبادُ السّارِقِ في شَرْعِهِمْ يَجْرِي مَجْرى وُجُوبِ القَطْعِ في شَرْعِنا، والمَعْنى جَزاءُ هَذا الجُرْمِ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ، أيْ ذَلِكَ الشَّخْصُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، والمَعْنى: أنَّ اسْتِعْبادَهُ هو جَزاءُ ذَلِكَ الجُرْمِ، قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: (جَزاؤُهُ) مُبْتَدَأٌ، و(مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ) خَبَرُهُ. والمَعْنى: جَزاءُ السَّرِقَةِ هو الإنْسانُ الَّذِي وُجِدَ في رَحْلِهِ السَّرِقَةُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ كَما تَقُولُ: جَزاءُ السّارِقِ القَطْعُ فَهو جَزاؤُهُ.
الثّانِي: أنْ يُقالَ: ﴿جَزاؤُهُ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ جُمْلَةٌ وهي في مَوْضِعِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ. والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو، إلّا أنَّهُ أقامَ المُضْمَرَ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ في البَيانِ وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:
لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ جَزاءُ الظّالِمِينَ يُرِيدُ إذا سَرَقَ اسْتُرِقَّ، ثُمَّ قِيلَ: هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ أُخْوَةِ يُوسُفَ. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ، فَقالَ أصْحابُ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .
12:76Page 244
فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦
So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1
صفحة ١٤٥
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا أقَرُّوا بِأنَّ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ فَجَزاؤُهُ أنْ يُسْتَرَقَّ، قالَ لَهُمُ المُؤَذِّنُ: إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ أمْتِعَتِكم، فانْصَرَفَ بِهِمْ إلى يُوسُفَ ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ.
والأوْعِيَةُ جَمْعُ الوِعاءِ، وهو كُلُّ ما إذا وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ أحاطَ بِهِ ﴿اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: (وُعاءِ أخِيهِ) بِضَمِّ الواوِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (إعاءِ أخِيهِ) فَقَلَبَ الواوَ هَمْزَةً.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَّرَ ضَمِيرَ الصُّواعِ مَرّاتٍ ثُمَّ أنَّثَهُ ؟
قُلْنا: قالُوا رَجَعَ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ إلى السِّقايَةِ وضَمِيرُ المُذَكَّرِ إلى الصُّواعِ أوْ يُقالُ: الصُّواعُ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جائِزًا، أوْ يُقالُ: لَعَلَّ يُوسُفَ كانَ يُسَمِّيهِ سِقايَةً، وعَبِيدَهُ صُواعًا، فَقَدْ وقَعَ فِيما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الكَلامِ سِقايَةً، وفِيما يَتَّصِلُ بِهِمْ صُواعًا.
عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ لا يَنْظُرُ في وِعاءٍ إلّا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تائِبًا مِمّا قَذَفَهم بِهِ، حَتّى إنَّهُ لَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا أخُوهُ، قالَ: ما أرى هَذا قَدْ أخَذَ شَيْئًا، فَقالُوا: لا نَذْهَبُ حَتّى تَتَفَحَّصَ عَنْ حالِهِ أيْضًا، فَلَمّا نَظَرُوا في مَتاعِهِ اسْتَخْرَجُوا الصُّواعَ مِن وِعائِهِ، والقَوْمُ كانُوا قَدْ حَكَمُوا بِأنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ، فَأخَذُوا بِرَقَبَتِهِ وجَرَوْا بِهِ إلى دارِ يُوسُفَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ كِدْنا لِيُوسُفَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ بِاسْتِرْقاقِ السّارِقِ، أيْ مِثْلُ هَذا الحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ إخْوَةُ يُوسُفَ حَكَمْنا لِيُوسُفَ.
الثّانِي: لَفْظُ (الكَيْدِ) مُشْعِرٌ بِالحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، إلّا أنّا ذَكَرْنا قانُونًا مُعْتَبَرًا في هَذا البابِ، وهو أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الألْفاظِ تُحْمَلُ عَلى نِهاياتِ الأغْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأغْراضِ، وقَرَّرْنا هَذا الأصْلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ (البَقَرَةِ: ٢٦) فالكَيْدُ: السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ ولا سَبِيلَ لَهُ إلى دَفْعِهِ، فالكَيْدُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالكَيْدِ هَهُنا، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ سَعَوْا في إبْطالِ أمْرِ يُوسُفَ، واللَّهُ تَعالى نَصَرَهُ وقَوّاهُ وأعْلى أمْرَهُ.
وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِن هَذا الكَيْدِ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى في قُلُوبِ إخْوَتِهِ أنْ حَكَمُوا بِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ هو أنْ يُسْتَرَقَّ، لا جَرَمَ لَمّا ظَهَرَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالِاسْتِرْقاقِ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَمَكُّنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إمْساكِ أخِيهِ عِنْدَ نَفْسِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ كانَ حُكْمُ المَلِكِ في السّارِقِ أنْ يُضْرَبَ ويَغْرَمَ ضِعْفَيْ ما سَرَقَ، فَما كانَ يُوسُفُ قادِرًا عَلى حَبْسِ أخِيهِ عِنْدَ نَفْسِهِ بِناءً عَلى دِينِ المَلِكِ وحُكْمِهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كادَ لَهُ ما جَرى عَلى لِسانِ إخْوَتِهِ أنَّ جَزاءَ السّارِقِ هو الِاسْتِرْقاقُ، فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ هَذا الكَلامَ تَوَسَّلَ بِهِ إلى أخْذِ أخِيهِ وحَبْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: (دَرَجاتٍ) بِالتَّنْوِينِ غَيْرَ مُضافٍ، والباقُونَ بِالإضافَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ هو أنَّهُ تَعالى يُرِيهِ وُجُوهَ الصَّوابِ في بُلُوغِ
صفحة ١٤٦
المُرادِ، ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ العُلُومِ، وأقْسامِ الفَضائِلِ، والمُرادُ هَهُنا هو أنَّهُ تَعالى رَفَعَ دَرَجاتِ يُوسُفَ عَلى إخْوَتِهِ في كُلِّ شَيْءٍ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ المَقاماتِ وأعْلى الدَّرَجاتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا هَدى يُوسُفَ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ والفِكْرَةِ مَدَحَهُ لِأجْلِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ وأيْضًا وصَفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ (الأنْعامِ: ٨٣) عِنْدَ إيرادِهِ ذِكْرَ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والبَراءَةِ عَنْ إلَهِيَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، ووَصَفَ هَهُنا يُوسُفَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ لَمّا هَداهُ إلى هَذِهِ الحِيلَةِ، وكَمْ بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ والمَعْنى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا عُلَماءَ فُضَلاءَ، إلّا أنَّ يُوسُفَ كانَ زائِدًا عَلَيْهِمْ في العِلْمِ.
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ لا بِالعِلْمِ فَقالُوا: لَوْ كانَ عالِمًا بِالعِلْمِ لَكانَ ذا عِلْمٍ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَحَصَلَ فَوْقَهُ عَلِيمٌ؛ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذا باطِلٌ.
واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا قالُوا: دَلَّتْ سائِرُ الآياتِ عَلى إثْباتِ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وهي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ (لُقْمانَ: ٣٤) و﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (النِّساءِ: ١٦٦) ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٥٥) ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ (فُصِّلَتْ: ٤٧) وإذا وقَعَ التَّعارُضُ فَنَحْنُ نَحْمِلُ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكَ الخَصْمُ بِها عَلى واقِعَةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ خاصَّةً؛ غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ يُوجِبُ تَخْصِيصَ العُمُومِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العالِمَ مُشْتَقٌّ مِنَ العِلْمِ، والمُشْتَقُّ مُرَكَّبٌ، والمُشْتَقُّ مِنهُ مُفْرَدٌ، وحُصُولُ المُرَكَّبِ بِدُونِ حُصُولِ المُفْرَدِ مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، فَكانَ التَّرْجِيحُ مِن جانِبِنا.
12:77Page 244
۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧
They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ الصُّواعُ مِن رَحْلِ أخِي يُوسُفَ نَكَسَ إخْوَتُهُ رُءُوسَهم وقالُوا: هَذِهِ الواقِعَةُ عَجِيبَةٌ أنَّ راحِيلَ ولَدَتْ ولَدَيْنِ لِصَّيْنِ، ثُمَّ قالُوا: يا بَنِي راحِيلَ ما أكْثَرَ البَلاءَ عَلَيْنا مِنكم ! فَقالَ بِنْيامِينُ: ما أكْثَرَ البَلاءَ عَلَيْنا مِنكم ! ذَهَبْتُمْ بِأخِي وضَيَّعْتُمُوهُ في المَفازَةِ، ثُمَّ تَقُولُونَ لِي هَذا الكَلامَ، قالُوا لَهُ: فَكَيْفَ خَرَجَ الصُّواعُ مِن رَحْلِكَ ؟ فَقالَ: وضَعَهُ في رَحْلِي مَن وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم.
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا لِلْمَلِكِ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَيْسَ بِغَرِيبٍ مِنهُ فَإنَّ أخاهُ الَّذِي هَلَكَ كانَ أيْضًا سارِقًا، وكانَ غَرَضُهم مِن هَذا الكَلامِ أنّا لَسْنا عَلى طَرِيقَتِهِ ولا عَلى سِيرَتِهِ، وهو وأخُوهُ مُخْتَصّانِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ لِأنَّهُما مِن أُمٍّ أُخْرى، واخْتَلَفُوا في السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أقْوالٍ:
الأوَّلُ:
صفحة ١٤٧
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ جَدُّهُ أبُو أُمِّهِ كافِرًا يَعْبُدُ الأوْثانَ فَأمَرَتْهُ أُمُّهُ بِأنْ يَسْرِقَ تِلْكَ الأوْثانَ ويَكْسِرَها، فَلَعَلَّهُ يَتْرُكُ عِبادَةَ الأوْثانِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَذا هو السَّرِقَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْرِقُ الطَّعامَ مِن مائِدَةِ أبِيهِ ويَدْفَعُهُ إلى الفُقَراءِ، وقِيلَ: سَرَقَ عَناقًا مِن أبِيهِ ودَفَعَهُ إلى المِسْكِينِ، وقِيلَ: دَجاجَةٌ.
والثّالِثُ: أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَأرادَتْ أنْ تُمْسِكَهُ عِنْدَ نَفْسِها، وكانَ قَدْ بَقِيَ عِنْدَها مِنطَقَةٌ لِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِها، فَشَدَّتْها عَلى وسَطِ يُوسُفَ، ثُمَّ قالَتْ بِأنَّهُ سَرَقَها، وكانَ مِن حُكْمِهِمْ بِأنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ، فَتَوَسَّلَتْ بِهَذِهِ الحِيلَةِ إلى إمْساكِهِ عِنْدَ نَفْسِها.
والرّابِعُ: أنَّهم كَذَبُوا عَلَيْهِ وبَهَتُوهُ وكانَتْ قُلُوبُهم مَمْلُوءَةً بِالغَضَبِ عَلى يُوسُفَ بَعْدَ تِلْكَ الوَقائِعِ، وبَعْدَ انْقِضاءِ تِلْكَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وهَذِهِ الواقِعَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قَلْبَ الحاسِدِ لا يَطْهُرُ عَنِ الغِلِّ البَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ عَلى قَوْلَيْنِ:
قالَ الزَّجّاجُ: فَأسَرَّها إضْمارٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، تَفْسِيرُهُ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وإنَّما أُنِّثَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ لِأنَّهم يُسَمُّونَ الطّائِفَةَ مِنَ الكَلامِ كَلِمَةً كَأنَّهُ قالَ: فَأسَرَّ الجُمْلَةَ أوِ الكَلِمَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَأسَرَّ) بِالتَّذْكِيرِ يُرِيدُ القَوْلَ أوِ الكَلامَ، وطَعَنَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في هَذا الوَجْهِ فِيما اسْتَدْرَكَهُ عَلى الزَّجّاجِ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ: الإضْمارُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يَكُونُ عَلى ضَرْبَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ كَقَوْلِنا: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ، فَفي نِعْمَ ضَمِيرُ فاعِلِها، ورَجُلًا تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الفاعِلِ المُضْمَرِ.
والآخَرُ أنْ يُفَسَّرَ بِجُمْلَةٍ، وأصْلُ هَذا يَقَعُ في الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٧) و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ (الإخْلاصِ: ١) والمَعْنى: القِصَّةُ شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، والأمْرُ اللَّهُ أحَدٌ. ثُمَّ إنَّ العَوامِلَ الدّاخِلَةَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ تَدْخُلُ عَلَيْهِ أيْضًا نَحْوَ (إنَّ) كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ (طه: ٧٤) ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ (الحَجِّ: ٤٦) .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نَفْسُ المُضْمَرِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ في كِلا القِسْمَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي حَصَلَ مِنها الإضْمارُ، ولا يَكُونُ خارِجًا عَنْ تِلْكَ الجُمْلَةِ ولا مُبايِنًا لَها، وهَهُنا التَّفْسِيرُ مُنْفَصِلٌ عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي حَصَلَ مِنها الإضْمارُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْسُنَ.
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ، ولَوْ قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أضْمَرَ هَذا الكَلامَ لَكانَ قَوْلُهُ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ كَذِبًا.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الطَّعْنَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن حُسْنِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ قُبْحُ قِسْمٍ ثالِثٍ.
وأمّا الثّانِي: فَلِأنّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها﴾ عائِدٌ إلى الإجابَةِ كَأنَّهم قالُوا: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ فَأسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في نَفْسِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولَمْ يُبْدِها لَهم في تِلْكَ الحالَةِ إلى وقْتٍ ثانٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إضْمارًا لِلْمَقالَةِ.
والمَعْنى: أسَرَّ يُوسُفُ مَقالَتَهم، والمُرادُ مِنَ المَقالَةِ مُتَعَلِّقُ تِلْكَ المَقالَةِ كَما يُرادُ بِالخَلْقِ المَخْلُوقُ وبِالعِلْمِ المَعْلُومُ، يَعْنِي أسَرَّ يُوسُفُ في نَفْسِهِ كَيْفِيَّةَ تِلْكَ السَّرِقَةِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهم
صفحة ١٤٨
أنَّها كَيْفَ وقَعَتْ، وأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يُوجِبُ الذَّمَّ والطَّعْنَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: لِأجْلِ هَمِّهِ بِها عُوقِبَ بِالحَبْسِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (يُوسُفَ: ٤٢) عُوقِبَ بِالحَبْسِ الطَّوِيلِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ (يُوسُفَ: ٧٠) عُوقِبَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يُوسُفَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: أنْتُمْ شَرٌّ مَنزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن ظُلْمِ أخِيكم وعُقُوقِ أبِيكم؛ فَأخَذْتُمْ أخاكم وطَرَحْتُمُوهُ في الجُبِّ، ثُمَّ قُلْتُمْ لِأبِيكم إنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وأنْتُمْ كاذِبُونَ، ثُمَّ بِعْتُمُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَعْدَ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ والزَّمانِ المُمْتَدِّ ما زالَ الحِقْدُ والغَضَبُ عَنْ قُلُوبِكم فَرَمَيْتُمُوهُ بِالسَّرِقَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ يُرِيدُ أنَّ سَرِقَةَ يُوسُفَ كانَتْ رِضًا لِلَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في سَرِقَتِهِ لا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنها عَوْدَ الذَّمِّ واللَّوْمِ إلَيْهِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وصَفْتُمُوهُ بِهِ هَلْ يُوجِبُ عَوْدَ مَذَمَّةٍ إلَيْهِ أمْ لا.
12:78–79Page 244
قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨
They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."
قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩
He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم بَعْدَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ أحَبُّوا مُوافَقَتَهُ والعُدُولَ إلى طَرِيقَةِ الشَّفاعَةِ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا قَدِ اعْتَرَفُوا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في السّارِقِ أنْ يُسْتَعْبَدَ، إلّا أنَّ العَفْوَ وأخْذَ الفِداءِ كانَ أيْضًا جائِزًا، فَقالُوا: يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا أيْ في السِّنِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في القَدْرِ والدِّينِ، وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّ كَوْنَهُ ابْنًا لِرَجُلٍ كَبِيرِ القَدْرِ يُوجِبُ العَفْوَ والصَّفْحَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْبادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَلى طَرِيقِ الرَّهْنِ حَتّى نُوصِلَ الفِداءَ إلَيْكَ.
ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ.
وثانِيها: إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا حَيْثُ أكْرَمْتَنا وأعْطَيْتَنا البَذْلَ الكَثِيرَ، وحَصَّلْتَ لَنا مَطْلُوبَنا عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، ورَدَدْتَ إلَيْنا ثَمَنَ الطَّعامِ.
وثالِثُها: نُقِلَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اشْتَدَّ القَحْطُ عَلى القَوْمِ ولَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعامَ، وكانُوا يَبِيعُونَ أنْفُسَهم مِنهُ فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِصَيْرُورَةِ أكْثَرِ أهْلِ مِصْرَ عَبِيدًا لَهُ ثُمَّ إنَّهُ أعْتَقَ الكُلَّ، فَلَعَلَّهم قالُوا: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى عامَّةِ النّاسِ بِالإعْتاقِ فَكُنْ مُحْسِنًا أيْضًا إلى هَذا الإنْسانِ بِإعْتاقِهِ مِن هَذِهِ المِحْنَةِ، فَقالَ يُوسُفُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ آخُذَ بَرِيئًا بِمُذْنِبٍ، قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ ”أنْ“ نَصْبٌ والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أخْذِ أحَدٍ بِغَيْرِهِ، فَلَمّا سَقَطَتْ كَلِمَةُ ”مِن“ انْتَصَبَ الفِعْلُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ لَقَدْ تَعَدَّيْتُ وظَلَمْتُ إنْ آذَيْتُ إنْسانًا بِجُرْمٍ صَدَرَ عَنْ غَيْرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الواقِعَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تَزْوِيرٌ وكَذِبٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ
صفحة ١٤٩
رِسالَتِهِ الإقْدامُ عَلى هَذا التَّزْوِيرِ والتَّرْوِيجِ وإيذاءِ النّاسِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ لا سِيَّما ويَعْلَمُ أنَّهُ إذا حَبَسَ أخاهُ عِنْدَ نَفْسِهِ بِهَذِهِ التُّهْمَةِ فَإنَّهُ يَعْظُمُ حُزْنُ أبِيهِ ويَشْتَدُّ غَمُّهُ ؟ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ المَعْصُومِ المُبالَغَةُ في التَّزْوِيرِ إلى هَذا الحَدِّ ؟
والجَوابُ: لَعَلَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ عَلى يَعْقُوبَ، ونَهاهُ عَنِ العَفْوِ والصَّفْحِ وأخْذِ البَدَلِ كَما أمَرَ تَعالى صاحِبَ مُوسى بِقَتْلِ مَن لَوْ بَقِيَ لَطَغى وكَفَرَ.
12:80Page 245
فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠
So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ (يُوسُفَ: ٧٨) وهو نِهايَةُ ما يُمْكِنُهم بَذْلُهُ فَقالَ يُوسُفُ في جَوابِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ فانْقَطَعَ طَمَعُهم مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في رَدِّهِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ وهو مُبالَغَةٌ في يَأْسِهِمْ مِن رَدِّهِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيْ: تَفَرَّدُوا عَنْ سائِرِ النّاسِ يَتَناجَوْنَ، ولا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ يَتَشاوَرُونَ ويَتَحَيَّلُونَ الرَّأْيَ فِيما وقَعُوا فِيهِ، لِأنَّهم إنَّما أخَذُوا بِنْيامِينَ مِن أبِيهِمْ بَعْدَ المَواثِيقِ المُؤَكَّدَةِ وبَعْدَ أنْ كانُوا مُتَّهَمِينَ في حَقِّ يُوسُفَ، فَلَوْ لَمْ يُعِيدُوهُ إلى أبِيهِمْ؛ لَحَصَلَتْ مِحَنٌ كَثِيرَةٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَعُودُوا إلى أبِيهِمْ وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَبَقاؤُهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أحَدٍ مِن أوْلادِهِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ.
وثانِيها: أنَّ أهْلَ بَيْتِهِمْ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى الطَّعامِ أشَدَّ الحاجَةِ.
وثالِثُها: أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبَّما كانَ يَظُنُّ أنَّ أوْلادَهُ هَلَكُوا بِالكُلِّيَّةِ وذَلِكَ غَمٌّ شَدِيدٌ، ولَوْ عادُوا إلى أبِيهِمْ بِدُونِ بِنْيامِينَ لَعَظُمَ حَياؤُهم؛ فَإنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُوهِمُ أنَّهم خانُوهُ في هَذا الِابْنِ كَما أنَّهم خانُوهُ في الِابْنِ الأوَّلِ، ولَكانَ يُوهِمُ أيْضًا أنَّهم ما أقامُوا لِتِلْكَ المَواثِيقِ المُؤَكَّدَةِ وزْنًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المَوْضِعَ مَوْضِعُ فِكْرَةٍ وحَيْرَةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّفاوُضَ والتَّشاوُرَ طَلَبًا لِلْأصْلَحِ الأصْوَبِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (اسْتَيَسُوا) و(حَتّى إذا اسْتَيَسَ الرُّسُلُ) بِغَيْرِ هَمْزٍ.
وفِي يَيْئَسُ لُغَتانِ: يَئِسَ ويَيْأسُ؛ مِثْلُ حَسِبَ ويَحْسَبُ، ومَن قالَ: اسْتَأْيَسَ قَلَبَ العَيْنَ إلى مَوْضِعِ الفاءِ؛ فَصارَ اسْتَعْفَلَ، وأصْلُهُ اسْتَيْأسَ، ثُمَّ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ.
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اسْتَيْأسُوا يَئِسُوا، وزِيادَةُ السِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَصُوا﴾ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ: خَلَصَ الشَّيْءُ يَخْلُصُ خُلُوصًا إذا ذَهَبَ عَنْهُ الشّائِبُ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: خَلَصُوا أيِ انْفَرَدُوا، ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم.
والثّانِي: قالَ الباقُونَ: تَمَيَّزُوا عَنِ الأجانِبِ، وهَذا هو الأظْهَرُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿نَجِيًّا﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: النَّجِيُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ يَكُونُ بِمَعْنى النّاجِي كالعَشِيرِ والسَّمِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ والمُسامِرِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾
صفحة ١٥٠
(مَرْيَمَ: ٥٢) وبِمَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي هو التَّناجِي كَما قِيلَ: النَّجْوى بِمَعْنى المُتَناجِينَ، فَعَلى هَذا مَعْنى ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا عَنِ النّاسِ خالِصِينَ لا يُخالِطُهم سِواهم ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ مُناجِيًا. رُوِيَ (نَجْوى) أيْ فَوْجًا (نَجِيًّا) أيْ: مُناجِيًا لِمُناجاةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأحْسَنُ الوُجُوهِ أنْ يُقالَ: إنَّهم تَمَحَّضُوا تَناجِيًا، لِأنَّ مَن كَمُلَ حُصُولُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فِيهِ؛ وُصِفَ بِأنَّهُ صارَ غَيْرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَمّا أخَذُوا في التَّناجِي عَلى غايَةِ الجِدِّ؛ صارُوا كَأنَّهم في أنْفُسِهِمْ، صارُوا نَفْسَ التَّناجِي حَقِيقَةً.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ فَقِيلَ: المُرادُ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ، وقِيلَ: كَبِيرُهم في العَقْلِ وهو يَهُودا، وهو الَّذِي نَهاهم عَنْ قَتْلِ يُوسُفَ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ هَذا الكَبِيرِ أنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمّا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ غَضِبَ يَهُودا، وكانَ إذا غَضِبَ وصاحَ؛ فَلا تَسْمَعُ صَوْتَهُ حامِلٌ إلّا وضَعَتْ، ويَقُومُ شَعْرُهُ عَلى جَسَدِهِ فَلا يَسْكُنُ حَتّى يَضَعَ بَعْضُ آلِ يَعْقُوبَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِبَعْضِ إخْوَتِهِ: اكْفُونِي أسْواقَ أهْلِ مِصْرَ وأنا أكْفِيكُمُ المَلِكَ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ: مِسَّهُ ! فَمَسَّهُ؛ فَذَهَبَ غَضَبُهُ، وهَمَّ أنْ يَصِيحَ فَرَكَضَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ رِجْلَهُ عَلى الأرْضِ وأخَذَ بِمَلابِسِهِ، وجَذَبَهُ فَسَقَطَ، فَعِنْدَهُ قالَ: يا أيُّها العَزِيزُ، فَلَمّا أيِسُوا مِن قَبُولِ الشَّفاعَةِ تَذاكَرُوا وقالُوا: إنَّ أبانا قَدْ أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا عَظِيمًا مِنَ اللَّهِ، وأيْضًا نَحْنُ مُتَّهَمُونَ بِواقِعَةِ يُوسُفَ، فَكَيْفَ المَخْلَصُ مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ فِيها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن قَبْلِ هَذا فَرَّطْتُمْ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ، وهو مِن قَبْلُ، ومَعْناهُ وقَعَ مِن قَبْلُ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ.
الثّالِثُ: النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم مَوْثِقَكم وتَفْرِيطَكم مِن قَبْلُ في يُوسُفَ.
الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً بِمَعْنى ومِن قَبْلِ هَذا ما فَرَّطْتُمُوهُ أيْ: قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ مِنَ الخِيانَةِ العَظِيمَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ والنَّصْبُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي في الِانْصِرافِ إلَيْهِ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالخُرُوجِ مِنها أوْ بِالِانْتِصافِ مِمَّنْ أخَذَ أخِي أوْ بِخَلاصِهِ مِن يَدِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ والحَقِّ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ ظُهُورُ عُذْرٍ يَزُولُ مَعَهُ حَياؤُهُ وخَجَلُهُ مِن أبِيهِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ انْقِطاعًا إلى اللَّهِ تَعالى في إظْهارِ عُذْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences